[ALIGN=RIGHT]رسالة في التحسين والتقبيح
فيها رد على نشرة لأحد علماء الشيعة الإمامية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وبعد :
فهذه رسالة في بيان قول الاشاعره في (التحسين والتقبيح ) كتبتها ردا على رسالة تحمل هذا العنوان قام بنشرها بعض الشيعه اخذا عن موقع للانترنت يشتمل على مسائل للشيعه يخالفون بها غيرهم خاصة اهل السنه والجماعه .
من المعروف ان التحسين والتقبيح من المسائل العقائديه الاصليه التي قال بها المعتزله ووافقهم عليها الشيعه وقد بنوا عليها جميعا كثيرا من الاصول العقائديه كوجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على الله تعالى ووجوب الصلاح والاصلح وبناء عليها قال الشيعه بوجوب تنصيب الامام على الله تعالى ووجوب عصمة الائمه وغيبة الامام القائم وغير ذلك .
وهذه المساله كما هو ظاهر مرتبطة بارادة الله تعالى ووجوب شيء عليه, فاهل السنة والجماعة على انه لا يجب في حقه تعالى شيء بل يثبتون له تعالى كمال الاراده والاختيار ف
كان وما لم يشأ لم يكن له الملك والملكوت والعزة والجبروت له السلطان والقهر والخلق والامر هو المبدى المعيد الفعال لما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسالون فيجوز في حقه تعالى فعل كل ممكن او تركه ولا يجب عليه تعالى اثابة المطيع كما لايجب عليه عقاب الكافر فليست الطاعة علة في الثواب على الله تعالى وليست المعصيه موجبه للعقاب فلو شاء الله تعالى ان يعاقب كل اهل الارض لفعل ولو اراد ان يثيبهم جميعا لفعل وانما اختص المؤمن بالثواب والكافر بالعقاب بمحض ارادته تعالى واختياره لا بسبب عقلي اقتضى ذلك قال القاضي ابو بكر الباقلاني في الانصاف توضيحا لهذا المعنى ( ويجب ان يعلم ان الطاعة ليست بعلة الثواب ولا المعصيه علة العقاب ولا يجب على الله شيء بل الثواب وما انعم به على العبد فضل منه والعقاب عدل منه ويجب على العبد ما اوجبه الله تعالى عليه ولا موجب ولا واجب على الله تعالى , الحسن ما وافق الامر من الفعل والقبيح ما وافق النهي من الفعل وانما وعد الله سبحانه بالثواب وواعد بالعقاب وقوله الحق ووعده الصدق فنصب الطاعات امارة على الفوز بالدرجات , والمعاصي امارة على التردي في الهلكات وكل ذلك امارة للخلق بعضهم على بعض لا له سبحانه وتعالى فانه عالم بالاشياء قبل كونها )
واما المعتزله والشيعه فقالوا بوجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على الله تعالى لان ترك ذلك قبيح لا يليق بالخالق تعالى .
والجواب ان الحسن والقبح انما يوصف بهما افعال العباد , وتطبيق ذلك على افعاله تعالى انما هو من باب التشبيه أي تشبيه افعال الخالق بافعال المخلوقات والله تعالى يقول ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) بل كل ما فعله الله تعالى فهو حسن وهو عين الحكمه , فالحكمه تابعة لافعاله تعالى لازمة عنها تدور معها حيثما دارت فلا يتصور ان ينسب القبيح الى افعاله تعالى اواحكامه حتى يجب تنزيهه تعالى عنها .فالمشبه كما شبهوا ذات الله تعالى بالمخلوقات فكذلك الشيعه والمعتزله شبهوا افعاله تعالى بافعال المخلوقات وهذه الدقيقه لم يتنبه اليها هؤلاء فوقعوا في كثير من الاشكالات حتى ان كثيرا من الاعتراضات التي اوردوها على اهل السنه والجماعه مبناها على عدم التفريق بين افعال الله تعالى وبين افعال العباد ولا جرم ان الشيء قد يكون قبيحا في الشاهد ولا يلزم منه ان يكون كذلك في الغائب للقطع بانه لا يقبح من الله تعالى تمكين العبد من المعاصي ويقبح منا .
ولتوضيح راي الاشاعره لا بد من التفريق بين افعال الله تعالى وبين افعال العباد , كما لا بد من التفريق بين معاني الحسن والقبح , فالحسن والقبح يطلق على الافعال باعتبارات ثلاث
الاول :موافقة الغرض او مخالفته فكل ما وافق الغرض وكان يؤدي الى منفعة فهو حسن وكل ما خالف الغرض وكان يؤدي الى مفسدة فهو قبيح .
