وخرج النسائي عن أبي أمامة قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت مرني بأمر آخذه عنك قال عليك بالصوم فإنه لا مثل له فنفى أن يماثله عبادة من العبادات التي شرع لعباده ومن عرف أنه وصف سلبي إذ هو ترك المفطرات علم قطعا أنه لا مثل له إذ لا عين له تتصف بالوجود الذي يعقل ولهذا قال الله تعالى الصوم لي فهو على الحقيقة لا عبادة ولا عمل واسم العمل إذا أطلق عليه فيه تجوز كإطلاق لفظة الموجود على الحق المعقول عندنا تجوزا إذ من كان وجوده عين ذاته لا تشبه نسبة الوجود إليه نسبة الوجود إلينا فإنه ليس كمثله شئ (إيراد حديث نبوي إلهي) خرج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يسخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم إني صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك وللصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه عز وجل فرح بصومه
واعلم أنه لما نفى المثلية عن الصوم كما ثبت فيما تقدم من حديث النسائي والحق ليس كمثله شئ لقي الصائم ربه عز وجل يوصف ليس كمثله شئ فرآه به فكان هو الرائي المرئي فلهذا قال صلى الله عليه وسلم فرح بصومه ولم يقل فرح بلقاء ربه فإن الفرح لا يفرح بنفسه بل يفرح به ومن كان الحق بصره عند رؤيته ومشاهدته فما رأى نفسه إلا برؤيته ففرح الصائم لحوقه بدرجة نفي المماثلة وكان فرحه بالفطر في الدنيا من حيث إيصال حق النفس الحيوانية التي تطلب الغذاء لذاتها فلما رأى العارف افتقار نفسه الحيوانية النباتية إليه ورأى جوده بما أوصل إليها من الغذاء أداء لحقها الذي أوجبه الله عليه قام في هذا المقام بصفة حق فأعطى بيد الله كما يرى الحق عند لقائه بعين الله فلهذا فرح بفطره كما فرح بصومه عند لقاء ربه (بيان ما يتضمنه هذا الخبر) ولما كان العبد موصوفا بأنه ذو صوم واستحق اسم الصائم بهذه الصفة ثم بعد إثبات الصوم له سلبه الحق عنه وأضافه إلى نفسه فقال إلا الصيام فإنه لي أي صفة الصمدانية وهي التنزيه عن الغذاء ليس إلا لي وإن وصفتك به فإنما وصفتك باعتبار تقييد ما من تقييد التنزيه لا بإطلاق التنزيه الذي ينبغي لجلالي فقلت وأنا أجزي به فكان الحق جزاء الصوم للصائم إذا انقلب إلى ربه ولقيه بوصف لا مثل له وهو الصوم إذ كان لا يرى من ليس كمثله شئ إلا من ليس كمثله شئ كذا نص عليه أبو طالب المكي من سادات أهل الذوق من وجد في رحله فهو جزاؤه ما أوجب هذه الآية في هذه الحالة ثم قوله والصيام جنة وهي الوقاية مثل قوله واتقوا الله أي اتخذوه وقاية وكونوا له أيضا وقاية فأقام الصوم مقامه في الوقاية وهو ليس كمثله شئ والصوم من العبادات لا مثل له ولا يقال في الصوم ليس كمثله شئ فإن الشئ أمر ثبوتي أو وجودي والصوم ترك فهو معقول عدمي ووصف سلبي فهو لا مثل له لا أنه ليس كمثله شئ فهذا الفرق بين نعت الحق في نفي المثلية وبين وصف الصوم بها ثم إن الشارع نهى الصائم والنهي ترك ونعت سلبي فقال لا يرفث ولا يسخب فما أمره بعمل بل نهاه أن يتصف بعمل ما والصوم ترك فصحت المناسبة بين الصوم وبين ما نهي عنه الصائم ثم أمر أن يقول لمن سابه أو قاتله إني صائم أي تارك لهذا العمل الذي عملته أنت أيها المقاتل والساب في جانبي فنزه نفسه عن أمر ربه عن هذا العمل فهو مخبر أنه تارك أي ليس عنده صفة سب ولا قتال لمن سابه وقاتله ثم قال والذي نفس محمد بيده يقسم صلى الله عليه وسلم لخلوف فم الصائم وهو تغير رائحة فم الصائم التي لا توجد إلا مع التنفس وقد تنفس بهذا الكلام الطيب الذي أمر به وهو قوله إني صائم فهذه الكلمة وكل نفس الصائم أطيب يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين عند الله فجاء بالاسم الجامع المنعوت بالأسماء كلها فجاء باسم لا مثل له إذ لم يتسم أحد بهذا الاسم إلا الله سبحانه فناسب كون الصوم لا مثل له وقوله من ريح المسك فإن ريح المسك أمر وجودي يدركه الشام ويلتذ به السليم المزاج المعتدل فجعل الخلوف عند الله أطيب منه لأن نسبة إدراك الروائح إلى الله لا تشبه إدراك الروائح بالمشام فهو خلوف عندنا وعنده تعالى هذا الخلوف فوق طيب المسك في الرائحة فإنه روح موصوف لا مثل لما وصف به فلا تشبه الرائحة فإن رائحة الصائم عن تنفس ورائحة المسك لا عن تنفس من المسك ولنا واقعة في مثل هذا كنت عند موسى بن محمد القباب بالمنارة بحرم مكة بباب الحزورة وكان يؤذن بها وكان له طعام يتأذى برائحته كل من شمه وسمعت في الخبر النبوي أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ونهي أن تقرب المساجد برائحة الثوم والبصل والكراث فبت وأنا عازم أن أقول لذلك الرجل أن يزيل ذلك الطعام من المسجد لأجل الملائكة فرأيت الحق تعالى في النوم فقال لي عز وجل لا تقل له عن الطعام فإن رائحته عندنا ما هي مثل ما هي عندكم فلما أصبح جاء على عادته إلينا فأخبرته بما جرى فبكى وسجد لله شكرا ثم قال لي يا سيدي ومع هذا