بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه واهتدى بهداه إلى قيام الساعة:
أما بعد :
لا أعلم طائفة صرحت بوصف الله تعالى بأنه جسم سوى الكرامية والهشامية، فإن كان غيرهم صرح بذلك فلا أعرفه.
لكن ما الذي جرأ هؤلاء على وصفه بالجسمية؟
ومعنى الجسم عند الكرامية كما يذكره عنهم ابن الهيصم والهشامية كما نقله عن الأشعري في (المقالات) هو القائم بذاته أو بنفسه لا غير. والجسم بهذا المعنى لا ينكره أحد من طوائف المسلمين جميعاً، لكن يخالفون في إطلاق لفظ الجسمية عليه جل وعلا لأمرين. الأول : وهو مذهب أهل السنة أن النص لم يأتِ بإثباته فيثبتوه. والثاني : وهو زبالة أذهان المتكلمين حيث قالوا: إن العقل قاضٍ بامتناعه لله جل وعلا. وثالثاً : وهو قول أتباعهم ممن لا يفقه لِمَ قال سلفه من الجهمية والمعتزلة بالامتناع فقالوا : لأنه يقتضي التشبيه من دون أن يفهموا وجه اقتضائه.
ولما لم يرَ الكرامية والهشامية، ومن وافقهم، إن وُجِدَ، أن ما استدل به هؤلاء مما يسمونه أدلة عقلية، وستأتي، لا حقيقة لها إلا في تلك الأذهان العفنة، لم يروا في العقل ما يقتضي امتناع إطلاقه على الله، لتجويزهم وصفه جل وعلا باللوازم، فأطلقوا الجسمية عليه.
بيان ما تقدم :
إعلم أن المانع لإطلاق لفظ الجسم على الله عند المتكلمين سببه أمرين : الأول : أنه يقتضي الحدوث كما يدل عليه دليل حدوث الأجسام. الثاني : أنه يقتضي استواء ماهية الذات الشريفة وذوات المخلوقات بناءً على ما قرروه من تماثل الجواهر.
أما الأول فقالوا : إن الأجسام لا تخلوا من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. أما بيان أنها لا تخلوا من الحوادث هو عدم خلوها من الأكوان، والأكوان هو كون الجسم بحيث يقبل المحايثة، أي أنه حتى لو كان فرداً في الوجود فإنه يجوز تقدير جسم آخر مقابل له إما مفارق له أو مجامع له، كما أنه إما أن يكون متحركاً أو ساكناً، وجميع هذه أكوان. ولأكوان ليست قديمة بدليل أنا نرى عدمها بعد الوجود ووجودها بعد العدم، كتحرك الساكن وسكون المتحرك وحصول المتيامن في الشمال وحصول هذا في اليمين وغير ذلك، والقديم يستحيل عليه الزوال، فبان أن الأكوان حادثة. وإذا كانت حادثة فلا بد لها من أول تنتهي إليه لا يمكن حصول الجسم قبله، لاستحالة خلو الجسم من الكون.
ومما تقدم يتبين لك أن الأجسام لها أول، فلو قلنا أن الله جل وعلا جسم لزم أن يكون له أول من أجل هذا البرهان.
وأكاد أجزم أن البارع في هذا المنتدى هو من يفهم هذا الدليل من نحو (أم البراهين) وشرحها، ومن نحو (شرح الجوهرة) ولا يفهم مع ذلك النقوض الداخلة عليه التي يوردها نحو العضد والأيجي في كتبهم، فضلاً عن الاعتراضات والنقوضات التي يأتي بها نحو العجالي في (الكامل) وابن رشد في (تهافت التهافت) بل ولا النقوض التي يأتي بها الرازي في نحو (الأربعين) وغيرهم. فإذا اطلعوا على نقوض الكرامية كانوا أعجز، وإن اطلعوا على نقوض أهل السنة من نحو شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية كانوا أعجز وأعجز.
