سؤال إلى شيخي سعيد فودة-حفظه الله-

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سعيد فودة
    المشرف العام
    • Jul 2003
    • 2447

    #16
    السؤال الخامس: الشعور واللاشعور

    القول بأن كلَّ ما يعيه الإنسان ويؤثر في أفعاله الظاهرة صادر عن وعي تام واستحضار دائم لعلله الكاملة، فيه مبالغة يصعب تصديقه بالنظر إلى وجود العادات وغيرها التي تصدر لا عن علم ووعي تفصيلي بمآخذ العادات، ولا بغاياتها، ولأن الإنسان يتأثر في بعض تعلقات إرادته بما هو انفعال له بأمور إما خارجية عن ذاته أو قابعة في وهمه وخياله، فيسارع إلى الاختيار أو الفعل بلا وعيٍّ حقيقي بعللم فعله التامة وتفصيلاتها.
    وفي الوقت نفسه فإن إرجاع جميع تصرفات الإنسان إلى أمر يسميه البعض باللاوعي يكون هو المؤثر الحقيقي في أفعال الإنسان الظاهرة سواء عرفها الإنسان ولاحظها أو لا، أمر لا يمكن قبوله، للعلم الضروريِّ بأن الكثير من أفعال البشر يمكن تعليلها بعلل ظاهرة وبناء على وعيٍّ لهم بما يقولونه وإرادة تامة. فضلا عما يلزم ذلك الرأي من جعل الإنسان كالمسيَّر لما لا يشعر به، فإن زعم أن ذلك في جميع أفعاله، فهو باطل بالضرورة، وإلا فقد يقبل هذا الرأي مع النظر في الأسباب التي يرجعون إليها ما يسمونه باللاوعي، فلا نسلم أنها كلها راجعة إلى نوع من العقد الجنسية أو غيرها، بل قد يكون أصلُ ما اختزنه في لاوعيِه عبارة عن نتيجة متراكمة من الخبرة أو التلقين والتعليم أو علمه المراد المقصود.
    ويقولون إن العمليات الشعورية تتبع قوانين منطقية على عكس العمليات في اللاشعور، وقد لا يمكن تفسير كل عمليات اللاشعور تفسيرا منطقيا، ولذلك فإنه يرجعونها إلى نحو كبتٍ نفسي أو عقليٍّ، وقد يكون منشأ ما في اللاشعور شعوريا كبعض الأحلام، ولم يكن فرويد أول من قال باللاشعور وتأثيره، إلا أن أثر فرويد ظهر كثيرا في المجال الإكلينيكي والعلاجي، وقال إن الجزء غير المشعور به يكون سببا للأمراض النفسية، وبعض ما في اللاشعور مكبوت وبعضها يحاول الرجوع إلى الشعور، ولذلك يطلق ما يُسمَّى (بعودة المكبوت) وقد يستعير بعض الكتاب في الفكر الإسلامي ونقده هذا المصطلح ليحلل بعض المظاهر الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية، وأحالوا على ذلك بعض ردود الفعل الغريبة أو غير السوية، وبناء على ذلك فقد قسَّم فرويد الأنا إلى عدة أقسام واعتمد على هذه النظرية في تفسير الأحلام، وعلى هفوات اللسان وزلاته، وراعى ذلك في تحليل الشخصيات...الخ، ولا تستطيع ردَّ جميع كلامه، ولا قبوله على تفصيله.
    وكما تعلم فإنَّ الكلام على اللاشعور بالاستعانة بالشعور ينبغي أن يكون ناقصاً.ولكن المقطوع به أن إحالة جميع عمليات الوعي على اللاشعور هو نفي للوعي أصلاً.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

    تعليق

    • سعيد فودة
      المشرف العام
      • Jul 2003
      • 2447

      #17
      السؤال السادس: استمرار تغيير العادات هل هو أفضل عادة
      إنَّ العادات هي في حاصل الأمر استعدادات مكتسبة للسلوك على نمط معين. وقد يكون منشأها الدافع الداخلي أو الخارجي، وتكرار الفعل، وهو العامل الأهم، والتكرار يؤدي إلى إزالة الحركات التي لا داعي لها، ومن هنا تكون الأعمال المعتاد عليها الإنسان أدقًّ وأسهل وأسرع، ولا شك في أن العادة تمر بمراحل قبل أن ترسخ في الإنسان، ولأنها راسخة فقد تنقلب إلى ضدها إذا كانت فائدتها ليست عامة ولا دائمة، لأن الذي يعتاد أمراً، فإنه قد تنشأ حاجة نفسية إليه عنده، فإن كان هذا الأمر ليس مفيدا دائما، فتنقلب العادة إلى أمر قبيح، ومن هنا ينشأ الدعوة إلى التخلص عن بعض العادات.
      لا ريب في أن العادات مفيدة أحيانا كثيرا، وذلك لتسهيل العمل، لأنها تصير قريبة إلى الآلية بحيث لا يلزم الإنسان أن يستحضر كل فعل جزئيٍّ يقوم به فيقدره وينظر في مرجحاته لكي يفعله، يعني إن العادة محمودة في هذا الحال. وخاصة إذا كان أصل ما اعتاده منظوراً فيه بالأدلة المرعية، ولم يكن أخذه له مجرد تقليد عن غير خبير، أو أخذ من جاهل، أو عرف شائع غير مؤصَّل، وإلا فلا مانع منها.
      وقد تكون العادات غير مفيدة، ولذلك يلجأ الناس إلى تغييرها، وقد يكون ما ينتقلون إليه عادة أخرى غيرها، إما دائما أو إلى زمان معين محدود.
      ولذلك الملحظ فقد تمَّ اعتبار العادات في بعض أحكام الشريعة، يعني إن لم تكن مخالفة لأحكامها، واعتادها الناس فلا بأس بها، ولكن ذلك لا يرفعها إلى مرتبة الوجوب كما تعلم، فهي محل للحكم كما هو محقَّق في علم الأصول لا منشأ له، فالعادة ليست حاكمة بل محكوم عليها.
      أما القول بأن خير العادات هو عدم التقيد بعادة، ففيه ما فيه، مما يدلُّ عليه ما بيناه، فضلا عن أن كل إنسان لا يخلو من عادة سليمة أو سقيمة، ولا وجه لتقبيح العادة السليمة الصحيحة لمجرد أنها عادة، فأصل التغيير ليس مقصوداً لذاته، كما يتوهم البعض، ولا الاستمرار على نمط واحد مقود لذاته أيضا، ولكنك لا تستطيع أن يمنع إنسانا من أن يختار نمطا معينا على سواء ويلتزمة وقتا ما طال أو قصر. نعم التجربة والتغيير قد تكون مفيدة، ولكن الاستفادة من التغيير ليست ضرورة عقلية، بل قد يكون التغيير من عادة إلى سواها ضاراً.
      ومثل هذه الأقوال المسؤول عنها قد يكون المقصود منها أمراً شعريا لقصد التأثير في النفس فقط لا قولاً تحقيقيا مبنيا على نظر صحيح.
      ثم إن الإنسان لا يسع عمره أن يظل مغيرا عاداته لا لغاية ولا هدف، بل قد لا يطيق الإنسان ذلك لما يستلزمه من مشقة.
      وقد يقال له: ما هو المرجِّح لتركك هذا الفعل الذي اعتدته إلى غيره؟ وقد يستطيع تسويغ انتقاله لبعض العادات، أما أن يبقى كذلك في انتقال مستمرٍّ من عادة إلى عادة بحيث لا يلتزم عادة مطلقا، فهذا لا يستطيع أحد أن يأتي له بمسوِّغ مستقيم. نعم القول الذي يرتكن إليه قد يكون إجماليا ينخدع به البعض، فقد يقول إن التغيير مهم، وإنه يفيد الإنسان ملكات عديدة بالخبرة التي يكتسبها من تجريب الأمور العديدة، إلى آخره مما يمكن أن يعتمدوا عليه في نحو هذا القول، ولكن يبقى التساؤل: هل كل إنسان قابل لأن يكتسب ما لا نهاية له من الملكات، أو أن يكتسب ملكات عديدة بعدد أوقاته أو أيامه أو بعدد ما يقدر عليه من تغيير عاداته! إن الناظر في هذا الاحتمال، يصل عن قربٍ إلى أن التغيير المستمر يكون ضاراً أكثر مما يكون نافعا لبعض الناس على الأقل، أما سواهم ففي إفادته لهم شكٌّ قويٍّ.
      وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

