نقاش في حقيقة النبوة والاسلام

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سعيد السالم المخلوفي
    طالب علم
    • Apr 2008
    • 12

    #1

    نقاش في حقيقة النبوة والاسلام

    قبل أن أقدم هذا الموضوع ، كتبت في قسم الترحيب أسأذن المشرفين على المنتدى وأعرفهم بنفسي بأنني علماني فهل يقبلون محاورا علمانيا
    وقد اجاب السيد المشرف العام على المنتدى الأخ سعيد فوده مشكورا ب:

    <<لا مانع عندنا من محاورة العلمانيين بل هذا الأمر بعض ما نقصده من هذا المنتدى>>

    وللتعريف أنا علماني لاديني .
    والموضوع الذي أريد ان نتحاور فيه هو :
    ما هي حقيقة النبوة وهل محمد رسول من عند خالق الكون ؟ وما الدليل على أن القرآن مرسل من عند الله؟

    لقد أشار الأخ المشرف على المنتدى إلى أنه لا مانع عندنا من محاورة العلمانيين بل هذا الأمر بعض ما نقصده من هذا المنتدى

    << والشرط في ذلك عندنا ألا يخالف المحاور الأدب المعتبر في الحوار والنظر، ولا أقصد بالطبع بكلمة الأدب مجرد التلفظ بلفظ الأستاذ أو الشيخ أو الأخ للمحاور، بل الأدب طور وراء ذلك يمنع الواحد نفسه فيه من المغالطة والمعاندة ولا يحتج إلا بما فيه دلالة معتبرة ، ولا يتقصد المراوغة في البحث والحيدة عند السؤال....الخ الآداب المنصوص عليها في كتب العلماء الأأفذاذ....>>
    وإني اتمنى أن أكون عند حسن ظنكم جميعا بالالتزام بأدب الحوار .
    بل أقول إنني ما دخلت في حوار معكم غلا طلبا للحق ، وإذا بدا لي الفكرة مقنعة فإنني سآخذ بها دون تعنت او عناد
    لكن أرجو أن ينحصر النقاش في هذه المسألة بالتحديد
    ما هي الأدلة على أن القرآن من عند الله؟
    وشكرا
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #2
    أرجو ان تكون قد تأملت فيما طلبته منك، وإن كنت لم تشر إلى شيء منه سوى قولك بأنك علماني لا ديني.
    وهذا يشير إلى أن عَلمانيتك (بفتح اللام) المقصود منها أنك من أصحاب هذا العالَم، لا تؤمن بالعالَم الآخِر والحياة الدائمة فيه، وربما لا تؤمن بأن لهذا العالم خالق أصلا، لا العِلمانية (بكسر اللام) المقصود منها أنك من أهل العلم الذين يجمع جمهورهم على أن لهذا العالَم خالق وأن ثمة حياة أخروية أبدية بعد هذه الحياة الدنيوية وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك.
    سألت عن حقيقة النبوة، وعن حقيقة كون محمد صلى الله عليه وسلم رسول من خالق الكون، وسألت عن كون القرآن مرسلا (لا يقال مرسل) من عند الله، وأرى أن هذه الأسئلة سابقة لأوانها، فنحن لم نتعرف بعد بما فيه الكفاية، وما دمت قد تكلمت على خالق العالم، وسميته الله، ومعلوم أن ما سألت عنه من حقيقة النبوة والرسالة والقرآن متوقف على تحقيق الكلام في خالق الكون وصفاته وأفعاله، فأقترح عن تسأل أولا عن خالق الكون الذي يتوقف عليه من خلال سؤالك القول في حقيقة النبوة والرسالة والقرآن، فهل تؤمن بأن لهذا الكون خالقا؟ أم تعتقد أنه وجد من غير خالق؟ وقبل ذلك ما المقصود بالكون عندك، وما المقصود بالخالق حيث أطلقته في سؤالك؟ وعليه ينبني باقي الكلام.
    ومن الأفضل أيضا أن تفيدنا بتصورك للحق الذي تطلبه، حيث يطلق عندنا على الثابت في نفس الأمر بقطع النظر عن أذهاننا، وتفيدنا بتصورك حول النبوة والتعريف الذي تحمله في ذهنك عنها، وكذلك عن الرسالة، والقرآن، إذ كل ذلك من شأنه أن يقيل عثرات الحوار..
    أرجو أن تكون عَلمانيا عِلمانيا، لا مجرد مردد لكلام بلا نية الوصول إلى غاية..
    التعديل الأخير تم بواسطة نزار بن علي; الساعة 14-06-2008, 15:14.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

    تعليق

    • سعيد السالم المخلوفي
      طالب علم
      • Apr 2008
      • 12

      #3
      يقول الزميل نزار بن علي


      << سألت عن حقيقة النبوة، وعن حقيقة كون محمد صلى الله عليه وسلم رسول من خالق الكون، وسألت عن كون القرآن مرسلا (لا يقال مرسل) من عند الله، وأرى أن هذه الأسئلة سابقة لأوانها، فنحن لم نتعرف بعد بما فيه الكفاية،>>

      لماذا هي سابقة لأوانها ؟
      أعرف أنك ستقول :
      إن النقاش فيها يترتب على الايمان اولا بوجود خالق وتحديد صفاته وأفعاله؟

      لكن إسمح لي أن أقول لك :

      إن في الأمرين مسلكين كلاهما يؤدي المطلوب:
      إما أن نبدأ بمناقشة وجود الله والحوار في الأدلة والبراهين المعروفة؟
      وإما ان نبدأ بمناقشة الرسالة القرآنية وعندما نؤكد ربانيتها فإن ذلك تأكيد للموضوعين معا أي تأكيد لوجود الله وتأكيد لنبوة محمد معا.

      وهذا هو المسلك الذي أقترحه لأنه يؤدي المطلوبين معا.فأرجو ان لا يتم الخروج عن الموضوع ونركز الحوار في اثبات أن القرآن ليس تأليفا بشريا بل هو من عند الله .
      وإذا أردت نقاشا في مسألة أخرى أرجو ان تفتح لها موضوعا مستقلا وسأناقشك فيه ، لكن لا أخفيك بأنني سأعطي الأولوية أولا لهذا الموضوع الذي اقترحته هنا.

      تعليق

      • نزار بن علي
        طالب علم
        • Nov 2005
        • 1729

        #4
        المسلك الذي أرشدتك إليه هو المسلك الأقوم عقلا:
        بيانه أنك قلت تريد مناقشة الرسالة القرآنية، وعندما تؤكد ربانيتها.
        لقائل أن يقول لك: عن أي ربانية تتكلم؟؟؟ نحن لم نتفق على معنى الربانية أصلا، فأي موضوع سنأكده؟؟
        فنقول لك إذا كنت تريد الحق؟ لن يصل نقاشنا إلى نتيجة ما لم نتفق على معنى الربانية التي تريد أن تسلب نسبة الرسالة إليها ونريد إثباتها.
        والحاصل أن إثبات الرسالة أو نفيها، ونسبتها إلى الربانية أو نفيها متوقف على فهم معنى الربانية أولا، فمن الخطإ المنهجي القفز للحديث مباشرة عن الرسالة والنبوة الخ، وهذا المنتدى ليس منتدى قفز وانتقاء.
        وعلى ذلك نقول: الملحد الكافر برسالة الإسلام لا ينبغي لنا التسرع معه في الحديث عن النتائج، بل يجب التحقيق والتدقيق في كل الطرق التي تؤدي إلى تلك النتائج (لمصلحته)، بخلاف المؤمن المسلّم المذعن لحقية رسالة الإسلام، فلا ينبغي لنا أن نحقق معه وندقق سبل النظر معه، إذ هو محصل لما يفترض عليه تحصيله.
        وكخلاصة نقول: لن تجد أحدا ليتسرع في محاورتك بما تنتقيه من المسائل، علما بأن الأدلة على ما تطلب متقررة، وحرصا على اتباع المنهجية العلمية والطرق الموصلة للحق يرجى لك اتباع المنهج المرسوم عقلا كما بينت لك. وإذا كان ثم اعتراض على ذلك المنهج يرجى بحثه والفراغ منه قبل الانتقال لغيره.
        وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

