الفصل السابع: سلطان العارفين أبو يزيد البسطامي:
يقول الناقد دمشقية في الطريقة النقشبندية [ص: 224 230]:
موقفهم من قول أبي يزيد: سبحاني
وكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد «سبحاني ما أعظم شأني» (1).
ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك الى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول الى الله. والاسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها الى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية.
وذكرت كتبهم أنه صلى بالناس الفجر ثم التفت اليهم فقال: إني أنا الله لا اله الا أنا فاعبدوني. فتركه الناس وقالوا: مجنون، مسكين» (2).
وجاء الى بيته رجل فدق بابه فقال أبو يزيد: من تطلب؟ فقال الطارق: أريد أبا يزيد. فقال له أبو يزيد: ليس في البيت غير الله» (3).
وحكى السرهندي الفاروقي شيخ النقشبنديين أن أبا يزيد قال « لوائي أرفع من لواء محمد» وعذره السرهندي لأنها مقولة سكرية قالها أبو يزيد في حالة سكره بالله (4).
وحكوا أيضا أنه قال « إن لله علي نعما منها أني رضيت أن أحرق بالنار بدل الخلق شفقة عليهم» (5). وقوله « الناس يفرون من الحساب وأنا أتمناه لعله يقول لي يا عبدي فأقول: لبيك. فيفعل بي ما يشاء» (6).
وهذا مبدأ الفداء والكفارة وقبول التعذيب نيابة عن الخلق مقتبس من عقيدة النصارى نجده عند النقشبندية يروونه عن أبي يزيد. ونجده عند الرفاعية الذين نسبوا الى شيخهم الرفاعي أنه قبل أن يعذب كفارة عن خطايا الخلق.
فالنصارى تقول: « يسوع الذي صلب ومات لأجلنا وهو الآن يتردى في جهنم ليخلصنا ويضحي بنفسه من أجلنا» (7). وقال فليبس « يسوع الذي تألم لخلاصنا وهبط الى الجحيم».
وقد بلغ الزهد بأبي يزيد أن صار زاهدا في الآخرة وفي الجنة، فهو لا يريدها لكنه يريد الله فقط.
قال « أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض علي المملكة فأقول: لا أريدها، فقال الله: فماذا تريد؟ فقلت له: أريد أن لا أريد» (8). وصرح السرهندي بأن رفع الاثنينية بين الخالق والمخلوق مطلوب في مقام الولاية، ثم احتج بقول أبي يزيد هذا (9).
وحتى العبادة لا يريدها ولا يراها مقربة الى الله، ولهذا روى النقشبنديون عنه أنه قال « وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، فقلت: يا رب كيف الطريق اليك؟ فقال: أترك نفسك وتعال » (10).
وانما العبادة مشغلة ينشغل بها العابدون عن الله، هذا ما استحسن ذكره النقشبنديون بصرف النظر عن مدى ثبوت ذلك عن أبي يزيد.
فقد رووا عنه أنه قال « إطلع الله على قلوب أوليائه فرأى منهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا: فشغله بالعبادة» أضاف « وإن في الطاعات من الآفات ما يحتاج الى أن تطلبوا المعاصي» (11).
---------------------------
(1) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 90]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 99]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 180]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 344]؛ وفي "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 133]؛ وفي "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 81]؛ وفي "السبع الأسرار" للمعصوم [ج1/ص: 31] ..
(2) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 57]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 102]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 345] ..
(3) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 47]؛ وفي "تلبيس إبليس" [ج1/ص: 341] ..
(4) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 101] ..
(5) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 103]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي" [ج1/ص: 341] ..
(6) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 100] ..
(7) ورد في "رسالة بولس" [ج3/ص: 13] ..
(8) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 55]؛ ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 101] ..
(9) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 364] ..
(10) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 469]؛ ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 98] ..
(11) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 61]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 104] ..
==============================
الجواب:حول نقد الناقد بقوله:
موقفهم من قول أبي يزيد: سبحاني
وكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد « سبحاني ما أعظم شأني ».
ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك الى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول الى الله. والاسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها الى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية.
نقول:
لا بل أخطأ من شدة الفرح كما ورد في السنة:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الَّذِي يَخْرُجُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَمَاؤُهُ، فَأَضَلَّهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَنَامَ فِي أَصْلِهَا، قَدْ يَئِسَ مِنْهَا فَانْتَبَهَ فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، فَيَقُولُ مِنَ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )؛ (1) ..
وهذا الاضطراب والهياج فرحاً بالله أصاب كيان ووجدان سلطان العارفين فأحيا فؤاده، فرحا، عندما قذف الله نوره في قلبه فانشرح له وانفسح، وأسقى فؤاده بالمحبة بماء غدقا فتنه عن ذاته البشرية به ..
ويروى عند أهل الصدور أن سلطان العارفين، عندما نبؤ بما قال من شدة فرحه بالله؛ قال: ( استغفر الله العظيم، ويلي من نفسي، ويلي من نفسي؛ أو قال: حسبي من نفسي حسبي )؛ ورد في "المجموعة الكاملة" لعباس [ج1/ص: 49] ..
وهذا حال من يقذف الله في قلبه نور التقوى الذي يفرق به بين الحق والباطل بعد أن يستقر، فينفسح له القلب وينشرح، لتتفجر أساريره، فيهيج فرحاً ..
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: ( تَلا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ِ} [الزمر : 22]؛ وفي رواية أخرى: { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } [الأنعام : 125] فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ انْشِرَاحُ صَدْرِهِ؟؛ قَالَ: (( إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ )). فَقُلْنَا: فَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( الإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالتَّأَهُّبِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ )) )؛ (2) ..
وهذا عقل الحقائق، كما ورد في الأثر: ( الْعَقْلُ نُورٌ فِي الْقَلْبِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ )؛ (3) ..
وهؤلاء من قال بهم الحق سبحانه: { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [آل عمران : 170] ..
وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [يونس : 58] ..
وقد ذكرنا قبلاً كيف أول الإمام الجنيد حال سلطان العارفين بهذا القول وسو نذكر هنا تبرير شيخ مشايخ الناقد دمشقية وهو شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، وتابعه النجيب الأول الإمام ابن قيم الجوزية:
فقد قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في تبرير هذه الحالة من الشطح: ( فَهَذِهِ الْحَاّلْ تَعْتَرِيّ كَثِيّرْاً مِنْ أَهّلِ الْمَحَبْةِ وَالْإرَاّدَةِ فِيْ جَاّنِبِ الْحَقْ، فَإِنَهُ يَغِيّبُ بِمَحْبُوّبِهِ عَنْ حُبْهِ وَعَنْ نَفْسِهِ، وَبِمَذْكُوّرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ، وَبِمَوّجُوْدِهِ عَنْ وّجُوّدِهِ، فَلَاّ يَشْعُرُ حِيّنَئِذَ بِالْتَمْيّزِ وَلَاّ بِوّجُوّدِهِ، فَقَدْ يَقُوّلُ فِيْ هَذِهِ الْحَاّلِ: أَنَاّ الْحَقُ أّوْ سُبْحَاّنِيّ أَوْ مَاّ فِيْ الْجُبْةِ إِلَاّ الله وَنَحْوَ ذَلَكَ، وَهُوَ سَكْرَاّنُ بِوّجْدِ الْمَحَبَةِ )؛ (4) ..
ويقول الإمام ابن قيم الجوزية، تلميذ وتابع ابن تيمية الأول، في حال السكر: ( في حالة السكر والاصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التميز، وفي هذه الحال قد يقول صاحبها: ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: سبحاني أو ما في الجبة إلا الله، ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافراً، ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة )؛ (5) ..