      تعليق

      • أنفال سعد سليمان
        طالبة علم
        • Jan 2007
        • 1681

        #18
        رحمةُ الله و بركاتُه عليكم مولاي الشيخ ، و سلامٌ عليكم ...... ندعو الله العلي العظيم أن يقويكم و يعينكم .. و لا عُدمنا شربة من معينكم .

        تعليق

        • يونس حديبي العامري
          طالب علم
          • May 2006
          • 1049

          #19
          بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم
          السلام عليكم
          بارك الله فيك شيخنا الفاضل سعيد فودة على ما تفضلتم به وكذا بيان للترجيحات الصحيحة التي يعاني منها الكثير من الناظرين في هذا العلم!!
          والأسئلة المتبقية هــي:
          *الذكاء هل هو فطري أم مكتسب؟؟
          *المنطق لقد تحدثت في بحثك الرائع "تدعيم المنطق" على علاقة المنطق ببعض العلوم كالأصول وعلم الكلام ونقلت في المقدمة عن البعض علاقة المنطق بالرياضيات ولكنك لم تفصّل في هذه المسألة المبحوث في ها هنا نظرا لعدم علاقة الموضوع ببحثك فنرجو توضيح علاقة المنطق بالرياضيات .
          *إدراكنا للأشياء تتوقف على فاعلية الذات هل هذا صحيح؟؟
          *لقد طالعت في كتابك الكاشف الصغير وتقسيم ابن تيمية للخيال والحس والوهم والعقل فأرجو منك توضيح ذلك وماذا يريد ابن تيمية وراء هذا التقسيم هل هو الإلزام-أي الخصم-؟؟؟ ام التوضيح؟؟ مع أنه قد أوقع نفسه في الحفرة التي بناها بتقسيمه هذا إن كان يريد التوضيح.
          *ما هي المعايير التي تكون أصلا لقياس الأخلاق وما هي الانتقادات التي توجه لواجب الأخلاقي الكانطي!
          وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

          تعليق

          • سعيد فودة
            المشرف العام
            • Jul 2003
            • 2447

            #20
            السؤال السابع
            الإدراك يتوقف على فاعلية الذات
            قد يكون هذا القول مدخلا إلى نظرية نسبية العلم المستلزم لنفي حقيقة العلم لكونه جهلاً، وهو قول السفسطائية والشكاك، واللاأدرية، وذلك لأنه إن أريد بتوقف الإدراك على فاعلية الذات، أن كل ذات لها فاعلية خاصة لها، متمايز في الحقيقة عن إدراك ذات أخرى، وذلك يستلزم أن إدراكها لما تدركه سيكون مغايراً ومخالفا لإدراك ذات غيرها، فهذا مؤدٍّ قطعا إلى السفسطة. وحلُّ الإشكال فيه أن التغاير في التشخص (التَّـعَـيُّن) لا يستلزم التغاير في الحقائق استلزاماً عقلياً، فنحن نُسَلِّمُ أنَّ تشخص الإدراك في كلِّ ذات مغاير لتخصه في ذات أخرى، ولكن ما المحيل عقلا لاشتراك حقيقتين مع تغايرهما في التعين والتشخص، والتشخص لا يؤثر في أصل الحقائق المستلزمة للأحكام المشتركة بين المشخَّصات العديدة المتكثرة خارجا. ولا يخفى أنه يوجد ردود أخرى عديدة على أهل السفسطة.
            وقد لا يراد به ذلك الأمر، بل يقصد به أن آلات الإنسان التي يتوسل بها إلى اكتساب العلم والمعرفة، متوقفة على نوع قصد ناشيء منه إلى استعمالها، كما هو واضح في أسباب المعرفة من الحواس وغيرها. وهذا الأمر مجردا عما سبق لا إشكال فيه، ولكن لا يصحُّ أن يراد أن:"كل إدراك فهو متوقف على الفعل المتوقف على الإرادة"، لأن هذا يستلزم بالضرورة إبطال البديهيات التي لا تتوقف في حصولها الفعل المتوقف على الإرادة، فإن أطلق على التنبه إليها اسم الفعل، وسلمنا ذلك، فإمَّا أن نمنع توقفه على الإرادة في حال قولنا بدوام تنبه الإنسان إلى البديهية وعدم غيبتها عنه، أو نخصص قولنا السابق به، أو نخصصه بالفعل الخارجي لا النفسي.
            ولا شك في أن الوعي حاصل للإنسان بدون أن تُلاحَظَ حواسه الخارجية الظاهرة، فلو تأمل في الإنسان نفسَه لعرف أنه يدرك بعض الأمور تصديقات معينة وتصورات معينة، بدون أن يتوقف إدراكها على الحواس الخارجية.
            ولذلك فإن القول بأن العقل مسبَّب فقط الحواس الخارجية، قول باطل، لمناقضته ما ذكرناه، وهو معلوم بالضرورة بعد التجربة القريبة الحصول.
            ولذلك فإن العلماء المحققين لا يطلقون القول بأن الحواس الخمس سبب التعقل، أو علته، بل يقولون هي شرط للتعقل، ولم يحصروا الشرطية فيها وحدها، ومعنى قولهم: إنها إن حصلت يترتب على ذلك حصول تعقلٍ في الإنسان، وإلا فلا يحصل ذلك التعقل. وهذا كما ترى لا يمنع حصول تعقل آخر بدون حصولها.
            فالعقل ليس معلولا للحواس الخمس كما يقول بعض المتفلسفة، ولا هو مجرد تجميع للمحسوسات كما يقول الحسيون، بل إن أهل السنة يقولون إن التعقل مرتبة فوق الحسِّ، وليس عين الحسِّ، ولذلك فإنهم لا يحصرون الوجود في المحسوس، وذلك عقلا لا حساً، بخلاف غيرهم، من الحسيين والمجسمة الذي لما حصروا العقل في الحس، وجعلوه عينها أو مؤلفا منها، نفوا وجود وجود غير محسوس، فلزمهم القول بتجسيم الله تعالى، لأنهم يؤمنون أصلا بوجوده، فلما كان الوجود محصورا عندهم بالمحسوس، لزم بالضرورة عندهم أن يكون الصانع جسما محسوسا، أمَّا الحِسِّـيُّون فلمَّا حصروا العقل في الحسِّ، لزمهم نفي وجود الله تعالى؛ لأنهم لا يثبتون إلا ما هو في حيز الحسِّ، والحسُّ لم يدرك الله تعالى! فلزمهم نفيه. ويمكن أن يقول بعضهم بإمكان وجوده، ولكن بشرط كونه محسوساً، كما هو واضح، وذلك الإمكان بناء على قولهم!! بإمكان وجود ما لا يدركه الحسُّ بالفعل، ولا واسطة حسية لإثباته عندهم.
            وبخصوص مذاهب المعرفة بين الفلاسفة الغربيين فقد كتبت رسالة موجزة في ذلك قد أنشرها في المنتدى، لخصت فيها أصول كل فيلسوف وما يتميز به عن غيره في هذا المجال،والأمر ليس بعيدا لمن بحث.
            وهذا يمهد لجواب السؤال الأخير الذي سألته، وهو موقف ابن تيمية من الخيال والحس والعقل، كما وضحته في الكاشف الصغير، فكما تبين لي بعد الدراسة أن ابن تيمية لا يريد فقط إلزام الخصوم بما يقوله، كما يزعمه بعض الساذجين، بل إن ما يقرره في الرد على الخصوم، بعضه يقول به ويعتقد، وبعضه لا، والقرائن تكفي في التمييز بين هذا وذاك. ومما يقول به ابن تيمية ما وضحته من مفهوم الخيال والعقل والحس، واعتبار لقاعدة أن كل ما لا يمكن الإحساس به فهو غير موجود، القاطعة بأن الوجود محصور عنده في المحسوسات، والمحسوسات إما أجسام أو أمور قائمة باجسام، خلافا لما يزعمه العديد ممن يدافعون عنه، وهم لا يعلمون أنهم إذ ينفون ذلك عنه إنما ينفون حقيقة مذهبه. وهم يظنون أنهم بهذا ينزهون مذهبه عما يبدو لهم غير مرضيٍّ، والحقيقة أن ابن تيمية يرضاه لنفسه، ويقطع بحقيته، وهم لا يدركون ذلك، وما يزالون يحتاجون فترة من الوقت لمراجعة أفكار ابن تيمية وقواعده لكي يميزوا ما يقوله عمَّا يَرْفُضُ القولَ به!
            ولا يخفى عليك أنَّ الأمر يمكن فيه مزيد كلام، وأرى أن ما ذكرناه كاف في المقام، فإن أردت مزيد استفصال عن مواضع خاصة فاسأل، ونسألُ الله تعالى أن يقدرنا على إجابتك.
            وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

