التقاط الدر الثمين من هادي الحائرين إلى رسوم أخلاق العلماء العارفين (للشعراني)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار بن علي
    طالب علم
    • Nov 2005
    • 1729

    #1

    التقاط الدر الثمين من هادي الحائرين إلى رسوم أخلاق العلماء العارفين (للشعراني)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد إمام المرسلين
    وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
    وبعد، فهذه درر التقطتها أثناء مطالعتي لكتاب "هادي الحائرين إلى رسوم أخلاق العلماء العارفين" للشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله وقد ذكر فيه جملة من أخلاق العلماء الربانيين الذين عاصرهم وأخذ عنهم الآداب العرفانية والعلوم الإحسانية، والكتاب ما زال مخطوطا، فالله أسأل أن يسخر له من يحققه ويخرج كنوزه التي سأنقل بعضها إلى النور، عسى أن نستنير بها، وبالله التوفيق.


    الباب الأول
    في ذكر جملة من مشايخ الشعراني الذين أدركهم في النصف الأول من القرن العاشر

    1ـ فمن أخلاقهم أن لا يأخذوا العهد على مريد إلا بعد تبحره في علوم الشريعة، كما جرى عليه السلف والخلف؛ وذلك لأن من لم يتبحر في الشريعة تصير نفسُه متطلعةً إلى الاشتغال بمطالعة الدرس، فمثلا إذا قال له شيخه: «اجلس اذكر الله تعالى من الظهر إلى العصر» تصير نفسه ملتفتة إلى مطالعة الدرس، والطريق عزيزة لا تحتمل الالتفات إلى غيرها أبداً.

    2ـ ومن أخلاقهم شدة الانتصار لله بالله، فلا يقدرون على سماع كلام أحد في كُنْهِ ذاته تعالى لأنه من أعظم الجهل وأعلى طبقات سوء الأدب، وقد قال تعالى: ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾[الذاريات: ٢١]، وقال ﷺ: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذاته» وذلك لأن معرفة كُنْهِ الذات ممنوع في الدنيا والآخرة، وإن أثبت الشرع الرؤية لله تعالى فلا يلزم من الرؤية الإحاطة ومعرفة الكنه.

    3ـ ومن أخلاقهم العمل على تحصيل مقام محبة الله تعالى ومحبة رسول الله ﷺ؛ فإن المرء مع من أحب، وإن لم يلحق في الأعمال بمَن صدَق في محبته.

    4ـ ومن أخلاقهم مخالَفة النفس وترك شهواتها الخارجة عن الاعتدال، فلا يزالون يخالفون نفوسَهم حتى تطيعهم في الخير وتصير تحب ما يحب الله وتكره ما يكرهه الله، وحينئذ تجوز موافقتها أو تجب لأن إبليس قد ذهب تسلُّطه عليها وصارت تأخذ حذرها منه، فعُلم أن من شبع من الحلال ـ فضلا عن الحرام ـ لا يقدر على ردّ إبليس عنه.

    5ـ ومن أخلاقهم عدمُ ادعائهم القوة لفعل شيء من أمور الدنيا والآخرة إلا مع مشاهدة أن تلك القوة من إمداد الله تعالى لهم، فإن كل مدّع للقوة مع الغفلة عن الله تعالى ممتحَن، فيمتحنه الله تعالى بالأمور التي لا يطيق حملها حتى ينكشف له ضعفه وعجزه.

    6ـ ومن أخلاقهم قوة الهمة في العمل على تخلصهم من العوائق ليدخلوا طريق أهل الله تعالى، فما دام لأحدهم علاقة دنيوية فهو لم يدخل الطريق، كما عليه غالب مريدي هذا الزمان.

    7ـ ومن أخلاقهم تعلق آمالهم بالله عز وجل دون أخذ من خلقه إلا عن إذنه، ومن تأمل بعين البصيرة وجد حوائجه في الدنيا والآخرة لا تبرز إلا من باب حضرة الحق جل وعلا، وأن سائر الخلق من الملوك فمن دونهم حكمُهم في جلب النفع ودفع الضرر حكم الآلة التي بيد شخص كريم يصرفها كيف شاء، ومن شهد هذا المشهد فقد حصل له نعيم الدارين؛ إذ التعذيب إنما يكون من ربط الآمال بالخلق، كمُفلِس أُحِيل على مُفلِس.