فالأدب مع الشرع أولى فازاله من المسجد رحمه الله ولما كانت الروائح الكريهة الخبيثة تنفر عنها الأمزجة الطبيعية السليمة من إنسان وملك لما يحسونه من التأذي لعدم المناسبة فإن وجه الحق في الروائح الخبيثة لا يدركه إلا الله خاصة ومن فيه مزاج القبول له من الحيوان أو الإنسان الذي له مزاج ذلك الحيوان لا ملك ولهذا قال عند الله فإن الصائم أيضا من كونه إنسانا سليم المزاج يكره خلوف الصوم من نفسه ومن غيره وهل يتحقق أحد من المخلوقين السالمين المزاج بربه وقتا ما أو في مشهد ما فيدرك الروائح الخبيثة طيبة على الإطلاق ما سمعنا بهذا وقولي على الإطلاق من أجل أن بعض الأمزجة يتأذى بريح المسك والورد ولا سيما المحرور المزاج وما يتأذى منه فليس بطيب عند صاحب ذلك المزاج فلهذا قلنا على الإطلاق إذا الغالب على الأمزجة طيب المسك والورد وأمثاله والمتأذي من هذه الروائح الطيبة مزاج غريب أي غير معتاد ولا أدري هل أعطى الله أحدا إدراك تساوى الروائح بحيث أن لا يكون عنده خبث رائحة أم لا هذا ما ذقناه من أنفسنا ولا نقل إلينا إن أحدا أدرك ذلك بل المنقول عن الكمل من الناس وعن الملائكة التأذي بهذه الروائح الخبيثة وما انفرد بإدراك ذلك طيبا إلا الحق هذا هو المنقول ولا أدري أيضا شأن الحيوان من غير الإنسان في ذلك ما هو لأني ما أقامني الحق في صورة حيوان غير إنسان كما أقامني في أوقات في صور ملائكته والله أعلم ثم إن الشرع قد نعت الصوم من طريق المعنى بالكمال الذي لا كمال فوقه حين أفرد له الحق بابا خاصا وسماه باسم خاص يطلب الكمال يقال له باب الريان منه يدخل الصائمون والري درجة الكمال في الشرب فإنه لا يقبل بعد الري الشارب شربا أصلا ومهما قبل فما ارتوى أرضا كان أو غير أرض من أرضين الحيوانات خرج مسلم من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال أين الصائمون فيدخلون منه فإذا دخل آخرهم أغلق فلا يدخل منه أحد ولم يقل ذلك في شئ من منهي العبادات ولا مأمورها إلا في الصوم فبين بالريان أنهم حازوا صفة كمال في العمل إذ قد اتصفوا بما لا مثل له كما تقدم
وما لا يماثل هو الكامل على الحقيقة والصائمون من العارفين هنا دخلوه وهناك يدخلون منه على علم من الخلائق أجمعين فلنذكر إن شاء الله في هذا الباب أحكام الصوم المشروع وتوابعه ولواحقه وأنواعه وواجبة ومندوبة كما ذكرنا فيما تقدم من أخواته من زكاة وصلاة في العموم والخصوص على طبقاتهم في ذلك وله عندنا مراتب أولها الصوم العام المعروف الذي تعبدنا الله به وهو الصوم الظاهر في الشاهد على تمام شروطه فإذا فرغنا من الكلام على أحكام المسألة التي نوردها في ذلك انتقلنا إلى الكلام بلسان الخواص وخلاصتهم على صوم النفس بما هي آمرة للجوارح وهو إمساكها عما حجر عليها في مسألة مسألة وارتفاعها عن ذلك وعلى صوم القلب الموصوف بالسعة للنزول الإلهي حيث قال تعالى وسعني قلب عبدي فنتكلم على صومه وهو إمساكه هذه السعة أن يعمرها أحد غير خالقه فإن عمرها أحد غير خالقه فقد أفطر في الزمان الذي يجب أن يكون فيه صائما إيثارا لربه مسألة مسألة والكلام على جملة المفطرات في نوع كل صوم على الاختصار والتقريب فإنه باب يطول وسأورد في هذا الباب من الأخبار النبوية ما تقف عليه إن شاء الله تعالى
(وصل في فصل تقسيم الصوم) اعلم أن الصوم المشروع منه واجب ومنه مندوب إليه والواجب على ثلاثة أنواع منه ما يجب بإيجاب الله تعالى إياه ابتداء وهو صوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أي في صيامه أو عدة من أيام أخر في حق المسافر أفطر أو لم يفطر عندنا وعند غيرنا إن أفطر وفي حق المريض ومنه ما يجب لسبب موجب وهو صيام الكفارات ومنه ما يجب من الله بما أوجبه الإنسان على نفسه وهو غير مكروه وهو صوم النذر فإنه يستخرج به من البخيل وما ثم واجب غير ما ذكرنا وأما المندوب فمنه ما يتقيد بالزمان المرغب فيه كصوم الأيام البيض والاثنين والخميس وأشباه ذلك من الأيام والشهور ومنه ما يتقيد بالحال كصيام يوم وفطر يوم وهو أعدل الصوم وكالصيام في سبيل الله ومنه ما لا يتقيد بزمان وهو أن يصوم الإنسان متى شاء متطوعا بذلك (وصل في فصل الصوم الواجب الذي هو شهر رمضان لمن شهده) فلنقدم في ذلك ذكر رمضان وبعد هذا نتكلم في أحكام صومه خرج مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين زاد النسائي في كتابه ونادى مناد في كل ليلة يا طالب الخير هلم ويا طالب الشر أمسك رواه النسائي عن عرفجة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان مجئ رمضان سببا في الشروع في الصوم فتح الله أبواب الجنة والجنة الستر فدخل الصوم في عمل مستور لا يعلمه منه إلا الله تعالى لأنه ترك وليس بعمل وجودي فيظهر للبصر أو يعمل بالجوارح فهو مستور عن كل ما سوى الله لا يعلمه من الصائم إلا الله تعالى والصائم الذي سماه الشرع صائما لا الجائع وغلق الله أبواب النار فإذا