            تعليق

            • سعيد فودة
              المشرف العام
              • Jul 2003
              • 2447

              #21
              *لقد طالعت في كتابك الكاشف الصغير وتقسيم ابن تيمية للخيال والحس والوهم والعقل فأرجو منك توضيح ذلك وماذا يريد ابن تيمية وراء هذا التقسيم هل هو الإلزام-أي الخصم-؟؟؟ ام التوضيح؟؟ مع أنه قد أوقع نفسه في الحفرة التي بناها بتقسيمه هذا إن كان يريد التوضيح.
              أدرجت جواب هذ السؤال في الجواب عن السؤال السابع
              وبقية الأجوبة ستتبع ذلك بإذنه تعالى
              وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

              تعليق

              • يونس حديبي العامري
                طالب علم
                • May 2006
                • 1049

                #22
                بارك الله بكم ونفع بكم
                الأجوبة على شكل ملف وارد وpdf
                كما نسأل الله أن يعينه على إتمام الأسئلة للتكامل الأجوبة والله الموفق
                وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

                تعليق

                • سعيد فودة
                  المشرف العام
                  • Jul 2003
                  • 2447

                  #23

                  علاقة المنطق بعلم الرياضيات

                  لا يخفى على أحد التشابه الظاهر بين المنطق والرياضيات في أنَّ كلا منهما صوريٌّ، لا يبحث في المسائل المعينة، بل في صورة الفكر، فالمنطق يبحص في صورة الفكر في النفس، وكيف تنتقل من المقدمات إلى النتائج، وما هي العلاقات التي تضبط حركة النفس في ذلك، وأما الرياضيات فيبحث في قوانين صور الكميات، ولا يتقيد بكمٍّ دون آخر، ولا يهمه إن كان الكمُّ متصلا أو منفصلاً، فلذلك وجدت الرياضيات الباحثة في الأعداد ورياضيات التفاضل والتكامل ونحوها.
                  والاستنباط هو المنهج المتبع في المنطق والرياضيات، لا الاستقراء، فلا تعتمد نتائجهما على بحث في الواقع الخارجي، مع أن بعض الوقائه قد تنبه المنطقي والرياضي إلى بعض العلاقات، ولكن المسائل المنطقية تصاغ ثم ينظر في واقعاتها الخارجية.ولذلك فإن العلاقات التي تضبط طرق الاتنباط في العلمين هي علاقات آلية لا تعتمد على رغبة أو إرادة أو محبة أو شهوة، فالنتيجة في العلمين عقلية، لا إرادية وذلك بمجرد فرض الموضوع لهما، أو المقدمات، فإذا قلنا: [زيد إنسان]، و [كل إنسان ميت]، فاستنتاج النتيجة منهما، وهي [زيد ميت] لا يتوقف على رغبة ولا محبة ولا رهبة، وهي عقلية محضة، وهي صادقة مطلقا سواء تحقق ما صدق للموضوع أو لم يتحقق، فحاصل هذه القضية، أنه مهما وجد إنسان فهو ميت، ومهما ومهما كان زيد المشار إليه ذهنا أو خارجا، فهو إنسان، وعلى ذلك فينتج بالضرورة أنه مهما وجد زيد إنسانا، فهو ميت بالضرورة. وذلك بفرض صحة كل من المقدمتين اللتين بدأنا منهما.
                  وللتشابه الذي بين العلمين ذهب بعض العلماء أن المنطق جزء من الرياضيات وامتداد لقواعدها، وذهب بعضهم إلى العكس أي إلى أن المنطث هوا لأصل في الرياضيات وأن الرياضيات فرع عن المنطق.
                  وذهب بعض العلماء إلى أن كلا من المنطق والرياضيات يتفرعان من فروض ومسلمات عليا، لا يقال على هذه المسلمات والفروض أنها منطقية ولا رياضية بل هي أعلى منهما معا، وإليها يرجع العلمان، وهذه الفروض نقبلها قبولا ولا نبرهن عليها برهنة.
                  ومن الظاهر أنه عند التدقيق يجد الناظر فرقا واضحا بين الرياضيات وبين المنطق، فالمنطق يبحث في قواعد يستند إليها الفكر الإنساني في الاستنباط والانتقال من المقدمات إلى النتائج، بغض النظر عن مادة هذه المقدمات، فلا فرق عند المنطق بين ما إذا كانت مادة المقدمات كمية أو كيفية أو غير ذلك، فكل ما يمكن أن يعبر عنه بمقدمة منطقية، يمكن أن يكون بعد ذلك واسطة للانتقال مع غيره إلى نتيجة أخرى تكون هي بدورها مقدمة لنتيجة أخرى، وهكذا. وأما الرياضيات، فلا يبحث في مطلق المقدمة، بل يبحث في المقدمات التي تشتمل على مادة معينة كما قلنا.
                  وقد يكون منشأ الخلط بين العلمين أنه يبحث في الرياضيات خصوصاً الحديثة قضايا منطقية بحتة وإن كان هذا البحث في صورة معادلات وبأساليب رمزية، ولكن هذا الأمر لا يعدو أن يكون تصويرا للمنطق بصورة رمزية، ولا يصح أن يعتبر علما جديدا لمجرد أن التعبير عن المفاهيم والقواعد المنطقية حصل في صورة رموز أو معادلات.
                  ولذلك فالأظهر أنَّ الرياضيات ترجع إلى المنطق وتستمد منه، فهو من مبادئ علم الرياضيات، وليس فرعا لها، ولا جزءاً منها، ولا مسألة من مسائلها، وليست الرياضيات جزءا من المنطق كذلك، بل المنطق مبدأ للرياضيات، والمقصود بالمبدأ هنا معناه المستعمل فيه عند علمائنا القدماء الذين يفرقون بين المبدأ والمسألة والموضوع والمقدمة ونحو ذلك.
                  وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                  تعليق

