التوحيد و العدل: (وفيها مناقشة حول مسألة الرؤية)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بلال النجار
    مـشـــرف
    • Jul 2003
    • 1128

    #16
    بسم الله الرحمن الرحيم،
    الأخ الفاضل الزيدي،
    السلام عليكم،
    قولك: (قد سألتك عن مرادكم بالقدر الزائد على العلم حتى تبينوا لنا الفرق بين الرؤية التي تثبتونها وبين العلم.)
    أقول: وقد بيناه.
    قولك: (هذا تماما ما أعتقده فالأمر الوحيد الذي يميز الرؤية عن العلم هو ارتسام صورة المرئي فى ذهن الرائي.)
    أقول: أنا لم أسلم لك أن ارتسام الصورة هو الأمر الوحيد الزائد والمميز للرؤية عن العلم في مطلق الرؤية، بل هذا الكلام يصح في رؤية الجسم والجسماني خاصة، وكلامي الذي نقلتَه ههنا يشرح استشكالك لزيادة الرؤية على العلم في غير الجسم والجسماني. وتمام كلامي يثبت جواز حصول زيادة علمية خاصة هي الرؤية على العلم، وتلك الزيادة العلمية ليست صورة ترتسم في الذهن عند الكلام في رؤية الإله تعالى. فأرجو أن تقرأ كلامي مرة أخرى.

    قولك: (لا مانع من حصول حالة مخصوصة علمية زائدة على علمنا لشيء مجرد عن المادة فى النفس، ونحن نعتقد حصول معرفة ضرورية بالله تعالى للمؤمنين، فما الفرق بين هذه المعرفة الضرورية التي نثبتها وبين هذه الحالة التي تسمونها بالرؤية؟)
    أقول: الفرق أننا نسميها رؤية، وأنتم لا تسمونها رؤية وحتى هذه اللحظة هذا الفرق لفظي. ولكنكم لما لم تعتقدوا بأن معنى الرؤية عام يدخل فيه رؤية المجرد عن المادة، وتنكرون استخدام الكلمة في التعبير عن هذه الحال العلمية المخصوصة في حق الله تعالى صار الفرق معنوياً. والفرق أيضاً أننا لا نسلم أنكم تقولون إنها ضرورية لتصريحكم بالتأمل المنافي للضرورة. وأيضاً لأنه يلزمكم على تفسيركم للرؤية بالعلم الضروري الحاصل يوم القيامة بسبب معاينة أحداثها أن يجوز حصولها لغير المؤمنين. وذكرت لك فيما مضى من الكلام فروقاً أخرى فارجع إليها. وإن الرؤية معناها إراءة الله لنا إياه، وهو فعل يحدثه الله تعالى في نفوسنا بإرادته القديمة وقدرته، ولا يصح إثبات هذا المعتقد لكل من نفى الإرادة القديمة عن الله تعالى، لأن الفعل لا يصدر إلا عن عالم قادر مريد. ومثلها كثير من العقايد الإسلامية كما دأب شيخنا الفاضل في التنبيه على أنها لا تصح إلا على مذهب أهل السنة، وبناء العقايد على بعضها. وربما يزداد هذا الأمر جلاء إذا واصلنا الحديث في المسائل الخلافية الأخرى التي بيننا.

    قولك: (نحن قررنا فى البدء أن الخلاف لفظي وكنت أنت المعترض على ذلك، فكيف تدعونا الآن إلى القول بأن الخلاف بيننا وبين محققيكم لفظي؟!) وقولك: (وهذا هو ما نعتقده أن المؤمنين ستحصل لهم معرفة ضرورية بالله تعالى، ففيم النزاع إذن؟ ولماذا لا تقر بأن الخلاف بيننا لفظي؟)

    أقول: أنا دعوتكم إلى إطلاق القول بجواز الرؤية التزاماً بالأخبار المستفيضة غير المعارضة للعقل، لا إلى اعتبار الخلاف بيننا لفظياً، فارجع لكلامي. ولا يخفى عليك أنه فرق كبير بين أن أبوب على أن رؤية الله تعالى مستحيلة وما فيه من تحد صارخ للشرع. وبين أن أبوب على أن رؤية الله واقعة للمؤمنين في الآخرة، ثم أنبه على أنها بلا كيف ولا إحاطة ولا كرؤيتنا المعتادة للأجسام والجسمانيات. واعلم أني ما زلت أعتقد أن الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة ومن تابعهم في مسألة الرؤية ليس لفظيّاً بل معنوياً حقيقياً.