غلقت أبواب النار عاد نفسها عليها فتضاعف حرها عليها وأكل بعضها بعضا كذلك الصائم في حكم طبيعته إذا صام غلق أبواب نار طبيعته فوجد للصوم حرارة زائدة لعدم استعمال المرطبات ووجد ألم ذلك في باطنه وتضاعفت شهوته للطعام الذي يتوهم الراحة بتحصيله فتقوى نار شهوته بغلق باب تناول الأطعمة والأشربة وصفدت الشياطين وهي صفة البعد فكان الصائم قريبا من الله بالصفة الصمدانية فإنه في عبادة لا مثل لها فقرب بها من صفة ليس كمثله شئ ومن كانت هذه صفته فقد صفدت الشياطين في حقه وقد ورد في الخبر أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فسدوا مجاريه بالجوع والعطش أي هذه الأسباب معينة له على ما يريده من الإنسان من التصرف في الفضول وهو ما زاد على التصرف المشروع ثم اعلم علمك الله من لدنه علما وجعل لك في كل أمر حكمة وحكما إن رمضان اسم من أسماء الله تعالى وهو الصمد ورد الخبر النبوي بذلك روى أحمد بن عدي الجرجاني من حديث نجيح أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى وإن كان في هذا الإسناد أبو معشر فإن علماء هذا الشأن قالوا فيه إنه مع ضعفه يكتب حديثه فاعتبروه رضي الله عنهم
ولذلك قال الله تعالى شهر رمضان ولم يقل رمضان وقال فمن شهد منكم الشهر ولم يقل رمضان فتقوى بهذا حديث أبي معشر مع قول العلماء فيه إنه يكتب حديثه مع ضعفه فزاد قوة في هذا الحديث بما أيده القرآن من ذلك فما فرض الله الصوم الذي لا مثل له ابتداء إلا في شهر سماه سبحانه باسم من أسمائه في مثل له في الشهور لأنه ليس في أسماء شهور السنة من له اسم تسمى الله به إلا رمضان فجاء باسم خاص اختص به معين وليس كذلك في إضافة رجب يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه إنه شهر الله المحرم فالكل شهور الله وما نعته هنا إلا بالمحرم وهو أحد الشهور الحرم ثم إن الله تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر في أفضل ليلة تسمى ليلة القدر فأنزله فيه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان من كونه رمضان وأما من كونه ليلة القدر فأنزله كتابا مبينا أي بينا أنه كتاب وبين كون الشئ كتابا وقرآنا وفرقانا مراتب متميزة يعلمها العالمون بالله فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال رمضان لقوله ليس كمثله شئ فلو قيل لكان مثلا في هذا الاسم فأضاف لفظ الشهر إليه حتى تنتفي عنه المثلية في الشهور خاصة ويبقى ليس كمثله شئ على رتبته من كل وجه و قد فرض الله صومه وندب إلى قيامه وهو يتضمن صوما وفطرا لأنه يتضمن ليلا ونهارا واسم رمضان ينطلق عليه في حال الصوم والإفطار حتى يتميز من رمضان الذي هو اسم الله تعالى فإن الله تعالى له الصوم الذي لا يقبل الفطر ولنا الصوم الذي يقبل الفطر وينتهي إلى حد وهو إدبار النهار وإقبال الليل وغروب الشمس فكان إطلاقه على الحق لا يشبه إطلاقه على الخلق وندب إلى القيام في ليلة لتجليه تعالى يوم يقوم الناس لرب العالمين وإن كان التجلي لله في كل ليلة من السنة ولكن تجليه في رمضان في زمان فطر الصائمين ما هو مثل تجليه للمفطر من غير صوم لأن هذا وجود فطر عن ترك مشروع موصوف بأنه لا مثل له وذلك الآخر لا يسمى مفطرا بل يسمى آكلا إذا كان الفطر الشق فهذا الأكل للصائم شق أمعائه بالطعام والشراب بعد سدها بالصوم حيث قال سدوا مجاريه بالجوع والعطش وكان القيام بالليل لأن القيام نتيجة قوة في المحل وسبب قوي المحل الغذاء وكان بالليل لمناسبة الغيب فإن القوة عن الغذاء غيب غير محسوس إنتاج القوة عن الغذاء ولما شمل رمضان الصوم والفطر والقيام وعدم القيام لذلك ورد في الخبر لا يقولن أحدكم إني قمت رمضان كله وصمته قال الراوي فلا أدري أكره التزكية أو قال لا بد من نومة أو رقدة فجعل الاستثناء في قيام ليله لا في صوم نهاره خرج هذا الحديث أبو داود عن أبي بكرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالفطر هنا هو الإدبار والإقبال والغروب سواء أكل أو لم يأكل فصوم شهر رمضان واجب على كل إنسان مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم غير مسافر وهو عين هذا الزمان المعلوم المشهور المعين من الشهور الاثني عشر شهرا الذي بين شعبان وشوال والمعين من هذا الزمان صوم الأيام دون الليالي وحد يوم الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فهذا هو حد اليوم المشروع للصوم لا حد اليوم المعروف بالنهار فإن ذلك من طلوع الشمس إلى غروبها ولما اتصف من ليس كمثله شئ بالأول والآخر كذلك وصف الصوم الذي لا مثل له بأول وآخر فأوله الطلوع الفجري وآخره الغروب الشمسي فلم يجعل أوله يشبه آخره لأنه اعتبر في أوله ما لم يعتبر في آخريته مما هو موجود في آخريته موصوف فيه الصائم بالإفطار وفي أوليته موصوف فيه بالصوم ولا فرق بين الشفق في الغروب والطلوع من حين الغروب إلى حين مغيب الشفق أو من حين الانفجار إلى طلوع الشمس ولهذا عدل الشرع إلى لفظة الفجر لأن حكم انفجاره لوجود النهار حكم غروب الشمس لإقبال الليل وحصوله فكما علم بانفجار الصبح إقبال النهار وإن لم تطلع الشمس كذلك عرفنا بغروب الشمس إقبال الليل وإن لم يغرب الشفق فانظر ما أحكم وضع الشريعة في العالم فالجامع بين الأول والآخر في الصوم وجود العلامة على إقبال زمان الصوم وزمان الفطر وهو إدبار النهار كما إن بالفجر إدبار الليل فرمضان أعم من صيامه وسيأتي الكلام على الوصال في موضعه وهل صاحبه يسمى صائما أم لا
