بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد إمام المرسلين
وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
وبعد، فهذه درر التقطتها أثناء مطالعتي لكتاب "هادي الحائرين إلى رسوم أخلاق العلماء العارفين" للشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله وقد ذكر فيه جملة من أخلاق العلماء الربانيين الذين عاصرهم وأخذ عنهم الآداب العرفانية والعلوم الإحسانية، والكتاب ما زال مخطوطا، فالله أسأل أن يسخر له من يحققه ويخرج كنوزه التي سأنقل بعضها إلى النور، عسى أن نستنير بها، وبالله التوفيق.
الباب الأول
في ذكر جملة من مشايخ الشعراني الذين أدركهم في النصف الأول من القرن العاشر
1ـ فمن أخلاقهم أن لا يأخذوا العهد على مريد إلا بعد تبحره في علوم الشريعة، كما جرى عليه السلف والخلف؛ وذلك لأن من لم يتبحر في الشريعة تصير نفسُه متطلعةً إلى الاشتغال بمطالعة الدرس، فمثلا إذا قال له شيخه: «اجلس اذكر الله تعالى من الظهر إلى العصر» تصير نفسه ملتفتة إلى مطالعة الدرس، والطريق عزيزة لا تحتمل الالتفات إلى غيرها أبداً.
2ـ ومن أخلاقهم شدة الانتصار لله بالله، فلا يقدرون على سماع كلام أحد في كُنْهِ ذاته تعالى لأنه من أعظم الجهل وأعلى طبقات سوء الأدب، وقد قال تعالى: ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾[الذاريات: ٢١]، وقال ﷺ: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذاته» وذلك لأن معرفة كُنْهِ الذات ممنوع في الدنيا والآخرة، وإن أثبت الشرع الرؤية لله تعالى فلا يلزم من الرؤية الإحاطة ومعرفة الكنه.
3ـ ومن أخلاقهم العمل على تحصيل مقام محبة الله تعالى ومحبة رسول الله ﷺ؛ فإن المرء مع من أحب، وإن لم يلحق في الأعمال بمَن صدَق في محبته.
4ـ ومن أخلاقهم مخالَفة النفس وترك شهواتها الخارجة عن الاعتدال، فلا يزالون يخالفون نفوسَهم حتى تطيعهم في الخير وتصير تحب ما يحب الله وتكره ما يكرهه الله، وحينئذ تجوز موافقتها أو تجب لأن إبليس قد ذهب تسلُّطه عليها وصارت تأخذ حذرها منه، فعُلم أن من شبع من الحلال ـ فضلا عن الحرام ـ لا يقدر على ردّ إبليس عنه.
5ـ ومن أخلاقهم عدمُ ادعائهم القوة لفعل شيء من أمور الدنيا والآخرة إلا مع مشاهدة أن تلك القوة من إمداد الله تعالى لهم، فإن كل مدّع للقوة مع الغفلة عن الله تعالى ممتحَن، فيمتحنه الله تعالى بالأمور التي لا يطيق حملها حتى ينكشف له ضعفه وعجزه.
6ـ ومن أخلاقهم قوة الهمة في العمل على تخلصهم من العوائق ليدخلوا طريق أهل الله تعالى، فما دام لأحدهم علاقة دنيوية فهو لم يدخل الطريق، كما عليه غالب مريدي هذا الزمان.
7ـ ومن أخلاقهم تعلق آمالهم بالله عز وجل دون أخذ من خلقه إلا عن إذنه، ومن تأمل بعين البصيرة وجد حوائجه في الدنيا والآخرة لا تبرز إلا من باب حضرة الحق جل وعلا، وأن سائر الخلق من الملوك فمن دونهم حكمُهم في جلب النفع ودفع الضرر حكم الآلة التي بيد شخص كريم يصرفها كيف شاء، ومن شهد هذا المشهد فقد حصل له نعيم الدارين؛ إذ التعذيب إنما يكون من ربط الآمال بالخلق، كمُفلِس أُحِيل على مُفلِس.
8ـ ومن أخلاقهم أن يَدُلُّوا تلامذتهم على الوصول إلى حضرة الله تعالى من أقرب الطرق وهي مجاهدة نفوسهم في الطاعات، ثم مخالفة هواهم، ثم مكابدة ترك الشهوات الدنيوية، ثم الدخول لحضرة الله عز وجل في ظل ظليل ونعيم مقيم.
9ـ ومن أخلاقهم العمل على تحصيل مقام التسليم الكامل، ولا يقنعوا بظاهر دعواهم التسليم لله تعالى بترك التلفظ بما فيه رائحة اعتراضٍ على شيء من مقدورات الله عز وجل، بل يطلبون الترقي في درجات التسليم حتى يفقدوا من قلوبهم خطرات الاعتراض وينزلوا بسكينة الوقار ويشهدون يقيناً أن ما فعله الحق بالعبد خير مما يطلبه العبد لنفسه، وهناك يستقر أحدهم في مقام التسليم، ثم يرتقي في مقام الرضى، فاعلم ذلك واعْمَل عليه، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد إمام المرسلين
وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
وبعد، فهذه درر التقطتها أثناء مطالعتي لكتاب "هادي الحائرين إلى رسوم أخلاق العلماء العارفين" للشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله وقد ذكر فيه جملة من أخلاق العلماء الربانيين الذين عاصرهم وأخذ عنهم الآداب العرفانية والعلوم الإحسانية، والكتاب ما زال مخطوطا، فالله أسأل أن يسخر له من يحققه ويخرج كنوزه التي سأنقل بعضها إلى النور، عسى أن نستنير بها، وبالله التوفيق.
