مع الأسماء الحسنى

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد سليمان الحريري
    طالب علم
    • Oct 2011
    • 641

    #1

    مع الأسماء الحسنى

    هذه مختارات من كتاباتي وخواطري حول أسماء الله الحسنى, ولا أنكر الاستفادة العظيمة التي جنيتها من متابعة شيخنا العلامة محمد راتب النابلسي حفظه الله وأمتع به.
    sigpic
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



  • محمد سليمان الحريري
    طالب علم
    • Oct 2011
    • 641

    #2
    1. 1.
      مقدمة
    2. أيها الإخوة الكرام : نعمة الأمن من الدعائم الأساسية للسعادة في حياة الإنسان , و إذا فقد الأمن حل محله الخوف و القلق , وعندئذ لا ينفع المال, ولا ينفع الولد , ولا ينفع المنصب , ولا تنفع القوة , فإذا فقد الأمن وطغى الخوف , تحولت الحياة إلى جحيم لا يطاق , لذلك فإن الله تبارك و تعالى عندما عدد مجموعة من الابتلاءات التي وعد بأن يبتلينا بها , جعل الخوف في المقدمة , والله إنما يبدأ بالأهم , قال تبارك وتعالى : (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ )) . لذلك كان الشعور بالأمن هو من الحاجات الأساسية في حياة الإنسان , والتي لا غنى له عنها , و السؤال الكبير أيها الأحبة : ما هو الطريق لتحقيق الأمن و لتحصيل الطمأنينة .
    3. والإجابة باختصار أن السبيل الوحيد لتحقيق الأمن و الطمأنينة هو التوحيد الخالص الصافي , فكلما كان توحيدك أكثر نقاءً , كلما كانت حياتك أكثر أمناً و راحة , قال تعالى : (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )) والظلم في هذه الآية فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك , وبالتالي فإن كل خدش يتعرض له التوحيد يؤدي إلى ظهور بؤرة من الخوف و القلق في الحياة . فالشرك أيها الإخوة هو مصدر القلق والاضطراب والعذاب النفسي بدليل قول الله تعالى : (( فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ)) وما أحسن ما قال بعضهم : ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
    4. و الشرك الذي قد يقع في حياة المسلمين , ليس معناه أن هناك آلهة أخرى تستحق أن تعبد من دون الله , كلا , ولن تجد مسلماً على وجه الأرض يقول هذا , و لكن الشرك الذي يقع به المسلم , والذي يكون سبب تعاسته و شقائه , هو أن يرى أن هناك جهة في الكون غير الله تبارك وتعالى لها أدنى تأثير , جهة بيدها الأمر , بيدها الضر و النفع , والعطاء والمنع, وهذا الشرك و للأسف منتشر انتشاراً واسعاً في حياتنا , و الشرك إنما يحضر و يسيطر عندما يغيب التوحيد الصافي , والتوحيد الصافي لا يتم إلا بمعرفة الله تعالى , ومعرفة الله تعالى تعني أن نعرف أسماءه الحسنى و صفاته الفضلى جل جلاله , وإنما يتم ذلك بطرق ثلاثة: الأول النظر و التأمل في آيات الله القرآنية والتي هي كلامه تبارك و تعالى, ومن المعلوم أنك إذا أردت أن تعرف بعض المعلومات عن شخص ما , فإن أفضل طريقة لذلك هي أن تسأله هو وتسمع منه, فهو أدرى بنفسه , كذلك الأمر بالنسبة للقرآن الكريم , فهو كلام لله , و بالتالي فهو الذي يعطيك المعلومات الدقيقة و التصور الصحيح عن الخالق الحكيم جل جلاله .
    5. الطريق الثاني لمعرفة الله : هو النظر في آيات الله الكونية , و التي تظهر في الكون و في النفس البشرية , فالكون كله مظهر لأسماء الله الحسنى , في الكون رحمة تدل على الرحيم , في الكون حكمة تدل على الحكيم , في الكون ابداع يدل على البديع , وقد جعل الله تعالى الكون آية و دليلاً على وجوده ووحدانيته وكماله .
    6. الطريق الثالث لمعرفة الله تعالى : هو النظر في آيات الله التكوينية , و التي هي أفعال الله , فالله تعالى يخفض فلاناً , ويرفع فلاناً , يعز أقواماً , ويذل آخرين , يغني و يفقر , ينصر و يقهر , يعطي ويمنع , يبتلي ويفرج , فأفعال الله تبارك وتعالى عِبرٌ كلها لمن تأمل ونظر .
    7. وسنبحث في آيات الله الكونية و التكوينية و القرآنية , لنجمع بعض المعلومات التي تفيدنا في الحصول على تصور صحيح لاسم من أسماء الله الحسنى , ألا وهو اسم الملك , فالله تعالى من أسمائه الملك , و هذا الاسم له أثر بالغ في منح الأمن و الطمأنينة للمسلم , خصوصاً في هذه الأحداث الصعبة , و الظروف الحرجة التي تمر بنا .
    sigpic
    قال حافظ الشام ابن عساكر:
    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