وبعد أن ذكرنا تحديد يوم الصوم سواء كان في شهر رمضان أو في غيره فلننظر في تحديد الشهر فأقل مسمى الشهر تسعة وعشرون يوما وأكثره ثلاثون يوما هذا هو الشهر العربي القمري خاصة الذي كلفنا إن نعرفه وشهود العادين بالعلامة أيضا لكن أصحاب العلامة يجعلون شهرا تسعة وعشرين وشهرا ثلاثين والشرع تعبدنا في ذلك برؤية الهلال وفي الغيم بأكبر المقدارين إلا في شعبان إذا غم علينا هلال رمضان فإن فيه خلافا بين أن نمد شعبان إلى أكثر المقدارين وهو الذي ذهبت إليه الجماعة وأما أن نرده إلى أقل المقدارين وهو تسعة وعشرون وهو مذهب الحنابلة ومن تابعهم ومن خالف من غير هؤلاء لم يعتبر أهل السنة خلافه فإنهم شرعوا ما لم يأذن به الله والذي أقول به أن يسأل أهل التسيير عن منزلة القمر فإن كان على درج الرؤية وغم علينا عملنا عليه وإن كان على غير درج الرؤية كملنا العدة ثلاثين وأما الشهور التي لا تعد بالقمر فلها مقادير مخصوصة أقل مقاديرها ثمانية وعشرون وهو المسمى بالرومية فبراير وأكثرها مقدارا ستة وثلاثون يوما وهو المسمى بالقبطية مسرى وهو آخر شهور سنة القبط ولا حاجة لنا بشهور الأعاجم فيما تعبدنا به من الصوم فأما انتهاء الثلاثين في ذلك فهو عدد المنازل والنازلين اللذين لا يخنسان وهما الشمس المشبهة بالروح التي ظهرت به حياة الجسم للحس والقمر المشبهة بالنفس لوجود الزيادة والنقص والكمال الزيادي والنقصي والمنازل مقدار المساحة التي يقطعها ما ذكرناه دائبا فإن بالشهر ظهرت بسائط الأعداد ومركباتها بحرف العطف من أحد وعشرين إلى تسعة وعشرين وبغير حرف العطف من أحد عشر إلى تسعة عشر وحصر وجود الفردية في البسائط وهي الثلاثة وفي العقد وهي الثلاثون ثم تكرار الفرد لكمال التثليث الذي عنه يكون الانتاج في ثلاثة مواضع وهي الثلاثة في البسائط والثلاثة عشر في العدد الذي هو مركب بغير حرف عطف والثلاثة والعشرون بحرف العطف وانحصرت الأقسام ولما رأينا أن الروح يوجد فتكون الحياة ولا يكون هناك نقص ولا زيادة فلا يكون للنفس عين موجودة لها حكم كموت الجنين في بطن أمه فقد نفخ الروح فيه أو عند ولادته لذلك كان الشهر قد يوجد من تسعة وعشرين يوما فإذا علمت هذا فقد علمت حكمة مقدار الشهر العربي وإذا عددناه بغير سير الهلال ونوينا شهرا مطلقا في إيلاء أو نذر عملنا بالقدر الأقل في ذلك ولم نعمل بالأكثر فإنا قد حزنا بالأقل حد الشهر ففرغنا وإنما نعتبر القدر الأكثر في الموضع الذي شرع لنا أن نعتبره وذلك في الغيم على مذهب أو يعطي ذلك رؤية الهلال لقوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته
(وصل في فصل إذا غم علينا في رؤية الهلال) اختلف العلماء إذا غم الهلال فقال الأكثرون تكمل العدة ثلاثين فإن كان الذي غم هلال أول الشهر عد الشهر الذي قبله ثلاثين وكان أول رمضان الحادي والثلاثين وإن كان الذي غم هلال آخر الشهر أعني شهر رمضان صام الناس ثلاثين يوما ومن قائل إن كان المغمى هلال أول الشهر صيم اليوم الثاني وهو يوم الشك ومن قائل في ذلك يرجع إلى الحساب بتسيير القمر والشمس وهو مذهب ابن الشخير وبه أقول
(وصل اعتبار هذا) تقدم حديث سبب الخلاف خرج مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فضرب بيده فقال الشهر هكذا وهكذا ثم عقد إبهامه في الثالثة صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فاقدروا ثلاثين وقد ورد أيضا من حديث ابن عمر أنه قال صلى الله عليه وسلم إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين فهذا الحديث الثاني رفع الإشكال وحديث اقدروا من حمله على التضيق ابتدأ بصوم رمضان من يوم الشك ومن حمله على التقدير حكم بالتسيير وبه أقول اعلم أنه لا ترفع الأصوات إلا بالرؤية وبه سمي هلالا فمتى ما طلع هلال المعرفة في أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهي رمضان وجب الصوم ومتى طلع هلال المعرفة في أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهي فاطر السماوات والأرض وجب الفطر على الأرواح من قوله السماوات وعلى الأجسام من قوله والأرض وطلع هنا أي ظهر فإنه غارب يتلو الشمس فإن غم على العارف ولم يره من أجل الحجاب الحائل من عالم البرزخ فإن الغيم برزخي بين السماء والأرض فيقدر العارف لهلال المعرفة في قلبه بحاله وذلك أن ينظر في هلال عقله بتسييره في منازل سلوكه حالا بعد حال ومقاما بعد مقام فإن كان مقامه يعطي الكشف وإن النداء قد جاءه من خلف حجاب كما جاء وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب غير أن حجاب الطبيعة قام له في ذلك الوقت في أمر من أموره من شغل الخاطر بمال أو أهل وإن كان في الله فيعمل بحساب ذلك ويعامل اسم الله رمضان بما يليق به وإن لم يشهده فإن الحال اقتضى له ذلك وإن لم يعطه الحال لصحة الحساب أخرجكم ذلك الاسم الإلهي إلى وقته