                  • سعيد فودة
                    المشرف العام
                    • Jul 2003
                    • 2447

                    #24


                    معايير الأخلاق
                    والواجب الكانطي

                    السؤال: ما هي المعايير التي تكون أصلا لقياس الأخلاق وما هي الانتقادات التي توجه لواجب الأخلاقي الكانطي.
                    الجواب: هذا السؤال يتألف من شقين، الأول عن القيم والثاني عن مذهب أحد فلاسفة الأخلاق وهو إيمانويل كانط.
                    أما الشقُّ الأول من السؤال فموضوعه ما يسمَّى في الفلسفة المعاصرة بفلسفة القيم، وهي الأمور التي تبنى عليها الأخلاق والسلوك. والمراد بذلك ما هي الأسس التي يعتمدها الإنسان واعيا بها أو غير واعٍ ويبني عليها أحكامه التي توجهه في سلوكه الواعي.
                    ولا يخلو الأمر في هذه القيم والمبادئ أو الأسس من أحد أمور:
                    الأول: إما أن تكون ذاتية ثابتة في نفسها بغض النظر عن وضع واضع أو إرادة مريد، ولا مهرب للإنسان إلا بأن يلتزم بها أو يهرب عنها ويناقضها. وبالتالي يكون كل ما يقال عليه إنه قيمة، فسلبه قيمة أخرى أو أساس آخر يمكن أن يبنى عليه سلوك آخر. وإذا وصفنا أحدهما بالخير فهذا الوصف راجع لذاته، لا لأنا أردنا أن نعتبره خيرا، أو أننا تعلمنا من المجتمع أنه خير، أو غير ذلك، وكذلك يجب أن يكون سلبه أو نقيضه أو ما يضاده متصفا بنقيض الخيري اتصافا ذاتيا أيضا، لا إرادة فيه.
                    ويمكن أن يقول قائل إن هذه القيمة الذاتية مطلقة عن الزمان والمكان ويمكن أو يقول إنها مقيدة بهما، فإن تمّ تقييد القيمة الذاتية بأحدهما أو بغير هذين القيدين كالعرف والمجتمع أو شرع أو قانون، صارت القيمة نسبية مطلقا، وبطل القول بذاتيتها، إلا إن قيل إن القيود إن كانت راجعة إلى الإرادة بنحو من الأنحاء فالقيم وضعية (كالمجتمع، أو القانون الوضعي) وإن لم تكن راجعة إلى ذلك فهي ذاتية ولا يضر في ذاتيتها كون هذا القيد متغيرا في ذاته، كالزمان والمكان، فمجرد كونه غير معتمد على الإرادة والوضع يجعل القيمة ذاتية،وعلى ذلك يمكن أن يقال أن بعض القيم ذاتية متغيرة، وبعض القيم ذاتية غير متغيرة، وبعض القيم غير ذاتية بل وضعية، وهذا الوضع إما أن يكون عرفا أو شرعا بشريا أو غير بشريٍّ،وهكذا.
                    والواضع مهما كان، إما أن يعتبر في وضعه لتلك القيم مصلحة ذاتية لا تتغير أو يعتبر مصلحة وضعية، أي يعتبرها هو مصلحة ويبني عليها أفعاله ويعتبر أن هذه الأفعال بالصورة التي يريدها والتي اختارها هي المصلحة المقصودة. فإن كانت المصلحة ذاتية، فيرجع الأمر إلى أن القيمة راجعة إلى مصلحة ذاتية، ويكون منشأ القيمة هو عين تلك المصلحة التي يزعم كونها ذاتية.
                    وإن كانت المصلحة اعتبارية فيرجع الأمر إلى أن القيمة اعتبارية أيضا.
                    وتكون المصلحة قيدا للقيمة عندئذ، فمهما كانت المصلحة، فالقيمة ثابتة، ومهما عدمت المصلحة انعدمت القيمة، وترتب عليها أحكامها السلوكية في الحالتين.
                    وعلى ذلك فإن الاختلاف يرجع من تحديد مفهوم القيمة مثلا إلى تحديد مفهوم المصلحة والمنفعة، ومقابلها، فما هو المعيار في كون هذا مصلحة يكون منشئا للقيمة. وهذا النحو من التفكير كما لا يخفى إنما هو نقل من موضع إلى آخر! نقل للمنشئية من القيمة إلى المصلحة.
                    ولما ذكرناه، يعرف المتأمل لم قال بعض الفلاسفة والباحثين في القيم إن القيم الأخلاقية ذاتية، أي راجعة إلى الوجود في نفسه، وأنها عقلية محضة، وبعضهم قال إنها ليست كذلك.
                    ومن قال منهم إن الوجود أمر واجب، عقليٌّ لا يمكن إلا أن يكون على الصورة التي هو عليها، فإنه قائل بلا محالة بذاتية القيم، وعدم تغيرها، فإنه لو قال بتغيرها أو وضعيتها، أو أجاز ذلك أبطل أصوله الوجودية.
                    وقد يفرق بعضهم بين الوجود الواجب والوجود الجائز، فيقول إنَّ مدار البحث في القيم إنما هو الوجود الجائز لا مطلق الوجود الشامل للواجب أيضا، وعلى ذلك فلا معنى للقول بأن هنا قيمة ذاتية إلا بملاحظة تحقق موضوعها، أي الوجود الجائز، ولكن هذا الوجود الجائز على هذه الصورة دون غيرها، إما أن يكون واجبا عقلا، أو يكون بوضع واضح، واختيار مختار، فمن قال بالأول رتب عليه القول في القيم، وهكذا من قال قال بالثاني، إلا أنه يتصور على الثاني أن يقال: إن القيم واجبة أو ذاتية أو عقلية بشرط وجود (لا وجوب) الموضوع المتوقف وجوده على اختيار المختار، فيكون واجبا لا مطلقا بل بشرط الوجود.
                    والبحث له جهات متعددة، فهل القيمة في نفسها أمر ذاتي أو أمر نسبيٌّ، أي هل مفهوم القيمة نسبيٌ أو لا؟ ولا نقصد بالنسبية هنا الأمر المتغير، بل نقصد الأمر الذي لا يفهم إلا بملاحظة أمر آخر.
                    فإن كانت القيمة نسبية، فالمعتبر في الحكم عليها إذن هو طرفاها، فينظر فيهما هل هما ذاتيان، وهل ترتب النسبة على وجودهما، أمر لازم لذاتيهما، أو يمكن أين يتخلف عنهما.