ونحن سنقتصر هنا في كل مقدمة من مقدمات هذا الدليل على نقض واحد يبين فساده، وإن كان للنقض عدة وجوه وأدلة ذكرنا منها ما يفي بالغرض بدون إطناب، فبعون الله نقول :
دليلهم المتقدم يحتاج إلى إثبات أربع مقدمات الأول إثبات الأعراض أو الأكوان، والثاني بيان حدوثها، والثالث استحالة خلو الأجسام منها، والرابع: بيان استحالة حوادث لا أول لها. راجع (نهاية الإقدام) صفحة 12 للشهرستاني.
أما إثباتهم الأعراض فيقال لهم فيه : ما تريدون بالعرض أو الكون.
فإن قالوا : ما قدمناه. قيل: ومن أين لكم أنها أمور وجودية في الخارج لا اعتبارية ذهنية لا حقيقة لها في الخارج؟ وأقوى ما يذكر هنا هو الحركة والسكون، والسكون عدم حركة، والعدم لا وجود له، فلم يبقَ لكم سوى الحركة، فلما لا يجوز وجود جوهر أو جسم ساكن أبداً؟
قالوا : قد اتفقنا على أن الحركة شيءٌ وجودي لشهادة الحس بذلك، ونحن لا نعني بالحركة سوى بقاء الجسم في الحيز زماناً واحداً والسكون بقائه فيه زمانين، فبقاء الجسم في الحيز هو حقيقة الحركة والسكون معاً، فإذا اتحدت حقيقة الحركة والسكون بطل أن يكون أحدهما موجوداً والآخر معدوماً، فثبت أن الحركة والسكون موجودين.
قيل : الجواب من ثلاثة أوجه، الأول : لم يتفق العقلاء على وجود الحركة، ونقضوا عليكم بأن النِّسَب اللامتناهية مع إثبات العقل لها معدومة اتفاقاً، بيانه أن نقول : الواحد نصف الإثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذه النسب الثابتة للواحد لا وجود لها أصلاً، وإلا لزم وجود ما لا يتناهى قائماً بالمتناهي وهو ينقض عليكم قولكم بتناهي الحوادث.
الوجه الثاني : على تسليم كون الحركة شيئاً وجودياً، فلا نسلم أن حقيقته هي حقيقة السكون وإلا لزم كون الحركة سكوناً، وهذا باطل.
الثالث : لو فرضنا جوهراًً متحركاً فوق جوهرين فردين مجتمعين، فمتى تكون الحركة موجودة؟ أعندما يكون الجسم بكليته ملاقيا للجوهر الأول، أم عند ملاقاة جميعه للجوهر الثاني أو حال كونها بينهما؟ والجميع باطل. فإنه حال كونه ملاقياً بكليته للجوهر الأول لم يتحرك بعد، وحال كونه بكليته ملاقياً للجوهر الثاني قد انقضت الحركة ولم تعد موجوة، وحال كونه بينها يلزم انقسام الجوهر الفرد، وهو على مذهبكم باطل، بيان هذا الأخير، أنه حال كونه بينهما يكون بعضه ملاقياً لبعض الجوهر الأول وبعضه الآخر ملاقياً لبعض الجوهر الثاني، والفرض أنها جميعاً جواهر فردة، والجواهر الفردة لا تتبعض.
وقد احتار في جواب هذا المتكلمون فقالوا ما لا يشهد له الحس. وهو أن الجوهر يكون متحركاً عند ملاقته بكليته للجوهر الثاني في الزمان الأول، فإن مكث زمانين صار سكوناً!! ولا يخفاك أنه على فرض أن هذا هو المقصود بالحركة فالحس لا يشاهدها حينئذٍ، فإن الذي يشاهده الحسن عند ملاقاة الجسم بكليته للحيز الأخير هو السكون. ثم يقال : أرئيت لو لاقا الجوهر الفرد الجوهر الثاني بكليته فمكث زمانين ثم تحرك، فإن مكثه في الحيز الزمان الأول عندكم هو الحركة، ومكثه في الزمان الثاني هو السكون، فتكون الحركة عندكم في هذه الحالة مكث الجسم في الحيز زماناً واحداً والسكون مكثه فيه زماناً واحداً، فكانت الحركة عندكم سكوناً والسكون حركة. وهذا ممتنع.
فبطل أن تكون الحركة والسكون أمور وجودية وإلا لزم عنها هذا الباطل.