    8ـ ومن أخلاقهم أن يَدُلُّوا تلامذتهم على الوصول إلى حضرة الله تعالى من أقرب الطرق وهي مجاهدة نفوسهم في الطاعات، ثم مخالفة هواهم، ثم مكابدة ترك الشهوات الدنيوية، ثم الدخول لحضرة الله عز وجل في ظل ظليل ونعيم مقيم.

    9ـ ومن أخلاقهم العمل على تحصيل مقام التسليم الكامل، ولا يقنعوا بظاهر دعواهم التسليم لله تعالى بترك التلفظ بما فيه رائحة اعتراضٍ على شيء من مقدورات الله عز وجل، بل يطلبون الترقي في درجات التسليم حتى يفقدوا من قلوبهم خطرات الاعتراض وينزلوا بسكينة الوقار ويشهدون يقيناً أن ما فعله الحق بالعبد خير مما يطلبه العبد لنفسه، وهناك يستقر أحدهم في مقام التسليم، ثم يرتقي في مقام الرضى، فاعلم ذلك واعْمَل عليه، والحمد لله رب العالمين.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]
  • يونس حديبي العامري
    طالب علم
    • May 2006
    • 1049

    #2
    مـــا شاء الله،كلام حديث عهد بربه....كلام كله نور ونور ونور ....
    فتح الله عليك أستاذ نزار وجعلك من أهله وخاصته فالشعراني وما أدراك ما الشعراني نفعني الله وإيّاك ببركته...
    وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

    تعليق

    • نزار بن علي
      طالب علم
      • Nov 2005
      • 1729

      #3
      10ـ ومن أخلاقهم شهودُهم كشفا ويقينا أن كل شيء أتاهم مما يكرهون إنما هو من حيث إتيانُهم ما يشتهون، فيُقيمون الحجةَ عليهم دائما إلى أن يبلغوا إلى أول مقام في الولاية، وهناك يُحفظ العبد من إتيانه ما يشتهي، فيُحفظ من إتيانه ما يكره.

      11ـ ومن أخلاقهم غفلتهم عن استحضار نقائص الناس وعدم التجسس على عيوب الناس وعدِّ زلاتهم، على زعم أن أحدَهم ربما استشاره أحدٌ في معاملتهم أو مصاهرتهم مثلا، فيخبر عن علمٍ أن ذلك لا يجوز، بل الواجب إذا استشارَه أحد فيما ذُكر أن يذكر ما عرفه من الناس بحكم الاتفاق من غير تجسس. ثم إن تجسس ووقع في التحريم واستشاره أحد فالواجب عليه أيضا أن يذكر ما اطلع عليه بالصدق من غير حظ نفس أو تحقير. ويحتاج صاحب هذا الخلق إلى ميزان دقيق وعلم وافر ليميّز به حظ الشرع من حظ النفس، فإن صديق الإنسان ربما كان مرتكبا أموراً أقبح مما يرتكبه عدوُّه، ومع ذلك فلا يكاد يكشف القناع عنه لِمَن استشاره، بخلاف عدوِّه ربما زاد على ما هو مرتكبه من الصفات القبيحة بغضا فيه وتشفيا للنفس، فاعلم ذلك واحذر من آفة التزكية والتجريح، والحمد لله رب العالمين.

      12ـ ومن أخلاقهم خوفهم من آفات العمل الصالح الذي عُرِفوا به واشتهروا بين الناس، كمن جعل له مجلس ذكر في جامع بعد العشاء والصبح مثلا، فربما أَلِفَت النفسُ ذلك فواظب عليه محبةً في نشر الصيت، حتى يصير أشق عليها أن يأمرها أحد بالاشتغال في ذلك الوقت بما هو أفضل من ذلك المجلس، كحضور درس علم أو سعي على أرملة أو يتيم أو قضاء حاجة مسلم ونحو ذلك.

      13ـ ومن أخلاقهم كثرة حثهم أصحابهم على إخراج زكاة أبدانهم على وجه الكمال النسبي، فإن من لم يخرج زكاة بدنه كذلك وآثر النوم والأكل والغفلة على السهر والجوع وكثرة النوافل القولية والفعلية فقد عرَّض بدنه للبلايا والمحن.