                    وبناء على ذلك، قال من قال إن الأخلاق مبنية على انفعالات معينة، لا على، أو إنها تبنى على أوامر ونواهي معينة، وهذه الأوامر والنواهي إما مطلقة أو لا، ومن الواضح أن مفهوم الأمر في نفسه لا يستلزم الإطلاق، بخلاف مفهوم الوجود مثلاً، فإنه يحتمل الإطلاق، ومعنى أن الأمر ليس مطلقا ولا يمكن أن يكون مطلقا، هو أننا يمكننا أن نتصور مقابل كل أمر أمرا آخر بإزائه، فالأمر بالرحمة، قد يواجهه أمر بالقسوة مثلاً، ومن أصدر الأمر بالرحمة يمكن أن يصدر عنه الأمر بالقسوة مثلا، بخلاف من أرجع القيم إلى الوجود مثلا، فإن الوجود لا يقبل إلا العدم، والقيمة لا تستنبط من العدم، فلا مقابل للوجود، ولأن الوجود قد يقبل الإطلاق بهذا المعنى، فالقيمة تكون قابلة للإطلاق أيضا تبعا للوجود الذي هو منشأ لها.
                    وعلى ذلك فكل من قال إن منشأ القيم هي الأوامر والنواهي، لزمه أن يبين أي أمر ونهي هو بالتحديد الذي يقصده مصدرا للقيمة الخلقية! لاحتمال الأمر كما قلنا مقابلا له.
                    وقد يحاول بعض الفلاسفة إرجاع الأمر إلى قيمة وجودية، أي قيمة خبرية ثابتة في ذاتها، وهذا بلا شكٍّ تكلف، ومشقة بلا فائدة، لأن لمفهوم الأمر والنهي من حيث هما كذلك تخالفا مع مفهوم الخبر من حيث هو كذلك. وكل من حاول إرجاع الأمر إلى الخبر، لا يصح له أن يقول إن منشأ الأخلاق والقيم هي الأوامر والنواهي، بل عليه أن يقول إن منشأهما هو مفهوم الخبر نفسه، ما دام يرجع الأمر إليه.
                    أما أن يعتبر الأمر من حيث هو أمرٌ ثابتا لذاته، فهذا محالٌ.
                    وهذا ما قد يحاوله بعضهم في إرجاع القيم الأخلاقية إلى مفهوم الإرادة، وحاول أن يَرْجع بالإرادة إلى مفهوم (الإرادة الكلية) التي هي مجموع إرادات البشر، زاعما بذلك أنه يرجع الأمر الذي هو مصدر الفعل الواجب إلى معيار مؤتمن، والحقيقة أن ما قاله مجرد مخادعة نظرية، فإرادة كل واحد من بني البشر تابعة إما تابعة لشيء ثابت في نفسه، أو هي في نفسها كذلك، وبذلك ينعدم كونها إرادة، وينمحي ذكرها كذلك، أو لا تكون، فإن لم تكن تابعة لأمر ثابت في نفسه، فهي حتما متغيرة، وسبب تغيرها إما محض إرادة، أو هوى أو انفعال أو غير ذلك كعرف أو قانون وهما يرجعان إلى إرادة قبلية مستترة، كما هو التحقيق في علم الأصول الفقه.
                    وهكذا إذا قلنا: إن الإرادة الكلية (أي مجموع إرادات البشر) إذا أريد بها كل البشر، فإن إرادة كل واحد من البشر جزء لهذه الإرادة، وكل جزء يصح أن يتغير، لأنه ليس ثابتا لذاته، وليس واجبا، وكل ما كان كذلك يتغير، فإن جاز أن تتغير إرادة كل واحد من البشر، فههنا احتمالات في الواقع:
                    إما أن يمكن اجتماع البشر أن تجتمع إرادتهم على مراد واحد. أو لا يمكن.
                    فإن أمكن، فإما أن يمكن أن تجتمع تلك الإرادات في جميع الأزمنة والأمكنة أو لا يمكن. وهكذا في كل مراد مرادٍ على حدة.
                    وهذا القائل الذي يرتب الواجب على حصول الإرادة الكلية، إن قصد بها كلية في جميع الأوقات والأفراد والأمكنة، فهذا لا يقول بخلق أبداً، لأن اجتماع الإرادات على أمر واحد في الأزمان كلها الأمكنة كلها، إن لم يكن محالا فهو قريب من المحال.
                    وعلى ذلك فلا يملك هذا القائل إلا أن يفرض لاشتقاق الواجب إرادة أفراد معينين، ومحصورين أو تحديد أمة من الأمم على حدةٍ، دون غيرها، وهكذا يرجع الأمر عنده إلى نسبية الواجب، ونسبية الأخلاق، لنسبية المرجع الذي لزمه فعليا اعتباره.
                    ولا معنى لقول من قال إن الواجب مأخوذ من الأمر في نفسه، بملاحظة مطلق الوجود الصادق على الواجب والممكن، إلا أن الواجب الوجوب (وهو الإله) يلزمه أن يفعل أفعالا معينة، وأن لا يفعل أفعالا أخرى، وهذا هو التحسين والتقبيح العقليين، وهو في نفسه يرجع إلى نفي الإرادة الإلهية إما مطلقا أو نسبيا، أي إما نفيا مطلقا أو نفياً مقيدا، وهذا معناه نفي الاختيار عن الإله إما مطلقا في مبدأ الأمر ومنتهاه، أو منتهاه فقط دون مبدئه، ولا معنى للقول بتقييد الإرادة في المبدأ فقط دون المنتهى، لأن هذا ناقض لمفهوم الواجب كما لا يخفى.
                    وكلا هذين المذهبين ناقض لكمال الإله كما لا يخفى، فالمسلك العدل الوحيد اللائق بكون الإله إلهاً هو أن لا يقيد فعله لا من حيث المبدأ ولا من حيث المنتهى ونريد بالفعل من حيث المبدأ: أي من حيث البدء بإيجاده بعد أن لم يكن، ونريد بقولنا من حيث منتهاه: أي ما يلزم على هذا الفعل بعد تحققه في الوجود أو ما يترتب عليه من أمور أو أفعال أخرى، ولا نريد أن الفعل لا مبدأ له بمعنى أنه لا يكون له مبدأ في الوجود بحيث يكون قديماً كما زعم بعضهم!! فإن ذلك مخالف لكونه فعلاً، فلا تغترَّ بهذا القيل-، هذا بالنظر إلى نفس الفعل، لا إلى إرادة الإله نفسه، لأن تقييده بإرادة الإله معناه عدم تقييده بغيرها، وتقييده بإرادة الإله هو المحقق للإرادة كما هو واضح.