        تعليق

        • سعيد السالم المخلوفي
          طالب علم
          • Apr 2008
          • 12

          #5
          يقول الزميل نزار
          <<وكخلاصة نقول: لن تجد أحدا ليتسرع في محاورتك بما تنتقيه من المسائل، علما بأن الأدلة على ما تطلب متقررة، وحرصا على اتباع المنهجية العلمية والطرق الموصلة للحق يرجى لك اتباع المنهج المرسوم عقلا كما بينت لك. وإذا كان ثم اعتراض على ذلك المنهج يرجى بحثه والفراغ منه قبل الانتقال لغيره>>

          يأ أخي أن تتكلم وكأنك صاحب المنتدى بل والمتحكم في عقول أفراده فتقول لن تجد أحدا يناقشني ؟؟؟؟؟
          أنا قلت لك بكل وضوح هذا موضوع حددت فيه مسألة بحثية ، أعيد صياغتها لك بوضوح من خلال السؤال التالي :
          ما ذا في القرآن يثبت أنه ليس بشريا ؟

          تفضل يا أخي وقدم الدليل على أن القرآن من عند كائن غير بشري إسمه الله وأن هذه صفاته وتلك أفعاله .
          وإذا جئتني بالدليل لن تجد مني عنتا في القبول به.

          فما المشكلة في هذا؟
          ولماذا تتهرب من الموضوع؟
          إذا كان لديك موضوعا مغايرا أو طرقا منهجية للبحث إطرحها خارج هذا الموضوع وسأناقشك فيها.

          تعليق

          • نزار بن علي
            طالب علم
            • Nov 2005
            • 1729

            #6
            وأزيد معالم في طريق الحوار المثمر:
            لن يخلو الحوار عن إثبات أمر لأمر أو نفي أمر عن أمر أو التوقف في ذلك، إذ هذه هي ثمرات الحوار، فحري بالمتحاورين أن يحددوا مفهوم السلب الذي يرومون إثباته أو الإيجاب الذي يقصدون إيقاعه، أو التوقف والتردد الذي يتعرض لهم، وبيان هل السلب المقصود هو السلب الدائم المعبر عنه بالاستحالة اي عدم الوقوع أصلا عدما أزليا سرمديا، وهل الإيجاب المقصود هو الإيجاب الدائم المعبر عنه بالوجوب الذي لا يقدر ارتفاعه أصلا لا أزلا ولا سرمدا، وهل المقصود بالتوقف التوقف المتفرع على عجز عن تعيين أحد طرفي الإمكان من الوقوع واللاوقوع لفقد أي دليل عن تعيين ذلك، أو هو توقف بمعنى الشك بمعنى فقدان اي دليل على ترجيح أحد طرفي الشك العارضين في الذهن. فهذه خلاصة جهات الأحكام التي لا يخلو منها حوار، بل هي مقاصد الحوار، وما لم تحدد معانيها وطرقها صار الحوار غير مثمر لكون طرفيه لم يتواردا على أحكام واحدة. ومعلوم أن كل حكم من هذه الأحكام له طريقه الخاص، إما الطرق الضرورية وإما الطرق النظرية، وبفضل فهمها ووعيها ينتفي الخطأ الواضح في بعض الأحكام.
            فنقول على ضوء هذا: لا يكفي نافي كون القرآن مثلا هو كلام الله أن يطلق هذا الحكم دون أن يبين أركانه، فما المقصود بالقرآن؟ وما المقصود بالنفي المثبت هل هو بمعنى الاستحالة أو هو بمعنى تغليب جانب عدم إمكان الوقوع عن جانب الوقوع؟ وقبل ذلك كما قررنا ما المقصود بالله الذي نسبنا أو سلبنا عنه القرآن الذي علينا بيان معناه؟
            وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

            تعليق

            • نزار بن علي
              طالب علم
              • Nov 2005
              • 1729

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة سعيد السالم المخلوفي
              وإني اتمنى أن أكون عند حسن ظنكم جميعا بالالتزام بأدب الحوار .
              ما حاورتك إلا بناء على مناك أعلاه..
              فما ذكرته لك هي بعض آداب الحوار عندنا، فإذا لم نتفق عليها فلماذا الاستمرار في الحوار الذي لن يثمر المرجو وهو الوصول إلى الحقيقية؟؟؟؟
              وعلينا إذا كنا نريد استمرار الحوار أن نحقق القول في آدابه التي اختلفنا فيها كما يبدو، لا الأمر بالإجابة على ما تسأل والاتهام بالتهرب، فالهروب إنما يكون لمن لم يحصل المطلوب، ويفر منه فرار الحمر من القسورة، والمطلوب حاصل عندنا والحمد لله تعالى، فمن ماذا نهرب؟؟؟ ولو أراد أحد الإخوة محاورتك فليس لي منعه ولا غيري، فعن أي تحكم تتكلم؟؟؟
              وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

              تعليق

              • عمار عبد الله
                طالب علم
                • Oct 2005
                • 1010

                #8
                اسجل متابعتي للحوار واوافق ما ذكره الشيخ الفاضل نزار:
                لن تجد أحدا ليتسرع في محاورتك بما تنتقيه من المسائل، علما بأن الأدلة على ما تطلب متقررة، وحرصا على اتباع المنهجية العلمية والطرق الموصلة للحق يرجى لك اتباع المنهج المرسوم عقلا كما بينت لك. وإذا كان ثم اعتراض على ذلك المنهج يرجى بحثه والفراغ منه قبل الانتقال لغيره.
                والمنتدى وإن لم يكن ملكا للاخ نزار ولكن لك أن تعتبره ممثلا عن جميع أعضائه وأظن أن جولة سريعة في مواضيع الشيخ نزار ستعطيك هذا الانطباع إذا لم يكن هذا الانطباع موجودا سابقا.
                كُلُ ما تَرتقي إليهِ بوهمٍ * من جلالٍ وقدرةٍ وسناءِ
                فالذي أبدعَ البريةَ أعلى * منهُ سبحانَ مُبدعَ الأشياءِ

                تعليق

                • سعيد السالم المخلوفي
                  طالب علم
                  • Apr 2008
                  • 12

                  #9
                  بدل أن يدخل الأخ نزار في الموضوع ويدلي بأدلته على أن القرآن وحي تقدم بمجموعة من الأسئلة .
                  لكن احتراما للحوار ، وتأكيدا لصدقي في خوض نقاش جاد ومفيد، أجيب على كل ما جاء به من سؤالات متمنيا منه ان يدخل في صلب الموضوع:

                  يقول الأخ الفاضل :

                  << لا يكفي نافي كون القرآن مثلا هو كلام الله أن يطلق هذا الحكم دون أن يبين أركانه، فما المقصود بالقرآن؟>>

                  وأجيب :

                  المقصود بالقرآن هذا الكتاب المضموم بين الدفتين ، الذي يقول المسلمون أنه أوحي إلى الرسول محمد لفظا ومعنى من عند الله .