    تعليق

    • محمد سليمان الحريري
      طالب علم
      • Oct 2011
      • 641

      #3
      اسم الله: الملك
      عندما يعلم العبد المسلم أن نواصي العباد كلهم في قبضة الملك, عندئذ يشعر أن المخلوق لا يساوي شيئاً, ولا يستحق أن يحسب له أقل حساب, يعلم أنما ما سوى الله أشباح, رسوم متحركة , لا تملك حتى لنفسها نفعاً ولا ضراً, ولا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً . فمعرفة الله هي السعادة, هي الأمن, هي الطمأنينة, هي الراحة, هي مصدر القوة للمؤمن, و صدقوني أنه لا يوجد مصدر للقوة غير معرفة الله.
      و انظر إلى أثر هذه المعرفة عند سيدنا هود عليه الصلاة والسلام حينما عاداه قومه: ((قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)) فعلم سيدنا هود أن قومه لا يفهمون إلا منطق القوة , فرد عليهم متحدياً قوتهم و مستهيناً بجبروتهم: ((قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ)) رجل يقف بمفرده أمام أمة و يقول لهم: ((فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ)) أي خططوا و ارسموا وامكروا ثم نفذوا مخططاتكم بسرعة ولا تعطوني فرصة للهرب و النجاة, فأنا لا أقيم لكم وزناً, لكن ما سر هذه الصلابة و العنفوان؟؟ نتابع قراءة الآيات لنعرف ذلك: ((إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) إذن هذا هو السر, لقد علم أن الله هو الملك, و أن نواصي قومه في يده سبحانه, فتوكل عليه .

      أيها الأحبة: اسم الملك ورد في عدة آيات, و بصياغات مختلفة, يقول الله تعالى: ((هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ)), وقال تعالى: ((إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)) و في كل ركعة نمدح الله تعالى ونثني عليه بقولنا: ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) .
      الملك جلَّ جلاله هو المالك لكل شيء, و المتصرف في كل شيء, و الذي إرادته نافذة في كل شيء, فلا راد لأمره, ولا معقب لحكمه, ولا يستحق هذه الأوصاف إلا الله عز و جل, فإذا قلنا إن فلاناً من الناس ملك, فهذا على سبيل المجاز و ليس حقيقة, لأن الملك هو الذي يستغني في كل شيء عن كل شيء, فهل هناك من ملوك الدنيا من يستغني في كل شيء عن كل شيء ؟؟


      أما الملك جل جلاله فهو الذي إذا شاء ملّك, وإذا شاء أهلك, والذي إذا ظهر قهر, وإذا تجلى طاشت لأنوار جلاله ألباب البشر, الملك هو الذي يقبض أرواح الملوك و الجبابرة, كما يقبض أرواح النمل و الذباب سواءً بسواء, ليس عنده قوي, ولا يقوم لغضبه إنس ولا جان, هو الباقي وكل من عليها فان.
      sigpic
      قال حافظ الشام ابن عساكر:
      فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
      أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
      أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



      تعليق

      • محمد سليمان الحريري
        طالب علم
        • Oct 2011
        • 641

        #4
        الملك من بيده كل شيء, بيده الأمطار, فإذا انحبست أمطار السماء, فهل في الكون كله جهة تستطيع إصدار قرار بإنزال المطر, هل يستطيع ذلك مجلس الأمن, أو جامعة الدول العربية, أو هيئة الأمم المتحدة, أوحلف شمال الأطلسي, لا والله, إلا أن يخرج الناس في صلاة الاستسقاء, يبكون و يستغيثون و يمرغون وجوهم في التراب تذللاً على أعتاب الملك جل جلاله.

