أنقل لكم هذا المبحث من منتدى روض الرياحين من مشاركت سيدي الفاضل الشيخ حمزة الكتاني أعاد الله علينا من بركاتهم
والرسالة لفضيلة الوالد السيد العالم العلامة الذائق البحر المتلاطم بالحقائق سيدي الأكبر والكبريت الأحمر العارف بالله محمد بن عبد الكبير الكتاني رضي الله عنه وعنا به
قال الشيخ حمزة في منتدى روض الرياحين
والرسالة لفضيلة الوالد السيد العالم العلامة الذائق البحر المتلاطم بالحقائق سيدي الأكبر والكبريت الأحمر العارف بالله محمد بن عبد الكبير الكتاني رضي الله عنه وعنا به
قال الشيخ حمزة في منتدى روض الرياحين
"" هذه رسالة عظيمة القيمة لحجة الإسلام أبي الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني رضي الله عنه، في شرح صلاته الأنموذجية في الكمالات المحمدية، اعتمد فيها علم الأسماء والصفات:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على قطب المنازل وآله وصحبه وسلم
كتَاب روح القدس في شرح الصلاة الأنموذجية
اللهم صل على سيدنا ومولانا أحمد: آن لنا أن نبدي معمَّيات ما أُكِنَّ تحت هذه الأصداف فنقول قوله اللهم صل أي أيتها الكمالات الإلهية والشؤون الأسمائية والمقتضيات الصفاتية والنعوت الانفعالية المعنون عنك بحضرة كل إسم من الأسماء الإلهية، فلو شاهدت يا ولي صفوف الأسماء الإلهية بحسب الترتيب الكوني الذي اقتضاه ما جُبلت عليه قوابل الممكنات في حضراتها، لسرى فيك من جوهر معناهم ما ذقت به أنها كالمرائي المسامتة. فجميع ما في كل إسم من الأسماء الإلهية بحسب استقصائها في الرتبة المجهولة جليت كمالاته في حضرة إسم واحد من الأسماء الإلهية وما في هذا الإسم في هذا بلا زيادة ولا نقصان لاتحاد الكل في المدلولية. وبهذا الاعتبار صح كون كل إسم من الأسماء احتوى على ما في الإسم الآخر. بالمثال يتضح الحال لو قابلت مرائي متكاثرة من يمين ومن شمال ومن فوق ومن تحت لوجدت ما في هذه في هذه وفي هذه في هذه بسبب المقابلة فتنعكس أشعة الحضرات على الأشعة فينجلي ما فيها فيها. ومن جملة الأسماء المومن، فإذا قوبل بصفوف الأسماء إما على حدة أو بحسب الأشخاص أو بحسب الأنواع صار ما فيهِ فيه. وفي الحديث: "المؤمن مرآة المؤمن"، فيفيد ما قلناه من التحرير العجيب. وفي القرءان (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن، أيًا ما تدعوا فله) فانظر كيف ساوى بين الإسم الله وبين الإسم الرحمن في الرتبة وما ذاك إلا لانطباع ما في المرآة في مقابلها من المرائي. ولا مرية أنهم أجمعوا على أن الإسم المفرد جامع لجميع معاني الأسماء فإذا قلت يا الله كأنك دعوت بجميع الأسماء ولا عكس. وإذا ساوى الحق بين الله وبين الرحمن فالرحمن أيضا جامع كما أن الإسم المفرد جامع وهو خلاف ما اشتهر. ولما يكاد هذا المعنى أن لا يفهم زاده الحق وضوحا فقال (أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى) أي أيًا ما تدعوا به من الأسماء على تعدادها وتكاثرها فله التجريد في نفسه من حيث الوحدة فتكثر في الأسماء واتحد في المسمى وإذا كان المسمى واحدا فالأسماء على تعددها متحدة في نفس كثرتها فتعددت الأسماء الحسنى واتحدت فالكثرة وحدة والوحدة كثرة أو أيًا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى مسمى بها على كثرتها مهما ناديته بإسم إلا ويجيبك لأن المسمى بها على كثرتها واحد وإذا اتحدت في المدلول فكلها جوامع لا خصوصية للإسم