فإذا جاز أن تكون الأكوان أمور عدمية لا وجود لها خارج الذهن لم توجب حكماً وجودياً للجسم، لأن العدم لا يقتضي وجوداً، ولا يقال حينئذٍ إن الأكوان لها أول، لأن العدم لا أول له.
أما بيان حدوث الأعراض فيقال لهم فيه : سلمنا أن الأعراض أو الأكوان وجودية، فما الدليل على أنها حادثة بعد عدم، ولما لا يجوز أن تكون أزلية كما قاله الفلاسفة في حركة الأنفس والعقول والكواكب، وما قلتموه من أن ما وجب قدمه استحال عدمه، هو نفسه يحتاج إلى برهان، ولما لا يجوز أن يكون قديماً لا أو له وإن كان له آخر ينتهي إليه؟ وبيانه أنكم تقولون أن العالم ممتنع الوجود في الأزل، فهذا الامتناع إما أن يكون عدماً لا وجود له، فيلزم أن امتناع وجود العالم في الأزل معدوم، ويلزم منه جواز وجوده في الأزل، وهو عين ما تنفوه، أو تقولون هو موجود، فيلزم أن امتناع وجود العالم في الأزل موجود أزلي، وأن هذا الامتناع قد انتهى بإمكان الوجود الحاصل للعالم حال وجوده، فثبت أن القديم الأزلي قد يُعدم، وهذا يبطل قولكم.
فإذا جاز أن تكون لأعراض أو الأكوان قديمة لا أول لها، لم يلزم من قيامها بالجسم حدوثه، وإنما يلزم ذلك إذا ثبت أنها حادثة.
أما قولهم باستحالة خلو الأجسام عنها فيقال لهم : الأجسام والأعراض هل هي من الممكنات أو الواجبات أو الممتنعات. ولا خلاف في أنها ممكنات عندكم وعلى ذلك بنيتم دليلكم، ومع ذلك نزيده إيضاحاً فنقول : لو كانت واجبة لاستحال عدمها ولو كانت ممتنعة لاستحال وجودها، فلم يبقَ إلا كونها ممكنة، وعليه نقول : أيقدر الله على خلق الجسم دون الأعراض أو الأكوان؟ إن قلتم : لا، فقد نقضتم مذهبكم أن الله قادر على إيجاد الممكنات وإعدامها لا الممتنعات، وإن قلتم : نعم، جاز وجود جسم خالٍ من الأكوان والأعراض، لأن الله جل وعلا موصوف بالقدرة على الممكنات، وقد اتقفنا على أن هذه الأكوان ممكنة كما أن الأجسام ممكنة، فوجب أن يقدر على إبقاء الجسم الممكن لإمكانه وإعدام أعراضه وأكوانه لإمكانها. فيكون خلو الجسم من العرض والكون ممكناً، فبطل قولكم باستحالة خلو الأجسام عن الأكوان والأعراض.
رابعاً وأخيراً قولهم باستحالة حوادث لا أول لها فيقال لهم : ولِمَ قلتم باستحالة، ولم لا يجوز حادث قبله حادث لا إلى أول؟ قالوا : إن كل حادث مسبوق بعدمه سبقاً أزلياً، ولا بد من اقتران إعدامات كل الحوادث في الأزل، وحال اقترانها يستحيل وجود حادث وإلا لزم اجتماع وجوده وعدمه في زمن واحد، وهو باطل.
فيقال لهم : إن اقتران الإعدامات في الأزل مبني على صحة القول بأن الحوادث لها أول وامتناع حوادث لا أول لها، بيانه أن نقول : إن قلنا بجواز حوادث لا أول لها فما من زمان تقدرونه إلا وفيه حادث يمنع وجوده من اقتران جميع الإعدامات، فإن قلتم، فذلك الحادث المعين يسبقه عدمه فتقترن الإعدامات، قلنا : هذا ممنوع، فإنه عند عدم ذلك الحادث السابق لوجوده نجوز وجود حادث آخر يمنع وجوده اقتران جميع الإعدامات، وهكذا قبل وجود ذلك الحادث يجوز ويجود حادث يمنع وجوده من اقتران جميع الإعدامات، وهكذا لا إلى أول.