        أيها الأحبة في الله: أحياناً يكون للباطل صولة و جولة, وربما يسمح الله للباطل أن يعلو و يسيطر, وربما أرخى له الحبل قليلاً, ولكن إلى أمد محدود, الباطل لا يمكن أن يكسب حرباً, لكن ربما يكسب جولة, وقد بين المولى جل جلاله أن حالة الانهزام و الضعف عند المؤمنين لا تدوم طويلاً, فهي عبارة عن غيمة عابرة سرعان ما تلاحقها بوادر الصحو و الصفاء, قال تبارك و تعالى: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ )) .
        sigpic
        قال حافظ الشام ابن عساكر:
        فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
        أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
        أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



        تعليق

        • محمد سليمان الحريري
          طالب علم
          • Oct 2011
          • 641

          #5
          أيها الأحبة: في الكون آلاف الجهات التي تتعامل معها , الإنسان غير المؤمن أو ضعيف الإيمان , عليه أن يرضي أهله , وزوجته و أولاده , وهناك رئيسه في العمل , وهناك جهة تقلقه , وهناك جهة تهدده, وهناك جهة يرى أنها تتحكم برزقه , و هناك وهناك .. , ألف سيف مُشهَر في وجه الإنسان , فأين يذهب و أين يتوجه ؟

          لكن المؤمن يرضي جهة واحدة فقط , هذه الجهة هي المسيطرة على بقية الجهات , الجهة التي بيدها الملك , الجهة الخالقة , المهيمنة , المالكة , الآمرة الناهية , فإذا ما أرضى هذه الجهة فإنها تكفيه باقي الجهات , و هذا الذي أقوله إنما نأخذه من كلام الله الخبير , ولا ينبئك مثل خبير , قال تبارك و تعالى : [ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ] و أفسر لكم هذه الآية بمثال من حياتنا الواقعية : تصور حال رجلين , الأول يعمل في شركة يملكها رجل له أربعة أبناء , وهم الذين يديرون أمر الشركة , و كل واحد من هؤلاء الإخوة له نظرته الخاصة و تفكيره الخاص , أي متشاكسون , الأخ الأول يقول لهذا الموظف : اصعد, الثاني يقول له : انزل , الثالث يقول له : تأخر اليوم في الدوام و لا تأت غداً , الرابع يقول له : اذهب اليوم باكراً لأننا نحتاجك غداً في الفترة الصباحية , فبالله عليكم كيف تكون حياة هذا الموظف , لا بد أنها كتلة من البؤس و الشقاء , قارن حال هذا مع موظف آخر علاقته مع صاحب الشركة مباشرة لا يأخذ الأوامر و التعليمات إلا منه , فتراه مرتاحاً مسروراً: [ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَ رَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ].

          وهكذا حال المؤمن إذا أطاع الله , فإنه يكفيه كل ما أهمه , ويحميه من كل سوء , لأنه تبارك و تعالى هو الملك , زوجتك بيده , و أنت يا أختي زوجك بيده , حماتك بيده , الأولاد بيده , صاحب العمل , الجيران, الأعداء كلهم بيده , إذاً ما عليك إلا أن تطيع الملك و تستقيم على أمره , والباقي عليه , هو يتكفل لك بكل شيء .
          والنبي صلى الله عليه وسلم عبر بدوره عن هذه الحقيقة المطمئنة فقال : [ من جعل الهموم هماً واحداً ، هم آخرته ، كفاه الله همّ دنياه . ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا ، لم يبال الله في أي أوديتها هلك ] . ( ابن ماجه عن ابن مسعود )

          أيها الأحبة في الله : الملك هو من ملك الرقاب و ملك القلوب , ملوك الدنيا قد يملكون الرقاب , ولأمد محدود , ولكن لا يمكن أن يملكوا القلوب , أما الملك الحق جل جلاله , فهو الوحيد الذي الذى يملك الرقاب و يملك القلوب , وهذا من كمال ملكه جل في علاه .
          وإذا أرادت بعض الجهات الأرضية أن تلحق بك الأذى , ولجأت أنت إلى جهة أرضية أخرى لتحميك , فإن هذه الجهة مهما كانت قوية و مسيطرة فليس بمقدورها حمايتُك إلا بالقوة المادية وقد تفشل , و لن يكون بوسعها أن تحوّل قلب عدوك عليك بالمحبة و الرحمة , لكن الأمر يختلف عندما ترضى بالله نصيراً , وتقطع آمالك عمّا سواه , فالوسائل التي يمكن أن يحميك بها ليس لها حصر , وأنا أقول دائماً : إن الله ليس عنده حلول , لأن الله هو الذي يخلق الحلول.
          sigpic
          قال حافظ الشام ابن عساكر:
          فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
          أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
          أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