الثاني :استحقاق المدح او الذم , فكل فعل يقتضي استحقاق فاعله المدح فهو حسن وكل فعل يقتضي الذم فهو قبيح .
الثالث :ما لا حرج في فعله .
فالاشاعره يقولون بثبوت الحسن والقبح بالنسبة الى افعال العباد خاصة بالمعاني الثلاثة وبقدرة العقل على ادراكها كذلك من غير توقف على الشرع او بعثة نبي من الانبياء , فان بداهة العقل جازمة بان العقلاء اعتادوا تحسين بعض الافعال والامر بها والحث عليها والثناء على فاعلها(1) كما اعتادوا تقبيح بعضها والنهي عنها وذم فاعلها . وهذا حال الناس قبل ورود الشرائع وبعدها وهذا مما لا يتصور فيه نزاع , فالقول بنفي الحسن والقبح مطلقا في افعال العباد قول الجبريه وبعض الفلاسفه خلافا للاشاعره والمعتزله والماتريديه كما حققه الامام الرازي .
لكن الحسن والقبح وان كانا ثابتين للافعال في نفس الامر الا انهما ليسا ثابتين للأفعال لذاتها أو لصفة لازمة لذاتها وانما يثبتان للأفعال باعتبار العوارض الخارجية التي تعرض لها حتى أننا لو جردنا أفعال العباد عن العوارض الخارجية مطلقاً وما يترتب عليها من المصالح أو المفاسد التي تعود على الشخص أو الوضع العام وبعد أن نجرد طباعنا المسبقة عن الأشياء
الحاصلة عن الممارسة والإلف والتربية والتهذيب وأوامر الشرع ونهيه وغير ذلك لما أمكن أن يوصف الفعل حينئذ لا بالحسن ولا بالقبح. فالفعل إنما يوصف بالحسن أو بالقبح بشئ من الاعتبارات السابقة، واذا كان الحال كذلك فان الفعل يختلف وصفه بأي من الوصفين الحسن أو القبح- باختلاف الإعتبارات والعوارض الخارجية، فالزنا عند الغرب حسن وبالنسبة إلينا قبيح، والكذب الذي لا ضرر فيه قبيح، حسن اذا تعلق به أنقاظ غبي أو مظلوم، وقتل القاتل حسن بالنسبة الى أولياء المقتول , قبيح بالنسبة الى القاتل وأولياءه.
هذا بالنسبة الى أفعال العباد، وأما أفعال الله تعالى فلا توصف بالحسن ولا بالقبح بأي من تلك المعاني الإعتبارية لأن أفعاله تعالى لا تتأثر بالعوارض والإعتبارات الخارجية حتى توصف بمقتضاهما، ولكنها توصف بالحسن المطلق فكل ما فعله تعالى وكل ما شرَّعه فهو حسن أي لا حرج في فعله اذ لا يترتب عليها امر مستحيل خاصة وانه تعالى منزه عن الاغراض في افعاله واحكامه .واذا ثبت ذلك ارتفع الايجاب العقلي على الله تعالى في أي شيء مطلقا , فليست هناك امور يجب ان يفعلها ولا احكام يجب ان يامر بها او يثيب عليها , وبالتالي ليس للعقل ان يدرك استقلالا ما يستحق فاعله الثواب او العقاب عند الله تعالى حتى يحكم على الافعال بالحسن او القبح بالنسبة الى الله تعالى .
فالمعتزله والشيعه انما قالوا بوجوب بعض الافعال على الله تعالى بناء على ان الحسن والقبح ذاتيين للافعال أي لازمين لذات الفعل او لصفه لازمة لذاته , واستشهدوا على ذلك بادلة منها : ان انقاذ الغريق حسن مطلقا أي بقطع النظر عن العوارض الخارجيه .وبان من استوى عنده الصدق والكذب في امر فانه يختار الصدق لا محاله وليس ذلك الا لحسن الصدق وقبح الكذب وغير ذلك من الادلة .
