بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
قال الشيخ الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى:
(مِنْ عَلامَةِ الاعْتِمادِ عَلى العَمَلِ: نُقْصانُ الرَّجاءِ عِنْدَ وُجودِ الزَّللِ)
الرجاء: هو توقع النفس وتطلبها لما يلائمها مما هو متعلَّق الوعد على الطاعات؛ قال تعالى: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: ١١٠]
ويقال أيضا: هو توقع ما عند الله من المزيد، والرحمة المتعلقة بالوعيد.
ويقال أيضا: هو توقع فتح باب الرضوان، ودخول جنة عدن المخصوصة بخلاصة الإنسان من الأنبياء وأولياء الرحمن.
وقد صدر المؤلف حكمه المباركة بهذه الحكمة إشارة إلى أنّ الاعتماد على الله تعالى هو أساس بنيان السابقين من أهل التوحيد الذين تباعدوا عن شهواتهم وحظوظهم، واستغرقوا في مشاهدة تصريف الحق لهم، وأيقنوا أنّ جميع ما يصيبهم أو يفوتهم هو من الفاعل المختار سبحانه، قال الله تعالى: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: ٢٢ ٢٣]
فهؤلاء هم أهل الفهم عن الله، الذين عقلوا أمره ونهيه، وخمدوا تحت جريان قضاءه، أهل الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، فمهما صدر من هؤلاء طلبٌ من الله أن يزيل عنهم ما نزل بهم من الأمور المؤلمة، أو يعطيهم شيئا من الأمور الملائمة، فإنما ذلك لاستعمال جارحة اللسان في الخدمة، ولإظهار الفاقة والذلة، امتثالا لقوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: ٦٠] فيدعون الله تعالى تضرعا على وجه التعبّد له فقط لأنّ الدعاء مخ العبادة، لا للحصول على مطالبهم أو نيل حظوظهم، بل قلوبهم متوجِّهة إلى الله تعالى فحسب، ليس فيها توجُّهٌ لغيره، عاملين بقوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) [الأحزاب: ٤] مدركين أنّ قلوبهم إذا توجهت لنيل مطالبها في دعائها فقد أعرضت عن التوجه لمالكها، كما أنها إذا توجّهت لمالكها أعرضت عن مطالبها، فاختاروا الإعراض عن مطالبهم والتوجُّهَ إلى مالكهم، فصار اعتمادُهم على الحق تعالى، لا على عَمَلِهم، فاستوى عندهم المنع والعطاء، والذل والعز، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع الأعراض القائمة بجواهرهم خيرًا كانت أو شرًّا، وتحلَّوا بالآداب الزكية، وتحققوا المعاملة المرضية، لا ينقص رجاؤهم بجريان سابق القضاء عليهم بالمعصية، ولا يزيد بوجود طاعتهم، كما لا ينقص خوفهم بوجودها.
وقد قال الله تعالى في حقهم بعد أن ذكر كريم نعوتهم: (وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) [المعارج: ٢٧] أي خائفون على أنفسهم من نزول العذاب بها مع ما حصل لهم وصدر منهم من الأعمال البدنية والمالية والخلال الفاضلة المحمودة شرعا، وإنما هم خائفون منه معها استقصارًا لأنفسهم في مقامات العبودية، ولأعمالهم في القيام بحق الربوبية، فرأوها بعين التقصير فلم يعدوها مؤمِّنةً لهم من عذابه لأنها متلاشية في جنب ما أنعم الله به عليهم ووجّه من إحسانه إليهم، فشهدوا عدم قيامهم بشكرها فخافوا سطوته، ولم يعرجوا على أحوالهم وصالح أعمالهم وإن لم يتركوا واجبًا ولا محظورًا، فجميع مقاصدهم طاعة ربهم، ومع ذلك لا يأمنون عذابه إجلالا واستعظاما لجنابه عز وجل المتلاشي عنده كل عمل، وهؤلاء أيضا هم الذين قال الحق فيهم جل وعلا: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا) من الصدقات ويعطونها مستحقيها ويفعلون ما يفعلون من الطاعات (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) من شدة الخوف منه تعالى وعظيم الإشفاق من ( أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون: ٦٠ ] موقوفون للحساب مسؤولون عن القليل والكثير، معاتبون على التقصير، خائفون أن لا يقبل منهم عملا، فلا يكونوا لدار نعيمه والفوز برضاه أهلا.
فهذه المعاني هي العلامات الدالة على الاعتماد على الحق تعالى لا على غيره كالعمل، وإليها الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ» قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَلاَ أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ مِنْهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ» . وكلما وقع النقص في تلك المعاني كان الانحراف عن الاعتماد على الحق، وفاحت روائح الاعتماد على الغير بقدر ذلك النقص، إذ لو لم يقع الاعتماد على الطاعة لما قوي الرجاء بوجودها ولا الخوف بعدمها.
واعلم أنّ الاعتماد على العمل مذموم في حق السابقين، دون عوام المؤمنين من أهل اليمين الناظرين لأعمالهم، الطالبين عليها الأعواض بلسان حالهم، فهؤلاء يزيد رجاؤهم بوجود الأعمال، ويقل خوفهم عندها، ويزيد خوفهم عند وجود الزلل، ويقل عند عدمها، غير أنّ رجاءهم لا ينعدم بالكلية عند وجود الزلل، وإنما ينقص فقط، إذ لو كان موضع النقص انعدامًا لكان قنوطا وإياسا، كما أنّ خوفهم لا ينقطع بالكلية عند كثرة الأعمال، وإنما ينقص فقط، إذ لو كان موضع النقص انقطاعا لكان أمنا من مكر الله وغرورا، وجميع ذلك من أوصاف أصحاب الشمال الخاسرين والعياذ بالله.
فهذا ميزان الفريقين، فمن رجحت كفة ميزان توحيده الكامل التحق بالسابقين أهل الفهم عن الله تعالى، وتحرر من رقّ الأغيار، ومن وقع في كفة ميزان توحيده الكامل بعض نقصان فعليه بمجاهدة نفوسه للالتحاق بإخوانه من السابقين، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: ٦٩] جعلنا الله وإياكم من أهل الهمم الرفيعة، والمقامات العالية، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .
جمعه الفقير إلى ربه الهادي
تعليق