          تعليق

          • محمد سليمان الحريري
            طالب علم
            • Oct 2011
            • 641

            #6
            اسم الله: العزيز

            أيها الإخوة المؤمنون:
            قبل البدء بالحديث عن هذا الاسم العظيم من أسماء الله الحسنى أحب أن أذكر بان معرفة الله تعالى هي أساس كل خير، وأن الإنسان لن يستقيم على أوامر الله تعالى إلا إذا عرفه، والشيء المشاهد في هذه الأيام وللأسف، أن معظم المسلمين قد عرفوا أوامر الله تعالى لكنهم ما عرفوا الله تعالى، أي أنهم عرفوا الأمر ولم يعرفوا الآمر.

            ومن الأشياء الملاحظة في سلوكيات الإنسان، أن الإنسان إذا عرف الأمر قبل أن يعرف الآمر فإنه يتفنن في التفلت من الأمر، لكنه إذا عرف الآمر أولا ثم عرف الأمر فإنه سيتفانى في تنفيذ الأمر.

            وإليكم مثالاً واقعياً من حياتنا:
            إنسان يسير في الشارع في الساعة التاسعة ليلاً، التفت إلى أحد الجدران فوجد ورقة ملصقة على الحائط وقد كتب عليها: [التجول ممنوع بعد الساعة التاسعة ليلاً تحت طائلة إطلاق النار].
            لكن هذا الشخص بحث في نواحي الورقة ومحص فلم يجد فيها أي ختم أو توقيع أو أية إشارة تدل على الجهة التي أصدرت هذا التهديد (أي أن هذا الشخص قد عرف الأمر ولم يعرف الآمر) وبالتالي فمن حقه أن يتوقع أن هذه الورقة قد كتبها أحد العابثين أو السفهاء ليخيف بها الناس، وعندها فليس هناك ما يدفع هذا الشخص إلى إلى تنفيذ الأمر بالمسارعة إلى العودة إلى المنزل.
            sigpic
            قال حافظ الشام ابن عساكر:
            فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
            أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
            أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



            تعليق

            • محمد سليمان الحريري
              طالب علم
              • Oct 2011
              • 641

              #7
              لكن لو افترضنا أن هذا الشخص رأى في آخر الورقة التي فيها التهديد توقيعاً أو ختماً ما، هذا الختم صادر عن جهة قوية جبارة باستطاعتها تنفيذ الأمر وإطلاق النار على كل من يخالف، عندئذ ومن باب حرص الإنسان على السلامة، فإن هذا الشخص سوف يسارع إلى الاستجابة للأمر، ولسوف يدفعه خوفه إلى المسارعة إلى العودة إلى المنزل حتى لا يتعرض للأذى.

              هذا المثال ينطبق على حال المسلم: فالمؤمن عندما يعلم أن هذا حلال وهذا حرام، قبل أن يعرف جيداً من هذا الذي حلل وحرم، ما هي صفاته، ما هي أسماؤه، عندئذ ستكون المخالفة عنده أمراً هيناً.

              لكن العكس تماماً سيحصل في حال عرف المؤمن ربه تعالى بأن عرف صفاته الفضلى وأسماءه الحسنى، وعرف ما يجب له وما يستحيل في حقه وما يجوز.

              ولذلك فلا ينبغي لأحد أن يستغرب الاهتمام الزائد الذي أولاه السادة الأشاعرة لقضية معرفة الله تعالى حتى جعلوها أول الواجبات على المكلف:
              يقول صاحب الجوهرة مبيناً عقيدة أهل السنة والجماعة:
              واجزم بأن أولاً مما يجب . . . معرفة وفيه خلف منتصب

              ويقول العلامة ابن رسلان الشافعي:
              أول واجب على الإنسان . . . معرفة الإله باستيقان
              sigpic
              قال حافظ الشام ابن عساكر:
              فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
              أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
              أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



              تعليق

              • محمد سليمان الحريري
                طالب علم
                • Oct 2011
                • 641

                #8
                وبعد هذه المقدمة فإننا نبدأ بدراسة جوانب من عظمة هذا الاسم_اسم العزيز_ ونسأل العزيز جل جلاله أن يلبس المسلمين لباس العزة والمنعة، وأن ينزل بأعدائهم الخزي والدمار، إنه تعالى على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وهو نعم المولى ونعم النصير.