والجواب ان هذه الافعال ليست حسنة لذاتها اولصفه لازمه لذاتها وانما عرض لها الحسن او القبح لاسباب خارجة عنها ،فان الشخص لا يتوجه الى انقاذ الغريق لحسن هذا الانقاذ فقط بل لرقة الجنسية المفطورة في نفسه والتي سببها انه يتصور مثله في حق نفسه فيستحسن فعل المنقذ له اذا قدره فيجبره ذلك على استحسانه في حق الغير . وكذلك لو كان له غرض في الكذب لاستحسنه ولم يرجح الصدق . ومن هنا فان الفاعل لا يرجح الفعل لانه حسن في ذاته ولكنه يرجحه لاسباب خارجه عن ذاته حتى لو فرض ان الفعل او الترك كانا متساويين من كل وجه فانه لا يتصور في حقه ان يرجح احدهما فاننا لو تصورنا شخصا لا يقول بالحسن ولا بالقبح ولم يبلغه شرع وليس لديه ذوق مسبق ولا عهد سابق بمواقف الناس من الصدق والكذب واستويا عنده من كل وجه فلا يسلم والحاله هذه انه يؤثر الصدق لا محالة بل يمتنع منه ايثار الصدق والكذب معا لانتفاء الداعي الباعث له على الفعل المعين .
وبالتالي فالقول بالحسن والقبح الذاتيين غلط منشأه عدم الالتفات الى امكان التخلف بارتفاع الاعراض او بتغيرها وقد ارجع الامام الغزالي في ( الاقتصاد ) اسباب الغلط في ذلك الى عدة امور اهمها :
( 1 ) ان يكون الشخص مشغولا بنفسه غير ملتفت الى غيره فيحكم بالقبح على كل ما يخالف غرضه وان وافق غرض غيره فيضيف القبح الى ذات الشيء ويحكم بالاطلاق , فهو مصيب باصل الاستقباح غالط ومخطيء في حكمه بالقبح على الاطلاق , وغلطه ناشيء عن غفلته عن غيره وعدم الالتفات الى احوال الناس .
( 2 ) ان الامر قد يكون موافقا للاغراض في الغالب ولا يخالفها الا نادرا او العكس فيجعل الحسن والقبح ذاتيين لعدم التفاته الى النادر نتيجة الرسوخ الغالب في نفسه وعدم تصوره انفكاكها عنه لما الفه واعتاده . فهو يحكم على الكذب بانه قبيح ويحكم بكونه حسنا في احوال نادرة كما في احوال الكذب على العدو ، ولكن لما لم يلتفت اليه حكم بقبح الكذب مطلقا.
( 3 ) سبق الوهم الى العكس ، فانه يجعله يستقبح الامر او يستحسنه كأن ينظر الى طعام شبيه شيء مستقذر فيقال له هو الطعام المستقذر ويذكر به فيستقبح هذا الطعام .فكذلك يحكم الانسان بحسن انقاذ الغرقى فغير المؤمن يرى الدابه تريد الهلاك في الماء فينقذها من الغرق ويعد ذلك حسنا وان لم يتطلع عليه احد ولم يترتب عليه غرض وسببه انه يعده حسنا بالقياس الى نفسه كما انه يتصور منه غرض المدح والثناء وان لم يتطلع عليه احد فيمكنه ان يخبره بما فعل , وان لم يتمكن من الاخبار يرجع ذلك الى ميل نفسه الى الثناء نتيجة الإلف وان ذلك مما يثني عليه وان لم يحصل .
فثبت بذلك ان الحسن والقبح ليسا ملازمين للافعال لا لذاتها ولا لصفة لازمه لذاتها واذ كان الحال كذلك فلا يصح ان تقيد افعاله تعالى او احكامه بهما فيبطل الاصل الكبير الذي قال به الشيعه والمعتزله في التحسين والتقبيح الذاتيين والذي بنوا عليه الوجوب على الله تعالى . ومن هنا فلا يجب على الله تعالى التكليف كما لا يجب عليه الثواب او العقاب بمقتضى الاحكام التكليفيه ،كما لا يجب عليه ان يشرع الاحكام بما يوافق اغراض الناس ومصالحهم بل كل ما يشرعه الله تعالى وان كان فيه مصلحة العباد من جلب المنافع لهم او درء المفاسد عنهم فكل ذلك بتفضل من الله تعالى ورحمة وهذا معنى قول الأشاعرة الحسن ما حسنه الشارع والقبيح ما قبحه الشارع وأرادوا بالحسُن الحسن في الأحكام التكليفية أي استحقاق المدح أو الثواب من الله تعالى، فالفعل يستحق فاعله الثواب فقط لأمر الله تعالى به ولترتيب الثواب عليه بارادته المطلقة.