المفرد. وفي القرءان (إن الله هو ربي) فالمسمى بالله هو المسمى بهو ورب. أو تقول ما في حضرة الهوية مجلوة في حضرة الربية وما في الحضرتين مجلو في حضرة الألوهية المدلول عليها بالله. وفي القرءان (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، إهدنا أنعمت عليهم ولا الضالين) فسمى ذاته بالله والرحمن والرحيم ورب العالمين وملك يوم الدين والهادي المدلول عليه بإهدنا والمنعِم المدلول عليه بأنعمت عليهم والمضل المدلول عليه بقوله ولا الضالين وما ذاك إلا لانطباع ما في حضرة كل إسم في حضرة الإسم الآخر. وهاهنا دليل عقلي مركب من العلم الإلهي يدل لهذا المعمى: إذا لم تكن الأسماء الإلهية في نفسها كالمرائي المقابلة فيكون كل إسم إنما ينبئ عن معناه فقط من غير ملاحظة لمعان أخر مطوية فيه بطريق المقابلة. ففي هذا إساءة أدب حيث لم نقل بأن الأسماء الإلهية بلون مسماها إحاطة ودلالة ورتبة ووسع كمالات الكمالات. وفي القرءان (والله واسع)، وقد ساوى الحق بين الله والرحمن، فالرحيم أيضا واسع فبطلت التفرقة المشتهرة المتداولة عندهم وأن الإسم الله سلطان الأسماء لأنه دال على الذات بجميع شؤونها. نقول وهل الأسماء الأخر ليست دالة على الذات ؟ لا يقدر عاقل أن يفوه بأنها ليست دالة عليها وإذا دلت عليها فالذات جامعة للكمالات فما ثم إسم إلا وهو جامع بطريق اللونية. على أنا نمنع وجود إسم من الأسماء الإلهية يدل على الذات البحت بدون ملاحظة للصفات أصلا هذا إسم ليس بموجود أصلا فيما بلغنا من الأسماء اللهم فيما استأثر الله بعلمه. فقولنا الله دال على ذات مسماة بصفة وهي الألوهية. وقولنا لطيف دل على ذات متصفة بصفة وهي اللطف. وقولنا خبير ذات سميت بصفة وهي الإخبار. وقولنا عليم ذات سميت بوصف وهو العلم. وقولنا ملك ذات مسماة بلوازم منها: كونها لو توجهت إرادتها التي هي عين الذات على كرة أجزاء العالم لما كان مستورا بغياهب ظلمة العدم فلما توجهت تمالكت أجزاء الممكنات وظهرت متماسكة في نفس المحو، وإلا فعظمة الحق لا يقوم لها شيء من ذرات الممكنات لولا الإسم الملك وليس إلا الذات ومن قام به وصف يجوز أن يشتق له منه اسم. وسلام ذات مسماة بوصف وهو السلامة. وقدوس ذات اتصفت بالنزاهة عن سمة المحدثات. ومومن ذات اتصفت بكونها تؤمِّن الناس من الفزع الأكبر. ومهيمن ذات متصفة بالهيمنة على جميع ذرات الموجودات. وعزيز ذات اتصفت بالعزة فهي متمنَّعة الوصول. جبار ذات اتصفت بكونها تجبر أعيان الموجودات على ما اقتضته إرادتها وفيه سر رائق. متكبر ذات متصفة بالكبرياء. خالق ذات متصفة بإيجاد الأشياء على غير مثال سبق. بارئ ذات متصفة بالبراءة عن المثلية والكمية والكيفية. مصور ذات متصفة بتصويرها للنوع الإنساني على صورة الرحمن. غفار ذات متصفة بالستر على ما يبدو من جهالات الخلق. قهار ذات متصفة بقهرها جميع ذرات الموجودات على حسب تربيتها لا على حسب تربية الذرة في نفسها فإرادتنا عين إرادة الله. وهاب ذات متصفة بكونها تهب ما تشاء لما تشاء حيث تشاء من غير اكتراث بأحد فلها الحكم على سبيل الانفراد وهلم جرا من الأسماء الإلهية فقد ألقيتك على الطريق فأين قولهم أن الإسم الله دال على الذات فقط. بيد أنهم أصابوا من حيث كونه دالا على الذات وأخطئوا من حيث حصرهم هذا في الإسم المفرد وعدم قولهم به في جميع الأسماء الإلهية. فما ثم إسم بلغنا عن لسان الشارع أنه يدل على الذات بدون ملاحظة الصفات