                اسم العزيز أيها الأحبة في الله ورد في القرآن ثمانياً وثمانين مرة، وهذا مما يدل عل أهمية معرفتنا لهذا الاسم.

                والمعنى الأول من معاني العزيز: هو الذي لا نظير له ولا مثيل له ولا مشابه له، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

                يقول الإمام المبجل فخر الدين الرازي رضي الله عنه: ((وفي اشتقاقه وجوه، الأول ان يكون بمعنى لا مثيل له ولا نظير)).

                وهذا المعنى من معاني العزيز يقودنا إلى ذكر صفة من الصفات السبعة التي يثبتها أهل السنة الأشاعرة، ألا وهي صفة (مخالفة الحوادث) والحوادث هي كل ما سوى الله تعالى، وكل ما سوى الله مخلوق من مخلوقات الله، فمعنى مخالفة الله تعالى للحوادث أي أن الله لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، فهو تعالى العزيز الذي لا شبيه له ولا مثيل له ولا نظير له.

                وفي تقرير هذه الحقيقة العظمى والتي زلت فيه أقدام الكثير من الناس حتى وصلوا إلى تشبيه الله بخلقه، يقول تعالى: ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)).
                ويقول جل جلاله: ((قل هو الله أحد*الله الصمد*لم يلد ولم يولد*ولم يكن له كفواً أحد)).
                sigpic
                قال حافظ الشام ابن عساكر:
                فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
                أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
                أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



                تعليق

                • محمد سليمان الحريري
                  طالب علم
                  • Oct 2011
                  • 641

                  #9

                  أيها الأحبة:
                  ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة بعض النصوص في حق الباري عز وجل والتي يوهم ظاهرها معنىً غير لائق بالله تعالى مما يوهم تشبيه الله تعالى بخلقه، مثال ذلك قول الله تعالى: ((وجاء ربك والملك صفاً صفاً)) وقوله تعالى: ((يد الله فوق أيديهم)) وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا)) وقوله عليه الصلاة والسلام لرجل من الأنصار: ((ضحك الله الليلة من فعالكما)).
                  وأنت كإنسان مؤمن بالله تعالى، فإن هذا الإيمان يفرض عليك أن تبتعد عن كل معنى يفضي إلى تشبيه الله بخلقه، وهذا ما يقتضيه إيمانك بالاسم الذي نحن بصدد دراسته ألا وهو اسم العزيز, فقد ذكرت لك أن من معاني (العزيز) الذي لاشبيه له ولا نظير له ولا مثيل له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

                  والسؤال الذي لا بد أن يمر في خاطرك: كيف نتعامل مع هذه النصوص التي توهم أن الله يشبه خلقه وأنه متصف بصفات الأجسام من حركة وحجم وتحيز وجوارح وأعضاء وتغير و . .إلخ.

                  والجواب يتلخص فيما قرره اهل السنة والجماعة من ضرورة صرف تلك الألفاظ عن ظواهرها التي لا تليق بمقام الألوهية، وتحقيق ذلك سيقودك إلى سلوك أحد مسلكين لا ثالث لهما:

                  الأول: صرف الألفاظ التي توهم التشبيه عن الظاهر المتبادر للذهن مع اعتقادنا أن لها معنى سامياً يليق بالله تعالى، لكن مع عدم تعيين هذا المعنى البديل (أي المصروف إليه) وإنما تفويض العلم بذلك المعنى إلى الله تعالى.
                  وعلى هذا المسلك سار السلف الصالح رضى الله عنهم.

                  ولو أردنا تطبيق ذلك على النصوص السابقة فإننا نقول:
                  قوله تعالى: ((وجاء ربك والملك صفاً صفاً)): المجيئ هو انتقال الجسم من مكان بعيد إلى آخر قريب، هذا هو المعنى المتبادر إلى الذهن (أو المنتشر بين العامة)، فمباشرة احكم بأن هذا المعنى مستحيل في حق الله تعالى، وأما المعنى الآخر الذي يليق بالله تعالى فهذا أفوض فيه العلم إلى الله تعالى.