ووجه آخر أن يقال : يلزمكم في الأبد ما يلزمكم في الأزل، بيانه أن الأعراض عند إمامكم الأشعري رحمه الله لا تبقى زمانين، فكل عرض أو كون يلحقه عدمه لحوقاً أبدياً، فلا بد من اقتران الإعدامات في الأبد كما قلتموه في الأزل، فيلزم زوال جميع الأكوان والأعراض حال اقتران جميع الإعدامات في الأبد، ويلزم عدم الأجسام لاستحالة انفكاكها عن الأعراض، لأنكم قلتم أن الأجسام لا تخلوا منها، فيلزمكم فناء الجنة والنار وكل موجود هو جسم كما قاله جهم بن صفوان إمامكم وإمام كل معطل.
فإذا تبين لك هذا تبين بطلان دليلهم وبطلان قولهم أن الأجسام لها أول.
فلما رأى الكرامية والهشامية بطلان هذا الدليل الهزيل، وأنه ليس في العقل ما يمنع الجسمية بأي معنى كان، سواء كان بمعنى القائم بذاته، أو الجوهر، أو المؤلف من الجواهر، أو شاغل الحيز، أو المتحيز بالجهة، أو ما تجوز عليه الإشارة، أو المحايث المباين، لم يرو ضيراً في إطلاقها عليه على أحد هذه المعاني لما تقدم. فأطلقوه.
أما أهل السنة فمع علمهم ببطلان الدليل لم يروا جواز إطلاق لفظ الجسم لعدم إطلاق النصوص لهذا الإسم، وبخاصة وأن الجسم قد يراد به معنى باطل وقد يراد به معنى حق، فرؤوا الاقتصار على ما أطلقه الشرع والامتناع عن إطلاق وصف لم يذكره الشرع.
إلا هنا وينتهي القسم الأول من الجواب.
والحمد لله الذي ينعمته تتم الصالحات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه واهتدى بهداه إلى قيام الساعة:
أما بعد :
لا أعلم طائفة صرحت بوصف الله تعالى بأنه جسم سوى الكرامية والهشامية، فإن كان غيرهم صرح بذلك فلا أعرفه.
لكن ما الذي جرأ هؤلاء على وصفه بالجسمية؟
ومعنى الجسم عند الكرامية كما يذكره عنهم ابن الهيصم والهشامية كما نقله عن الأشعري في (المقالات) هو القائم بذاته أو بنفسه لا غير. والجسم بهذا المعنى لا ينكره أحد من طوائف المسلمين جميعاً، لكن يخالفون في إطلاق لفظ الجسمية عليه جل وعلا لأمرين. الأول : وهو مذهب أهل السنة أن النص لم يأتِ بإثباته فيثبتوه. والثاني : وهو زبالة أذهان المتكلمين حيث قالوا: إن العقل قاضٍ بامتناعه لله جل وعلا. وثالثاً : وهو قول أتباعهم ممن لا يفقه لِمَ قال سلفه من الجهمية والمعتزلة بالامتناع فقالوا : لأنه يقتضي التشبيه من دون أن يفهموا وجه اقتضائه.
ولما لم يرَ الكرامية والهشامية، ومن وافقهم، إن وُجِدَ، أن ما استدل به هؤلاء مما يسمونه أدلة عقلية، وستأتي، لا حقيقة لها إلا في تلك الأذهان العفنة، لم يروا في العقل ما يقتضي امتناع إطلاقه على الله، لتجويزهم وصفه جل وعلا باللوازم، فأطلقوا الجسمية عليه.
بيان ما تقدم :
إعلم أن المانع لإطلاق لفظ الجسم على الله عند المتكلمين سببه أمرين : الأول : أنه يقتضي الحدوث كما يدل عليه دليل حدوث الأجسام. الثاني : أنه يقتضي استواء ماهية الذات الشريفة وذوات المخلوقات بناءً على ما قرروه من تماثل الجواهر.