أصلا بل كلها تدل على الذات مع ملاحظة الصفات. هذا الذي يعطيه الكشف الصمداني فإياك والتقليد فتضل في مهوات اتباع عقل الغير. على أن الإنسان ما دام به قيام وصف العقل من العِقال فهو أسير تقليد ذلك التقييد. والعقل مشتق من العِقال فيعقل صاحبه عن اللحوق بحضرة العلم المطلق من حضرة (ويعلمكم الله) وحضرة (وعلمناه من لدنا علما) فإذا أزيحت عنه جلابيب العقال صار عقله تعينا من التعينات ولم يقم به وصف الذم ومن لم يقم به وصف لم يجز أن يشتق له منه اسم. فبان لك من هذا أن الحق بحسب ذاته المخصوصة ليس له إسم وذلك لأن المراد من وضع الإسم الإشارة به إلى المسمى فلو كان له بحسب ذاته إسم لكان المراد من وضع ذلك الإسم ذكره مع غيره لتعريف ذلك المسمى. وإذا ثبت أن أحدا من الخلق لا يعرف ذاته المخصوصة فهي مجهولة لم يبق في وضع الإسم لتلك الحقيقة فائدة. وهاهنا نقول أنه ليس لتلك الحقيقة إسم بل له لوازم معرفة وتلك اللوازم هي أنه الأزلي الذي لا يزول وأنه الواجب الذي لا يقبل العدم وهلم جرا. ولا يشكل على هذا ورود إطلاق الإسم عليه تعالى لأنا نقول: القول بالاشتقاق يلزم أصحابه أنه تعالى كان في الأزل بلا أسماء ولا صفات فلما خلق الخلق جعلوها له، ولما يفنيهم يبقى بِلا هَا وهو أقبح من القول بخلق القرءان. فالتحقيق أنه كان مسمى بالأسماء قبل وجود الاشتقاق والمشتقِ والمشتق منه. وعليه فلا يرد علينا إطلاق الأسماء عليه في لسان الشرع لأنها ليست مشتقة من شيء. وأما بحسب التنزل لما عندهم فنقول : قول الكوفيين أنها مشتقة من السمة أي العلامة، فنقول عليه لا يخفى أن وضع التسمية حادث ضرورة إذ هي تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة وذلك التعيين هو قصد الواضع وإرادته، فقبل إرادته وضع هذا اللفظ كان ذلك المسمى بلا إسم لانعدام التسمية ولما تفنى يبقى بلا إسم أيضا فهذا الإلزام لازم للكوفيين. وأما قول البصريين أن الإسم مشتق من سما يسمو إذا علا وظهر فمعناه أن اللفظ مُعرف للمعنى ومعرف الشيء متقدم في المعلومية على المعرَّف فلا جرم كان الإسم عاليا على المعنى ومتقدما عليه ويلزم عليه أن الألفاظ ظروف للمعاني والمعاني مظروفة في صدف اللفظ، ولسان التحقيق يأبى هذا. بل يواقيت المعاني هي الظروف لأصداف الألفاظ وأصداف الألفاظ مظروفة في المعاني. فالمعاني ظروف والألفاظ مظروفة فيها وذلك لأن العقل أول ما يركض بجواد فكره لا يلاحظ إلا المعنى فالتشبث بأذيال المعنى هو الموصل لساحل اللفظ. وأما لو تعاصت عليه المعنى لصار اللفظ عنده كأنه حشو. ومن هاهنا دخلت الشبهة على الحشوية حتى قالوا أنه ورد في القرءان ما ليس له معنى كفواتح السور وما ذلك إلا لأن معانيها خفية فلما كانت مسمياتها مجهولة أعارت إسمها بعض أشعتها فصار مجهولا كالمسمى. ومن هاهنا لما كانت الذات الأقدس مجهولة جهل الإسم الدال عليها بحسب التجريد فلم يبلغنا عن الله بسبب انعكاس شمس المجهولية على نجوم الأسماء فغرقت وغابت تحت سلطنة هيمنتها. فحقيقة الحق علة لجميع لوازمه من الصفات الحقيقية والإضافية والسلبية، والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول. ولو كانت حقيقته معلومة لكانت صفاته بأسرها معلومة بالضرورة وهذا معدوم فذاك معدوم، فحقيقة الحق غير معلومة للبشر. فانكشف من هذا أن الاشتقاقين واهيان. فالتحرير أن تسمية الجناب الحقي بأسمائه قديمة، فهي من جملة الكلام الأزلي.