وكذا أرادوا بالقُبح في الأحكام التكليفيه بأنه لا يستحق فاعله الذم أو العقاب عند الله تعالى الا لنهيه تعالى عن فعله وترتيب العقاب عليه، وبالتالي فالأحكام الشرعية هي المنشأة للحسن والقبح وليست كاشفة عنهما فلا يكون لهما ثبوت قبل ورود الشرع وأحكامه حتى يستطيع العقل أن يدركهما استقلالاً.
وهذا ما حرره الإمام الجويني في البرهان عند تحقيق محل النزاع بقوله:"والمسلك الحق عندي في ذلك الجامع لمحاسن المذاهب الناقض لمساويها أن نقول: لسنا ننكر أن العقول تقتضي من أربابها اجتناب المهالك وابتدار المنافع الممكنة على تفصيل فيها وجحد هذا خروج عن المعقول ولكن هذا في حق الآدميين والكلام في مسألتنا مداره على ما يقبح ويحسن في حكم الله تعالى وان كان لا ينالنا منه ضرر ولا يفوتنا بسببه نفع ولا يرخص العقل في تركه وما كان كذلك فمدرك قبحه وحسنه من عقاب الله تعالى ايانا واحسانه الينا عند افعالنا وذلك غيب والرب سبحانه لا يتاثر بضررنا ونفعنا فاستحال والامر كذلك الحكم بقبح الشيء في حكم الله وحسنه . ولم يمتنع اجراء هذين الوضعين فينا اذ تنجز ضرر وامكن نفع بشرط ان يعزى الى الله تعالى ولا يوجب عليه ان يعاقب او يثيب . ونتيجة القول انه لو فرض ورود الامر الجازم من الله تعالى من غير وعيد على تركه لما كان للحكم بالوجوب معنى في حقوقنا فليتامل الناظر في هذا فهو من لطيف الكلام ولا يغمض منه في النفي والاثبات شيء على المتامل في هذا الباب ) .
كما ان هناك آيات كثيرة من القرآن الكريم تدل على ان الله تعالى متصف بكمال الاختيار وانه لا يجب عليه شيء البته كقوله تعالى (قل فمن يملك من الله شيئا ان اراد ان يهلك المسيح ابن مريم وامه ومن في الارض جميعا ولله ملك السموات والارض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير )
هذا بالنسبة الى قول الاشاعره اجمالا ،واما بالنسبة الى الرسالة المنشورة وما ورد فيها فنقول : استدل صاحبها اولا على قولهم بقول الطوسي : (لانتفائهما مطلقا لو ثبتا شرعا ) وبناه على ان ما اخبر به الشارع من الحسن او القبح لا نستطيع ان نقطع به على فرض انتفاء الحسن والقبح العقليين لعدم امكان القطع بامتناع الكذب في حقه تعالى بناء على لازم قول الاشاعره والجواب : اما امتناع الكذب منه تعالى فسياتي واما اصل كلام الطوسي فمنشاه مغالطه وذلك اننا لا نقول ان خطاب الله تعالى يكون كاشفا عن الحسن والقبح الثابتين في نفس الامر حتى يقال ما ذكرتم ، بل الحسن والقبح هما عين خطاب الشارع بمدح فاعله او ذمه ،فكل ما ورد به الامر فهو حسن وكل ما ورد بذم فاعله فهو قبيح وليس هو كاشفا عن امر ثابت في نفس الامر حتى يقال بانه يمكن ان لا يطابقه فيكون كذبا . وهذا عين ما اجاب به القوشجي والذي ذكره صاحب الرساله المنشورة ونص القوشجي : ( انا لا نجعل الامر والنهي دليلي الحسن والقبح حتى يرد ما ذكر بل نجعل الحسن عبارة عن كون الفعل متعلق الامر والمدح والقبح عبارة عن كونه متعلق النهي والذم ) وهذا ما لا يفهمه المعلق على كلام القوشجي _ اعني صاحب الرسالة المنشورة _ حيث ان القوشجي نفى ان يكون للحسن والقبح بهذا المعنى ثبوت في نفس الامر ونفى ما يلزم عنه من الكذب او العبث .