أما الأول فقالوا : إن الأجسام لا تخلوا من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. أما بيان أنها لا تخلوا من الحوادث هو عدم خلوها من الأكوان، والأكوان هو كون الجسم بحيث يقبل المحايثة، أي أنه حتى لو كان فرداً في الوجود فإنه يجوز تقدير جسم آخر مقابل له إما مفارق له أو مجامع له، كما أنه إما أن يكون متحركاً أو ساكناً، وجميع هذه أكوان. ولأكوان ليست قديمة بدليل أنا نرى عدمها بعد الوجود ووجودها بعد العدم، كتحرك الساكن وسكون المتحرك وحصول المتيامن في الشمال وحصول هذا في اليمين وغير ذلك، والقديم يستحيل عليه الزوال، فبان أن الأكوان حادثة. وإذا كانت حادثة فلا بد لها من أول تنتهي إليه لا يمكن حصول الجسم قبله، لاستحالة خلو الجسم من الكون.
ومما تقدم يتبين لك أن الأجسام لها أول، فلو قلنا أن الله جل وعلا جسم لزم أن يكون له أول من أجل هذا البرهان.
وأكاد أجزم أن البارع في هذا المنتدى هو من يفهم هذا الدليل من نحو (أم البراهين) وشرحها، ومن نحو (شرح الجوهرة) ولا يفهم مع ذلك النقوض الداخلة عليه التي يوردها نحو العضد والأيجي في كتبهم، فضلاً عن الاعتراضات والنقوضات التي يأتي بها نحو العجالي في (الكامل) وابن رشد في (تهافت التهافت) بل ولا النقوض التي يأتي بها الرازي في نحو (الأربعين) وغيرهم. فإذا اطلعوا على نقوض الكرامية كانوا أعجز، وإن اطلعوا على نقوض أهل السنة من نحو شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية كانوا أعجز وأعجز.
ونحن سنقتصر هنا في كل مقدمة من مقدمات هذا الدليل على نقض واحد يبين فساده، وإن كان للنقض عدة وجوه وأدلة ذكرنا منها ما يفي بالغرض بدون إطناب، فبعون الله نقول :
دليلهم المتقدم يحتاج إلى إثبات أربع مقدمات الأول إثبات الأعراض أو الأكوان، والثاني بيان حدوثها، والثالث استحالة خلو الأجسام منها، والرابع: بيان استحالة حوادث لا أول لها. راجع (نهاية الإقدام) صفحة 12 للشهرستاني.
أما إثباتهم الأعراض فيقال لهم فيه : ما تريدون بالعرض أو الكون.
فإن قالوا : ما قدمناه. قيل: ومن أين لكم أنها أمور وجودية في الخارج لا اعتبارية ذهنية لا حقيقة لها في الخارج؟ وأقوى ما يذكر هنا هو الحركة والسكون، والسكون عدم حركة، والعدم لا وجود له، فلم يبقَ لكم سوى الحركة، فلما لا يجوز وجود جوهر أو جسم ساكن أبداً؟
قالوا : قد اتفقنا على أن الحركة شيءٌ وجودي لشهادة الحس بذلك، ونحن لا نعني بالحركة سوى بقاء الجسم في الحيز زماناً واحداً والسكون بقائه فيه زمانين، فبقاء الجسم في الحيز هو حقيقة الحركة والسكون معاً، فإذا اتحدت حقيقة الحركة والسكون بطل أن يكون أحدهما موجوداً والآخر معدوماً، فثبت أن الحركة والسكون موجودين.
قيل : الجواب من ثلاثة أوجه، الأول : لم يتفق العقلاء على وجود الحركة، ونقضوا عليكم بأن النِّسَب اللامتناهية مع إثبات العقل لها معدومة اتفاقاً، بيانه أن نقول : الواحد نصف الإثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذه النسب الثابتة للواحد لا وجود لها أصلاً، وإلا لزم وجود ما لا يتناهى قائماً بالمتناهي وهو ينقض عليكم قولكم بتناهي الحوادث.
الوجه الثاني : على تسليم كون الحركة شيئاً وجودياً، فلا نسلم أن حقيقته هي حقيقة السكون وإلا لزم كون الحركة سكوناً، وهذا باطل.