واعلم أنه لما نفى المثلية عن الصوم كما ثبت فيما تقدم من حديث النسائي والحق ليس كمثله شئ لقي الصائم ربه عز وجل يوصف ليس كمثله شئ فرآه به فكان هو الرائي المرئي فلهذا قال صلى الله عليه وسلم فرح بصومه ولم يقل فرح بلقاء ربه فإن الفرح لا يفرح بنفسه بل يفرح به ومن كان الحق بصره عند رؤيته ومشاهدته فما رأى نفسه إلا برؤيته ففرح الصائم لحوقه بدرجة نفي المماثلة وكان فرحه بالفطر في الدنيا من حيث إيصال حق النفس الحيوانية التي تطلب الغذاء لذاتها فلما رأى العارف افتقار نفسه الحيوانية النباتية إليه ورأى جوده بما أوصل إليها من الغذاء أداء لحقها الذي أوجبه الله عليه قام في هذا المقام بصفة حق فأعطى بيد الله كما يرى الحق عند لقائه بعين الله فلهذا فرح بفطره كما فرح بصومه عند لقاء ربه (بيان ما يتضمنه هذا الخبر) ولما كان العبد موصوفا بأنه ذو صوم واستحق اسم الصائم بهذه الصفة ثم بعد إثبات الصوم له سلبه الحق عنه وأضافه إلى نفسه فقال إلا الصيام فإنه لي أي صفة الصمدانية وهي التنزيه عن الغذاء ليس إلا لي وإن وصفتك به فإنما وصفتك باعتبار تقييد ما من تقييد التنزيه لا بإطلاق التنزيه الذي ينبغي لجلالي فقلت وأنا أجزي به فكان الحق جزاء الصوم للصائم إذا انقلب إلى ربه ولقيه بوصف لا مثل له وهو الصوم إذ كان لا يرى من ليس كمثله شئ إلا من ليس كمثله شئ كذا نص عليه أبو طالب المكي من سادات أهل الذوق من وجد في رحله فهو جزاؤه ما أوجب هذه الآية في هذه الحالة ثم قوله والصيام جنة وهي الوقاية مثل قوله واتقوا الله أي اتخذوه وقاية وكونوا له أيضا وقاية فأقام الصوم مقامه في الوقاية وهو ليس كمثله شئ والصوم من العبادات لا مثل له ولا يقال في الصوم ليس كمثله شئ فإن الشئ أمر ثبوتي أو وجودي والصوم ترك فهو معقول عدمي ووصف سلبي فهو لا مثل له لا أنه ليس كمثله شئ فهذا الفرق بين نعت الحق في نفي المثلية وبين وصف الصوم بها ثم إن الشارع نهى الصائم والنهي ترك ونعت سلبي فقال لا يرفث ولا يسخب فما أمره بعمل بل نهاه أن يتصف بعمل ما والصوم ترك فصحت المناسبة بين الصوم وبين ما نهي عنه الصائم ثم أمر أن يقول لمن سابه أو قاتله إني صائم أي تارك لهذا العمل الذي عملته أنت أيها المقاتل والساب في جانبي فنزه نفسه عن أمر ربه عن هذا العمل فهو مخبر أنه تارك أي ليس عنده صفة سب ولا قتال لمن سابه وقاتله ثم قال والذي نفس محمد بيده يقسم صلى الله عليه وسلم لخلوف فم الصائم وهو تغير رائحة فم الصائم التي لا توجد إلا مع التنفس وقد تنفس بهذا الكلام الطيب الذي أمر به وهو قوله إني صائم فهذه الكلمة وكل نفس الصائم أطيب يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين عند الله فجاء بالاسم الجامع المنعوت بالأسماء كلها فجاء باسم لا مثل له إذ لم يتسم أحد بهذا الاسم إلا الله سبحانه فناسب كون الصوم لا مثل له وقوله من ريح المسك فإن ريح المسك أمر وجودي يدركه الشام ويلتذ به السليم المزاج المعتدل فجعل الخلوف عند الله أطيب منه لأن نسبة إدراك الروائح إلى الله لا تشبه إدراك الروائح بالمشام فهو خلوف عندنا وعنده تعالى هذا الخلوف فوق طيب المسك في الرائحة فإنه روح موصوف لا مثل لما وصف به فلا تشبه الرائحة فإن رائحة الصائم عن تنفس ورائحة المسك لا عن تنفس من المسك ولنا واقعة في مثل هذا كنت عند موسى بن محمد القباب بالمنارة بحرم مكة بباب الحزورة وكان يؤذن بها وكان له طعام يتأذى برائحته كل من شمه وسمعت في الخبر النبوي أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ونهي أن تقرب المساجد برائحة الثوم والبصل والكراث فبت وأنا عازم أن أقول لذلك الرجل أن يزيل ذلك الطعام من المسجد لأجل الملائكة فرأيت الحق تعالى في النوم فقال لي عز وجل لا تقل له عن الطعام فإن رائحته عندنا ما هي مثل ما هي عندكم فلما أصبح جاء على عادته إلينا فأخبرته بما جرى فبكى وسجد لله شكرا ثم قال لي يا سيدي ومع هذا فالأدب مع الشرع أولى فازاله من المسجد رحمه الله ولما كانت الروائح الكريهة الخبيثة تنفر عنها الأمزجة الطبيعية السليمة من إنسان وملك لما يحسونه من التأذي لعدم المناسبة فإن وجه الحق في الروائح الخبيثة لا يدركه إلا الله خاصة ومن فيه مزاج القبول له من الحيوان أو الإنسان الذي له مزاج ذلك الحيوان لا ملك ولهذا قال عند الله فإن الصائم أيضا من كونه إنسانا سليم المزاج يكره خلوف الصوم من نفسه ومن غيره وهل