                  ويقول الأخ نزار:

                  << وما المقصود بالنفي المثبت هل هو بمعنى الاستحالة أو هو بمعنى تغليب جانب عدم إمكان الوقوع عن جانب الوقوع؟ >>

                  وجوابي :

                  أولا أتساءل :
                  أنا الذي سألتك عن الدليل على كونه وحيا وليس نتاجا بشريا ؟
                  فلماذا لا تجيب ؟

                  لكن رغم كونك لم تجب على سؤالي بل استفهمت بسؤال أجيبك :
                  تسألني عن معنى النفي أهو استحالة أم تغليب عدم الإمكان ؟

                  بكل بساطة ، وحتى لا ندخل في تشقيقات دلالية عن معنى النفي والإمكان والاستحالة أقول لك بكل وضوح:
                  أقصد أنني قرأت القرآن كله ، ولم أجد فيه شيئا فوق إمكان الوعي البشري ان يأتي به . ومن ثم فالأمر ليس عندي محتاجا إلى أن أنسبه إلى كائن ماورائي هو خالق الكون والموحي برسالته القرآنية إلى النبي محمد. ولذا لا أضع النفي في جانب استحالة أن يقول الله القرآن، ولا في جانب إمكان أن يقوله. بل الأمر عندي ضمن مستوى آخر قبل هذا وذاك ، وهو أنني لم أجد في القرآن ما يستحيل على وعي بشري ان يأتي به، حتى أضطر إلى طرح امكان نسبه الى الله أو عدم امكان نسبه.

                  عندما أقرأ مثلا :
                  " إن أنكر الأصوات لصوت الحمير "
                  لا أجد في هذا كلاما يعز على وعي بشري ان ينطق به.
                  وعندما أقرأ مثلا :
                  " فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ"
                  لا أجد في هذا الخطاب ما يمكن أن يستحيل على وعي بشري أن يأتي به ، فهذا من بابا المتخيل الممكن لذائقة روائية أن تتخيله كعذاب على جماعة بشرية ما ؛ وغن كنت لا أرى فيها صورة تستحق أن تورد .

                  إذن فأنا أخاطبك بصراحة وصدق ، وسؤالي لك كان واضحا وبلا مواربة :

                  قد تقول لي إنني انتقي عبارات من القرآن وأغفل أخرى.
                  فهنا أسألك :ما ذا وجدت أنت شخصيا في القرآن أقنعك بانه وحي وليس إبداعا بشريا؟
                  ولتنتق منه ما يؤكد أنه وحي . وستجدني منصتا ، بل ومذعنا للدليل إذا جلا وبان.

                  اما قولك أيها الأخ نزار:

                  << وقبل ذلك كما قررنا ما المقصود بالله الذي نسبنا أو سلبنا عنه القرآن الذي علينا بيان معناه؟ >>
                  وجوابي :

                  رغم أنني ارى أنك تلتف على سؤالي بسؤالات بديلة ، فإنني دفعا لحوارنا في اتجاه الانطلاق الايجابي أجيبك:

                  أنا أناقش الاعتقاد الاسلامي في نسب القرآن إلى الله، لذا اقصد بالله ما يقصده المسلمين : أي واجب الوجود الذي خلق الكون من عدم ، ذلك الخالق الكامل الصفات ، الذي خلق الانسان ، ولم يتركه عبثا فأرسل إليه رسائل لهدايته، ومنها رسالة القرآن.

                  هذا ما أقصده ، وإن لم أكن شخصيا اقتنع بتصور المسلمين لهذا الخالق. لكن ليس هذا مقام التفصيل فيها. بل كل ما اطلبه في موضوعي هذا هو الدليل على أن القرآن يستحيل على وعي بشري أن يأتي به ، ولذا يجب نسبه إلى هذا الكائن الماورائي.
                  وإذا وصلنا الى توكيد ذلك ، أي ان القرآن يستحيل ان ينتجه بشر ، فإنه سيسهل علينا الكثير من الاشكالات، ومنها فهم معنى الألوهية ؛ لأننا عندما نثبت ان القرآن ليس بشريا ، وانه من عند الله سنأخذ بما فيه من معاني.
                  أخي الفاضل نزار .. أرجو بعد هذا الايضاح ان تدخل في صلب الموضوع . وإذا كان هناك ما يعوق نقاشنا فلتتفضل بطرحه وسأجيبك بدون أي لف او دوران

                  تعليق

                  • نزار بن علي
                    طالب علم
                    • Nov 2005
                    • 1729

                    #10
                    الحمد لله تعالى

                    سأبين لك في اختصار كيف أن الموضوعية العلمية تفرض عليك تغيير أسلوبك في البحث عن الحقيقة إن كنت فعلا باحثا عنها كما ادعيت، وكيف أن المنهجية المعرفية تحتم عليك سلوك السبيل الذي رسمته إليك وهو تقديم الكلام على إثبات العلم بوجود ذات واجب الوجود وإثبات العلم بوجود صفاته، ثم الكلام على أفعاله التي منها إرسال الرسل وتأييدهم بضرب آخر من أفعاله وهي المعجزات وتصديقهم فيما يدعون الناس إلى التصديق به مثل كون القرآن كلام الله الذي تستبعد أنت ـ مجرد استبعاد ناتج عن تخمين وذوق خاص ـ وقوعه.

                    وفي تفسيرك للقرآن الذي تريد أن تسلب نسبته إلى واجب الوجود قلت بأنه المضموم بين الدفتين، وتعني بذلك الحروف، فاعلم أنّ القرآن من تلك الحيثية هو فعل من أفعال واجب الوجود كما ندعي؛ إذ هو الذي اخترعه بأن أوجَده أَشكالاَ في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾[البروج: 51]، ثم حروفاً وأقوالاً في لسان الملَك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: 40]، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾[الشعراء: 193]، ثم على لسانه محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾[الدخان: 58] وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾[القيامة: 18]، ومعلوم أن المنهجية المعرفية تقتضي قبل الكلام على أفعال واجب الوجود تقديم الكلام في إثبات العلم بوجود ذاته، ثم إثبات العلم بوجود صفاته، إذ الأفعال فرع ثبوت الذات والصفات، ثم الانتقال إلى الكلام على أفعاله، فالقفز إلى الكلام على الأفعال والتي منها القرآن من تلك الحيثية المذكورة قفز لا ينبئ بجدية الباحث في زعمه عن الحقيقة، لذا أكدت عليك أن الكلام في القرآن سابق لأوانه جدا..