------------------------------------------
(1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2325/ر:5950]، ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 67/ر:6895]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 547ر:3538]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3538]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(2) رواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 346/ر:7862]؛ ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" [ج8/ص: 126/ر:14]؛ ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج7/ص: 352/ر:10552]؛ وهو صحيح عند الحفاظ المفسرين؛ رواه ابن جرير الطبري في تفسيره "جامع البيان" [ج9/ص: 549/ر:12730]؛ وابن الرازي في "تفسير ان أبي حاتم" [ج5/ص: 332/ر:7897]؛ ورواه البغوي في تفسيره "معالم التنزيل" [ج5/ص: 89/ر:1017]؛ ورواه ابن وهب في "الجامع للتفسير" [ج1/ص: 37/ر:20]؛ وورد في "تفسير القرآن" لابن كثير [ج3/ص: 335]؛ وورد في "الدر المنثور" للسيوطي [ج7/ص: 219]؛ وورد في "الجامع للأحكام" للقرطبي [ج20/ص: 104] ..
(3) ورد في "إرشاد القلوب" للديلمي [ج1/ص: 198]، وفي "ربيع الأبرار" للزمخشري [ج3/ص: 137]، وفي "الأدب" للماوردي [ج1/ص: 6]؛ وفي "روح البيان" للبروسوي [ج15/ص: 224]؛ وفي "شرح النهج" لابن أبي الحديد [ج20/ص: 40]؛ وفي "التعريفات" للجرجاني [ج1/ص: 197]؛ وفي "معالم الزلفى" للبحراني [ج1/ص: 15] ..
(4) ورد في "مجموع الفتاوى" [ج2/ص: 396]؛ وفي "مجموع الرسائل" [ج1/ص: 64]؛ وهما لابن تيمية ..
(5) ورد في "مدارج السالكين" لابن القيم [ج1/ص: 155] ..
منسق وملون على الرابط:
يقول الناقد دمشقية في الطريقة النقشبندية [ص: 224 230]:
موقفهم من قول أبي يزيد: سبحاني
وكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد «سبحاني ما أعظم شأني» (1).
ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك الى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول الى الله. والاسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها الى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية.
وذكرت كتبهم أنه صلى بالناس الفجر ثم التفت اليهم فقال: إني أنا الله لا اله الا أنا فاعبدوني. فتركه الناس وقالوا: مجنون، مسكين» (2).
وجاء الى بيته رجل فدق بابه فقال أبو يزيد: من تطلب؟ فقال الطارق: أريد أبا يزيد. فقال له أبو يزيد: ليس في البيت غير الله» (3).
وحكى السرهندي الفاروقي شيخ النقشبنديين أن أبا يزيد قال « لوائي أرفع من لواء محمد» وعذره السرهندي لأنها مقولة سكرية قالها أبو يزيد في حالة سكره بالله (4).
وحكوا أيضا أنه قال « إن لله علي نعما منها أني رضيت أن أحرق بالنار بدل الخلق شفقة عليهم» (5). وقوله « الناس يفرون من الحساب وأنا أتمناه لعله يقول لي يا عبدي فأقول: لبيك. فيفعل بي ما يشاء» (6).
وهذا مبدأ الفداء والكفارة وقبول التعذيب نيابة عن الخلق مقتبس من عقيدة النصارى نجده عند النقشبندية يروونه عن أبي يزيد. ونجده عند الرفاعية الذين نسبوا الى شيخهم الرفاعي أنه قبل أن يعذب كفارة عن خطايا الخلق.
فالنصارى تقول: « يسوع الذي صلب ومات لأجلنا وهو الآن يتردى في جهنم ليخلصنا ويضحي بنفسه من أجلنا» (7). وقال فليبس « يسوع الذي تألم لخلاصنا وهبط الى الجحيم».
وقد بلغ الزهد بأبي يزيد أن صار زاهدا في الآخرة وفي الجنة، فهو لا يريدها لكنه يريد الله فقط.