الباب الأول
في ذكر جملة من مشايخ الشعراني الذين أدركهم في النصف الأول من القرن العاشر
1ـ فمن أخلاقهم أن لا يأخذوا العهد على مريد إلا بعد تبحره في علوم الشريعة، كما جرى عليه السلف والخلف؛ وذلك لأن من لم يتبحر في الشريعة تصير نفسُه متطلعةً إلى الاشتغال بمطالعة الدرس، فمثلا إذا قال له شيخه: «اجلس اذكر الله تعالى من الظهر إلى العصر» تصير نفسه ملتفتة إلى مطالعة الدرس، والطريق عزيزة لا تحتمل الالتفات إلى غيرها أبداً.
2ـ ومن أخلاقهم شدة الانتصار لله بالله، فلا يقدرون على سماع كلام أحد في كُنْهِ ذاته تعالى لأنه من أعظم الجهل وأعلى طبقات سوء الأدب، وقد قال تعالى: ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾[الذاريات: ٢١]، وقال ﷺ: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذاته» وذلك لأن معرفة كُنْهِ الذات ممنوع في الدنيا والآخرة، وإن أثبت الشرع الرؤية لله تعالى فلا يلزم من الرؤية الإحاطة ومعرفة الكنه.
3ـ ومن أخلاقهم العمل على تحصيل مقام محبة الله تعالى ومحبة رسول الله ﷺ؛ فإن المرء مع من أحب، وإن لم يلحق في الأعمال بمَن صدَق في محبته.
4ـ ومن أخلاقهم مخالَفة النفس وترك شهواتها الخارجة عن الاعتدال، فلا يزالون يخالفون نفوسَهم حتى تطيعهم في الخير وتصير تحب ما يحب الله وتكره ما يكرهه الله، وحينئذ تجوز موافقتها أو تجب لأن إبليس قد ذهب تسلُّطه عليها وصارت تأخذ حذرها منه، فعُلم أن من شبع من الحلال ـ فضلا عن الحرام ـ لا يقدر على ردّ إبليس عنه.
5ـ ومن أخلاقهم عدمُ ادعائهم القوة لفعل شيء من أمور الدنيا والآخرة إلا مع مشاهدة أن تلك القوة من إمداد الله تعالى لهم، فإن كل مدّع للقوة مع الغفلة عن الله تعالى ممتحَن، فيمتحنه الله تعالى بالأمور التي لا يطيق حملها حتى ينكشف له ضعفه وعجزه.
6ـ ومن أخلاقهم قوة الهمة في العمل على تخلصهم من العوائق ليدخلوا طريق أهل الله تعالى، فما دام لأحدهم علاقة دنيوية فهو لم يدخل الطريق، كما عليه غالب مريدي هذا الزمان.
7ـ ومن أخلاقهم تعلق آمالهم بالله عز وجل دون أخذ من خلقه إلا عن إذنه، ومن تأمل بعين البصيرة وجد حوائجه في الدنيا والآخرة لا تبرز إلا من باب حضرة الحق جل وعلا، وأن سائر الخلق من الملوك فمن دونهم حكمُهم في جلب النفع ودفع الضرر حكم الآلة التي بيد شخص كريم يصرفها كيف شاء، ومن شهد هذا المشهد فقد حصل له نعيم الدارين؛ إذ التعذيب إنما يكون من ربط الآمال بالخلق، كمُفلِس أُحِيل على مُفلِس.
8ـ ومن أخلاقهم أن يَدُلُّوا تلامذتهم على الوصول إلى حضرة الله تعالى من أقرب الطرق وهي مجاهدة نفوسهم في الطاعات، ثم مخالفة هواهم، ثم مكابدة ترك الشهوات الدنيوية، ثم الدخول لحضرة الله عز وجل في ظل ظليل ونعيم مقيم.
9ـ ومن أخلاقهم العمل على تحصيل مقام التسليم الكامل، ولا يقنعوا بظاهر دعواهم التسليم لله تعالى بترك التلفظ بما فيه رائحة اعتراضٍ على شيء من مقدورات الله عز وجل، بل يطلبون الترقي في درجات التسليم حتى يفقدوا من قلوبهم خطرات الاعتراض وينزلوا بسكينة الوقار ويشهدون يقيناً أن ما فعله الحق بالعبد خير مما يطلبه العبد لنفسه، وهناك يستقر أحدهم في مقام التسليم، ثم يرتقي في مقام الرضى، فاعلم ذلك واعْمَل عليه، والحمد لله رب العالمين.
تعليق