ما حكم إهداء ثواب الأعمال الصالحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟!.
سؤال: في حكم ثواب الأعمال؟!.
تقليص
X
-
الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد
-
لا يخفى على حضرَتِكُم أنَّ جميعَ المُحسنين هُم في صحيفة سيّد المرسلين صلّى الله عليه و سلّم ، دعَوا بإيصالِ ثوابِ حسـناتهم لهُ أَمْ لَم يَدْعُوا ..
لكن في الدعاء بذلك نوع من عرفان الجميل و الشكر لهُ صلّى اللهُ عليه و سلّم على إحسانِهِ إلينا - فداهُ أرواحُنا - بِبَذله النفس و النفيس و تحمّل شدّة نزول الوحي و أعباء الرسالة العظيمة و مشاقّ الدعوة و التضحية الكبيرة في التفرُّغِ لنشرِها و حمل الأذى الشديد من المُخالِفِين وَ بذل غاية الوسع في الحرص على هداية الشعوب و الأُمَم و القبائل و الأقوام ، وَ تبليغِهِم الحقّ وَ النصيحة العامّة و الخاصّة للأُمّةِ ، وَ جعل ذلك من أَهَمّ همومِهِ حتّى أنزل الله عليه { لعلَّكَ باخِعٌ نفسَكَ أَلاّ يكونوا مُؤْمنين } وَ { فلعلَّكَ باخِعٌ نفسكَ على آثارِهِم إِنْ لَمْ يُؤْمِنوا بِهذا الحديثِ أَسَفاً } وَ { فلا تذهبْ نَفْسُـكَ عليهم حَسَرات} ونحو هذا من الآيات الكريمات ... وَ من لا يشكر الناس لا يشكر الله تعالى ..
ولا يَصْعبُ على المُوَفَّق إنْ شاء الله فهْمُ ذلكَ كُلِّهِ من حديث سيّدنا عبد الله ابن مسعود رضي اللهُ عنه المشهور أَنَّهُ صلّى اللهُ عليه و سلّم قال :" أولى الناسِ بي يومَ القيامةِ أكثرُهُم عليَّ صلاةً " ...
وَ حديث سيّدنا جرير بن عبد الله البجليّ رضي اللهُ عنه في حثِّهِ صلّى اللهُ عليه و سلّم الناس على الصدقة حين أتاهُ ناسٌ من الأعراب قد أصابتهم حاجةٌ وَ حزِنَ لسوء حالهم فجاء أنصارِيٌّ بصُرّة من الفضّة ثُمَّ تتابَعَ الناس على مثل ذلك حتّى عُرِفَ السُرُورُ في وجهِهِ الشريف (صلّى اللهُ عليه و سلّم ) فقال :" لا يَسُنُّ عَبْدٌ سُـنَّةً صالِحَةً يُعمَلُ بِها مِنْ بَعدِهِ إلاّ كُتِبَ لهُ من الأجرِ مثل أجر مَن عملَ بِها ، وَ لا ينقُصُ مِن أُجورِهِم شيْء ... " ، الذي أخرجهُ الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه و غيرُه ..
و حديث سيّدنا أبي هريرة رضي الله عنه المشهور (و هو عِنْدَ مُسلِمٍ أيضاً بعد حديث سيّدنا جرير) أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ دَعا إلى هُدَىً كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تبعَهُ لا ينقصُ ذلك مِنْ أُجُورِهِمْ شيئاً ، وَ مَنْ دَعا إلى ضَلالةٍ كان عليه مِنَ الإثمِ مثل آثامِ مَنْ تبِعَهُ لا ينقصُ ذلك مِنْ آثامِهِمْ شَـيئاً". فهُما ظاهِرانِ في الدلالة على ما قصدنا بيانَهُ إن شاءَ الله ..
قال مولانا القُطبُ النوويُّ عليه الرحمة و الرِضوان عن هذين الحديثين أنَّهُما صريحانِ في النصّ على استحبابِ سـَنّ الأُمور الحسنة وَ الحثّ عليه و في تحريم سنّ الأُمور السيّئة وَ أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حسنَةً كان لهُ مثل أجرِ كُلّ مَنْ يعمَلُ بها إلى يوم القيامة ... قال وَ أَنَّ من دعا إلى هُدَىً كان لهُ مثل أجورِ مُتابعيه ، أو إلى ضلالةٍ كان عليه مثل آثام تابعيه ، سـواء كان ذلك الهُدى أو الضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقاً إليه ، و سـواء كان ذلكَ تعليمَ علمٍ أو عبادةٍ أو أدبٍ أو غير ذلك . (أيْ كَحَضٍّ على خيرٍ مشروع أو تثبيطٍ عنه وَ ترغيبٍ أو ترهيبٍ وَ تشويقٍ أو تنفير وَ إغراءٍ أو تحذير وَ نَحْوه ... و اللهُ أعلَم) ، وَ قال رحمه الله :" سواء كان العمل في حياتِهِ أو بعدَ وفاتِهِ " ( أو كما قال .. أرجو مراجعة شرحه على الصحيح و صلّحوا لي إن أخطأتُ في تبليغ مقصودِهِ رحمه الله ، فقد طال العهد ...) .