                    واعلم أن القرآن لغة الجَمْعُ، يقال: قرأت الماء في الحوض إذا جمعته. وهو لفظ يطلق عند المسلمين بإزاء معنيين: الأول: بإزاء الكلام المنظوم من الحروف، أي المجموع منها، وهو من تلك الحيثية فعل من أفعال واجب الوجود كما أسلفنا، فإضافته إليه من تلك الحيثية يكون من إضافة الفعل إلى الفاعل، والمعنى الثاني بإزاء صفة أزلية من صفات واجب الوجود، وهي صفة جامعة لكل المعاني بأسرها من أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد الخ، وإضافته إليه من تلك الحيثية إضافة الصفة إلى الموصوف.
                    وإذا فهمت أن ذلك هو مدعانا أدركت أن الكلام معنا لا ينبغي أن يكون أوّلا حول الرسول أو النبي ونسبة القرآن إليه من عدمها كما تفعل أنت؛ إذ القرآن كما بينا إمّا أن يكون فعلا من أفعال واجب الوجود، أو صفة من صفاته، وكل ذلك هو فرع إثبات وجود ذاته وتحقيق القول في ذلك، فالسؤال الذي تطرحه يعتبر منهجيا سابقا لأوانه، ولا يستحق الجواب عليه الآن لكون الجواب حينئذ سيكون عديم الفائدة.

                    وباختصار نقول: قد قدمتَ ما تحمله من تصور حول تصور المسلمين لواجب الوجوب، وأبديت عدم اقتناع بذلك التصور، فالذي تحتّمه عليك منهجية البحث وحب الوصول إلى الحقيقة تقديم الكلام في هذا الأصل، سيما بعد أن بينا لك نسبة القرآن بمعنييه واقعة إلى من لا توافق على تصور المسلمين له أو عدم اقتناعك به، فالأجدر بك تركيز الكلام حول واجب الوجود وإبداء اعتراضاتك على إثبات العلم به وإثبات صفاته التي منها القرآن وإثبات أفعاله التي منها القرآن أيضا، ولا علاقة للرسول مبدئيا بكل ذلك، فالكلام على النبوة والرسالة قفز طويل لا طائل تحته.

                    أما عن بعض ما جاء في مشاركتك الأخيرة، فأقول: قدر الإلحاد أن لا يكون له أدلة إلا مجرد الاستبعاد.
                    بيانه أنك في معرض التدليل على دعواك بأن القرآن (المنظوم من الحروف) يمكن أن يأتي به أي بشر، استندت إلى "دليل" في زعمك مفاده أنه ليس فيه شيء فوق إمكان الوعي. فنقول لمن يحمل هذا الفكر: هذا لا يعتبر دليلا على مطلوبك، بل هو دليل على ضد مطلوبك أصلا. بيان ذلك أن الواقع في الخارج يفيد عدم إتيان أي بشر منذ أربعة عشر قرنا ـ سواء كان بليغا ذكي الذهن أو ركيكا بليد الذهن ـ "بمثل" تلك الحروف المنظومة، (هذا إذا لم نقل أن ضمير مثله عائدا إلى شخص مثل محمد صلى الله عليه وسلم) وذلك يفيد بطريق الأولى كونه ليس من جنس مقدور البشر أصلا، أي يفيد ذلك بطريقة أقوى من كونه كلاما منظوما بليغا فصيحا مخبرا عن الغيوب الخ الصفات العالية التي فيه. إذ على تقدير عدم فصاحته وبلاغته كانت معارضته تكون أيسر، وقد وجد من الدوافع الشديدة ما يدفع على المعارضة، ولكنها لم تقع كما يفيد الواقع.. فانظر كيف أنتج دليلك عكس مطلوبك.

                    والوصول إلى الحقائق كما نبهتك من قبل ليس بمجرد التصديق بما تجده في نفسك وتتصوره في ذهنك بقطع النظر عن مطابقتها للواقع الخارجي، إذ لو كان إدراك الحقائق بهذه الطريقة المختلة لتعددت الحقيقة الواحدة بتعدد الأذهان والخيالات والشهوات مع كونها واحدة في نفس الأمر في الخارج، ودليلك لم يفد إلا حقيقة خيالية وجدتها في ذهنك، أما الواقع الخارجي فيكذبها، والمسلمون مكلفون بإدراك الحقائق الخارجية على ما هي عليه، لا اتباع الأوهام والخيالات كما تفعل.

                    وكتلخيص آخر نقول: ادعاء محمد صلى الله عليه وسلم النبوة والرسالة أمر متحقق في الخارج لا ينكره إلا مكابر لا يستحق المحاورة، وتحدي محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن على إثبات تلك النبوة والرسالة ثابت متواتر لا ينكره إلا جاحد لا يستحق المناظرة، فهذان أمران متحققان في الخارج تواترا مفيدا للقطع بلا أدنى شبهة، ويبقى أمر ثالث وهو تصديق واجب الوجود لتلك الدعوى من عدمها، ولا شك أن ذلك يرجع إما لصفاته أو أفعاله، وعلى كلا التقديرين لا دخل للنبي والرسول في ذلك، فنسبة شيء إليه من عدمها عبث وقفز ينافيان المنهجية العلمية، إذ الكلام ينبغي أن يركز فيما لم يتفق عليه وهو صفات أو أفعال واجب الوجود الذي ندعي أن كل ما يختص الرسول هو من أفعاله، وقبل ذلك إثبات العلم بوجود ذاته، ويكفيك هذا القدر لكي ترتب منهج بحثك عن الحقائق، وتتجنب القفز العالي الذي ينتهي غالبا بسقوط القافز سقطة لا قيام بعدها.
                    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

                    تعليق

                    • سعيد السالم المخلوفي
                      طالب علم
                      • Apr 2008
                      • 12

                      #11
                      الأخ الفاضل نزار ، لأنني جاد في الحوار ، ولا أريد أن ألزم محاوري بمسار منهجي أفرضه عليه، سآخذ بالترتيب الذي اقترحته علي، لذا سأؤجل جميع النقط المتعلقة بنبوة محمد ، وأبدأ معك بمناقشة حول واجب الوجود. وسأقتطف من مداخلتك ما يتعلق بهذا الموضوع وأوجل الفقرات التي تكلمت فيها عن النبوة والقرآن ، بناء على توجيهك السابق :

                      تقول في مداخلتك السابقة :


                      أن الكلام معنا لا ينبغي أن يكون أوّلا حول الرسول أو النبي ونسبة القرآن إليه من عدمها كما تفعل أنت؛ إذ القرآن كما بينا إمّا أن يكون فعلا من أفعال واجب الوجود، أو صفة من صفاته، وكل ذلك هو فرع إثبات وجود ذاته وتحقيق القول في ذلك، فالسؤال الذي تطرحه يعتبر منهجيا سابقا لأوانه، ولا يستحق الجواب عليه الآن لكون الجواب حينئذ سيكون عديم الفائدة.
                      بالنسبة لواجب الوجوب ، فلا أخفيك إنني رغم لادينيتي لا أستطيع الجزم بعدم وجود قوة خالقة خلقت الكون وأوجدته.
                      فلا أعتقد بموقف الالحاد النافي لوجود قوة عاقلة . إذ لا يستوعب عقلي أن يوجود هذا الوجود من لاشيء.


                      لذا يمكنك ان تحواني بوصفي أعتقد بوجود قوة خالقة للوجود.

                      لكنني في الوقت ذاته لا اعتقد بإله الأديان.
                      كما لا أعتقد بان هذا الكائن الذي أوجد الكون هو كما تقدمه الكتب الدينية من كونه خالقا كاملا الصفات.
                      فأنا على سبيل المثال لست مقتنعا بأنه إله خير ، لما ارى من شرور في الوجود على نحو غير قابل للتبرير عقليا ونفسيا. فأن أرى الزلازل والفيضانات تذهب مئات الأولف من البشر لا أرى في ذلك خيرا .
                      وان أرى المرض يفتك بطفل صغير ، لا ارى في ذلك خيرا.