واما الدليل الثاني من ادلة الطوسي وهو قوله ( ولجاز التعاكس ) فهو ليس دليلا ثانيا ولكنه وجه ثان للدليل الاول فيجاب عنه بما سبق [/ALIGN]
فيها رد على نشرة لأحد علماء الشيعة الإمامية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وبعد :
فهذه رسالة في بيان قول الاشاعره في (التحسين والتقبيح ) كتبتها ردا على رسالة تحمل هذا العنوان قام بنشرها بعض الشيعه اخذا عن موقع للانترنت يشتمل على مسائل للشيعه يخالفون بها غيرهم خاصة اهل السنه والجماعه .
من المعروف ان التحسين والتقبيح من المسائل العقائديه الاصليه التي قال بها المعتزله ووافقهم عليها الشيعه وقد بنوا عليها جميعا كثيرا من الاصول العقائديه كوجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على الله تعالى ووجوب الصلاح والاصلح وبناء عليها قال الشيعه بوجوب تنصيب الامام على الله تعالى ووجوب عصمة الائمه وغيبة الامام القائم وغير ذلك .
وهذه المساله كما هو ظاهر مرتبطة بارادة الله تعالى ووجوب شيء عليه, فاهل السنة والجماعة على انه لا يجب في حقه تعالى شيء بل يثبتون له تعالى كمال الاراده والاختيار ف
كان وما لم يشأ لم يكن له الملك والملكوت والعزة والجبروت له السلطان والقهر والخلق والامر هو المبدى المعيد الفعال لما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسالون فيجوز في حقه تعالى فعل كل ممكن او تركه ولا يجب عليه تعالى اثابة المطيع كما لايجب عليه عقاب الكافر فليست الطاعة علة في الثواب على الله تعالى وليست المعصيه موجبه للعقاب فلو شاء الله تعالى ان يعاقب كل اهل الارض لفعل ولو اراد ان يثيبهم جميعا لفعل وانما اختص المؤمن بالثواب والكافر بالعقاب بمحض ارادته تعالى واختياره لا بسبب عقلي اقتضى ذلك قال القاضي ابو بكر الباقلاني في الانصاف توضيحا لهذا المعنى ( ويجب ان يعلم ان الطاعة ليست بعلة الثواب ولا المعصيه علة العقاب ولا يجب على الله شيء بل الثواب وما انعم به على العبد فضل منه والعقاب عدل منه ويجب على العبد ما اوجبه الله تعالى عليه ولا موجب ولا واجب على الله تعالى , الحسن ما وافق الامر من الفعل والقبيح ما وافق النهي من الفعل وانما وعد الله سبحانه بالثواب وواعد بالعقاب وقوله الحق ووعده الصدق فنصب الطاعات امارة على الفوز بالدرجات , والمعاصي امارة على التردي في الهلكات وكل ذلك امارة للخلق بعضهم على بعض لا له سبحانه وتعالى فانه عالم بالاشياء قبل كونها ) واما المعتزله والشيعه فقالوا بوجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على الله تعالى لان ترك ذلك قبيح لا يليق بالخالق تعالى .
والجواب ان الحسن والقبح انما يوصف بهما افعال العباد , وتطبيق ذلك على افعاله تعالى انما هو من باب التشبيه أي تشبيه افعال الخالق بافعال المخلوقات والله تعالى يقول ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) بل كل ما فعله الله تعالى فهو حسن وهو عين الحكمه , فالحكمه تابعة لافعاله تعالى لازمة عنها تدور معها حيثما دارت فلا يتصور ان ينسب القبيح الى افعاله تعالى اواحكامه حتى يجب تنزيهه تعالى عنها .فالمشبه كما شبهوا ذات الله تعالى بالمخلوقات فكذلك الشيعه والمعتزله شبهوا افعاله تعالى بافعال المخلوقات وهذه الدقيقه لم يتنبه اليها هؤلاء فوقعوا في كثير من الاشكالات حتى ان كثيرا من الاعتراضات التي اوردوها على اهل السنه والجماعه مبناها على عدم التفريق بين افعال الله تعالى وبين افعال العباد ولا جرم ان الشيء قد يكون قبيحا في الشاهد ولا يلزم منه ان يكون كذلك في الغائب للقطع بانه لا يقبح من الله تعالى تمكين العبد من المعاصي ويقبح منا .
ولتوضيح راي الاشاعره لا بد من التفريق بين افعال الله تعالى وبين افعال العباد , كما لا بد من التفريق بين معاني الحسن والقبح , فالحسن والقبح يطلق على الافعال باعتبارات ثلاث
الاول :موافقة الغرض او مخالفته فكل ما وافق الغرض وكان يؤدي الى منفعة فهو حسن وكل ما خالف الغرض وكان يؤدي الى مفسدة فهو قبيح .