                    ولذلك فإن المسلك العدل هو القول بعدم ثبوت الواجب على الله تعالى لا في المبدأ ولا في المنتهى، ولا شك في أن ذلك يبقي مجالا للخلاف ثبوت الواجب على الإنسان لا على الله تعالى للفرق بين الوجود الواجب والوجود الجائز، فقد يقول قائل بالإضافة إلى إطلاق إرادة الله تعالى في أفعاله بوجوب تقييد إرادة المخلوقات بالنظر إلى وجودها الذي تحققت هي به، مع ملاحظة أن هذا الوجود في نفسه مختار للواجب الوجود بلا شك. وعلى هذا فقد يجتمع القول بالاختيار المطلق للإله، وبالوجوب على الإنسان بقيد وجود المتحقق، وهذا الذي أشرنا إليه سابقا بعبارة الوجوب بقيد الوجود.
                    أهم الأسس التي تبنى عليها فلسفة الأخلاف
                    هناك اتجاهات ثلاثة مشهورة في فلسفة الأخلاق، وكل اتجاه بنى على أساس معين نظرتَه في علم الأخلاق:
                    الأساس الأول: أن الأخلاق لها أساس وجودي وما صدق يمكن للعقل أن يعرفه، فما يطابقه يكون صادقا، وما يخالفه يكون كاذباً.
                    الأساس الثاني: أن الأخلاق ينبني على أساس الأمر والنهي، فهي قواعد وضوابط إنشائية، والإنشاء لا يتصف بالصدق والكذب.
                    الأساس الثالث: أن الأخلاق يتنبعث من انفعالات توجد في الإنسان أو الكائن الحيِّ، فبحسب هذه الانفعالات تنضبط الأخلاق التي يبنى عليها السلوك.
                    ويمكن أن ينشأ الخلاف في النظر في علم الأخلاق بناء على طريقتين: الطريقة الأولى: تفترض أنَّ للأخلاق وجوداً في نفسها وأنه يمكن معرفته، وأن الأخلاق والقيم التي تبنى عليها ثابتة في الواقع، ثم يختلفون بعد ذلك في تحديدها، ووجود هذه الأسس الأخلاقية إما أن يقال إنه ثابت في الكون، فيشتقون الخلق من قوانين ثابتة في الكون أو العالم، أو يشتقونها من طبيعة الإنسان نفسه أو أمور لازمة، أو طبيعة الحيوان وهكذا.
                    والطريقة الثانية: تفترض أن الأخلاق تابعة لنتائج الأفعال والسلوك، فيجعلون منشأ الأخلاق ليس أمرا قبليا، بل بعديا، فينظرون إلى أساس الأخلاق بحسب ما يترتب عليها، وغالبا ما يضبطون هذا الأمر بالمنفعة أو المصلحة، ولأن المصلحة مفهوم اعتباري، فما يصدق عليه هذا المفهوم قد يكون نسبيا وقد يكون متغيراً في نفسه تبعا للاصطلاحات والأعراف والقيود، فلا بدَّ أن تنشأ عند هؤلاء ضوابط متغيرة للمصالح، فلا تكون في أغلب الأحيان أمرا ثابتا، وهو ما يتعارض مع أصحاب الطريقة الأولى غالبا.
                    الأخلاق مبنية على مفهوم الواجب
                    يوجد اتجاه يحاول إقامة الأخلاق على مفهوم الواجب، ولكنهم اختلفوا من أين يستمدُّ الوجوب نفسه، فمفهوم الواجب يدلُّ على شيءٍ غير موجود بالفعل يطلب منا أن وجده أو أن نحققه، فعندما يقال لك : افعل كذا، فهذا الامر الكذائيُّ ليس موجودا بالفعل، وإلا استحال الأمر به، لأن تحصيل الحاصل محال، ومفهوم الأمر يتضمن حثَّ الإنسان (أو المأمور) ودفعه إلى تحقيق شيء معين هو (المأمور به)، وهذه الطريقة تابعة لمن يعتقد أن منشا الأخلاق قبليُّ وليس بعدياً، كما ترى، وقد نشأت عدة محاولات لتأسيس هذا الوجوب عند الفلاسفة والمفكرين، فاقترحوا اقتراحات عدة:
                    الاقتراح الأول: الدين هو منشأ الوجوب، وما دمنا نتكلم عن الدين، فإنّ الكلام يعود بالضرورة إلى الإله، لأن الإله هو واضع الدين، فيكون الحاصل أن الإله مصدر الوجوب، وطريقة معرفة هذا الوجوب بمعرفة أمره ونهيه. فما أمر به واجب وما نهى عنه ممنوع.
                    ويمكن أن تنشأ إشكالية هنا حاصلها: هل الإله أمر بالشيء لأنه الأمر في نفسه واجب، أو أنه أمر به ولذلك صار واجبا، أي هل الوجوب ناشيء عن الأمر الإلهي غير المقيد بقيد وغير المشروط بشرط، أو أن الأمر الإلهي تابع لعلم الإله بصفة الوجوب الثابتة للشيء المأمور به.
                    وهذا راجع كما ترى إلى أن الحسن والقبح ذاتي للشيء أو عارض عليه موضوع له بإرادة واضع.
                    وأيضا، فإن الأديان كثيرة، فما يكون واجبا في دين قد لا يكون واجبا في دين آخر، فإما أن تكون الأديان كلها حقا، فيختلف الواجب، وهذا قول بعدم وجود مرجعية واحدة للواجبات، فيعود الأمر إلى الخلط والتخابط، فما يكون واجب التحقيق عند البعض يكون واجب المنع عند غيرهم، وتنشأ ههنا الاختلافات بين الناس بشتى صورها.
                    وإما أن يكون الدين الحق واحداً فقط، لا متكثراً، في نفس الأمر، فيلزم تعميم نظرة هذا الدين على الناس جميعا، بطريقة أو أخرى، ولوجود أديان أخرى عند الناس فلا بدَّ أن تحصل تنازعات بينهم أثناء محاولة التعميم.
                    وأيضا هناك بعض البشر لا أديان عندهم، ولكن لديهم مفهوم الواجب، فكيف يقال إن منشأه الدين؟ وكيف لنا أن نعمم مفهوم الواجب عليهم وهم لا دين لهم؟
                    ومن الواضح أنه لا يقدح في كون الدين الحق واحدا تعدث الأديان، ولا عدم وجود دين عند بعض البشر، ولا يستلزم ذلك المنع من محاولة نشر هذا الدين على الناس جميعاً، ولا يضر حصول تنازعات بين البشر في أثناء محاولة التعميم، لأنا لو فرضنا أن هذا الدين هو الدين الحق، فمنشأ حجية الواجب والممنوع هو الحق نفسه، وهذا لا يعارضه الباطل.