الثالث : لو فرضنا جوهراًً متحركاً فوق جوهرين فردين مجتمعين، فمتى تكون الحركة موجودة؟ أعندما يكون الجسم بكليته ملاقيا للجوهر الأول، أم عند ملاقاة جميعه للجوهر الثاني أو حال كونها بينهما؟ والجميع باطل. فإنه حال كونه ملاقياً بكليته للجوهر الأول لم يتحرك بعد، وحال كونه بكليته ملاقياً للجوهر الثاني قد انقضت الحركة ولم تعد موجوة، وحال كونه بينها يلزم انقسام الجوهر الفرد، وهو على مذهبكم باطل، بيان هذا الأخير، أنه حال كونه بينهما يكون بعضه ملاقياً لبعض الجوهر الأول وبعضه الآخر ملاقياً لبعض الجوهر الثاني، والفرض أنها جميعاً جواهر فردة، والجواهر الفردة لا تتبعض.
وقد احتار في جواب هذا المتكلمون فقالوا ما لا يشهد له الحس. وهو أن الجوهر يكون متحركاً عند ملاقته بكليته للجوهر الثاني في الزمان الأول، فإن مكث زمانين صار سكوناً!! ولا يخفاك أنه على فرض أن هذا هو المقصود بالحركة فالحس لا يشاهدها حينئذٍ، فإن الذي يشاهده الحسن عند ملاقاة الجسم بكليته للحيز الأخير هو السكون. ثم يقال : أرئيت لو لاقا الجوهر الفرد الجوهر الثاني بكليته فمكث زمانين ثم تحرك، فإن مكثه في الحيز الزمان الأول عندكم هو الحركة، ومكثه في الزمان الثاني هو السكون، فتكون الحركة عندكم في هذه الحالة مكث الجسم في الحيز زماناً واحداً والسكون مكثه فيه زماناً واحداً، فكانت الحركة عندكم سكوناً والسكون حركة. وهذا ممتنع.
فبطل أن تكون الحركة والسكون أمور وجودية وإلا لزم عنها هذا الباطل.
فإذا جاز أن تكون الأكوان أمور عدمية لا وجود لها خارج الذهن لم توجب حكماً وجودياً للجسم، لأن العدم لا يقتضي وجوداً، ولا يقال حينئذٍ إن الأكوان لها أول، لأن العدم لا أول له.
أما بيان حدوث الأعراض فيقال لهم فيه : سلمنا أن الأعراض أو الأكوان وجودية، فما الدليل على أنها حادثة بعد عدم، ولما لا يجوز أن تكون أزلية كما قاله الفلاسفة في حركة الأنفس والعقول والكواكب، وما قلتموه من أن ما وجب قدمه استحال عدمه، هو نفسه يحتاج إلى برهان، ولما لا يجوز أن يكون قديماً لا أو له وإن كان له آخر ينتهي إليه؟ وبيانه أنكم تقولون أن العالم ممتنع الوجود في الأزل، فهذا الامتناع إما أن يكون عدماً لا وجود له، فيلزم أن امتناع وجود العالم في الأزل معدوم، ويلزم منه جواز وجوده في الأزل، وهو عين ما تنفوه، أو تقولون هو موجود، فيلزم أن امتناع وجود العالم في الأزل موجود أزلي، وأن هذا الامتناع قد انتهى بإمكان الوجود الحاصل للعالم حال وجوده، فثبت أن القديم الأزلي قد يُعدم، وهذا يبطل قولكم.
فإذا جاز أن تكون لأعراض أو الأكوان قديمة لا أول لها، لم يلزم من قيامها بالجسم حدوثه، وإنما يلزم ذلك إذا ثبت أنها حادثة.
أما قولهم باستحالة خلو الأجسام عنها فيقال لهم : الأجسام والأعراض هل هي من الممكنات أو الواجبات أو الممتنعات. ولا خلاف في أنها ممكنات عندكم وعلى ذلك بنيتم دليلكم، ومع ذلك نزيده إيضاحاً فنقول : لو كانت واجبة لاستحال عدمها ولو كانت ممتنعة لاستحال وجودها، فلم يبقَ إلا كونها ممكنة، وعليه نقول : أيقدر الله على خلق الجسم دون الأعراض أو الأكوان؟ إن قلتم : لا، فقد نقضتم مذهبكم أن الله قادر على إيجاد الممكنات وإعدامها لا الممتنعات، وإن قلتم : نعم، جاز وجود جسم خالٍ من الأكوان والأعراض، لأن الله جل وعلا موصوف بالقدرة على الممكنات، وقد اتقفنا على أن هذه الأكوان ممكنة كما أن الأجسام ممكنة، فوجب أن يقدر على إبقاء الجسم الممكن لإمكانه وإعدام أعراضه وأكوانه لإمكانها. فيكون خلو الجسم من العرض والكون ممكناً، فبطل قولكم باستحالة خلو الأجسام عن الأكوان والأعراض.
رابعاً وأخيراً قولهم باستحالة حوادث لا أول لها فيقال لهم : ولِمَ قلتم باستحالة، ولم لا يجوز حادث قبله حادث لا إلى أول؟ قالوا : إن كل حادث مسبوق بعدمه سبقاً أزلياً، ولا بد من اقتران إعدامات كل الحوادث في الأزل، وحال اقترانها يستحيل وجود حادث وإلا لزم اجتماع وجوده وعدمه في زمن واحد، وهو باطل.
فيقال لهم : إن اقتران الإعدامات في الأزل مبني على صحة القول بأن الحوادث لها أول وامتناع حوادث لا أول لها، بيانه أن نقول : إن قلنا بجواز حوادث لا أول لها فما من زمان تقدرونه إلا وفيه حادث يمنع وجوده من اقتران جميع الإعدامات، فإن قلتم، فذلك الحادث المعين يسبقه عدمه فتقترن الإعدامات، قلنا : هذا ممنوع، فإنه عند عدم ذلك الحادث السابق لوجوده نجوز وجود حادث آخر يمنع وجوده اقتران جميع الإعدامات، وهكذا قبل وجود ذلك الحادث يجوز ويجود حادث يمنع وجوده من اقتران جميع الإعدامات، وهكذا لا إلى أول.
ووجه آخر أن يقال : يلزمكم في الأبد ما يلزمكم في الأزل، بيانه أن الأعراض عند إمامكم الأشعري رحمه الله لا تبقى زمانين، فكل عرض أو كون يلحقه عدمه لحوقاً أبدياً، فلا بد من اقتران الإعدامات في الأبد كما قلتموه في الأزل، فيلزم زوال جميع الأكوان والأعراض حال اقتران جميع الإعدامات في الأبد، ويلزم عدم الأجسام لاستحالة انفكاكها عن الأعراض، لأنكم قلتم أن الأجسام لا تخلوا منها، فيلزمكم فناء الجنة والنار وكل موجود هو جسم كما قاله جهم بن صفوان إمامكم وإمام كل معطل.
فإذا تبين لك هذا تبين بطلان دليلهم وبطلان قولهم أن الأجسام لها أول.
فلما رأى الكرامية والهشامية بطلان هذا الدليل الهزيل، وأنه ليس في العقل ما يمنع الجسمية بأي معنى كان، سواء كان بمعنى القائم بذاته، أو الجوهر، أو المؤلف من الجواهر، أو شاغل الحيز، أو المتحيز بالجهة، أو ما تجوز عليه الإشارة، أو المحايث المباين، لم يرو ضيراً في إطلاقها عليه على أحد هذه المعاني لما تقدم. فأطلقوه.
أما أهل السنة فمع علمهم ببطلان الدليل لم يروا جواز إطلاق لفظ الجسم لعدم إطلاق النصوص لهذا الإسم، وبخاصة وأن الجسم قد يراد به معنى باطل وقد يراد به معنى حق، فرؤوا الاقتصار على ما أطلقه الشرع والامتناع عن إطلاق وصف لم يذكره الشرع.
إلا هنا وينتهي القسم الأول من الجواب.
والحمد لله الذي ينعمته تتم الصالحات.
أخيراً وجدنا من الوهابية من ينفض غبار الغباء عن رأسه ويحاول أن ينظر نظر العقلاء ليرد على العقلاء بما يحسبه عقلانية واستدلالاً, هذا أمر يبشر بالخير والله.
تعليق