الثاني :استحقاق المدح او الذم , فكل فعل يقتضي استحقاق فاعله المدح فهو حسن وكل فعل يقتضي الذم فهو قبيح .
الثالث :ما لا حرج في فعله .
فالاشاعره يقولون بثبوت الحسن والقبح بالنسبة الى افعال العباد خاصة بالمعاني الثلاثة وبقدرة العقل على ادراكها كذلك من غير توقف على الشرع او بعثة نبي من الانبياء , فان بداهة العقل جازمة بان العقلاء اعتادوا تحسين بعض الافعال والامر بها والحث عليها والثناء على فاعلها(1) كما اعتادوا تقبيح بعضها والنهي عنها وذم فاعلها . وهذا حال الناس قبل ورود الشرائع وبعدها وهذا مما لا يتصور فيه نزاع , فالقول بنفي الحسن والقبح مطلقا في افعال العباد قول الجبريه وبعض الفلاسفه خلافا للاشاعره والمعتزله والماتريديه كما حققه الامام الرازي .
لكن الحسن والقبح وان كانا ثابتين للافعال في نفس الامر الا انهما ليسا ثابتين للأفعال لذاتها أو لصفة لازمة لذاتها وانما يثبتان للأفعال باعتبار العوارض الخارجية التي تعرض لها حتى أننا لو جردنا أفعال العباد عن العوارض الخارجية مطلقاً وما يترتب عليها من المصالح أو المفاسد التي تعود على الشخص أو الوضع العام وبعد أن نجرد طباعنا المسبقة عن الأشياء
الحاصلة عن الممارسة والإلف والتربية والتهذيب وأوامر الشرع ونهيه وغير ذلك لما أمكن أن يوصف الفعل حينئذ لا بالحسن ولا بالقبح. فالفعل إنما يوصف بالحسن أو بالقبح بشئ من الاعتبارات السابقة، واذا كان الحال كذلك فان الفعل يختلف وصفه بأي من الوصفين الحسن أو القبح- باختلاف الإعتبارات والعوارض الخارجية، فالزنا عند الغرب حسن وبالنسبة إلينا قبيح، والكذب الذي لا ضرر فيه قبيح، حسن اذا تعلق به أنقاظ غبي أو مظلوم، وقتل القاتل حسن بالنسبة الى أولياء المقتول , قبيح بالنسبة الى القاتل وأولياءه.
هذا بالنسبة الى أفعال العباد، وأما أفعال الله تعالى فلا توصف بالحسن ولا بالقبح بأي من تلك المعاني الإعتبارية لأن أفعاله تعالى لا تتأثر بالعوارض والإعتبارات الخارجية حتى توصف بمقتضاهما، ولكنها توصف بالحسن المطلق فكل ما فعله تعالى وكل ما شرَّعه فهو حسن أي لا حرج في فعله اذ لا يترتب عليها امر مستحيل خاصة وانه تعالى منزه عن الاغراض في افعاله واحكامه .واذا ثبت ذلك ارتفع الايجاب العقلي على الله تعالى في أي شيء مطلقا , فليست هناك امور يجب ان يفعلها ولا احكام يجب ان يامر بها او يثيب عليها , وبالتالي ليس للعقل ان يدرك استقلالا ما يستحق فاعله الثواب او العقاب عند الله تعالى حتى يحكم على الافعال بالحسن او القبح بالنسبة الى الله تعالى .
فالمعتزله والشيعه انما قالوا بوجوب بعض الافعال على الله تعالى بناء على ان الحسن والقبح ذاتيين للافعال أي لازمين لذات الفعل او لصفه لازمة لذاته , واستشهدوا على ذلك بادلة منها : ان انقاذ الغريق حسن مطلقا أي بقطع النظر عن العوارض الخارجيه .وبان من استوى عنده الصدق والكذب في امر فانه يختار الصدق لا محاله وليس ذلك الا لحسن الصدق وقبح الكذب وغير ذلك من الادلة .
