الإمام السنوسي يشرح أبياتا للإمام الزاهد أبي إسحاق الإلبيري

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صادق الرافعي
    طالب علم
    • Jul 2007
    • 82

    #1

    الإمام السنوسي يشرح أبياتا للإمام الزاهد أبي إسحاق الإلبيري

    و قال رضي الله تعالى عنه في معنى الأبيات التي تنسب للإمام الزاهد أبي إسحاق إبراهيم الإلبيري رحمه تعالى( 2 )، و هي[ من مجزوء البسيط.]:
    رَأَيْتُ رَبِّي بِعَيـْنِ قَــلْبِي**** فَقُلْتُ لاَ شَكَّ أَنْتَ أَنْتَ.
    أنتَ الَّذِي حُزْتَ كُـلَّ أَيْن**** فَحَـيْثُ لاَ أَيْنَ ثَمَّ أَنْتَ.
    وليـسَ لِلْأَيْنِ مِـنْكَ أَيْـنٌ**** فَيَـعْلَمُ الأَيْنُ أَيْنَ أَنْتَ.
    و ليسَ لِلْـوَهْمِ فِيكَ وَ هْم **** فَيَعْلَمُ الوَهْمُ كَيْفَ أَنْتَ.
    أَحَطْتَ عِلْمًا بِكُلِّ شَــيْءٍ**** وَكُـلَّ شَيْءٍ تَراه أنتَ.
    فَمُـنَّ بِالعفـوِ يا إِلهِــي**** فليـس أَرجو سواك أنت.
    الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله .
    قوله: « رَأَيْتُ رَبِّي بِعَيْنِ قَلْبِي.»
    يعني: عرفته بوجوده و ما يَجِبُ له، و ما يَسْتَحِيلُ، و ما يَجُوزُ ببصيرة قَلْبِي التي هي عَيْنُ القَلْبِ و هو الجُزْءُ منه الذي يَقُومُ به العِلمُ و الفِكرَةُ المُضيئةُ الصَّحيحة.
    و قوله: « فَقُلْتُ لاَ شَكَّ أَنْتَ أَنْتَ.»
    يعني: فقلت بقلبي لمّا أن عَرفْتُه بالبرهان القاطع، و تميَّزَ لي عن كل ما سواه: لا شكَّ ولا رَيْبَ أنت يا مولاي هو الموصوفُ بهذه المحاسن التي أبْصَرَتْهَا بالبرهان عَيْنُ قَلبِي.
    و إنما رَتَّبَ القَوْلَ على رؤية القلب ـ وهي معرفتُه بالله تعالى ـ تنبيهًا على أنّ حصول الإيمان هو عند حصول المعرفة؛ لأنّ الإيمانَ ـ على الأصح ـ هو حَدِيثُ النَّفْسِ التابِعِ للمعرفة، لا نَفْسُ المعرِفَة خلافًا للشيخ الأشعري.
    و يحتمل أن يكون مرادُه برؤية عَيْنِ القَلْبِ المَعرِفَةُ الذوقِيَّةُ التي هي آخر مَقامَاتِ السالكين، فيكون حينئذ معنى قوله: « أَنْتَ أَنْتَ.» أي: أنتَ الآن بحَسَبِ المَعرِفة الذوقية هو أنْتَ أوَّلاً بحسب المَعرِفَة الرسمية التي أنتجتها البراهين العقلية؛ إذ علامةُ صِحَّةِ الذَّوْقِ أن يَجْرِيَ على وِفْقِ ما شَهِدَ به العِلْمُ الرَّسْمِي، ولهذا يستعيذُ المؤمنون في الآخرة من الصورة التي تظهر لهم في الموقف على صفة الحوادث فتقول: « أنا ربُّكم، فيقولون: هذا مكانُنا حتى يأتينا ربُّنَا.»( 1 ) ، أو حتى يظهر لنا على الصفة التي عرفناه بها من التنزُّهِ عن سمات الحوادث كلها ، و لهذا لمّا رأوه على ما يَجِبُ له تعالى خَرُّوا سُجَّدًا، و تلك الفتنةُ في الآخرة هي آخر الفِتَنِ التي يَظْهَرُ بها المُؤمن العارِفُ بما يَجِبُ لمولانَا، و ما يَجُوزُ، و ما يَسْتَحِيلُ من غيره ، و لا يَسْلَمُ من ضَرَرِ تلك الفتنة إلا من أتْقَنَ عقائِدَهُ في هذه الدار قبل موته، و أُسْعِدَ بالممات على ذلك.
    نسأل الله سبحانه السلامَةَ من شرِّ كل مِحنَةٍ دُنيَا و أُخرَى، بجاهِ سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه و سلم.