                      لذا قلت لك من قبل إنني لا أعتقد بالصفات التي تنسبها الاديان الى هذا الكائن الخالق او الموجد للكون.

                      إذن يمكن أن تتجاوز معي الدليل على وجود الله إلى مناقشة صفاته .

                      تعليق

                      • نزار بن علي
                        طالب علم
                        • Nov 2005
                        • 1729

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة سعيد السالم المخلوفي
                        بالنسبة لواجب الوجوب ، فلا أخفيك إنني رغم لادينيتي لا أستطيع الجزم بعدم وجود قوة خالقة خلقت الكون وأوجدته.
                        فلا أعتقد بموقف الالحاد النافي لوجود قوة عاقلة . إذ لا يستوعب عقلي أن يوجود هذا الوجود من لاشيء.

                        الحمد لله تعالى


                        أشكرك على حسن إنصافك وعدولك عن البحث الانتقائي إلى اتباع صراط المنهج العلمي الموصل للحقيقة عادة، سيما في مباحث العلوم الدينية.
                        وأشير إلى أن المقام كان يقتضي تقديم القول في مقصودك بالدليل حيث إنك تروم نصبه لما تعتقده حقيقة، وفي وجه دلالة الأدلة حيث ربما يخالفك المخالف في نفس الدليل الذي تعتمده ويصل به إلى غير النتيجة التي وصلت إليها، وفي شروط إيصال الدلائل الصحيحة المنتجة للعلم بالحقيقة حيث يتمسك بها البعض بلا استئفاء لشروطها فتطرأ عليهم موانع تقطعهم عن الوصول إلى الحقائق.
                        لكن إذا سلكنا ذلك السبيل سنجد أنفسها بصدد التأصيل لنظرية المعرفة الصحيحة وإدراك الحقائق، وهو في حد ذاته أمر مهم جدا، بل هو الأصل في البحث عن الحقيقة، لكن ليس مجاله صفحات المنتدى الذي يكون المراد فيه مناقشة فكرة معينة فقط.

                        وسيكون حواري معك مترددا بين الإجابة عن بعض استشكالاتك وبين توجيه بعض الأسئلة إليك، لا بقصد حصول جواب من عندك عليها فقط، بل لقصد إثارتها أيضا في نفسك لعلها تثير لك أسئلة أهم مما تطرحه بحيث تقودك إلى وجه الصواب.

                        لقد قلت في مشاركتك الأخيرة بأنك لا تستطيع الجزم بعدم وجود قوة خالقة خلقت الكون وأوجدته، ويفهم من كلامك إما أنك تجزم بوجود قوة خالقة خلقت الكون بدليل قولك فيما بعد: « إذ لا يستوعب عقلي أن يوجود هذا الوجود من لاشيء»، ومعنى عدم استيعابك ذلك أنه تحكم باستحالة وجود الكون بلا موجِد، ولو لا هذه الجملة الأخيرة في كلامك كان بالإمكان حمل عدم استطاعتك الجزم بعدم وجود قوة خالقة أنك شاك في وجوده من عدمه، لكن عدم استيعاب عقلك لنفيه يفيد جزمك بوجوده.

                        وهنا إذا أردنا تحليل كلامك تحليلا موضوعيا علميا وجدنا فيه الأركان التالية:

                        ـ دالاّ ناصبا للدليل: وهو أنت.

                        ـ ودليلا استعملته: وهو الكون أو الوجود المشاهد لتصل به إلى مدلول معين.

                        ـ ومدلولاً نصبت لأجله الدليل (من حيث تشعر أو لا تشعر) وهو وجود قوة خالقة خلقت الكون وأوجدته.

                        وهذا الكلام صحيح لا غبار عليه، وهو راجع إلى قول العلماء المفكرين: العالَم (الكون عندك) حادِث، وكل حادث فله محدِث، فالعالم له محدث. ولا خلاف في ذلك بين العقلاء.

                        ونقصد بالعقلاء الذين نحسبك منهم الذين يدركون الأحكام العقلية الضرورية من وجوب الواجبات الضرورية كوجوب افتقار كل حادِث إلى محدِث، واستحالة المستحيلات الضرورية كاستحالة حدوث الحادث بلا محدِث، وجواز الجائزات الضرورية كجواز وقوع الحادِث المعين متقدِّما عن الزمن الذي وقع فيه أو متأخرا عنه.

                        لكن الخلاف بين العقلاء يكون غالبا في صفات ذلك الموجِد المحدِث الذي تسميه أنت بالقوة الخالقة ، ويسميه المسلمون عند مباحثة غير المتدينين بدين الإسلام بـ«واجب الوجود»، وهي تسمية يفهمها العاقل قبل أن يصدق بالشرع الذي يرشده إلى أن واجب الوجود يسمى "الله".

                        والذي يهمنا إرشادك إليه في هذا المستوى من المحاورة هو استكمال أركان الدليل الذي ذكرته أنت والذي أوصلك إلى عدم الجزم بعدم وجود موجِد لهذا الكون (أو العالَم كما نصطلح عليه)، أو فلنقل استكمال أركان الدليل الذي أوصلك كعاقل إلى إدراك أنه لا بد لهذا الكون من موجِد.

                        وقد أسلفنا أن كلامك تضمن ثلاثة أركان وهي الدال والدليل والمدلول، وبقي ركن مهم جدا وعليه يترتب باقي الحوار معك وعليه يتوقف إدارك الحقائق الآتية، وتحتم علينا المنهجية العلمية ذكره واستيفاء الكلام فيه، وهو وجه دلالة الدليل على المدلول، أقصد وجه دلالة الكون (العالَم) على أنه لا بد له من قوة خالقة، وهذا ما نريدك تفضلا أن تجيب عليه إجابة واضحة بحيث ترفع عنك الشك الذي يمكن أن يقع عليك إذ لم تستكمل أركان دليلك، وتجيب عليه بحيث تصير جازما جزما مطابقا للواقع بأنه لا بد لهذا الكون من قوة خالقة، أي لا بد لهذا الكون من موجد واجب الوجود.

                        ولكي اختصر عليك الطريق فسأرشدك إلى ما لن يخرج عنه وجه الدلالة بحال، وهما وجهان:

                        ـ الوجه الأول: الإمكان. والمقصود به إمكان هذا الكون المشاهد على أن يكون على خلاف ما هو عليه الآن، حيث إنك تشاهد الزلازل والبراكين والأوبئة والأمراض (وهي من أجزاء الكون المشاهد) واقعة في زمن دون زمن، وواقعة على بشر دون بشر، ومصيبة لأطفال دون آخرين، وتجزم بأنها وقعت لا محالة في الخارج، وتجزم (استنادًا إلى حكم الجواز العقلي الضروري الذي لولاه ما كنت عاقلا) بإمكان وقوعها متقدمة بزمن أو متأخرة على الوقت الذي وقعت فيه، مصيبة لآخرين غير الذين أصابتهم، فيطلب علمُك بوجوب افتقار وقوع أحد الجائزين إلى موقِعٍ يختارُ وقوعَ أحدهما وإلا لما وقع، والمشاهدة تبيّن أنه وقع، وقس على ذلك باقي الممكنات.

                        ـ والوجه الثاني هو الحدوث. والمقصود به خروج ما تشاهده من أجزاء الكون كالزلازل والبراكين والأمراض من العدم الذي كانت عليه قبل وجودها في الخارج إلى الوجود الخارجي حيث شاهدتها، فتحكم استنادا إلى علمك بوجوب افتقار كل حادث إلى محدِث بوجوب افتقارها إلى موجِد أخرجها من العدم في الخارج الذي كانت عليه إلى الوجود فيه.