والجواب ان هذه الافعال ليست حسنة لذاتها اولصفه لازمه لذاتها وانما عرض لها الحسن او القبح لاسباب خارجة عنها ،فان الشخص لا يتوجه الى انقاذ الغريق لحسن هذا الانقاذ فقط بل لرقة الجنسية المفطورة في نفسه والتي سببها انه يتصور مثله في حق نفسه فيستحسن فعل المنقذ له اذا قدره فيجبره ذلك على استحسانه في حق الغير . وكذلك لو كان له غرض في الكذب لاستحسنه ولم يرجح الصدق . ومن هنا فان الفاعل لا يرجح الفعل لانه حسن في ذاته ولكنه يرجحه لاسباب خارجه عن ذاته حتى لو فرض ان الفعل او الترك كانا متساويين من كل وجه فانه لا يتصور في حقه ان يرجح احدهما فاننا لو تصورنا شخصا لا يقول بالحسن ولا بالقبح ولم يبلغه شرع وليس لديه ذوق مسبق ولا عهد سابق بمواقف الناس من الصدق والكذب واستويا عنده من كل وجه فلا يسلم والحاله هذه انه يؤثر الصدق لا محالة بل يمتنع منه ايثار الصدق والكذب معا لانتفاء الداعي الباعث له على الفعل المعين .
وبالتالي فالقول بالحسن والقبح الذاتيين غلط منشأه عدم الالتفات الى امكان التخلف بارتفاع الاعراض او بتغيرها وقد ارجع الامام الغزالي في ( الاقتصاد ) اسباب الغلط في ذلك الى عدة امور اهمها :
( 1 ) ان يكون الشخص مشغولا بنفسه غير ملتفت الى غيره فيحكم بالقبح على كل ما يخالف غرضه وان وافق غرض غيره فيضيف القبح الى ذات الشيء ويحكم بالاطلاق , فهو مصيب باصل الاستقباح غالط ومخطيء في حكمه بالقبح على الاطلاق , وغلطه ناشيء عن غفلته عن غيره وعدم الالتفات الى احوال الناس .
( 2 ) ان الامر قد يكون موافقا للاغراض في الغالب ولا يخالفها الا نادرا او العكس فيجعل الحسن والقبح ذاتيين لعدم التفاته الى النادر نتيجة الرسوخ الغالب في نفسه وعدم تصوره انفكاكها عنه لما الفه واعتاده . فهو يحكم على الكذب بانه قبيح ويحكم بكونه حسنا في احوال نادرة كما في احوال الكذب على العدو ، ولكن لما لم يلتفت اليه حكم بقبح الكذب مطلقا.
( 3 ) سبق الوهم الى العكس ، فانه يجعله يستقبح الامر او يستحسنه كأن ينظر الى طعام شبيه شيء مستقذر فيقال له هو الطعام المستقذر ويذكر به فيستقبح هذا الطعام .فكذلك يحكم الانسان بحسن انقاذ الغرقى فغير المؤمن يرى الدابه تريد الهلاك في الماء فينقذها من الغرق ويعد ذلك حسنا وان لم يتطلع عليه احد ولم يترتب عليه غرض وسببه انه يعده حسنا بالقياس الى نفسه كما انه يتصور منه غرض المدح والثناء وان لم يتطلع عليه احد فيمكنه ان يخبره بما فعل , وان لم يتمكن من الاخبار يرجع ذلك الى ميل نفسه الى الثناء نتيجة الإلف وان ذلك مما يثني عليه وان لم يحصل .
فثبت بذلك ان الحسن والقبح ليسا ملازمين للافعال لا لذاتها ولا لصفة لازمه لذاتها واذ كان الحال كذلك فلا يصح ان تقيد افعاله تعالى او احكامه بهما فيبطل الاصل الكبير الذي قال به الشيعه والمعتزله في التحسين والتقبيح الذاتيين والذي بنوا عليه الوجوب على الله تعالى . ومن هنا فلا يجب على الله تعالى التكليف كما لا يجب عليه الثواب او العقاب بمقتضى الاحكام التكليفيه ،كما لا يجب عليه ان يشرع الاحكام بما يوافق اغراض الناس ومصالحهم بل كل ما يشرعه الله تعالى وان كان فيه مصلحة العباد من جلب المنافع لهم او درء المفاسد عنهم فكل ذلك بتفضل من الله تعالى ورحمة وهذا معنى قول الأشاعرة الحسن ما حسنه الشارع والقبيح ما قبحه الشارع وأرادوا بالحسُن الحسن في الأحكام التكليفية أي استحقاق المدح أو الثواب من الله تعالى، فالفعل يستحق فاعله الثواب فقط لأمر الله تعالى به ولترتيب الثواب عليه بارادته المطلقة.