    قوله: « أ َنْتَ الَّذِي حُزْتَ كُلَّ أَيْنٍ.» ، أي: أنت الذي أحطت بكل مكانٍ من العوالم عِلْمًا و مُلْكًا و تَدبِيرًا، أي: كُلُّ العوالِم، وكل جزءٍ منها لا يشارِكُك في مُلْكِهَا و لا تدبِيرِها أَحَدٌ عُمومًا؛ لأن كل جُزْءٍ من أجزاء العوالم يَصْلُحُ أن يكون مَكانًا لجُزءٍ آخر ليستَقِرَّ عليه، فالأَيْنُ إذًا صادِقٌ بكل جُزءٍ من أجزاء العوالِم فحَوْزُهُ لكلِّ أَيْنٍ بالمُلْكِ و التدبير و العِلْمِ و القَهْرِ، و هو معنى مُلْكِهِ لكل العوالم، و تدبيره لشؤونها، و الله تعالى أعلم.
    قوله: « فَحَيْثُ لاَ أَيْنَ ثَمَّ أَنْتَ.» ، أشار بـ« ثَمَّ.» إلى المرتبة التي تُنَزَّهُ عن الأَيْنِ، و هي مَرتَبَةُ الإلَهِ الحَقِّ الذي يستحيل عليه الجِرْمِيَّةُ و العَرَضِيَّةُ الملزومين لقبول الأَيْنِ، و هي التي أراد أيضا بقوله: « حَيْثُ. » أي: أنت يا مولاي في المَرتبة التي تُنَزَّهُ عن الجِرْمِيَّة والعَرَضِيَّة و قَبُولِ الأَيْنِ الذي هو من خواصِّ العوالِم الحادِثة التي حُزْتَ جميعَها خَلْقًا و مُلْكًا و تَدبِيرًا، فكيف يمكن أن تكون يا مولاي في مرتبة تُشْبِهُ مُلكَك؟!
    فأنت إذًا يا مولاي في مرتبة لا يَصِحُّ فيها أَيْن، و هي مَرتَبَةُ كونِكَ الواحِدُ الأحد الفَرْدُ الصَّمَد الذي لم يلد ولم يُولَد ولم يكن له كُفؤًا أحد، ولهذا أشار إلى هذه المنزلة العديمة المثال.
    قوله: « وَلَيْسَ لِلْأَيْنِ مِنْكَ أَيْنٌ. » يعني: إنك يا مولاي لمّا تنزَّهْتَ عن التَّحَيُّزِ و صفات الأَجْرَامِ من قَبُول الأَيْن و الجِهَات، لم يَكُن للأَيْنِ منك أَيْن، أي: لم يَكُن للفظ الأين منك أينٌ و لا لمعناه، و السؤال به من جهة جلالك مُحال، و لا يُسَلَّمُ الكلامُ الذي يُقَالُ فيه: أين أنت ؟ بل يُعتَرَضُ ذلك الكلام و يُبْطَل، إلا أن يريد به صاحبُه غير معنى الأين الحقيقي، و ينصب قرينةً على مراده، كقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ للسوداء: « أين الله ؟»( 1 ) ، فإنه قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذلك اختبارًا لها هل هي من المشركات و المشركين الذين يعبدون الأصنام التي محلُّهَا في الأرض، و وُجِدَ تعظيمُها فيها فقط، فأجابت هي بأنّ معبودها ليس الذي يُعظَّمُ في الأرض فقط ـ و هي الأصنام ـ، و إنما معبودُها الله، في السماء لا يعظَّمُ فيها غيره بخلاف الأرض فإنه قد عُبِدَ فيها مولانا ـ جَلَّ وَ عَلاَ ـ و عُبِدَ فيها غَيرُه، و لهذا لم تُشِرْ إلى الأرض لِمَا في ذلك من اللَّبْسِ لاختلاط المعبود الحَقِّ فيها بالمعبودات الباطلة في العبادة، و لا كذلك السماء، فكأنها أجابت بأنَّ معبودَها اللهُ الذي تَعبُدُه الملائكةُ في السماء وَحدَه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ.﴾( 2 ) أي: معبودٌ فيهما، و قدَّمَ السماءَ لشَرَفِها، و عَدَمِ الاشتراك فيها.
    و يحتمل أن يكون مرادُه بقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ « أين الله ؟.» أي: أَيْنَ منزِلَتُه في قلبك ؟ هل هو مثل منزلته في قلوب المشركين من تسويتهم له تعالى مع مخلوقاته في الألوهية، فأهانوا منصب الألوهية الأعلى، و تلاعبوا به حيث أثبتوه لمن لا يستحِقُّهُ عقلاً، ولا نَقْلاً من بعض الحيوانات و الجمادات، كما قال تعالى:﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾( 3 )، فذَكَرَ ـ سُبْحَانَهُ ـ أفعالَه التي يَعجُزُ عنها كل ما سواه فلا يفعلها لا بالحقيقة، و لا بالمجاز، ثم الذين كفروا بأنعم المولى العظيم، و جَحَدُوا دلائِلَ وحدانيته، و تنزُّهِه تعالى عن الشريك في ذاته، و صفاته وأفعاله، يَعْدِلُون به غيرَه
    أي: يُساوُونَ به غيرَه، وأتى بـ« ثُمّ.».لاستبعاد صُدور هذه الرذيلة من العقلاء، فأجابت تلك السوداءُ لتعذُّر النطق منها بأنّ منزلة الله تعالى عندها ليس كمثل منزلته في قلوب المشركين من عدم التعظيم، بل هو عندها في الرفعة والجلالة في السماء الأعلى لا يَصِلُ أحَدٌ إلى قَدْرِه ولا إلى التشبيه به لأنّ الناس إذا عظَّمُوا أحدا في غاية التعظيم قالوا في التعبير في ذلك: فُلانٌ أراه في السماء الأعلى ونجمًا في السماء وما أشبه ذلك.