                        ولن يخرج وجه الدلالة على هذين الوجهين في جميع الكون، وإن انقسم عند العلماء المفكرين إلى ما يعتبر في ذوات الكون الخارج أو صفاته. والذي يجمع هذين الوجهين جمعا شاملا هو التغير من حالة إلى حالة المستلزم لافتقار المتغير إلى مغيّر يغيره من الحالة التي كان عليها (سواء من العدم إلى الوجود أو من وجود بهيئة ممكنة إلى هيئة أخرى) إلى حالة أخرى.
                        وعند هذا المستوى من الحوار أقف وقفة مهمة لأقول:
                        لا ينبغي لعاقل يريد البحث عن الحقائق الدينية وعن حقيقة هذا الوجود وعن حقيقة ما يحدث فيه وعن حقيقة نفسه ومبدإها ومآلها ما لم يحقق القول في هذه المقدمات التي ذكرناها، بحيث لا يتعداها إلى غيرها حتى يزيح عن طريقه كل الشكوك التي ترد عليها والتي تمنعه من الجزم بمقتضى تلك المقدمات جزما صحيحا مطابقا للواقع، وهي مقدمات ومباحث لا تخضع للعاطفة والميول النفسية والتخمينات والتوقعات وغير ذلك مما لا يفيد علما بالحقائق على ما هي عليه في الخارج، بل هي مباحث خاضعة إلى أدلة وبراهين عقلية محكمة بشروط وقوانين كونية، فافتقار كل حادث إلى محدث، وافتقار كل ممكن إلى واجب، واستحالة وقوع اثر بلا مؤثر أمور ضرورية لا تقبل التشكيك، وما يبنى عليها من المسائل النظرية بناء صحيحا لا يقبل التشكيك أيضا.

                        وبعد علمك بوجه الدليل علما محكما متقنا بحيث تصير جازما جزما مستندا إلى دليل مكتمل الأركان، مفيدا للعلم بالحقيقة على ما هي عليه في الخارج وهي افتقار كل هذا الكون ذاتا وصفات إلى موجد ومحدِث، لولاه ما رأيت شيئا من تغيرات هذا الكون وحوادثه من زلازل وبراكين وغيرها، بل ما رأيتها أصلا موجودة في الخارج، بعد علمك المحكم بذلك يصير إثباتك لوجود ذات واجب الوجود علما يقينيا لا يقبل التشكيك لمطابقته للواقع في الخارج، وعلى هذا اليقين يمكنك الانتقال إلى الكلام على صفات ذات واجب الوجود، مستصحبا أصلا عظيما وهو أنه لا يتحرك متحرك في الكون ولا يسكن، ولا يتغير متغير في الكون ولا يتقرر إلا بصفة من صفات واجب الوجود، وكل ذلك مبرهن عليه يمكن لمن تواضع وطلب معرفة الحقائق بطريقها الصحيح أن يقف على ذلك إذا أراد.

                        وقد طلبت أيها المحاور تجاوز الدليل على وجود واجب الوجود إلى مناقشة الصفات، وهنا أقول لك قولا أصيلا:

                        إنك لن تصل إلى أي حقيقة ما ما لم تحقق الكلام في أدلة إثبات واجب الوجود؛ إذ عليها يتفرع إثبات صفاته، إذ مهما أخطأت في براهين إثبات واجب الوجود وصلت إلى تناقض إما آجلا أو عاجلا، مثلا إذا أقررت بافتقار كل الكون إلى واجب الوجود بأدلة الإمكان والحدوث، وحققت الكلام في ذلك، ثم إذا تكلمت على صفاته وحكمت (بتخمين وذوق خاص) أنه غير كامل، أي ناقص، يعود هذا الحكم الذي حكمت به على واجب الوجود بالنفي لوجوب وجوده وحكما عليه بافتقاره إلى ما يرفع عنه النقص الذي حكمت به عليه (بذوقك الخاص)، إذ كل ما كان غير كامل فهو ناقص، وكل موجود ناقص فهو يقبل التكميل، إذ كان من الممكن أن يوجد أكمل بقليل أو كثير، وذلك يحتم علينا الحكم بافتقاره إلى من أوجده على تلك الدرجة الناقصة من الكمال، وليس ذلك إلا الكامل الذي لا يقبل النقص بوجه ولا يقبل زيادة الكمال بوجه لكونه بالغ منتهاها، وهو واجب الوجود الواهب لكل موجود من الموجودات الممكنة الحادثة قدرا معينا من الكمال وآخر من النقص بحكمته وإرادته.

                        فانظر كيف انقلب إثباتك لواجب الوجود (القوة الخالقة للكون كما تميها) إلى إثباته موجودا مفتقر متصفا بنفس صفات الكون الذي توصلت به إلى معرفة وجود واجب الوجود، وهو تناقض صريح كما لا يخفى على عاقل.

                        أما حديث الشرور والخيرات فهو كلام خطابي لا يوصل إلا إلى أوهام لا تتعدى الأذهان، وهي مجرد خيالات لكونها لا تطابق الواقع الخارجي، وحديثك عن الزلازل والبراكين والأمراض لا يفيد يقينا، فإنك نظرت إليها من وجه باطل (عاطفي لا علمي) بدليل أنه أدى بك إلى نقض ما أثبته أولا وهو إثبات واجب الوجود، إذ تلك الزلازل والبراكين ووقوع الأمراض شاهدة على وجوب وجوده وافتقارها إليه، وحكمك عليه من خلالها أنه غير كامل وناقص هو في الحقيقة إبطال لوجوب وجوده وحكم عليه بالافتقار إلى موجِد كما أشرت لك، وهذا هو غاية التناقض، فإما أن يبطل وجه دلالتها على وجوب وجود موجدها، وإما أن يبطل وجه دلالتها على أنه غير كامل، وإذا حققت صحة وجه دليلها على إثبات وجوب وجوده تبين لك بطلان وجه دليلها على عدم كماله كما حكمت (بذوق خاص).
                        وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

                        تعليق

                        • سعيد السالم المخلوفي
                          طالب علم
                          • Apr 2008
                          • 12

                          #13
                          الأخ الفاضل نزار أشكرك على حسن أدبك في الحوار وأهنؤك على رقي أسلوبك وتماسك أفكارك.
                          واسمح لي بأن أقدم بعض الانتقادات على ما تفضلت بكتابته.

                          وأشير إلى أن المقام كان يقتضي تقديم القول في مقصودك بالدليل حيث إنك تروم نصبه لما تعتقده حقيقة، وفي وجه دلالة الأدلة حيث ربما يخالفك المخالف في نفس الدليل الذي تعتمده ويصل به إلى غير النتيجة التي وصلت إليها، وفي شروط إيصال الدلائل الصحيحة المنتجة للعلم بالحقيقة حيث يتمسك بها البعض بلا استئفاء لشروطها فتطرأ عليهم موانع تقطعهم عن الوصول إلى الحقائق.


                          لكن إذا سلكنا ذلك السبيل سنجد أنفسها بصدد التأصيل لنظرية المعرفة الصحيحة وإدراك الحقائق، وهو في حد ذاته أمر مهم جدا، بل هو الأصل في البحث عن الحقيقة، لكن ليس مجاله صفحات المنتدى الذي يكون المراد فيه مناقشة فكرة معينة فقط.