وَ إذا كان المتسبب إلى ضلالةٍ عليه من الأوزار مثل أوزار من ضلَّ به ، كما قال مولانا الباري عزَّ و جلّ { لِيَحمِلُوا أوزارَهُم كامِلَةً يَومَ القيامَةِ وَ مِنْ أوزارِ الذينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، وَ قال سبحانَهُ { الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ } [ 88-النحل] .
فما ظنُّنا في مَنْ تسـبَّب إلى الهُدى و السعادة بدعوتِهِ وَ حضِّهِ و ترغيبِهِ و شفقتِهِ وَ نُصحِهِ و تعليمِهِ و سنِّهِ سنن الهدى و الإحسان ؟؟؟ .. ألا يكونُ له من الأجر و الثوابِ مثل أجر من اهتدى به وَ أحسَنَ باتّباع سُـنَنِهِ الشريفة صلّى اللهُ عليه و سلّم ؟؟ ..
إنَّ داعي الشرّ و الفساد بذل قُدرَتَهُ و العِياذُ بالله - في إضلال الخلق و صدِّهِم عن الهُدى و الرشاد ، أمّا داعي الخير فقد بذل وُسْـعَهُ و جهْدَه و طاقَتهُ في دعوة الخلق إلى الحقّ و هداية الناس إلى الإيمان و الطاعات و المَكارِمِ و سُـبل الخَيْر و السعادة ، فكأَنَّ كُلَّ داعٍ إلى شيْءٍ بِمنزلة الفاعل لهُ ، بل قد وَرَد :" الدالُّ على الخير كفاعِلِهِ " .
ثُمَّ حديثُ سيّدنا سهل بن سعد رضي الله عنه في الصحيحين مشـهور أَنَّ النبِيَّ صلّى اللهُ عليه و سلّمَ قال لسيّدنا علي رضي الله عنه :" فوَ اللهِ لأنْ يهدِيَ اللهُ بكَ رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النعَم ... " فَإذا اهتدى رجل واحد بدعوة الداعي كان ذلك خيرا له من حُمْر النَعَم ، التي هي مِنْ أَنفسِ المُقتنيات عند أهلها و أكرمها عليهم لكثرة منافعِها ، يُنْفِقُها في سبيل الله عزَّ وَ جلّ ، فكيفَ بمن هدى اللهُ تعالى بِهِ مِنَ الخلائِقِ ما لا يُحصيهِ إلاّ هو عزَّ وَ جلَّ ، و ما زال يهتدي بهِ كلَّ يومٍ أقوامٌ و طوائف من الجِنّ و الإنس ما شـاء الله ؟؟؟ ..!! ...
صلّى اللهُ عليه و سلّم كما هو أهلُهُ وَ جزاهُ عنّا ما هو أَهلُهُ ..
وَ في الختام أرى أنَّ في هذا الحديث الشريف نوعاً من الحضّ على إهداء الثواب إليه أو إشارة إلى استحباب ذلك أو مشروعِيّتِهِ على الأقَلّ و اللهُ أعلم و هو حديث سيّدنا عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعاً :" مَنْ قَالَ : جَزَى اللَّهُ عَنَّا مُحَمَّدًا مَا هُوَ أَهْلُهُ ، أَتْعَبَ سَبْعِينَ كَاتِبًا أَلْفَ صَبَاحٍ أو ألفَ ملَك سبعين صباحاً (- عفواً - لا أستحضِرُ الآن ) و نحوهُ عن سيّدنا جابِر رضي الله عنه .. و كذلك حديث الصحابيّ الجليل الذي قال للحبيب :" أجعلُ لكَ صلاتي كُلَّها (يعني الدعاء)" فقال لهُ صلّى اللهُ عليه و سلّم :" إذَنْ تُكفى هَمَّكَ وَ يُغفَرْ ذَنبُكَ " أو كما ورد .. و اللهُ أعلم .ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
خادمة الطالبات
ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه
إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه -
فوائد تتعلّق بما سبق:
- وَردَ عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أَنَّهُ كانَ يقُول : " و الذي نفسي بيده إن شـئتم لأُقسِمَنَّ لكُم بالله أنَّ أحبَّ عبادِ الله إلى اللهِ الذينَ يُحَـبّـبُـون اللهَ إلى عبادِهِ و يُحبّبُـون عباد اللهِ إلى الله ، و يَسـعَوْنَ في الأرضِ بالنصيحة " .
