بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:فأول ما يبدأ الإنسان بالدعوة إلى الله تعالى تبدأ الفتن بالاشتعال من حوله، فإما أن يبقى ثابتا في دعوته لربه، وإما أن تتحول نواياه من حيث لا يحتسب فتصير دعوته لنفسه..
والفرق كبير بين أن يكون سعيك في دعوتك أن تصل الناس بربك، وبين أن يكون سعيك لتصلهم بنفسك..
أستطيع أن ألمس هذا الفرق واضحا في نفسي ونفوس الدعاة من حولي، فعلاماته واضحة، لكننا نعمى عنها أحيانا لغفلتنا عن الله تعالى، وها أنا أكتبها علها تكون ذكرى لي ولمن حولي إن غفلنا، وميزانا نزن فيه أنفسنا، والله الموفق..
الداعي إلى الله تعالى، والداعي إلى نفسه:
الأول حاله في مخالطته للناس كالتاجر، يفكر بالفائدة المرجوة له أو لهم، فإن لم يجدها نأى بنفسه خوفا عليها من أن تركن لشيء غير الخير، وأما الثاني فعندما يريد مخالطة الناس يفكر بما يسعده ويسعدهم فيستزيد من مجالستهم والكلام معهم بحثا عن السعادة الزائفة، وربما أوقعه ذلك في ظلمات من المشاعر الزائفة، أو الأفعال الباطلة..
الأول لن يغار من الدعاة غيره إن أحبهم الناس والتفوا حولهم، وأما الثاني فستسيطر عليه الغيرة، وربما زادت فتحولت لحسد وحقد وكره، وربما دفعه ذلك للنيل منهم بالسخرية أو اذم أو نحو ذلك وإن كانوا موافقين له..
الأول يتألم من خطأ كل داعية، وإن اضطر لتبيين الخطأ بينه متألما راجيا رجوع الداعية عنه، وأما الثاني فسيشمت من كل خطأ ليظهر أنه الأفضل..
الأول سيعترف بخطئه بسهولة؛ لأن نفسه عنده هينة لم يعظمها ولم يرفعها أكثر من قدرها، أما الثاني فسيصعب عليه الاعتراف بالخطأ، فنفسه عنده أعظم من أن تخطئ..
الأول لن يهتم من عدم تقدير الناس لبذله وجهده، بل لن ينتظر كلمة الشكر، وأما الثاني فهو ينتظر هذه الكلمة بفارغ الصبر، ينتظر بكل لحظة أن يعلن له تابعه محبته وولاءه له..
الأول يرى أن الذي سخره سيسخر من هو أفضل منه، فيستودع الله تعالى كل من يفارقه من الناس ويتوكل على الله، وأما الثاني فيرى لنفسه قيمة كبيرة، يرى أنه هو الهادي وهو الدليل، إن غاب فسسيضل الناس من بعده..
الأول يحب أن ينسب كل خير في طلابه أو أصحابه إليه، ويغضب إن لم يقروا بذلك له، وأما سيئاتهم فيراها غفلة منهم عما أمرهم به، و أما الآخر فيرى سوء أفعالهم مكتسبة منه، فلو صلح لصلحوا، وأما أفعالهم الحسنة فهي نعمة منَّ الله تعالى ليس له منها نصيب..
الأول لا يهمه أن يهجره طلابه جميعا ماداموا محافظين على الدين، فلا ينبغي له أن يطالبهم بالوفاء معه، فالوفاء الحقيقي هو الوفاء للدين، فلا تقل محبته ورجاءه الخير لهم وأما الثاني فإن جفاه أحد طلابه غضب وعاب وكره واتهمه بالخيانة والغدر، وربما حذر الناس منه..
هذا ما حضرني الساعة وكتبته على عجل ليكون ذكرى لي، وميزانا أزن به نفسي بعد أن رأيتها تتخبط في ظلمات فتن الدعوة بين الحين والحين، عسى الله تعالى أن ينفعني بها، وأرجو ممن كانت لديه زيادة أن لا يبخل علينا بها..
تعليق