                          أجل ليس هذا مقام يسمح بأن نتعمق في نقاش ما أسميته بنظرية المعرفة الصحيحة. لذا نؤجل المسائل المعرفية إلا حين ياتي مقامها للاستدلال على ما نحن بصدده.


                          وسيكون حواري معك مترددا بين الإجابة عن بعض استشكالاتك وبين توجيه بعض الأسئلة إليك، لا بقصد حصول جواب من عندك عليها فقط، بل لقصد إثارتها أيضا في نفسك لعلها تثير لك أسئلة أهم مما تطرحه بحيث تقودك إلى وجه الصواب.

                          تفضل .. وانا رهن إشارتك .



                          وقد طلبت أيها المحاور تجاوز الدليل على وجود واجب الوجود إلى مناقشة الصفات، وهنا أقول لك قولا أصيلا:

                          إنك لن تصل إلى أي حقيقة ما ما لم تحقق الكلام في أدلة إثبات واجب الوجود؛ إذ عليها يتفرع إثبات صفاته، إذ مهما أخطأت في براهين إثبات واجب الوجود وصلت إلى تناقض إما آجلا أو عاجلا، مثلا إذا أقررت بافتقار كل الكون إلى واجب الوجود بأدلة الإمكان والحدوث، وحققت الكلام في ذلك، ثم إذا تكلمت على صفاته وحكمت (بتخمين وذوق خاص) أنه غير كامل، أي ناقص، يعود هذا الحكم الذي حكمت به على واجب الوجود بالنفي لوجوب وجوده وحكما عليه بافتقاره إلى ما يرفع عنه النقص الذي حكمت به عليه (بذوقك الخاص)، إذ كل ما كان غير كامل فهو ناقص، وكل موجود ناقص فهو يقبل التكميل، إذ كان من الممكن أن يوجد أكمل بقليل أو كثير، وذلك يحتم علينا الحكم بافتقاره إلى من أوجده على تلك الدرجة الناقصة من الكمال، وليس ذلك إلا الكامل الذي لا يقبل النقص بوجه ولا يقبل زيادة الكمال بوجه لكونه بالغ منتهاها، وهو واجب الوجود الواهب لكل موجود من الموجودات الممكنة الحادثة قدرا معينا من الكمال وآخر من النقص بحكمته وإرادته.

                          فانظر كيف انقلب إثباتك لواجب الوجود (القوة الخالقة للكون كما تميها) إلى إثباته موجودا مفتقر متصفا بنفس صفات الكون الذي توصلت به إلى معرفة وجود واجب الوجود، وهو تناقض صريح كما لا يخفى على عاقل.

                          هنا جوهر الخلاف :
                          لقد حكمت على واجب الوجود بالكمال المطلق والخير المطلق حكما ذهنيا يفترض المقدمات التالية:
                          كل ما كان غير كامل فهو ناقص،
                          وكل موجود ناقص فهو يقبل التكميل،إذ كان من الممكن أن يوجد أكمل بقليل أو كثير،

                          وذلك يحتم علينا الحكم بافتقاره إلى من أوجده على تلك الدرجة الناقصة من الكمال، وليس ذلك إلا الكامل الذي لا يقبل النقص بوجه ولا يقبل زيادة الكمال بوجه لكونه بالغ منتهاها، وهو واجب الوجود .

                          أولا هناك نقد لمقدمتك الأولى لأنها تقفز على أمر هام وهو :
                          ما هي الضرورة العقلية التي تفرض علينا أن ننسب إيجاد الوجود إلى قوة كاملة خيرة؟
                          إن فعل الايجاد لا يحتاج الكمال بل يحتاج القدرة على الايجاد فقط.
                          فلابد لك من تبرير وصفك لهذه القوة الموجدة للوجود بصفة الخير المطلق.

                          قد تقول لأن الشر نقص ، والنقص يناقض الكمال.
                          أقول لك :
                          أليس عجز واجب الوجود عن فعل الشر نقص في كمال قدرته؟
                          إذن تلاحظ ان هذه المقدمات التي تبني عليها تصورك لواجب الوجود ممكن الاعتراض عليها من أكثر من وجه.
                          تلك هي مقدماتك وملاحظتي عليها باختصار شديد.

                          ونتيجة عدم اقتناعي بها بنيت تصورا مخالفا لتصورك حول ما تمسيه بواجب الوجود وأسميه القوة الموجدة للوجود معتمدا على مقدمات مخالفة لمقدماتك وهي كما يلي:

                          انا أحكم بوجود قوة عاقلة أوجدت الوجود.
                          لكن هل هي متصفة بالخير المطلق؟
                          لا أجد أي ضرورة تلزمني بأن أنسب لها الخيرية المطلقة. فكما قلت لك سابقا إن صفة إيجاد الوجود لا تحتاج إلا إلى القدرة على الإيجاد .
                          هذا اولا . اما ثانيا

                          فكما استدللت على وجودها من العالم استدل على صفاتها من هذا العالم.
                          وبما أن هذا العالم فيه شرور ونقص
                          فتلك القوة الموجدة له إما انها لا تريد الشر الموجود في العالم لكنه موجود فإذن لم تستطع منعه ، فهي إذن عاجزة ( وهذا ما يخرم صفة القدرة المطلقة).
                          وإما انها تستطيع ولم تفعل فهي إذن شريرة.
                          ستقول إن الأمر مجرد كلام خطابي وهو ما قلته في مداخلتك :
                          أما حديث الشرور والخيرات فهو كلام خطابي لا يوصل إلا إلى أوهام لا تتعدى الأذهان، وهي مجرد خيالات لكونها لا تطابق الواقع الخارجي


                          اعترض عليك وأخالفك في هذا :
                          لأنني أرى أن تصوراتي هي التي تطابق الواقع الخارجي .
                          وتصورك أنت هو الذي لا يطابق هذا الواقع
                          فإذا قلنا بأن هذا الوجود اوجدته هذه القوة الموجدة فإن في هذا العالم نقص وشرور. وبالتالي فنسب صفة الشر إلى هذه القوة الموجدة منطقي تماما ؛ لأنه وصف آت مما أنتجته هذه القوة.
                          وبالتالي فتصوري هو الذي يطابق الواقع بينما تصورك انت هو مجرد تخيل عقلي لمفهوم واجب الوجود .
                          تحياتي لك

                          تعليق

                          • نزار بن علي
                            طالب علم
                            • Nov 2005
                            • 1729

                            #14
                            الحمد لله تعالى

                            الآن يمكننا القول بأن الحوار أخذ فعلا مساره الصحيح، حيث انحصرت الاشكاليات المطروحة في مسائل قليلة غير منتشرة، وهو ما سيمكننا في تناولها تناولا موضوعيا ينبني على إثره باقي الحوار، والله أسأل أن يثبتني على الحق وأن يهديك إليه الهداية الخاصة (وهي خلق صفة الإيمان بالحق في القلب)، لا الهداية العامة وهي نصب الدلائل المؤدي اتباعها وقراءتها قراءة صحيحة إلى حصول الهداية الخاصة عادة، فإن تلك الهداية العامة حاصلة بفضل واجب الوجود ذي الكرم والجود.

                            أولا: أنا أثبت العلم بوجود موجود واجب الوجود، تفتقر إليه جميع الكائنات الممكنة الحادثة؛ بدلائل إمكانها وحدوثها، وأثبت العلم بأن واجب الوجود كامل في ذاته وصفاته أزلا، قبل إيجاد الأفعال الحادثة أصلا.