    قوله: « فيَعْلَمُ الأَيْنُ أَيْنَ أَنْتَ.» ، هذا كلام مُرتَّب على نَفْيٍ، ولهذا يُنصَبُ المضارِع، أي: لا أَيْنَ لَكَ لا بالقَبُولِ ولا بالحُصُولِ فيَعْلَمَ ذلك الأينُ بكُنْهِ ذاتِك، إذ الأَيْنُ يَعْلَمُ بأنَّ كل ما حَلَّ فيه فهو من الأجرام الكثيرة الأمثال، فلا خفاء إذًا لذاتٍ لها أين.
    قوله: « وَلَيْسَ لِلْوَهْم مِنْكَ وَهْمٌ.» مرادُه بالوَهْمِ هنا إدراكٌ يُقدِّرُ أمورًا من الأجرام والأعراض منها ما كان ومنها ما لم يكن، وبالجملة فهو إدراكٌ لا يخوض إلا في جنس الأجرام وجنس أعراضها، ولمّا تنزَّهَ المولى العظيم أن يُماثِل شيئًا مما سواه من أجناس الأجرام وأجناس الأعراض عمومًا قُصَّتْ أجنحةُ الوَهْمِ ورَجَعَ خاسِئًا لا يَقْدِرُ أن يَلْمَحَ الذاتَ العَلِيَّة ولا صفاتها لأنّ ذلك الجلال العديم المثال خارج وبعيد غايةَ البُعد عن جنس عِشِّه الذي يتحرَّك فيه.
    قوله: « فيَعْلَمُ الوَهْمُ كَيْفَ أَنْتَ. » هذا أيضا مُرتَّبٌ على النَّفْيِ الذي قبله، يعني أنه لمّا استحالَ ارتسامُ ذاتك العلية وصفاتك الجليلة المُرَفَّعَة في وَهْمٍ من الأوهام لم يكن للوَهْمِ عِلْمٌ بذلك الجلال، وإنما العَقْلُ وَحْدَهُ أدرَك من ذلك الجلال على الجملة ما شَهِدت به العوالِمُ، وغَضَّ الطَّرْفَ عَجْزًا عمَّا وراءَ ذلك.
    قوله: « أَحَطْتَ عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءٍ.»
    يعني أنّ المولى العظيم أحاطَ عِلْمًا بكل ما سواه، لا يحيطون عِلْمًا بكُنْهِ ذاتِه، وإنما تفضَّلَ عليهم بنَزْرٍ يسير من العِلْم ينتفعون معه في أمر دنياهم وآخرتهم.
    قوله: « وَكُلَّ شَيْءٍ تَرَاهُ أَنْتَ.» أي: كل موجود فأنت تراه، وسائر الموجودات حَجَبْتَهُم عن رؤية ذلك الجلال، إلا أن تَفْتَحَ لمن شئت فيما شئت من غير تكييفٍ ولا تحديدٍ، فهذا كله تحقيقٌ لعظيم مُلْكِه وقهره كل ما سواه، وعبودية كل ما سواه له.
    قوله: « [COLOR="Blue"]فَمُنَّ بالعَفْوِ يَا إِلَهِي، فَلَيْسَ أَرْجُو سِوَاكَ أَنْتَ[COLOR].» هذا مُرتَّبٌ على العلم والرؤية لكل موجود.
    و من جملة الموجودات المعاصي التي تقع من العبيد، وقد علمت أن الجاني إذا لم يَرَ المَلِكُ جنايته بِبَصرِه وإنما شُهِد عليه بذلك ربما يحتال عليه بإنكارٍ وتجريح للشاهد ونحو ذلك.
    أمّا إذا علم أن الملك قد رأى جنايته ببصره، والفَرْضُ أنه في قَبْضَةِ المَلِكِ، انقطعت عنه الحِيَلُ كلّها، ولم يُمْكِنْهُ إلا النداء بالويل و الثبور و التضرّع بين يدي الملك، و التشفع إليه بخواص عبيده، و بذاته المنزَّهة في طلب العفو، فهذا وجه ترتيب هذا الكلام بالفاء على ما قبله، و الله أعلم، و به التوفيق لا رب غيره، و لا معبود سواه.
    اللهم اختم لنا بالأمن و الإيمان، و السلامة و الإسلام، و المغفرة لجميع الذنوب بلا محنة يا غفور بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله و صحبه و سلم.
    والكامل الله في ذات وفي صفة *** وناقص الذات لم يكمل له عملُ
يعمل...