    قولك: (أما حديث الرؤية فنحن نحمل الرؤية الواردة فى الأخبار على العلم ولا ننكر من أخبار الرؤية إلا ما كان صريحاً في التجسيم كرواية (يأتيهم الله فى صورة غير التي يعرفونها) التي أخرجها البخاري..)
    أقول: حديث البخاري رضي الله عنه (فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون)، وكثر الكلام فيه. وإن ثبت فتحمل الصورة على الصفة كما قاله البيهقي. وذكر ابن حجر قول ابن التين صورة الاعتقاد، والخطابي الكلام على مشاكلة ما تقدم من ذكر الشمس والقمر والطواغيت، وقالوا علامة، وقالوا ملك ينكرون ما رأوه منه من صفه المخلوق وقالوا غير ذلك فانظره هناك. وقطع ابن الأثير في غريب الحديث أن الصورة تجيء في لغة العرب بمعنى الصفة، وما نسب إلى الله تعالى من لفظ الصورة في الحديث فهو الصفة. كما جاء في الحديث أنه أتاه (في أحسن صورة) وقال ويجوز أن يعود المعنى على حال النبي صلى الله عليه وسلم أي وأنا في أحسن صورة. وفي القاموس: وتستعمل الصورة بمعنى النوع والصفة. ولم يزد في اللسان على نقل كلام ابن الأثير بتمامه الذي نقلنا منه ههنا قطعة. وفي فروق أبي هلال العسكري الصورة اسم يقع على جميع هيئات الشيء لا على بعضها، ويقع أيضاً على ما ليس بهيئة، ألا ترى أنه يقال صورة الأمر كذا.
    والمعنى أن منهج أهل السنة لا يرد الحديث إلا بعلل تقتضي رده. فإن صح الخبر وكان له محمل لا ينافي القواطع العقلية والشرعية فكيف نرّده. ومع هذا لا نقول إن لله صورة حاشاه لأن هذا الكلام بلا سياق يفهم منه صفته، فيظهر منه معنى ما له شكل وهيئة وحدود تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقد بالغ بعض المنتسبين إلى الأشعرية في زماننا في نفي الرؤية لتوهمه أنها يثبت بها لله تعالى صفة الحادث، وردّ كل أثر وحديث ورد فيها، وهو ليس من منهج أهل السنة في شيء. وقد مرّ ما دوّنه في كتابه من أخبار على فحول العلماء ممن لا يبلغ عشر معشارهم في العلم والتقى ولم نر منهم هذه الجرأة. وإن مذهبنا ليلتزم أقصى درجات الحذر وأقصى درجات الأدب عند التعامل مع الأخبار. والعلماء يعملون في النصوص آلات الفهم، وقواعد النقد ويحمل واحدهم الفكرة عشرة أشهر يرددها بين جوانحه ويتأملها وهي تنضج، ثم يعيش آلام مخاضها بصبر وأناة وهو ينثرها على الورق ويقدمها للناس ممهورة بسهر الليالي. وأدب العلماء في التعامل مع القرآن الكريم والحديث الشريف تؤلف فيه الكتب المطولة. هذا هو مذهب أهل السنة، ومن لم تعجبه طريقتهم ولا توافق هواه فليتخذ له مذهباً آخر لا يأبه بهذا الأمر.
    قولك: (أما إطلاق القول بجواز الرؤية فلا نطلقه إلا مع بيان أن المراد بالرؤية العلم حتى لا يتبادر إلى الذهن معنى الرؤية البصرية)
    أقول: هذا لا يبرر عدم إطلاقكم القول بجواز الرؤية ووقوعها لأهل الجنة، ولستم بأحرص من الشارع من أن يقع الناس في توهم المعاني الباطلة. ولا نسلم أن من تكيفت نفسه بقضايا الإيمان الصحيح أنه يتبادر له المعاني الباطلة.
    قولك: (رؤية الله تعالى حق لأهل الجنة من غير إحاطة ولا كيفية كما جاء في الأخبار، وتفسيرها: المعرفة الضرورية بالله تعالى).
    أقول: وكان هذا منتهى أملي، ألا ترى أخي الفاضل الفرق العظيم بين قولك هذه العبارة الرائقة التي يلفها نور الحق والشرع، وبين قولك في أول كلامك: (ويعتقد الزيدية أن الله تعالى لا يرى فى الدنيا والآخرة) وهو كلام شنيع هكذا على إطلاقه. وهذا أول ما حملني على خوض النقاش معك. والسبب الثاني أني أحببت أن أوضح أن قول بعض علمائنا أن الرؤية في تحصل بعيون الرؤوس مع قولهم إنها بلا كيف كلام معقول ولا يتنافى مع قول البعض إن الرؤية علم ضروري خاص كما بينته في رسالتي السابقة. وإني قرأت مبحث الرؤية في كلام معظم سلسلة أئمة المذهب الأشعري، وقرأته في كتب عدد من علماء الأحناف، وهم على اختلاف عباراتهم مجمعون على أصول في هذه المسألة، ولا أجد أن كلام المتأخرين ينافي كلام المتقدمين، وكله على أصل واحد وميزان من الاعتدال. وغير ذلك مما دفعني للكتابة بسطته أو أشرت إليه في ثنايا الكلام ليتنبه إليه اللبيب الأريب.
    وإذ بلغنا وإياك هذا الموضع، فإني والحمد لله راض ولا أرغب في أن أزيد في الكلام على الرؤية بعد هذا المحل من الاتفاق إلا أن تريد أن تتعمق في دراسة التفاصيل. ودعني أمتدح صبرك وجلدك على المتابعة، وهو نادر هذه الأيام، ولم يواصل معي قبلك النقاش أحد ممن ناقشتهم في هذا المنتدى. وأعجبني فيك روحك الثابتة وتواضعك وأدبك واطلاعك. وإنا نحب أن تعرّفنا بك، ولعلك تراسلنا إن كنت لا تحب الإفصاح عن هويتك في علن نادينا. والله تعالى يوفقك لما يحب ويرضى. وأحب أن نواصل الكلام في المسائل الأخرى التي تطرقت إليها. فإن لم يكن لديك مانع، فإما أن تبدأ أنت باختيار مسألة والكلام فيها وإلا بدأت أنا بعد أن تصرح برغبتك في ذلك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    والحمد لله رب العالمين.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