قال « أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض علي المملكة فأقول: لا أريدها، فقال الله: فماذا تريد؟ فقلت له: أريد أن لا أريد» (8). وصرح السرهندي بأن رفع الاثنينية بين الخالق والمخلوق مطلوب في مقام الولاية، ثم احتج بقول أبي يزيد هذا (9).
وحتى العبادة لا يريدها ولا يراها مقربة الى الله، ولهذا روى النقشبنديون عنه أنه قال « وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، فقلت: يا رب كيف الطريق اليك؟ فقال: أترك نفسك وتعال » (10).
وانما العبادة مشغلة ينشغل بها العابدون عن الله، هذا ما استحسن ذكره النقشبنديون بصرف النظر عن مدى ثبوت ذلك عن أبي يزيد.
فقد رووا عنه أنه قال « إطلع الله على قلوب أوليائه فرأى منهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا: فشغله بالعبادة» أضاف « وإن في الطاعات من الآفات ما يحتاج الى أن تطلبوا المعاصي» (11).
---------------------------
(1) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 90]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 99]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 180]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 344]؛ وفي "الرشحات" للهروي [ج1/ص: 133]؛ وفي "البهجة السنية" للخاني [ج1/ص: 81]؛ وفي "السبع الأسرار" للمعصوم [ج1/ص: 31] ..
(2) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 57]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 102]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 345] ..
(3) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 47]؛ وفي "تلبيس إبليس" [ج1/ص: 341] ..
(4) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 101] ..
(5) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 103]؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي" [ج1/ص: 341] ..
(6) ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 100] ..
(7) ورد في "رسالة بولس" [ج3/ص: 13] ..
(8) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 55]؛ ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 101] ..
(9) ورد في "المكتوبات الربانية" للسرهندي [ج1/ص: 364] ..
(10) ورد في "تنوير القلوب" للزملكاني [ج1/ص: 469]؛ ورد في "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 98] ..
(11) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني [ج1/ص: 61]؛ وفي "الأنوار القدسية" للسنهوتي [ج1/ص: 104] ..
==============================
الجواب:حول نقد الناقد بقوله:
موقفهم من قول أبي يزيد: سبحاني
وكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد « سبحاني ما أعظم شأني ».
ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك الى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول الى الله. والاسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها الى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية.
نقول:
لا بل أخطأ من شدة الفرح كما ورد في السنة:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الَّذِي يَخْرُجُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَمَاؤُهُ، فَأَضَلَّهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَنَامَ فِي أَصْلِهَا، قَدْ يَئِسَ مِنْهَا فَانْتَبَهَ فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، فَيَقُولُ مِنَ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )؛ (1) ..
وهذا الاضطراب والهياج فرحاً بالله أصاب كيان ووجدان سلطان العارفين فأحيا فؤاده، فرحا، عندما قذف الله نوره في قلبه فانشرح له وانفسح، وأسقى فؤاده بالمحبة بماء غدقا فتنه عن ذاته البشرية به ..
ويروى عند أهل الصدور أن سلطان العارفين، عندما نبؤ بما قال من شدة فرحه بالله؛ قال: ( استغفر الله العظيم، ويلي من نفسي، ويلي من نفسي؛ أو قال: حسبي من نفسي حسبي )؛ ورد في "المجموعة الكاملة" لعباس [ج1/ص: 49] ..
وهذا حال من يقذف الله في قلبه نور التقوى الذي يفرق به بين الحق والباطل بعد أن يستقر، فينفسح له القلب وينشرح، لتتفجر أساريره، فيهيج فرحاً ..
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: ( تَلا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآّلِهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ِ} [الزمر : 22]؛ وفي رواية أخرى: { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } [الأنعام : 125] فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ انْشِرَاحُ صَدْرِهِ؟؛ قَالَ: (( إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ )). فَقُلْنَا: فَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( الإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالتَّأَهُّبِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ )) )؛ (2) ..
وهذا عقل الحقائق، كما ورد في الأثر: ( الْعَقْلُ نُورٌ فِي الْقَلْبِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ )؛ (3) ..