وقد تقرر عندنا أن كلام الله الأزلي تنوع في الأزل إلى أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد وهو مع تكثره وتنوعه صفة واحدة في نفسه كالعلم والقدرة وغيرهما، فهب أن العلم يتعدد بتعدد المعلوم والقدرة بتعدد المقدور وغيرهما فهو متأحد في نفسه لا تكثر فيه بوجه. على أن لك أن تمنع تعدد العلم بتعدد المعلوم وتكثر القدرة بتنوع المقدور لا لا فلا تعدد أصلا. لكن وسعية رتبة العالمية أعطت تشعب انبعاثات مقتضياتها على حسب ما تقتضيه قوابل العلم فلا تعدد فيه في نفسه وإنما المقتضيات تعددت وتكثرت فظن المشاهد أن الصفة متكثرة مع أن ليست إلا متأحدة لأن الصفة عين الموصوف. فالفاعل هو الذات البحت وأما الصفات فهي عين لا غير فإن تعلق باقتضاء الفعل سمي أمرا أو باقتضاء الترك سمي نهيا وهكذا. فإن قلت يلزم عليه وجود الجنس خارجا في غير نوع من أنواعه وهو مما لا يمكن. ولك أن تقول أنه يمنع كونها أنواعا بل عوارض بحسب المتعلق يجوز خلوه عنها تحدث بحسب التعلقات ولا يجوز كون التعلق من حقيقته وهذا بلسان ابن سعيد القطان أحد أئمة السنة قبل الأشعري. وأما الإمام الأشعري فيقول أن الكلام لا يتنوع إلا فيما لا يزال عند وجود من تتعلق به فتكون الأنواع حادثة مع قدم المشترك. وشبهة هؤلاء الفرار من وجود الأمر بدون مأمور ونهي من غير منهي في الأزل وهو محال. وفاتهم أن أعيان الموجودات مشهودة للحق تعالى قبل وجودها لما كانت في زوايا الطي فاختبر قوابلها وماهيتها وما تقتضيه رتبتها بحسب الإسم والصفة والحال والمحل في حالة انعدامها وقبل أن تذوق طعم الوجود (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). وما يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. فالأزمنة عند الحق متحدة المستقبل والحال والماضي على السواء والحال والماضي والمستقبل والماضي والمستقبل والحال كذلك،فما علمه في أحد الأزمنة هو الذي علمه في مقابله فلا يتجدد العلم بتجدد المعلوم. فالمعلوم تابع للعلم والعلم قديم بقدم الذات فالمعلوم من حيث تعلق العلم به في حضرة الأولية الغير المتعلقة قديم. وإن لا نقل بهذا نقل بالتجزئة في العلم وأنه يتجدد بتجدد المعلوم وله أوليات بالنسبة إليه وإلينا فتعلقه بنفسه قديم وتعلقه بنا حادث، وهذا كلام رق ليس من ديوان الأحرار في شيء. وهذا إنما يمكن لو كان علمه مستفادا من الأسباب والآلات والوسائط وتعالى وتقدس. بل علمه من ذاته ليس ببرزخ وقد كان موجودا وعالما قبل إيجاد الموجودات وقبل إيجاد المعلومات، فعلمه من ذاته، فليس ثم من علمه من ذاته إلا الحق. فكانت أعيان الأشياء مشهودة للحق حالة تعلق العلم القديم بها وليس لها إلا حضرتين : حضرة العلم وحضرة بروز الأعيان، فمن العلم برزت للعيان لأنها قديمة من حيث التعلق، فوجودٌ علميٌ ثم وجود عينيٌ لا غير. وأما آية (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) وآية (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) فحارت فيهما الأذهان وولهت فيهما الأعيان لأنهما يفيدان تجدد العلم بتجدد المعلوم ولم يرد فيهما نص. فكانت الأشياء مجلوة للحق حالة تعلق العلم القديم بها بل علمه بنفسه وعلمه بخلقه علم واحد. ولا يلزم من هذا مسايرتها للحق في أزليته