                  قوله تعالى: ((يد الله فوق أيديهم)): المعنى المتبادر إلى الذهن من لفظة (اليد) هو الجارحة المعروفة التي بها نأكل ونشرب ونتناول حاجاتنا، فأحكم مباشرة أن هذا المعنى مستحيل في حق الله تعالى، وأعتقد ان لليد معنى آخر يليق بالله تعالى هو أعلم به.
                  وهكذا في باقي النصوص من الكتاب والسنة.
                  sigpic
                  قال حافظ الشام ابن عساكر:
                  فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
                  أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
                  أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



                  تعليق

                  • محمد سليمان الحريري
                    طالب علم
                    • Oct 2011
                    • 641

                    #10
                    لكن إذا كان لا بد من تفسير هذه الألفاظ، وذلك عنما نحاور شخصًا ما يحاول الطعن في الدين، أو كنا في بيئة انتشر فيها من يترك الآيات الموهمة على ظاهرها، ويدعي أن ذلك هو مذهب السلف، عندئذ نلجأ للطريقة الثانية في مذهب أهل السنة والجماعة وهي طريقة التأويل، أي صرف اللفظ عن ظاهره مع تعيين اللفظ البديل للظاهر، وذلك بما يتوافق مع قواعد اللغة العربية ومع أصول العقيدة في تنزيه الله تعالى عن مشابهة الحوادث.
                    والذي يقوم بالتأويل هم أكابر العلماء الراسخين في علم اللغة وفنون الشريعة وعلى رأسها التوجيد، وأنقل الآن تأويلات علماء أهل السنة للنصوص السابقة:

                    قول الله تعالى: ((وجاء ربك)) قال الإمام أحمد رضي الله عنه: جاء ثوابه، وقال ابن عباس رضي الله عنه: جاء أمره وقضاؤه.

                    وقوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم)) أي قوة الله فوق قوتهم، كما ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره.

                    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا)) قال الإمام مالك رضي الله عنه: تتنزل رحمته وقضاؤه بالعفو والاستجابة.

                    وقوله عليه الصلاة والسلام لرجل من الأنصار: ((ضحك الله الليلة من فعالكما)) فقد أول شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر الضحك بالرضا.

                    هكذا يتعامل الأكابر مع نصوص الكتاب والسنة التي يوهم ظاهرها أن الله تعالى متصف بصفات الحوادث، فإياك با أخي المؤمن أن تحيد عن طريقهم فتزل بك قدم بعد ثبوتها، وتقع في خطر تشبيه الله تعالى بخلقه، الأمر الذي يكون لك حجابًا عن مولاك الذي لا غنى لك عنه طرفة عين...

                    المعنى الثاني من معاني العزيز: هو الغالب الذي لا يغلب، وعسى الله تعالى أن يوفقنا للحديث عن بعض تطبيقاته الجليلة..
                    sigpic
                    قال حافظ الشام ابن عساكر:
                    فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
                    أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
                    أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



                    تعليق

                    • محمد سليمان الحريري
                      طالب علم
                      • Oct 2011
                      • 641

                      #11
                      المعنى الثاني من معاني العزيز هو الغالب الذي لا يغلب، قال تعالى: ((والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)).
                      هذه الآية أيها الأحبة هي ملخص قصة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام.
                      فالله جل جلاله أراد أن يرفعه وأن يجعله عزيز مصر، فمع أنه اختطف من أحضان أبيه وألقي في البئر ليلاقي فيها مصيره المجهول، ومع أنه بيع بدراهم معدودة وأصبح عبدًا وهو من أشرف الناس نسبًا، ومع أنه قذف في السجن سبع سنوات مع الأشقياء، مع كل ما لقيه عليه السلام من متاعب وابتلاءات ومحن، لكن في النهاية لم يقع إلا ما أراده الله تعالى، وفعلًا أصبح سيدنا يوسف عزيزًا لمصر، لأن العزيز شاء له أن يكون عزيزًا، فالعزيز هو الغالب الذي لا يغلب.

                      ولذلك: كن مع العزيز ولا تبالي..
                      كن مع العزيز لتصبح عزيزًا..
                      sigpic
                      قال حافظ الشام ابن عساكر:
                      فيا ليت شعري ماذا الذي تنفر منه القلوب عنهم - يعني الأشاعرة - أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم؟!
                      أغزارة العلم، أم رجاحة الفهم، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه، أم اجتناب القول بالتجسيم والتشبيه، أم القـول بإثبـات الصفـات، أم تقديس الـرب عن الأعضـاء والأدوات؟!
                      أم تثبيت المشيئة لله والقدر، أم وصفه عزوجل بالسمع والبصر، أم القول بقدم العلم والكلام، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟!



                      تعليق

                      يعمل...