بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه.
وبعد فقد يستدلُّ بالشعور الضروريّ بأنَّ العبد فاعل له على أنَّ له مدخليّة في فعله زيادة على كونه محلاً له. وتقريره بأنَّ العبد يدرك أنَّه مختار قادر على الفعل والترك، فإذ كان يدرك هذا إدراكاً ضرورياً فإمَّا أن يوافق الواقع أو لا، فإن لم يكن فيلزم تكذيب الله سبحانه وتعالى بأنَّه سبحانه وتعالى يُعلم العبد ضرورة ما ليس بحسب الواقع، فلزم أن يكون بحسب الواقع وهو كون العبد له مدخلية في الفعل.
والاختيار للعبد يطلق على معنيين:
أحدهما: عين ترجيح وجود الفعل أو عدمه، وهو ينقسم قسمين:
الأول: أن يكون عين التأثير في وجود الفعل -أو لا وجوده بعدم إرادة وجوده-.
الثاني: أن يكون المعنى الحادث الذي هو الميل إلى وجود الفعل أو عدمه.
ثانيهما: ما يجد العبد من نفسه من القدرة على فعل فعلٍ ما وتركه.
فإذ كان القسم الأول للمعنى الأول باطلاً على مذهب أهل السنّة والجماعة، وكان المعنى الثاني مبنياً على القسم الثاني من المعنى الأول صحَّ إبطال هذا الدليل من جهات أربع:
الأولى: فليكن الشعور الضروريّ الذي يستدلُّ به المستدلّ شعوراً لصحة وقوع الفعل له وعدم وقوعه، فهنا دلالة الشعور إنَّما هي لأمر خارج عن العبد ولا يلزم أن تكون دالَّة على معنى زائد غير متفرّع عن محلية العبد الفعل.
الثانية: أن نقول إنَّ الاختيار في المعنى الأول عينه هو شعور، فليس يدلُّ على أمر زائد كما يدَّعي المستدلُّ، فاحتمال هذا مبطل دليله.
الثالثة: أن نقول إنَّ (المعلوم ضرورة هو وجود القدرة لا تأثيرها) كما قاله الإمام السعد.
الرابعة: سلّمنا تنزلاً أنَّ الله سبحانه وتعالى قد خلق في العبد شعوراً ضرورياً مغايراً لما في نفس الأمر، ولكنَّا لا نسلّم أنَّه يلزم عن ذلك تكذيب الله سبحانه وتعالى، وذلك بأنَّ هذا حاصل بالفعل في اعتقادات المخالفين كالمجسمة والكفار، بل هو حاصل أيضاً في كثير من مدركات العبد الشعورية الضرورية عند رؤيته ما يظنُّه رجلاً فيكون شجرة، أو أن يرى نفسه مائلاً وهو ليس بمائل ولكنَّ التأثر بأن يكون السائل الذي بالأذن الوسطى قد تحرَّك، وكذلك عند كون الشخص على غير تحقق وعيه كالمخدر أو السَّكِر تكون له إدراكات شعوريّة ضرورية مغايرة للواقع. فإذ كان ذلك ولم يلزم منه كون الله سبحانه وتعالى كاذباً لم يلزم هاهنا. فإن لم يسلّم صحَّ للمعتزليّ أن يورد على أهل السنّة أنَّ إدراك المخدَّر شعوراً بأنَّه يطير ضرورة لو كان خلقاً لله سبحانه وتعالى للزم كذبه سبحانه وتعالى لأنَّه إعلام للعبد بما ليس بواقع، فيبقى أنَّه ليس بخلق الله سبحانه وتعالى!
هل لهذا الكلام جهة؟؟!
والسلام عليكم...