لا لا لأن أعيانها ليست موجودة وإنما وسع تعلق العلم أعطى هذا فإنه يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات وتعلقه تعلق واحد، نفس تعلقه بالواجب نفس تعلقه بالجائز نفس تعلقه بالمستحيل، وإلا فأنت قائل بالتقديم والتأخير في التعلق حتما. وقد سها الإمام الجيلي حيث قال:يلزم من هذا مسايرتها للحق في الوجود، قلنا وفاته أن الأشياء لم تخلق من العدم وإنما أبرزها الحق من وجود علمي إلى وجود عيني. وهذا بعينه قولهم القدرة إيجاد المعدوم لأن أعيان الممكنات لم تكن ثم كانت، فالوجود للحق وحده وما هي إلا ظلال تفيَّأت (عن اليمين والشمائل سجدا لله). وتذكر امتنان الحق على الأديب الأكبر حيث أشهده كيفية امتداد ظلال الكائنات من نفس جوهر نقوش العلم فقال (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) يشير الحق: ألم نرك كيفية فعل أنامل القدرة حالة الخلق بيدي فأريتك حالة تعلق القدرة بالمقدور حالة الإيجاد المرادة من مد الظل فالكيفية حالة التعلق أريَها المحبوب المعشوق المقرب. وفيها نكتة فلم يبين الحق امتداد ظلال الكائنات من أين، هل من حضرة العلم إلى وجود عيني. أو من حضرة العدم المحض إلى وجود علمي ثم وجود عيني. والكشف الصمداني شاهد بأن ليس ثم إلا وجود علمي ثم وجود عيني وقد أومأت آية أخرى لسر مطلق فقالت (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) سر الآية هاهنا يقضي بأن الاستفهام على حقيقته. وأما قول المفسرين أن هل بمعنى قد فلا دليل يعضد قولهم أي هل أتى على الإنسان تجل من تجليات الدهر، وفي الحديث فإن الدهر هو الله، وهو لم يكن في شيء منها مذكورا لاَ لا، بل ما أتى عليه شأن من الشؤون الإلهية إلا وهو معه، والشيء هاهنا يشمل الموجود والمعدوم لكن بمعنى آخر، والمعنى هل أتى على الإنسان زمن من الأزمان وهو لم يكن فيه شيئا لكن هذا لا يتم إلا على معنى الإثبات وأن الله عند لسان كل قائل أي أتى الله عليه حين لم يكن موجودا باعتبار أشخاصه الذاتية في عالم المثال ولا معدوما بحيث لم يشم رائحة الوجود، بل له نسبتان: نسبة الوجود من حيث تعلق العلم به ونسبة العدم من حيث ثبوت الأولية المطلقة لله وحده. وهذا يؤذن أيضا بأن ليس لنا إلا وجود علمي ووجود عيني فلم نبرز من العدم. و من هاهنا يظهر لك أنا نقول بالحال وهي صفة برزخية آخذة بحجزة الوجود والعدم، هذه أنكرها جل أهل التوحيد العام ونحن نثبتها، فالعالم بعد بروزه لهذا العالم له نسبتان. وتأمل ما تحت قوله تعالى (ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) فنور القمر مستفاد من نور الشمس والقمر محو في وجود قرص الشمس لالتحافها بالحرارة الذاتية التي لا يقوم غيرها، وحين جريان الشمس لمستقرها يظهر حكم القمر. فباعتبار انبساط أشعة مقتضيات الشمس التي هي الدليل أكسبت الظل وجودا إضافيا فهي الدليل عليه ولولا دلالتها على الظل ما تم له إبصار في الكائنات، وإذا دلت عليه فليس الظاهر إلا هي فالشمس ملزومها يلزمها الظل. فالحروف متصلة بالألف اتصال الظل بالشاخص. وباعتبار انبساط أحدية الكل الجمع هو في حيز النفي فلم تخرج أجزاء الكائنات عن النسبتين وهو عين القول بالحال. ومن هذا ينقدح لك أن الوجود من قبيل المشكك لا من قبيل المتواطئ ولا المشترك كما يقول به أهل التوحيد العام. فبان من هذا أن الأزمنة متحدة بالنسبة للحق. وقد تفرغ حلل هذا المقام على بعض العباد الصالحين. وقد ظهر هذا في مرآة الأنوار حيث كان يجمع الصلاتين جمعا إما في أول الوقت أو آخره وما ذلك إلا لاتحاد الأزمنة عنده وما صلاها إلا في وقتها المختار عند الله، وعليه فلا نقول أنه جمع صوري لأنه لما صلاها ما صلاها إلا في الوقت المستقبل إن كانت ستقع أو في وقتها الماضي إن مر وقتها وقد صلاها آخرا. وصاحب هذا المقام له أحكام تخصه تمجها العقول على عادة العلم الإلهي وهو في ذلك مصيب عند الله فمن ذلك لو لم يتيسر له الغسل يوم الجمعة واغتسل قبل أو بعد فيثاب ثواب من اغتسل وقت الجمعة لاتحاد الأزمنة عنده. بل الأيام عند هذا كلها جُمَع وأعياد وعرفات. ومن ذلك أنه إذا اجتمع بدائرة الأنوار في هذه الأعصار يقال فيه أنه صحابي لأنه اجتماع متعارف عنده لاتحاد الأزمنة عنده ومن رآه يكون تابعيا لأنه لازال حيا بحياة حقانية أبدية فمن اجتمع به يقظة فهو صحابي عندنا إن كان ماهرا وإلا فقد يجتمع به ولا يعثر على مقام اتحاد الأزمنة ومن قام به وصف يشتق له منه إسم. ومن ذلك معاشرته مع جميع الأنبياء والرسل وأممهم وأقطابهم وعلمائهم فيقال أنه عاشرهم وصدق إن اتحدت عنده الأزمنة، ويلزمه أن يخبر بما وقع في أزمنتهم من حوادث الدهر وعجائب الزمان وإلا فليس بِمُحِقٍّ. ومن ذلك إخباره بالأشياء قبل وقوعها لأنه في الحال وهو عين المستقبل وإلا لم يقبل قوله ويستغفر الله استغفار الأوابين. (ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء). وإن أردت زيادة بيان فاتل قول القرءان (إن الانسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون) ولا يتم انطباق هذا الوصف عليهم بكونهم في الصلاة دائما إلا باعتبار اتحاد الأزمنة. فهم في حالة نومهم مصلون ومستغفرون وتائبون وحامدون، وفي حالة جلوسهم واتكائهم على الأسرة والأرائك هم في السياحة، وفي حالة ضحكهم باكون وفي حالة بكائهم ضاحكون وفي حالة قيامهم جلوس وفي حالة جلوسهم قيام لأنهم إذا وصلوا لمقام فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه فلا تسأل ما ادخر لهم من قرة أعين فإذا تنفسوا في وقت هم عند الله كمن تعبد آلافا من السنوات وعمارتهم وقتا واحدا ينسحب على جميع الأوقات لأنهم في حالة عبادتهم وقع اتحاد الأزمنة عند الله فهم ما عبدوا إلا في سائر الأزمنة جمعت لهم وصاروا يعبدون فيها. وفي حالة حياتهم أموات باعتبار النسبتين، وفي حالة موتهم أحياء. وفي القرءان (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء) فانظر كيف قال قتلوا أحياء تأمل فهم أموات أحياء. وفي الحديث: "من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر". فقف على قوله ميت ومع ذلك يمشي على وجه الأرض وهو يلحظ ما أومأنا إليه. وأرباب هذا المقام لهم أحكام لا تجاوزهم إلى غيرهم. وتذكر حديث الصحيح من كونه كان يقدم الصلاتين أول الوقت ويؤخرهما أيضا لما ذكرنا. أما أخذ الحكم من الحديث فواضح وهو جواز تقديم الصلاة قبل دخول وقتها وسره ما أشرنا إليه. وهاهنا رقائق لا تفشى لأن الكتاب يقع في يد أهله وغير أهله فليتحافظ. وهذا علم ما اجتمعت بأحد يعرفه.
تعليق