      14ـ ومن أخلاقهم العملُ على الخفاء تارة وعلى الظهور تارةً؛ ليتخلقوا بأخلاق الله تعالى، فإنه تعالى سمى نفسه الظاهر والباطن، ومن فوائد الخفاء في هذه الدار تحقق العبد بالأنس بأهل حضرة الله عز وجل، لا بالله لأنه لا يصح الأنس بالله تعالى لعبدٍ؛ لانتفاء المجانسة والمشاكلة، وإنما الأنس حقيقةً بما مَنَّ الله من التقريبات والتحف، لا بالله فافهم. وأما فوائد الظهور فلا تنحصر، أقل ما هنالك نفع الناس به، فإن من لم تظهر فضيلتُه لا ينتفعُ أحدٌ به وكأنه لم يدخل الدنيا.

      15ـ ومن أخلاقهم حرصهم على دخول أصحابهم معهم كلما دخلوا حضرة الله تعالى في ليل أو نهار، وتأسفهم عليهم إذا قام بهم مانع فحال بينهم وبين الوقوف بين يدي الله عز وجل كلما وقع التجلي للعباد.
      وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

      تعليق

      • نزار بن علي
        طالب علم
        • Nov 2005
        • 1729

        #4
        الباب الثاني
        في جملة أخرى من الأخلاق

        1ـ فمن أخلاقهم شدة اعتنائهم بآداب الصلاة، الظاهرة والباطنة، وعدم اعتدادهم بها إذا خلت من الخشوع مثلا، بل يرون أنها إلى الإثم أقرب. وهذا الخلق قد ضرب أكثر الناس عنه صفحاً، وبعضهم يقول: هذا منزع صوفي، فيوهم العوام أن ذلك أمر لم يكلف الشارع به الناس، وكان الأولى له أن يَصِل ذلك بقوله: فلا نطيق الوصول إليه إلا بالسلوك على يد شيخ؛ لأنه من صفات صلاة الأنبياء والأولياء، ليتطلب حصوله مَن كان يقبَل الترقي من الناس، ومن تصفح الكتاب والسنة وجد الحق جل وعلا لا يقبل من أعمال عباده إلا ما عقلوه وحضروا فيه معه بقلوبهم.

        2ـ ومن أخلاقهم إذا حصل لهم حضور في صلاتهم أن يستغفروا من ذلك الحضور، فربما كان ذلك يورثهم العُجْب فيُمقَت أحدُهم ولا يَشعُر. وكانوا يقولون: «ما حضر أحدٌ شيئاً في صلاته إلا مع ما قام في خياله، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا». وكانوا يقولون: «ما تمَّ إلا نَقُصَ»، «من لم تنقص صلاته بالإخلال بآدابها الظاهرة نقصها برؤية الكمال فيها». ومن هنا أجمعوا على أن مِن شرط العبد أن لا يشهد في نفسه أنه وفّى الربوبيةَ حقَّها في شيء من المأمورات الشرعية.

        3ـ ومن أخلاقهم أن لا يقف أحدهم بين يدي الله في الصلاة حال ثوران غضبه أو حال تلبُّسه بشيء يشغل قلبه، إلا إن خاف خروج الوقت وهو على ذلك الحال، فيصلي للضرورة، ثم يقضيها إن شاء على وجه الكمال إن شاء الله.

        4ـ ومن أخلاقهم أن يفطروا في صوم النفل إذا علموا أن في ذلك جبراً لخاطر الضيف؛ لأنهم دائرون مع الأفضل، لا مع حظّ نفوسهم كما يقع فيه بعض العبّاد، فإذا اشتهر بصوم الدهر مثلا وطلبوا منه الإفطار لأجل الضيف مثلا يتعصب لذلك خوفا من تغيير الحال التي اشتهر بها عند الناس.

        5ـ ومن أخلاقهم الطهارة قبل الأكل والشرب والنوم والسفر وغيرها، فلا يفعلون شيئا من ذلك إلا على طهارة.
        وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

        تعليق

        يعمل...