    تعليق

    • الزيدى
      موقوف لأسباب إدارية
      • Oct 2003
      • 11

      #17
      بسمه تعالى

      افدت شيخنا بلال رعاك الله , و قد اكتفيت بهذا القدر من البحث فى مسالة الرؤية , و انتظر تعليقكم على غيرها من المسائل لاستفيد .

      و دمتم فى حفظ الله و رعايته .
      البصيرة ثم القتال

      تعليق

      • أحمد على على
        طالب علم
        • Apr 2010
        • 22

        #18


        جزاكم الله خيرا على الحوار الهادىء القيم...

        الأخ الافضل الشيخ بلال النجار قلت


        "وبناء على هذا نقول إن الله تعالى عالم، وسميع وبصير، بلا عين ولا أذن ولا أدوات وأعضاء، وليس في ذلك أي استحالة. وكذلك يمكن أن يخلق الله تعالى رؤيته فينا مباشرة بلا توقف على عين ولا إشعاع ولا مقابلة ولا أي شرط تتوقف عليه الرؤية عادة" .....فهل العين شرط الرؤية أو محلها عند أهل السنة أم يجوز أن تكون محلها القلب أو الروح بلا أداة وبحيث يحصل بها معرفة بالله فوق العلم به؟.

        ثانيا الأخ زيدى يقول: "و لا ننكر من اخبار الرؤية الا ما كان صريحا فى التجسيم كرواية ( ياتيهم الله فى صورة غير التى يعرفونها) التى اخرجها البخارى" .

        فما تأويل أهل السنة لمثل هذا الحديث؟.

        والسلام علبكم.

        تعليق

        • أحمد على على
          طالب علم
          • Apr 2010
          • 22

          #19
          جزاك الله خيرا يا شيخنا الفاضل فهمت هذه المسألة جيدا على مذهب أهل السنة ولم أعد بحاجة لزيادة فى ذلك ولكن لى تسأؤلات أخرى بمواضع مختلفة.....يخلق الله ادراكا بأعيننا يوم القيامة يسمى رؤية تزداز بها معرفتنا به فوق العلم به.

          تعليق

          يعمل...