                            فالكمال الذي نثبته لواجب الوجود غير مرتبط بأفعاله أصلا، وعليه فلا علاقة بخيرية الأفعال أو شريتها في كمال واجب الوجود، فلم ندع أصلا أن واجب الوجود كامل لأنه خيّر يفعل الخير، أو ناقص لأنه شرير يفعل الشر.

                            وبيان ذلك أن الكمال الذي نثبته لواجب الوجود أمر ثابت حقيقي غير نسبي، فهو إما أن يكون واجب الاتصاف بصفات الكمال الوجودية والسلبية فيلزم كماله، وإما أن يكون غير متصف بها فيلزم افتقاره ونقصه، وقد برهن على أساس ذلك أنه كامل. وأما الأفعال فلا ينبني عليها إثبات كمال واجب الوجود من عدمه؛ إذ هي نسبية متفاوتة متغيرة بتغير الاعتبارات، فربّ فعل يعتقده زيد شرا لما يشاهده ظاهرا هو في مآلة خير، ورب أمر يعتقده خيرا هو في المآل شر بالنسبة إليه. فالخير والشر أمور نسبية لا يرتبط بها كمال واجب الوجود من عدمه.

                            وإن سلّمنا جدلا ارتباط كماله بأفعاله، واستقرينا الخير منها والشر باعتبارنا (هذا إن اتفقنا على أن الخير منها خير في نفس الأمر بداية ومآلا والشر كذلك) لوجدنا الخير يربو على الشر بأضعاف مضاعفة، واعتبر من نفسك وما أوجدكم واجب الوجود عليه من نعمة البصر والشم والذوق وغيرها من النعم التي لا تحصى ولا تعد، والكل يجمع على أنها خير ونعمة محضة، واعتبر في هذه السموات وهذه الأرض وما حوته من خيرات وصنوف الثمار والأشجار وغيره مما لا تحصره الداواين ولا تصل إليه الأذهان، وما الشر بالنسبة إليها (إذا سلم بكونه شرا حقيقة ومآلا) إلا كقطرة ماء في بحر، فعلى اعتبار ارتباط كمال واجب الوجود بأفعاله يعتبر كاملا ولا شك، إذا الخير من أفعاله قد فات الشر باضعاف مضاعفة.

                            فكيف ونحن لا نسلم أصلا ارتباط كماله بأفعاله، فالعالم ـ وهو فعله ـ حادث كما برهن عليه، ولو لم يكن كاملا لما أوجده أصلا. لكنه موجود مشاهد فدل على أنه كامل بذاته وصفاته قبل وجود أفعاله.

                            أما الضرورة العقلية التي تفرض علينا نسبة هذه الموجودات الحادثة الممكنة إلى واجب الوجود الكامل في ذاته وصفاته هي قضاء العقل بوجوب افتقارها إليه، وبسط ذلك من جهة إمكانها أو حدوثها في ذاتها وصفاتها في علم أصول الدين المبني على البراهين العقلية.


                            أما دعواك أيها المحاور أن إيجاد الممكنات لا يحتاج إلا إلى القدرة، فأنت معذور فيها لأنك لم تقرأ ولو مبادئ علم أصول الدين التي برهن فيه على أن واجب الوجود فاعل مختار وليس موجبا بالاضطرار، والفاعل المختار يفعل بواسطة إرادته وعلمه، إلى جانب قدرته، وبيانه في اختصار شديد أن الممكنات كلها متساوية الوجود بالنسبة للقدرة، فلا بد من إثبات صفة يكون بها ترجيح تعلق القدرة بإيجاد بعض الممكنات دون بعض، وتلك الصفة التي يرجح بها القادر أحد مقدوراته هي الإرادة، والإرادة لا ترجح المجهول، بل ترجح المعلوم المتميز المنكشف بالعلم، فهذه هي صفات كمال واجب الوجود التي برهن عليها العقل، وهي القدرة والإرادة والعلم، وهي لا تقوم إلا بالحي ضرورة، وبهذه الصفات الأربع المسماة بالصفات التي يتوقف عليها فعل واجب الوجود يثبت كماله، وإرسال الرسل وإجراء المعجزات على أيديهم وخرق العادات لهم تصديقا لدعواهم إنما هو من أفعاله الواقعة بإرادته وقدرته على حسب علمه وحكمته، وبهذه الإفعال تتقرر الشرائع ويثبت صدق المرسلين فيما يخبرون به عن باقي صفات واجب الوجود وما يتعلق بذلك.. وبسط ذلك يطول.

                            وبهذه التقريرات اللطيفة أتوقع أن تراجع ما بنيت عليه تصورك لكمال واجب الوجود، والخيط الذي يمكن أن يقودك للإذعان للحقيقة هو أنك سلمت أن واجب الوجود هو مصدر كل موجود، وقسمت الموجودات إلى خير وإلى شر، ونسبت إليه النقص وسلبت عنه الكمال لمجرد أنه فعل ما تتصوره شرا، وقد أشرت لك إلى بطلان هذا التصور وإلى أن كمال واجب الوجود غير مرتبط أصلا بأفعاله، وإلى أن الأفعال تنقسم بحسب أذهان الناس المتفاوية إلى ما اصطلح على تسميته عرفا بالخير وإلى ما اصطلح على تسميته عرفا بالشر، ورب فعل يعتبره البعض شرا هو خير وبالعكس.

                            ولا أريد أن أجر الحوار إلى ما مسألة الحسن والقبح وإن ارتبط بها كلامك، فإن فيما ذكرته لك كفاية لو تأملته. وإلا فبطلان الحسن والقبح العقليين مبرهن عليه، ومبرهن على أن جميع أفعال واجب الوجود متصفة بالحسن والخير باعتبار صدورها عن اختياره وقدرته وعلمه.


                            وختاما قصدت بأن كلامك غير مطابق للواقع أنه يؤول إلى تناقض كنت قد أشرت إليه سابقا، وهو إثباتك الكمال لواجب الوجود ضمنا وبغير قصد منك ربما عندما نسبت إلى قدرته جميع الموجودات الحادثة، ثم سلبت عنه ذلك الكمال بتخيلك أنه فعل الشر وفاعل الشر ناقص، وهذا تناقض (أقصد إثباتك ملزومات الكمال ثم إثبات لوازم النقص) وما أدى إلى التناقض أقل ما يقال فيه أنه نتيجة الخيال والوهم.

                            وأما ما أثبتناه لك من كمال واجب الوجود بذاته وصفاته، وأن كماله غير مرتبط بأفعاله لا قبل وجودها ولا بعده، ليس فيه أي تناقض، بل هو الحق الخالص، وما يعتقده المخالف في ذلك إنما هو ناتج عن شبه علقت بذهنه ومغالطات مقصودة أو غير مقصودة، وقد أشرنا إلى حل بعضها.. والله الهادي.
                            التعديل الأخير تم بواسطة نزار بن علي; الساعة 19-06-2008, 10:38.
                            وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

                            تعليق

                            • علي عبد اللطيف
                              طالب علم
                              • Dec 2007
                              • 730

                              #15
                              هل انتهى الأمر عند هذا الحد أم للكلام تتمة لعلكما شُغلتما عنه......نحن ما زلنا ننتظر متابعة الكلام
                              الحمد لله

                              تعليق

                              يعمل...