وهؤلاء من قال بهم الحق سبحانه: { فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [آل عمران : 170] ..
وقوله: { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [يونس : 58] ..
وقد ذكرنا قبلاً كيف أول الإمام الجنيد حال سلطان العارفين بهذا القول وسو نذكر هنا تبرير شيخ مشايخ الناقد دمشقية وهو شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، وتابعه النجيب الأول الإمام ابن قيم الجوزية:
فقد قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في تبرير هذه الحالة من الشطح: ( فَهَذِهِ الْحَاّلْ تَعْتَرِيّ كَثِيّرْاً مِنْ أَهّلِ الْمَحَبْةِ وَالْإرَاّدَةِ فِيْ جَاّنِبِ الْحَقْ، فَإِنَهُ يَغِيّبُ بِمَحْبُوّبِهِ عَنْ حُبْهِ وَعَنْ نَفْسِهِ، وَبِمَذْكُوّرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ، وَبِمَوّجُوْدِهِ عَنْ وّجُوّدِهِ، فَلَاّ يَشْعُرُ حِيّنَئِذَ بِالْتَمْيّزِ وَلَاّ بِوّجُوّدِهِ، فَقَدْ يَقُوّلُ فِيْ هَذِهِ الْحَاّلِ: أَنَاّ الْحَقُ أّوْ سُبْحَاّنِيّ أَوْ مَاّ فِيْ الْجُبْةِ إِلَاّ الله وَنَحْوَ ذَلَكَ، وَهُوَ سَكْرَاّنُ بِوّجْدِ الْمَحَبَةِ )؛ (4) ..
ويقول الإمام ابن قيم الجوزية، تلميذ وتابع ابن تيمية الأول، في حال السكر: ( في حالة السكر والاصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التميز، وفي هذه الحال قد يقول صاحبها: ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: سبحاني أو ما في الجبة إلا الله، ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافراً، ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة )؛ (5) ..
------------------------------------------
(1) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2325/ر:5950]، ومسلم في "صحيحة" [ج17/ص: 67/ر:6895]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 547ر:3538]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3538]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(2) رواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 346/ر:7862]؛ ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" [ج8/ص: 126/ر:14]؛ ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج7/ص: 352/ر:10552]؛ وهو صحيح عند الحفاظ المفسرين؛ رواه ابن جرير الطبري في تفسيره "جامع البيان" [ج9/ص: 549/ر:12730]؛ وابن الرازي في "تفسير ان أبي حاتم" [ج5/ص: 332/ر:7897]؛ ورواه البغوي في تفسيره "معالم التنزيل" [ج5/ص: 89/ر:1017]؛ ورواه ابن وهب في "الجامع للتفسير" [ج1/ص: 37/ر:20]؛ وورد في "تفسير القرآن" لابن كثير [ج3/ص: 335]؛ وورد في "الدر المنثور" للسيوطي [ج7/ص: 219]؛ وورد في "الجامع للأحكام" للقرطبي [ج20/ص: 104] ..
(3) ورد في "إرشاد القلوب" للديلمي [ج1/ص: 198]، وفي "ربيع الأبرار" للزمخشري [ج3/ص: 137]، وفي "الأدب" للماوردي [ج1/ص: 6]؛ وفي "روح البيان" للبروسوي [ج15/ص: 224]؛ وفي "شرح النهج" لابن أبي الحديد [ج20/ص: 40]؛ وفي "التعريفات" للجرجاني [ج1/ص: 197]؛ وفي "معالم الزلفى" للبحراني [ج1/ص: 15] ..
(4) ورد في "مجموع الفتاوى" [ج2/ص: 396]؛ وفي "مجموع الرسائل" [ج1/ص: 64]؛ وهما لابن تيمية ..
(5) ورد في "مدارج السالكين" لابن القيم [ج1/ص: 155] ..
منسق وملون على الرابط:
تعليق