                    والاقتراح الثاني: أن الضمير الإنساني هو منشأ الأخلاق وليس الدين، ولا هو مجرد الافتراض والتواطؤ، ولا شكَّ أن عزو الأخلاق إلى الضمير أو الحدس أو الفطرة أو غير ذلك من مدلولات الأسماء التي مرجعها واحد، ليس كفيلا بحلِّ المشكلة، فإن التساؤل يرجع مرة أخرى إلى منشأ هذا الحدس، ما هو، وما مدى مصداقيته، وهل الناس جميعا يشتركون في هذا الحدس، وهل هو مضبوط بحيث ينتج نتائج واحدة مطردة وهو تدفع التعارض بين البشر تبطل التنازع بينهم؟
                    لا شكّ أن هذا الحلَّ غير كافٍ في هذا المقام، وقد يتوهم أنه يحلُّ مشكلة ما نشأت في اقتراح كون الدين هو المنشأ، وهي تعدد الأديان، أو عدم وجود دين لبعض البشر مما يستلزم تكثر المعايير الأخلاقية وتعارضها، أو عدم وجود المعايير أصلاً، ولكن هذا الحلّ المتوهم قد ينفع في قدر معين ضئيل عند بعض الناس في بعض الاوقات، كمن رأى إنسانا يقتل إنسانا آخر ويشنع في قتله ويتفنن في ذلك، فإن العاطفة الإنسانية تدفعه إلى الحزن والشفقة على المقتول، وقد تدفعه إلى استنكار ما يقوم به القاتل، ولكن قد يكون عند القاتل من الدوافع ما يكفيه لتسويغ أفعاله تلك، بحيث لو وضحها للمستنكر والمستبشع فقد يؤيده أو يتوقف عن الاستنكار عليه.
                    وأيضا، فإن الحدوس الإنسانية قد تفيد في بعض المواضع كما قلنا، ولكن الأفعال الإنسانية التي يلزم تقييدها بالأخلاق ليست فقط تلك المواضع القليلة المحدودة بل أكثر من ذلك بكثير، فيلزم من ذلك عدم كفاية هذا الضابط لحل مشكلة الأخلاق.
                    والضمير الإنساني قد لا يكون عبارة مقنعة للمخالف عندما تواجهه بها إنكارا لفعل من أفعاله. فقد يكتفي بهز رأسه استخفافا والمضي قدما في أفعاله التي تستنكرها عليه.
                    والاقتراح الثالث في إقامة الواجب كانت من نصيب كانط الفيلسوف النقدي الشهير، فقد حاول أن يقيم مفهوم الواجب على أساس عقلي، وحاصل طريقته أن الواجب يضبط بالضابط الآتي: أن كلَّ فعل تقوم به إذا أمكنك أن تصحح إرادة فعله منك ومن غيره في سائر الأوقات والأزمان، فهو فعل أخلاقيٌّ، وإذا قلت إن ما أقوم به لا يجوز لي أن أفعله بصورة مطردة، ولا يجوز لغيري أن يقوم به كذلك، بل إن قيامي به تابع لظرف خاصٍّ، فهذا الفعل غير أخلاقيٍّ.
                    فالأمر عند كانط منوط إذن بإمكان تعميم الفعل، وإمكان تعميم إرادة البشر الحرة لهذا الفعل في الحالة العادية غير المنوطة بالإكراه أو الظروف الخاصة، فإن صحَّ إمكان التعميم وقبلناه، فهذا الفعل أخلاقي، وإلا فلا.ولذلك قد يطلق على هذا المفهوم اسم (الأمر المطلق) أي غير مقيَّد بقيد ولا تابع لظرف معين. والإرادة عند كانط كما عند غيره- يمكن أن تتعلق بالفعلعلى وفاق قانون الأخلاق، كما يمكن أن تتعلق به مخالفة له ومضاده لما يوجبه.
                    وقد ناقش المفكرون هذه الطريقة من عدة جهات:
                    الجهة الأولى: أنَّ هذا الضابط صوريٌّ محض، أي إنه يخبرنا عن القانوان العام لشرط صيرورة افعل أخلاقيا، لكنه لا يخبرنا بالضبط ما هي الأخلاق بالفعل، أي لا يعدد لنا الأخلاق عدّاً، ويحصيها لنا ويبينها.
                    وقد يجاب عن ذلك بأنَّ العدّ موكول إلى الظرف المعين للبشر الذين يعرضون الأمر على أنفسهم، ولذلك فالأخلاق قد تكون متغيرة، فقد يكون فعل ما في ظرف معين يقبل التعميم، ولا يقبله في ظرف آخر أو في زمان آخر.
                    ثم إن هذا الإنسان الذي يحكم على الفعل المعين بأنه أخلاقي، إذا سألناه: لم حكمت عليه بذلك، وكيف عرفت أنّ غيرك من البشر لا يمنعون ما أجزته أنت؟ ما هو الذي يمنعهم من أن لا يريدوا ما أردته أنت، وظننت أنهم يريدونه في حالتهم العادية الحرة كما زعمتَ.
                    فلا يملك إلا أن يرجع إلى حجة أن البشر في أنفسهم متماثلون، وأن هذا الأمر عقليٌّ ثابت الحسن لذاته، والعقل كاشف عن ذلك، وما دام عقلي كشف عنه، فالآخرون يكشفون عن ذلك أيضا.
                    ولكن من الظاهر أن هذا مجرد زعم لا دليل عليه.
                    والحاصل من ذلك أن القائل بهذا الضابط الكانطي يلزمه أن يعتبر مجموعة معينة من البشر في زمان معين، فالواجبات عنده يمكن تغيرها إذا حكم العقل على إمكان إرادة ذلك الفعل منهم في زمان ما، وقد يحكم العقل أيضا على عدم إمكان ذلك في زمان آخر.
                    والجهة الثانية: أن تعميم القاعدة عند كانط تلزمه أن يعتبر فعلا ما واجبا في جميع الظروف، إذا لم يتقيد بمجموعة من البشر معينين، أو أمة محصورة، وهذا يستلزم أن يحكم على ذلك الفعل أنه واجب أو ممنوع دائما بلا قيد ولا شرط، ذلك منقوض بأن بعض الأفعال التي هي أشهر الأفعال المحكوم عليها بالحسن كالصدق أو بالقبح كالكذب، قد لا يحكم عليها بعض العقلاء بأنها دائما حسنة أو قبيحة، فقد يقبحون الصدق في بعض المواضع، وقد يحسنون الكذب في بعضها، وهذا ما يقدح في قاعدة كانط بإمكان التعميم، فهي تفضي إلى عدم إمكان التعميم في أمر ما، وهذا ناقض لأصل الأخلاق كلها، أو آيلٌ إلى القول بنسبيتها بالضرورة العملية.
                    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                    تعليق

