السؤال الخامس: الشعور واللاشعور
القول بأن كلَّ ما يعيه الإنسان ويؤثر في أفعاله الظاهرة صادر عن وعي تام واستحضار دائم لعلله الكاملة، فيه مبالغة يصعب تصديقه بالنظر إلى وجود العادات وغيرها التي تصدر لا عن علم ووعي تفصيلي بمآخذ العادات، ولا بغاياتها، ولأن الإنسان يتأثر في بعض تعلقات إرادته بما هو انفعال له بأمور إما خارجية عن ذاته أو قابعة في وهمه وخياله، فيسارع إلى الاختيار أو الفعل بلا وعيٍّ حقيقي بعللم فعله التامة وتفصيلاتها.
وفي الوقت نفسه فإن إرجاع جميع تصرفات الإنسان إلى أمر يسميه البعض باللاوعي يكون هو المؤثر الحقيقي في أفعال الإنسان الظاهرة سواء عرفها الإنسان ولاحظها أو لا، أمر لا يمكن قبوله، للعلم الضروريِّ بأن الكثير من أفعال البشر يمكن تعليلها بعلل ظاهرة وبناء على وعيٍّ لهم بما يقولونه وإرادة تامة. فضلا عما يلزم ذلك الرأي من جعل الإنسان كالمسيَّر لما لا يشعر به، فإن زعم أن ذلك في جميع أفعاله، فهو باطل بالضرورة، وإلا فقد يقبل هذا الرأي مع النظر في الأسباب التي يرجعون إليها ما يسمونه باللاوعي، فلا نسلم أنها كلها راجعة إلى نوع من العقد الجنسية أو غيرها، بل قد يكون أصلُ ما اختزنه في لاوعيِه عبارة عن نتيجة متراكمة من الخبرة أو التلقين والتعليم أو علمه المراد المقصود.
ويقولون إن العمليات الشعورية تتبع قوانين منطقية على عكس العمليات في اللاشعور، وقد لا يمكن تفسير كل عمليات اللاشعور تفسيرا منطقيا، ولذلك فإنه يرجعونها إلى نحو كبتٍ نفسي أو عقليٍّ، وقد يكون منشأ ما في اللاشعور شعوريا كبعض الأحلام، ولم يكن فرويد أول من قال باللاشعور وتأثيره، إلا أن أثر فرويد ظهر كثيرا في المجال الإكلينيكي والعلاجي، وقال إن الجزء غير المشعور به يكون سببا للأمراض النفسية، وبعض ما في اللاشعور مكبوت وبعضها يحاول الرجوع إلى الشعور، ولذلك يطلق ما يُسمَّى (بعودة المكبوت) وقد يستعير بعض الكتاب في الفكر الإسلامي ونقده هذا المصطلح ليحلل بعض المظاهر الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية، وأحالوا على ذلك بعض ردود الفعل الغريبة أو غير السوية، وبناء على ذلك فقد قسَّم فرويد الأنا إلى عدة أقسام واعتمد على هذه النظرية في تفسير الأحلام، وعلى هفوات اللسان وزلاته، وراعى ذلك في تحليل الشخصيات...الخ، ولا تستطيع ردَّ جميع كلامه، ولا قبوله على تفصيله.
وكما تعلم فإنَّ الكلام على اللاشعور بالاستعانة بالشعور ينبغي أن يكون ناقصاً.ولكن المقطوع به أن إحالة جميع عمليات الوعي على اللاشعور هو نفي للوعي أصلاً.

تعليق