يتحقق أحد من المخلوقين السالمين المزاج بربه وقتا ما أو في مشهد ما فيدرك الروائح الخبيثة طيبة على الإطلاق ما سمعنا بهذا وقولي على الإطلاق من أجل أن بعض الأمزجة يتأذى بريح المسك والورد ولا سيما المحرور المزاج وما يتأذى منه فليس بطيب عند صاحب ذلك المزاج فلهذا قلنا على الإطلاق إذا الغالب على الأمزجة طيب المسك والورد وأمثاله والمتأذي من هذه الروائح الطيبة مزاج غريب أي غير معتاد ولا أدري هل أعطى الله أحدا إدراك تساوى الروائح بحيث أن لا يكون عنده خبث رائحة أم لا هذا ما ذقناه من أنفسنا ولا نقل إلينا إن أحدا أدرك ذلك بل المنقول عن الكمل من الناس وعن الملائكة التأذي بهذه الروائح الخبيثة وما انفرد بإدراك ذلك طيبا إلا الحق هذا هو المنقول ولا أدري أيضا شأن الحيوان من غير الإنسان في ذلك ما هو لأني ما أقامني الحق في صورة حيوان غير إنسان كما أقامني في أوقات في صور ملائكته والله أعلم ثم إن الشرع قد نعت الصوم من طريق المعنى بالكمال الذي لا كمال فوقه حين أفرد له الحق بابا خاصا وسماه باسم خاص يطلب الكمال يقال له باب الريان منه يدخل الصائمون والري درجة الكمال في الشرب فإنه لا يقبل بعد الري الشارب شربا أصلا ومهما قبل فما ارتوى أرضا كان أو غير أرض من أرضين الحيوانات خرج مسلم من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال أين الصائمون فيدخلون منه فإذا دخل آخرهم أغلق فلا يدخل منه أحد ولم يقل ذلك في شئ من منهي العبادات ولا مأمورها إلا في الصوم فبين بالريان أنهم حازوا صفة كمال في العمل إذ قد اتصفوا بما لا مثل له كما تقدم
وما لا يماثل هو الكامل على الحقيقة والصائمون من العارفين هنا دخلوه وهناك يدخلون منه على علم من الخلائق أجمعين فلنذكر إن شاء الله في هذا الباب أحكام الصوم المشروع وتوابعه ولواحقه وأنواعه وواجبة ومندوبة كما ذكرنا فيما تقدم من أخواته من زكاة وصلاة في العموم والخصوص على طبقاتهم في ذلك وله عندنا مراتب أولها الصوم العام المعروف الذي تعبدنا الله به وهو الصوم الظاهر في الشاهد على تمام شروطه فإذا فرغنا من الكلام على أحكام المسألة التي نوردها في ذلك انتقلنا إلى الكلام بلسان الخواص وخلاصتهم على صوم النفس بما هي آمرة للجوارح وهو إمساكها عما حجر عليها في مسألة مسألة وارتفاعها عن ذلك وعلى صوم القلب الموصوف بالسعة للنزول الإلهي حيث قال تعالى وسعني قلب عبدي فنتكلم على صومه وهو إمساكه هذه السعة أن يعمرها أحد غير خالقه فإن عمرها أحد غير خالقه فقد أفطر في الزمان الذي يجب أن يكون فيه صائما إيثارا لربه مسألة مسألة والكلام على جملة المفطرات في نوع كل صوم على الاختصار والتقريب فإنه باب يطول وسأورد في هذا الباب من الأخبار النبوية ما تقف عليه إن شاء الله تعالى
(وصل في فصل تقسيم الصوم) اعلم أن الصوم المشروع منه واجب ومنه مندوب إليه والواجب على ثلاثة أنواع منه ما يجب بإيجاب الله تعالى إياه ابتداء وهو صوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أي في صيامه أو عدة من أيام أخر في حق المسافر أفطر أو لم يفطر عندنا وعند غيرنا إن أفطر وفي حق المريض ومنه ما يجب لسبب موجب وهو صيام الكفارات ومنه ما يجب من الله بما أوجبه الإنسان على نفسه وهو غير مكروه وهو صوم النذر فإنه يستخرج به من البخيل وما ثم واجب غير ما ذكرنا وأما المندوب فمنه ما يتقيد بالزمان المرغب فيه كصوم الأيام البيض والاثنين والخميس وأشباه ذلك من الأيام والشهور ومنه ما يتقيد بالحال كصيام يوم وفطر يوم وهو أعدل الصوم وكالصيام في سبيل الله ومنه ما لا يتقيد بزمان وهو أن يصوم الإنسان متى شاء متطوعا بذلك (وصل في فصل الصوم الواجب الذي هو شهر رمضان لمن شهده) فلنقدم في ذلك ذكر رمضان وبعد هذا نتكلم في أحكام صومه خرج مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين زاد النسائي في كتابه ونادى مناد في كل ليلة يا طالب الخير هلم ويا طالب الشر أمسك رواه النسائي عن عرفجة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان مجئ رمضان سببا في الشروع في الصوم فتح الله أبواب الجنة والجنة الستر فدخل الصوم في عمل مستور لا يعلمه منه إلا الله تعالى لأنه ترك وليس بعمل وجودي فيظهر للبصر أو يعمل بالجوارح فهو مستور عن كل ما سوى الله لا يعلمه من الصائم إلا الله تعالى والصائم الذي سماه الشرع صائما لا الجائع وغلق الله أبواب النار فإذا غلقت أبواب النار عاد نفسها عليها فتضاعف حرها عليها وأكل بعضها بعضا كذلك الصائم في حكم طبيعته إذا صام غلق أبواب نار طبيعته فوجد للصوم حرارة زائدة لعدم استعمال المرطبات ووجد ألم ذلك في باطنه وتضاعفت شهوته للطعام الذي يتوهم الراحة بتحصيله فتقوى نار شهوته بغلق باب تناول الأطعمة والأشربة وصفدت الشياطين وهي صفة البعد فكان الصائم قريبا من الله بالصفة الصمدانية فإنه في عبادة لا مثل لها فقرب بها من صفة ليس كمثله شئ ومن كانت هذه صفته فقد صفدت الشياطين في حقه وقد ورد في الخبر أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فسدوا مجاريه بالجوع والعطش أي هذه الأسباب معينة له على ما يريده من الإنسان من التصرف في الفضول وهو ما زاد على التصرف المشروع ثم اعلم علمك الله من لدنه علما وجعل لك في كل أمر حكمة وحكما إن رمضان اسم من أسماء الله تعالى وهو الصمد ورد الخبر النبوي بذلك روى أحمد بن عدي الجرجاني من حديث نجيح أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى وإن كان في هذا الإسناد أبو معشر فإن علماء هذا الشأن قالوا فيه إنه مع ضعفه يكتب حديثه فاعتبروه رضي الله عنهم