وكذا أرادوا بالقُبح في الأحكام التكليفيه بأنه لا يستحق فاعله الذم أو العقاب عند الله تعالى الا لنهيه تعالى عن فعله وترتيب العقاب عليه، وبالتالي فالأحكام الشرعية هي المنشأة للحسن والقبح وليست كاشفة عنهما فلا يكون لهما ثبوت قبل ورود الشرع وأحكامه حتى يستطيع العقل أن يدركهما استقلالاً.
وهذا ما حرره الإمام الجويني في البرهان عند تحقيق محل النزاع بقوله:"والمسلك الحق عندي في ذلك الجامع لمحاسن المذاهب الناقض لمساويها أن نقول: لسنا ننكر أن العقول تقتضي من أربابها اجتناب المهالك وابتدار المنافع الممكنة على تفصيل فيها وجحد هذا خروج عن المعقول ولكن هذا في حق الآدميين والكلام في مسألتنا مداره على ما يقبح ويحسن في حكم الله تعالى وان كان لا ينالنا منه ضرر ولا يفوتنا بسببه نفع ولا يرخص العقل في تركه وما كان كذلك فمدرك قبحه وحسنه من عقاب الله تعالى ايانا واحسانه الينا عند افعالنا وذلك غيب والرب سبحانه لا يتاثر بضررنا ونفعنا فاستحال والامر كذلك الحكم بقبح الشيء في حكم الله وحسنه . ولم يمتنع اجراء هذين الوضعين فينا اذ تنجز ضرر وامكن نفع بشرط ان يعزى الى الله تعالى ولا يوجب عليه ان يعاقب او يثيب . ونتيجة القول انه لو فرض ورود الامر الجازم من الله تعالى من غير وعيد على تركه لما كان للحكم بالوجوب معنى في حقوقنا فليتامل الناظر في هذا فهو من لطيف الكلام ولا يغمض منه في النفي والاثبات شيء على المتامل في هذا الباب ) .
كما ان هناك آيات كثيرة من القرآن الكريم تدل على ان الله تعالى متصف بكمال الاختيار وانه لا يجب عليه شيء البته كقوله تعالى (قل فمن يملك من الله شيئا ان اراد ان يهلك المسيح ابن مريم وامه ومن في الارض جميعا ولله ملك السموات والارض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير )
هذا بالنسبة الى قول الاشاعره اجمالا ،واما بالنسبة الى الرسالة المنشورة وما ورد فيها فنقول : استدل صاحبها اولا على قولهم بقول الطوسي : (لانتفائهما مطلقا لو ثبتا شرعا ) وبناه على ان ما اخبر به الشارع من الحسن او القبح لا نستطيع ان نقطع به على فرض انتفاء الحسن والقبح العقليين لعدم امكان القطع بامتناع الكذب في حقه تعالى بناء على لازم قول الاشاعره والجواب : اما امتناع الكذب منه تعالى فسياتي واما اصل كلام الطوسي فمنشاه مغالطه وذلك اننا لا نقول ان خطاب الله تعالى يكون كاشفا عن الحسن والقبح الثابتين في نفس الامر حتى يقال ما ذكرتم ، بل الحسن والقبح هما عين خطاب الشارع بمدح فاعله او ذمه ،فكل ما ورد به الامر فهو حسن وكل ما ورد بذم فاعله فهو قبيح وليس هو كاشفا عن امر ثابت في نفس الامر حتى يقال بانه يمكن ان لا يطابقه فيكون كذبا . وهذا عين ما اجاب به القوشجي والذي ذكره صاحب الرساله المنشورة ونص القوشجي : ( انا لا نجعل الامر والنهي دليلي الحسن والقبح حتى يرد ما ذكر بل نجعل الحسن عبارة عن كون الفعل متعلق الامر والمدح والقبح عبارة عن كونه متعلق النهي والذم ) وهذا ما لا يفهمه المعلق على كلام القوشجي _ اعني صاحب الرسالة المنشورة _ حيث ان القوشجي نفى ان يكون للحسن والقبح بهذا المعنى ثبوت في نفس الامر ونفى ما يلزم عنه من الكذب او العبث .
واما الدليل الثاني من ادلة الطوسي وهو قوله ( ولجاز التعاكس ) فهو ليس دليلا ثانيا ولكنه وجه ثان للدليل الاول فيجاب عنه بما سبق [/ALIGN]
تعليق