                    • سعيد فودة
                      المشرف العام
                      • Jul 2003
                      • 2447

                      #25
                      مسألة الحسن القبح وعلاقتها بالأخلاق

                      لا يخفى مدى تعلق مسألة الحسن والقبح المبحوثة في علم أصول الفقه بأسس الأخلاق، ولذلك سنوجز الكلام هنا مكتفين بالإشارة الكافية.
                      الحسن والقبح عند علماء أصول الفقه يطلقان على أمور ثلاثة:
                      الأمر الاول: هو معنى الكمال والنقص، كالوجود كمال والعدم نقص، والعلم كمال والجهل نقص، وهذا الوصف بالكمال والنقص بالنظر لذات مفهوم الوجود والعلم، لا بالنظر لما يترتب عليه بالنسبة للفاعل. والعاقل يبحث عن الكمال لذات الكمال، فالإنسان يندفع من حيث كونه عاقلا فاهما لاكتساب ما يعتقد أنه كمال، فإذا اعتقد ان العلم كمال، بحث عنه، وإذا اعتقد أنه نقص تجنب العلم.
                      ولا يترتب على ذلك أنه يلزم أن يعاقَب من تجنب الكمال، أو أنه يلزم أن يثاب من اكتسبه، فالقائل بالحسن والقبح بهذا المعنى ليس بالضرورة أنه يقول باستلزامهما للثواب والعقاب، ولكنه يقول إن العقل الإنساني كافٍ في معرفة الحسن والقبح بهذا المعنى. أما ترتيب الثواب على الحسن والعقاب على القبيح، فمسألة أخرى.
                      الأمر الثاني: ما يلائم الطبع وما ينافره، كملاءمة الحلو للطبع، ومنافرة المرّ له، فلا شك أن الإنسان بحسب ما له من جهات إدراك يعرف ما يلائمه وما لا يلائمه بهذا المعنى، ولا يتوقف معرفته لذلك على تعريف غيره له بذلك.
                      وهذا المعنى يمكن إدراكه بالعقل بلا توقف على الشرع والنقل كما لا يخفى، ولكن لا يترتب على إدراكه ترتيب عقاب ولا ثواب على حالة الفعل والترك على مذهب أهل السنة، أما على مذهب غيرهم فقد يترتب.
                      والأمر الثالث: ترتب العقاب والثواب على الفعل، وهذا عند الأشاعرة لا يكون إلا بالنقل، ولا يكون أبدا بالعقل، فيقال إن الفعل الفلاني حسن بمعنى إنه يترتب الثواب على فعله، أو إنه مأمور به، ويقال إن الفعل الفلاني قبيح بمعنى إن العقاب يترتب على فعله، أو إنه منهي عنه، والآمر الناهي هو الله تعالى وهو خالق الخلق جميعاً، وقد أجمع أهل السنة أن لا أحد يصح له أن يرتب الثواب والعقاب على فعل إلا الله تعالى، لأنه هو المتصرف بالخلق جميعا، ولا يصح لغيره أن يقوم بذلك، لأنه إن قام بهذا الأمر يضع نفسه موضع الإله، وهذا نوع إشراك في الإلهية أو في أحد خصائصها وهو الحاكمية، فلا حكم إلا من الله تعالى، ولا حكم إلا لله تعالى. فلا يحلُّ لفرد أو جماعة أن يحكم في غيره بهذا المعنى إلا بتحكيم الله تعالى له.
                      وعند المعتزلة هذا المعنى يدرك بالعقل أيضا، ولا يتوقف إثباته ولا ثبوته على الشارع، فهو غير موضوع بالإرادة، بل هو ذاتي للأشياء إما لصفات أو اعتبارات، وعلى مذهب المعتزلة فإن الله تعالى لا يحكم بخلاف العقل أبداً، ولذلك فكما أن العقل كاشف عن الحكم، فالشرع كاشف أيضاً، لا مثبت، وهناك تطابق بين الحكم العقلي والنقلي في هذا الباب.
                      فمذهب المعتزلة يرجع إذن إلى نوع من القول بأن للأحكام والقيم نوعا من الموضوعية الذاتية، وهذه الموضوعية لا تستند إلى وضع واضع، ولا إلى إرادة مريد.
                      ويرد عليهم ما يرد على أصحاب هذا المذهب، والكلام في مذهبهم مشهور معروف في كتب أصول الفقه، وفي فلسفة القيم أو الأخلاق.
                      قال الإمام الآمدي في كتابه الإحكام في أصول الفقه:"مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الافعال لا توصف بالحسن والقبح لذواتها، وأن العقل لا يحسن ولا يقبح، وإنما إطلاق اسم الحسن والقبح عندهم باعتبارات ثلاثة، إضافية غير حقيقية.
                      أولها: إطلاق اسم الحسن على ما وافق الغرض، والقبيح على ما خالفه.
                      وليس ذلك ذاتيا لاختلافه وتبدله بالنسبة إلى اختلاف الاغراض، بخلاف اتصاف المحل بالسواد والبياض.
                      وثانيها: إطلاق اسم الحسن على ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، ويدخل فيه أفعال الله تعالى، والواجبات والمندوبات، دون المباحات.
                      وإطلاق اسم القبيح على ما أمر الشارع بذم فاعله، ويدخل فيه الحرام، دون المكروه والمباح، وذلك أيضا مما يختلف باختلاف ورود أمر الشارع في الافعال.
                      وثالثها: إطلاق اسم الحسن على ما لفاعله مع العلم به، والقدرة عليه أن
                      يفعله، بمعنى نفي الحرج عنه في فعله.
                      وهو أعم من الاعتبار الاول لدخول المباح فيه.
                      والقبيح في مقابلته، ولا يخفى أن ذلك أيضا مما يختلف باختلاف الاحوال، فلا يكون ذاتيا.
                      وعلى هذا فما كان من أفعال الله تعالى بعد ورود الشرع فحسن بالاعتبار الثاني والثالث، وقبله بالاعتبار الثالث، وما كان من أفعال العقلاء قبل ورود الشرع فحسنه وقبيحه بالاعتبار الاول والثالث، وبعده بالاعتبارات الثلاثة.
                      وذهب المعتزلة، والكرامية، والخوارج، والبراهمة، والثنوية وغيرهم إلى أن الافعال منقسمة إلى حسنة وقبيحة لذواتها، لكن منها ما يدرك حسنه وقبحه بضرورة العقل، كحسن الايمان، وقبح الكفران، أو بنظره كحسن الصدق المضرة، وقبح الكذب النافع، أو بالسمع كحسن العبادات، لكن اختلفوا:
                      فزعمت الاوائل من المعتزلة أن الحسن، والقبيح غير مختص بصفة موجبة لحسنه وقبحه، ومنهم من أوجب ذلك كالجبائية، ومنهم من فصل وأوجب ذلك في القبيح دون الحسن.
                      ونشأ بينهم بسبب هذا الاختلاف اختلاف في العبارات الدالة على معنى للحسن والقبيح، أومأنا إليها وإلى مناقضتهم فيها في علم الكلام"اهـ.
                      وهكذا نرى أن البحث في القيم وأساسها ليس مخصوصا في فلسفةا لقيم أو الأخلاق، كما يتوهم بعض الناس الذين لم يطلعوا على بحوث علماء الأصول، بل إن كثيرا من مذاهب الفلاسفة المحدثين ترجع بنحو أو آخر إلى رأي من آراء المتكلمين على اختلاف فرقهم.
                      وليس قولنا هذا من باب المسارعة إلى دعوى:"أننا اكتشفنا هذا قبلهم!" كما ربما يتصور بعض الغافلين، بل إن هذا هو الواقع والمتحقق الذي بنيت عليه مذاهب المتقدمين من المتكلمين، وقامت عليها مذاهب فقهية أيضا وأخلاقية، وتمَّ تأصيلها على مذاهب عقائدية كما هو معلوم، وكون بعض المنتسبين إلى أهل الإسلام جاهلين بذلك كله لا يستلزم منا نفيه من الوجود.
                      ولا شكَّ أن ما ذكرناه هنا مجرد إشارات من هذا المبحث العظيم القدر، العميم الفائدة في العقيدة والفقه وفي السلوك، خلافا لمن توهم أنه لا فائدة منه في أصول الفقه، مع معرفته أن العلماء المحققين ذكروه في مبادئ فن الأصول، ولا يذكرونه كذلك إلا مع علمهم بما له من فائدة في بناء هذا العلم، ولا ينكر أحد فائدة علم الأصول لعلم الفقه، فهو قواعده التي يبنى عليها، وما كان مفيدا في الأصول فهو مفيد أيضاً في الفقه، كما هو واضح، مع ذلك كله نرى بعض المعاصرين يبادرون إلى القول بضرورة حذف مسألة أو بعض المسائل من مبادئ الأصول من علم أصول الفقه بدعوى أنها مما زيد منه وليس منه، ويا ليت هؤلاء يبحثون هذه المسائل في علم آخر، بل إنهم تركوا البحث فيها من أساسها، فلم يدرسوها في أصول الفقه، ولا هم يدرسون بل لا يعرفون علم الكلام، فصارت المسألة منقطعة مقطوعة في ثقافتنا المعاصرة، لا نرى أحدا يذكرها، إلا من تشرب ببعض مذاهب فلاسفة الغربي المعاصرين والمحدثين الذين علموا أهميتها، فلم يهملوها! ثم صرنا نرى بعض أهل الإسلام يستوردون هذه المسألة مرة أخرى من الغربيين بحجة ضرورة الاطلاع على إبداعاتهم في فلسفة القيم والأخلاق! فيا للعجب ويا للدهشة!
                      وأسأل الله تعالى أن يكون ما ذكرته هنا مشتملا على فائدة تستوجب الدعاء لي بالخير والستر في الدنيا والآخرة والمغفرة والتوفيق.
                      والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين.
                      كتبه
                      سعيد فودة
                      وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

                      تعليق

                      • يونس حديبي العامري
                        طالب علم
                        • May 2006
                        • 1049

                        #26
                        بسم الله الرّحمن الرحيم
                        نسأل العظيم ربّ العرش العظيم أن يرضيك في أهلك ومالك وبارك الله فيكم وبكم شيخنا الأستاذ الفاضل على تفضلكم....
                        وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

                        تعليق

                        • مصطفى حامد بن سميط
                          طالب علم
                          • Mar 2010
                          • 284

                          #27
                          ادامكم سيدي سعيد ذخرا لنا
                          ما حيلتي كم شا اكون صابر

                          تعليق

                          • موسى البلوشي

                            #28
                            بارك الله فيكم ونفع بكم



                            ..

                            تعليق

                            • موسى البلوشي

                              #29
                              المشاركة الأصلية بواسطة سعيد فودة
                              نعم يا أخي العزيز بلال،
                              يوجد بعض مذاهب المتفلسفة في هذا الزمان من ينادي بأن لا فكر وراء اللغة، بل يجعلون الفكر هو اللغة...
                              وبهذا يتميز مذهبنا عنهم...
                              والماركسية نعم ما عزوته إليهم مسألة مشهورة بينهم كانت عنوانا يبتدئون به كلامهم مع الناس ....
                              نعم صدقت يا سيدي .. جزاكم الله خيرا .

                              تعليق

                              يعمل...