ولذلك قال الله تعالى شهر رمضان ولم يقل رمضان وقال فمن شهد منكم الشهر ولم يقل رمضان فتقوى بهذا حديث أبي معشر مع قول العلماء فيه إنه يكتب حديثه مع ضعفه فزاد قوة في هذا الحديث بما أيده القرآن من ذلك فما فرض الله الصوم الذي لا مثل له ابتداء إلا في شهر سماه سبحانه باسم من أسمائه في مثل له في الشهور لأنه ليس في أسماء شهور السنة من له اسم تسمى الله به إلا رمضان فجاء باسم خاص اختص به معين وليس كذلك في إضافة رجب يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه إنه شهر الله المحرم فالكل شهور الله وما نعته هنا إلا بالمحرم وهو أحد الشهور الحرم ثم إن الله تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر في أفضل ليلة تسمى ليلة القدر فأنزله فيه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان من كونه رمضان وأما من كونه ليلة القدر فأنزله كتابا مبينا أي بينا أنه كتاب وبين كون الشئ كتابا وقرآنا وفرقانا مراتب متميزة يعلمها العالمون بالله فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال رمضان لقوله ليس كمثله شئ فلو قيل لكان مثلا في هذا الاسم فأضاف لفظ الشهر إليه حتى تنتفي عنه المثلية في الشهور خاصة ويبقى ليس كمثله شئ على رتبته من كل وجه و قد فرض الله صومه وندب إلى قيامه وهو يتضمن صوما وفطرا لأنه يتضمن ليلا ونهارا واسم رمضان ينطلق عليه في حال الصوم والإفطار حتى يتميز من رمضان الذي هو اسم الله تعالى فإن الله تعالى له الصوم الذي لا يقبل الفطر ولنا الصوم الذي يقبل الفطر وينتهي إلى حد وهو إدبار النهار وإقبال الليل وغروب الشمس فكان إطلاقه على الحق لا يشبه إطلاقه على الخلق وندب إلى القيام في ليلة لتجليه تعالى يوم يقوم الناس لرب العالمين وإن كان التجلي لله في كل ليلة من السنة ولكن تجليه في رمضان في زمان فطر الصائمين ما هو مثل تجليه للمفطر من غير صوم لأن هذا وجود فطر عن ترك مشروع موصوف بأنه لا مثل له وذلك الآخر لا يسمى مفطرا بل يسمى آكلا إذا كان الفطر الشق فهذا الأكل للصائم شق أمعائه بالطعام والشراب بعد سدها بالصوم حيث قال سدوا مجاريه بالجوع والعطش وكان القيام بالليل لأن القيام نتيجة قوة في المحل وسبب قوي المحل الغذاء وكان بالليل لمناسبة الغيب فإن القوة عن الغذاء غيب غير محسوس إنتاج القوة عن الغذاء ولما شمل رمضان الصوم والفطر والقيام وعدم القيام لذلك ورد في الخبر لا يقولن أحدكم إني قمت رمضان كله وصمته قال الراوي فلا أدري أكره التزكية أو قال لا بد من نومة أو رقدة فجعل الاستثناء في قيام ليله لا في صوم نهاره خرج هذا الحديث أبو داود عن أبي بكرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالفطر هنا هو الإدبار والإقبال والغروب سواء أكل أو لم يأكل فصوم شهر رمضان واجب على كل إنسان مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم غير مسافر وهو عين هذا الزمان المعلوم المشهور المعين من الشهور الاثني عشر شهرا الذي بين شعبان وشوال والمعين من هذا الزمان صوم الأيام دون الليالي وحد يوم الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فهذا هو حد اليوم المشروع للصوم لا حد اليوم المعروف بالنهار فإن ذلك من طلوع الشمس إلى غروبها ولما اتصف من ليس كمثله شئ بالأول والآخر كذلك وصف الصوم الذي لا مثل له بأول وآخر فأوله الطلوع الفجري وآخره الغروب الشمسي فلم يجعل أوله يشبه آخره لأنه اعتبر في أوله ما لم يعتبر في آخريته مما هو موجود في آخريته موصوف فيه الصائم بالإفطار وفي أوليته موصوف فيه بالصوم ولا فرق بين الشفق في الغروب والطلوع من حين الغروب إلى حين مغيب الشفق أو من حين الانفجار إلى طلوع الشمس ولهذا عدل الشرع إلى لفظة الفجر لأن حكم انفجاره لوجود النهار حكم غروب الشمس لإقبال الليل وحصوله فكما علم بانفجار الصبح إقبال النهار وإن لم تطلع الشمس كذلك عرفنا بغروب الشمس إقبال الليل وإن لم يغرب الشفق فانظر ما أحكم وضع الشريعة في العالم فالجامع بين الأول والآخر في الصوم وجود العلامة على إقبال زمان الصوم وزمان الفطر وهو إدبار النهار كما إن بالفجر إدبار الليل فرمضان أعم من صيامه وسيأتي الكلام على الوصال في موضعه وهل صاحبه يسمى صائما أم لا