وَ في نوادر الإُصول للحكيم الترمذي رحمه الله تعالى أَنَّ التابِعِيَّ الجليلَ بكراً بنَ عبدِ الله المزنيَّ رضي الله عنه قال لبعضِ مَنْ لقِيَهُ من أصحابِ النبِيّ المصطفى صلّى اللهُ عليه وَ سلّم :" (ما فاتكم أو ما فاقَكُم أو) ما فضلَكُم أبو بكْرٍ بزيادة صوم و لا صلاة ( أو قال بكثيرِ أو بِفَضْلِ صلاة و صيام) و لكِنْ بشيء وَقرَ في صدرهِ " . رضي الله عنه . فسّـرهُ بعض السلف الصالح بأنَّهُ كمالُ الفناء في محبّة النبيّ صلّى اللهُ عليه و سلّم مِنْ قُوّة الحب لله عز وجل و الرحمةُ لخلقِهِ تعالى بِصدقِ النصيحة وَ الشفقة على الأُمّة والحِرص على الدعوة وَ استمرار كمالِ الدين القويم من أجْلِ ذلك . و اللهُ أعلم
قال معاوية بن عبد الكريم الثقفي ، سمعت بكر بن عبد الله المُزَنِيَّ رحمه الله تعالى يقول يوم الجمعة : لو قيل لي : خذ بيد خير أهل المسجد ، لقلت : دُلُّونِي على أنصَحِهِم لعامَّتِهِم . فإذا قيل : هذا ، أخذت بيده ، و لَوْ قيل لي : خذ بيَدِ شـرّهم ، لقلت : دُلُّوني على أغشـّهِم لعامَّـتِهِم . و لو أن مناديا نادى من السماء أَنَّهُ لا يدخل الجنة منكم إلا رجلٌ واحد ، لكان ينبغي لِكُلِّ إنسانٍ أن يلتمِسَ أن يكونَ هُو ، و لَوْ أن مناديا نادى أَنه لا يدخل النار منكم إلا رجلٌ واحدٌ لكان ينبغي لكل إنسان أن يَفْرَقَ أن يكون ذلك الواحد ". (يَفْرَق : أي يخافُ خوفاً شديداً ) .
وقال شيخ الحرم المكّيّ الإمام الفضيل بن عياض التميميّ رضي الله عنه : "ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة و الصيام و إنما أدرك بسَـخاءِ النفْسِ و سلامة الصَدرِ و النصح للأمة " . ( أي مع المحافظة على الواجبات و الإهتمام بسائر القربات و التورّع قدر المستطاع عن المَمْقوتات و المكروهات و سائر المخالفات) ... و اللهُ أعلم .
لتكميل الفائدة إن شاء الله :
[ أبو عبد الله بكر بن عبد الله ابن عمرو المزني البصري ، الإمام القدوة الواعظ الحجة ، أحد الأعلام ، يذكر مع الحسن و ابن سيرين رضي اللهُ عنهما .
حدث عن عبد الله ابن عباس و ابن عمر و أنس بن مالك و المغيرة بن شعبة و غيرهم من الصحابة رضي اللهُ عنهم .. و حدَّثَ عنه خلائق ..
قال محمد ابن سعد :" كان بكر المزنيُّ ثقةً ثبتاً كثيرَ الحديث حجةً فقيها " .. وَ قال سليمان التيمي : الحسن شيخ البصرة ، و بكر المُزَنيُّ فتاها .
و قال عبد الله بن بكر : أخبرتني أختي قالت : كان أبوك قد جعل على نفسه أن لا يسمعَ رجلَيْنِ يتنازعانِ في القدر إلا قام فصلّى ركعتين .
قال ابنُهُ عبد الله بن بكر : سمعت إنسانا يحدث عن أبي أنه كان واقفا بعرفة ، فَرقَّ فقال :" لولا أني فيهم لقلت قد غفر لهم ".. سُبْحانَ الله ..
قال أبو الأشهب : سمعت بكرا يقول : اللهم ارزُقنا رزقاً يزيدُنا لكَ شُكراً و إلَيْكَ فاقةً و فقراً ، و بكَ عَمَّنْ سِـواكَ غِنَىً .
وَ قال حميد الطويل : كان بكر بن عبد الله مُجاب الدعوة ] . (من طبقات ابن سعد و تهذيب الكمال و السِيَر و غيرها) ... رحمهم الله أجمعين .
ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
خادمة الطالبات
ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه
إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَهتعليق
-
قال العلامة ابن عابدين في حاشيته (رد المحتار المجلد الثاني صفحة 244):"مطْلَبٌ فِي إهْدَاءِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ الْحَافِظَ ابْنَ تَيْمِيَّةَ زَعَمَ مَنْعَ إهْدَاءِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ جَنَابَهُ الرَّفِيعَ لَا يُتَجَرَّأُ عَلَيْهِ إلَّا بِمَا أَذِنَ فِيهِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَسُؤَالُ الْوَسِيلَةِ لَهُ قَالَ: وَبَالَغَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ لِإِذْنٍ خَاصٍّ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَعْتَمِرُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمُرًا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ. وَحَجَّ ابْنُ الْمُوَفَّقِ وَهُوَ فِي طَبَقَةِ الْجُنَيْدِ عَنْهُ سَبْعِينَ حَجَّةً، وَخَتَمَ ابْنُ السِّرَاجِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ خَتْمَةٍ؛ وَضَحَّى عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ. اهـ.
قُلْت: رَأَيْت نَحْوَ ذَلِكَ بِخَطِّ مُفْتِي الْحَنَفِيَّةِ الشِّهَابِ أَحْمَدَ بْنِ الشَّلَبِيِّ شَيْخِ صَاحِبِ الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الطَّيِّبَةِ لِلنُّوَيْرِيِّ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا نَقَلَهُ أَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ قَالَ: يُسْتَحَبُّ إهْدَاؤُهَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ.
قُلْت: وَقَوْلُ عُلَمَائِنَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ يَدْخُلُ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِذَلِكَ حَيْثُ أَنْقَذَنَا مِنْ الضَّلَالَةِ، فَفِي ذَلِكَ نَوْعُ شُكْرٍ وَإِسْدَاءُ جَمِيلٍ لَهُ، وَالْكَامِلُ قَابِلٌ لِزِيَادَةِ الْكَمَالِ. وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَانِعِينَ مِنْ أَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ لِأَنَّ جَمِيعَ أَعْمَالِ أُمَّتِهِ فِي مِيزَانِهِ. يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَخْبَرَنَا بِأَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، بِأَنْ نَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَا اُخْتُلِفَ فِي إطْلَاقِ قَوْلِ اجْعَلْ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي شَرَفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنَعَ مِنْهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ لَهُ دَلِيلٌ. وَأَجَابَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] وَحَدِيثَ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَقَامَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَمَالَهُ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ فِي الْعِلْمِ وَالثَّوَابِ وَسَائِرِ الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ وَكَذَا وَرَدَ فِي دُعَاءِ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ: وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَعَظِّمْهُ وَاعْتَمِرْهُ تَشْرِيفًا إلَخْ فَيَشْمَلُ كُلَّ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لَهُمْ بِزِيَادَةِ الشَّرَفِ مَنْدُوبٌ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي خُطْبَتَيْ كِتَابَيْهِ الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ، وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْحَلِيمِيُّ وَصَاحِبُهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَدْ رَدَّ عَلَى الْبُلْقِينِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْقَايَاتِيُّ، وَوَافَقَهُ صَاحِبُهُ الشَّرَفُ الْمُنَاوِيُّ، وَوَافَقَهُمَا أَيْضًا صَاحِبُهُمَا إمَامُ الْحَنَفِيَّةِ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ، بَلْ زَادَ عَلَيْهِمَا بِالْمُبَالَغَةِ حَيْثُ جَعَلَ كُلَّ مَا صَحَّ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الْوَارِدَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْجُودًا فِي كَيْفِيَّةِ الدُّعَاءِ بِزِيَادَةِ الشَّرَفِ، وَهِيَ: اللَّهُمَّ صَلِّ أَبَدًا أَفْضَلَ صَلَوَاتِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَنَبِيِّك وَرَسُولِك مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَزِدْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِلَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ اهـ. فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ طَلَبَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِفَضْلِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْوَارِدِ كَصَلَاةِ التَّشَهُّدِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ بِفَضْلِ طَلَبِ الزِّيَادَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ مَعَ هَذَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ فِي ذَلِكَ مَحْذُورًا، وَوَافَقَهُمْ أَيْضًا صَاحِبُهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا اهـ مُلَخَّصًا"
وهذا من البحوث أوالتحقيقات التي يتفرد العلامة ابن عبدين في حاشيته وما أكثرها
فالخلاصة لاحرج من إهداء ثواب الأعمال إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام ومن أحسن الأعمال الإكثارمن الصلاة عليه كما جاء في حديث أبي بن كعب قال يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فما أجعل لك من صلاتي ؟ قال : ما شئت قلت : الربع ؟ قال : ما شئت وإن زدت فهو خير . قلت : النصف ؟ قال : ما شئت وإن زدت فهو خير لك . قلت : الثلثين ؟ قال : ما شئت وإن زدت فهو خير . قلت : أجعل لك صلاتي كلها قال : إذا يكفي همك ويغفر ذنبك )
فصلاتنا عليه صلى الله عليه وسلم أو إهداء ثواب الأعمال هي ثناء عليه وطلب مزيد من الرفعةله صلى الله عليه وسلمتعليق
تعليق