وبعد أن ذكرنا تحديد يوم الصوم سواء كان في شهر رمضان أو في غيره فلننظر في تحديد الشهر فأقل مسمى الشهر تسعة وعشرون يوما وأكثره ثلاثون يوما هذا هو الشهر العربي القمري خاصة الذي كلفنا إن نعرفه وشهود العادين بالعلامة أيضا لكن أصحاب العلامة يجعلون شهرا تسعة وعشرين وشهرا ثلاثين والشرع تعبدنا في ذلك برؤية الهلال وفي الغيم بأكبر المقدارين إلا في شعبان إذا غم علينا هلال رمضان فإن فيه خلافا بين أن نمد شعبان إلى أكثر المقدارين وهو الذي ذهبت إليه الجماعة وأما أن نرده إلى أقل المقدارين وهو تسعة وعشرون وهو مذهب الحنابلة ومن تابعهم ومن خالف من غير هؤلاء لم يعتبر أهل السنة خلافه فإنهم شرعوا ما لم يأذن به الله والذي أقول به أن يسأل أهل التسيير عن منزلة القمر فإن كان على درج الرؤية وغم علينا عملنا عليه وإن كان على غير درج الرؤية كملنا العدة ثلاثين وأما الشهور التي لا تعد بالقمر فلها مقادير مخصوصة أقل مقاديرها ثمانية وعشرون وهو المسمى بالرومية فبراير وأكثرها مقدارا ستة وثلاثون يوما وهو المسمى بالقبطية مسرى وهو آخر شهور سنة القبط ولا حاجة لنا بشهور الأعاجم فيما تعبدنا به من الصوم فأما انتهاء الثلاثين في ذلك فهو عدد المنازل والنازلين اللذين لا يخنسان وهما الشمس المشبهة بالروح التي ظهرت به حياة الجسم للحس والقمر المشبهة بالنفس لوجود الزيادة والنقص والكمال الزيادي والنقصي والمنازل مقدار المساحة التي يقطعها ما ذكرناه دائبا فإن بالشهر ظهرت بسائط الأعداد ومركباتها بحرف العطف من أحد وعشرين إلى تسعة وعشرين وبغير حرف العطف من أحد عشر إلى تسعة عشر وحصر وجود الفردية في البسائط وهي الثلاثة وفي العقد وهي الثلاثون ثم تكرار الفرد لكمال التثليث الذي عنه يكون الانتاج في ثلاثة مواضع وهي الثلاثة في البسائط والثلاثة عشر في العدد الذي هو مركب بغير حرف عطف والثلاثة والعشرون بحرف العطف وانحصرت الأقسام ولما رأينا أن الروح يوجد فتكون الحياة ولا يكون هناك نقص ولا زيادة فلا يكون للنفس عين موجودة لها حكم كموت الجنين في بطن أمه فقد نفخ الروح فيه أو عند ولادته لذلك كان الشهر قد يوجد من تسعة وعشرين يوما فإذا علمت هذا فقد علمت حكمة مقدار الشهر العربي وإذا عددناه بغير سير الهلال ونوينا شهرا مطلقا في إيلاء أو نذر عملنا بالقدر الأقل في ذلك ولم نعمل بالأكثر فإنا قد حزنا بالأقل حد الشهر ففرغنا وإنما نعتبر القدر الأكثر في الموضع الذي شرع لنا أن نعتبره وذلك في الغيم على مذهب أو يعطي ذلك رؤية الهلال لقوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته
(وصل في فصل إذا غم علينا في رؤية الهلال) اختلف العلماء إذا غم الهلال فقال الأكثرون تكمل العدة ثلاثين فإن كان الذي غم هلال أول الشهر عد الشهر الذي قبله ثلاثين وكان أول رمضان الحادي والثلاثين وإن كان الذي غم هلال آخر الشهر أعني شهر رمضان صام الناس ثلاثين يوما ومن قائل إن كان المغمى هلال أول الشهر صيم اليوم الثاني وهو يوم الشك ومن قائل في ذلك يرجع إلى الحساب بتسيير القمر والشمس وهو مذهب ابن الشخير وبه أقول
(وصل اعتبار هذا) تقدم حديث سبب الخلاف خرج مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فضرب بيده فقال الشهر هكذا وهكذا ثم عقد إبهامه في الثالثة صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فاقدروا ثلاثين وقد ورد أيضا من حديث ابن عمر أنه قال صلى الله عليه وسلم إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين فهذا الحديث الثاني رفع الإشكال وحديث اقدروا من حمله على التضيق ابتدأ بصوم رمضان من يوم الشك ومن حمله على التقدير حكم بالتسيير وبه أقول اعلم أنه لا ترفع الأصوات إلا بالرؤية وبه سمي هلالا فمتى ما طلع هلال المعرفة في أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهي رمضان وجب الصوم ومتى طلع هلال المعرفة في أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهي فاطر السماوات والأرض وجب الفطر على الأرواح من قوله السماوات وعلى الأجسام من قوله والأرض وطلع هنا أي ظهر فإنه غارب يتلو الشمس فإن غم على العارف ولم يره من أجل الحجاب الحائل من عالم البرزخ فإن الغيم برزخي بين السماء والأرض فيقدر العارف لهلال المعرفة في قلبه بحاله وذلك أن ينظر في هلال عقله بتسييره في منازل سلوكه حالا بعد حال ومقاما بعد مقام فإن كان مقامه يعطي الكشف وإن النداء قد جاءه من خلف حجاب كما جاء وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب غير أن حجاب الطبيعة قام له في ذلك الوقت في أمر من أموره من شغل الخاطر بمال أو أهل وإن كان في الله فيعمل بحساب ذلك ويعامل اسم الله رمضان بما يليق به وإن لم يشهده فإن الحال اقتضى له ذلك وإن لم يعطه الحال لصحة الحساب أخرجكم ذلك الاسم الإلهي إلى وقته
تعليق