بسم الله الرحمن الرحيم ، و به نستعين .
أردت أن أضيف إلى ما قاله الإخوة سابقا عن صفة الكلام الإلهي ما يعضد حججهم ، و أعدّه اجتهادا من عندي ، فإن أخطأت فمن نفسي ، و من الشيطان ، و إن أصبت فمن الله ، و ذلك اعتمادا على منجزات اللسانيات المعاصرة التي قدّمت خدمة كبيرة للعلوم الإنسانية الأخرى ، و كانت وراء ظهور المنهج البنوي بغض النظر عما له و عما عليه . و في هذا الصدد ، أريد أن أمهد لحديثي هذا بمقدمات ضرورية عن حقل اشتغال اللسانيات ، فأقول إن موضوع اللسانيات هو حدود الجملة الكلامية ، إذ تعنى بدراسة العلاقة بين وحدات الجملة ، أي العلاقة بين الكلمات المكوّنة للجملة ، فأصغر وحدة في الجملة هي الكلمة ، و أصغر وحدة في الكلمة هي الحرف المتكون من صوتين هما الصامت و الصائت . لكن معقولية هذه الجملة في عمومها أو الوحدة في خصوصها تنبثق من العلاقات القائمة بين الوحدات المكونة للجملة من جهة ، و الوحدات المكونة للكلمة الواحدة من جهة أخرى . أما الوحدة في حد ذاتها فلا قيمة لها إلا في انتظامها ضمن نسق الكل .
و من هنا ، فما نسميه كلمة ليس في الحقيقة إلا علامة لسانية أو دليل لساني signe ضمن منظومة العلامات اللسانية و غير اللسانية . و بهذا الوصف ، فاللسانيات هي جزء من حقل أوسع هو حقل السيميائيات أو ما يطلق عليه بعلم العلامات إذ هي تعنى فقط أي اللسانيات بالعلامة اللسانية أي الكلمة أو اللفظ فقط . فما هي العلامة ؟
" فالعلامة اللسانية كما يعرفها سوسير هي كيان نفسي ذو وجهين " متمثلين في عنصرين هما : التصور و الصورة السمعية . فكل كلمة بوصفها علامة تتضمن هذين العنصرين ، اللذين يرتبطان فيما بينهما ارتباطا وثيقا و يستدعي أحدهما الآخر .
و مع أن " العلامة " في التصور الشائع تحيل مباشرة على ما يطابقها في الواقع مثل كلمة "شجرة" إلا أن ذلك لا يعد تصورا صحيحا لطبيعة العلامة . و يرجع خطأ هذا التصور في نظر "سوسير" إلى أن الاستعمال الشائع لمصطلح 'الشجرة " يدل على الصورة السمعية وحدها عموما فيتم الربط خطأ بين الصورة السمعية و ما تحيل عليه في واقعها الخارجي المطابق ، متناسين ما إذا كانت "الشجرة " تدعى علامة . و مرد هذا اللبس ، يتمثل عند "سوسير " في أن العلامة تحمل تصور "الشجرة" بحيث أن فكرة الجزء الحسي تفترض فكرة الكل .
ثم يقترح "سوسير " أن تستبدل كلمتي تصور و صورة سمعية بكلمتي المدلول و الدال ، و هكذا يمكن ملاحظة التقابل بين العنصرين ، ثم بينهما و بين الكل الذي يعدان جزءا منه
و من هنا فالعلامة ، كما يحددها "سوسير " ، هي " مجموع ما ينجم عن ترابط الدال و المدلول" . لكنه يلاحظ في الوقت نفسه أن العلاقة بينهما ليست علّية بل اعتباطية ، و هو ما سماه باعتباطية العلامة . و هو يعلل رؤيته هذه باختلاف اللغات في وضع دوال مختلفة لمدلول واحد . لكنه ، من جهة أخرى ، يفرق بين العلامة المعرّفة * و بين الرمز، ففي حين تقوم العلاقة بين الدال و المدلول في العلامة اللسانية على الاعتباطية ، فان الرمز بخلافها " يستند إلى علاقة تجريبية تعلل اختيار الشكل الرمزي " ، كما في المثال الذي يسوقه "سوسير " المتعلق بصورة الميزان بوصفها رمزا للعدالة ، إذ في هذه الحالة لا يمكن تبديل الميزان بأي شكل آخر كالعربة مثلا.
و لا تتوقف اعتباطية العلامة اللسانية عند حدود العلاقة بين الدال و المدلول، بل تتجاوزها إلى علاقتها بالمرجع، فليس ثمة رابط طبيعي أو علّي بين العلامة و مرجعها ، ،سواء تعلق الأمر بموضوعات مادية أم تجريدية . و مع ذلك ، إذا وجد هذا الرابط الطبيعي ، كالمحاكاة الصوتية لبعض الألفاظ في اللغات المختلفة ، فلا يجعلها هذا إطلاقا "عناصر عضوية لمنظومة ألسنية ، كما أن عددها أقل بكثير مما نعتقد" " (من مخطوط رسالة دكتوراه بعنوان " الشعرية البنوية ، أصولها المعرفية و تطبيقاتها النقدية " للعبد الفقير سعيد بن عبد القادر مكرم ).
إذن العلامة اللسانية تتكون أساسا من دال و مدلول ، و العلاقة بينهما اعتباطية أي غير سببية ، و العلامة بوصفها كذلك هي ذهنية أي مستقرها هو الذهن لأنها منفصلة عن مرجعها الذي هو الصورة الواقعية مادية كانت أم ذهنية ، و العلاقة إذن بينها و بين مرجعها هي أيضا اعتباطية للأسباب المذكورة سابقا . و على الرغم من اعتباطية العلاقة بين الدال و المدلول المكوّنين للعلامة ، إلا أن علاقتهما تلازمية ، أي أنه لا يمكن الفصل بينهما عمليا لأن جماعهما يولّد الدلالة . لكن على الصعيد النظري يمكن الفصل بينهما ، فلا يمنع هذا التلازم استقلال كل منهما عن الآخر نظريا ، إذ "تهتم الصوتيات بدراسة الدوال ، في الوقت الذي تعنى فيه الدلاليات بدراسة المدلولات " .
و عليه ، فالكلام أو الخطاب يتضمن بعدين هما الدال ممثلا في البنية اللسانية الصوتية و الصرفية و الخطية و الإيقاعية ، و المدلول ممثلا في الفكرة أو المفهوم أو المعنى . و مع أن انفصالهما مستحيل في التلفظ البشري ، لكن هذا لا يعني عدم وجود المدلول مستقلا في الذهن ، فليست العلامة اللسانية وحدها المعبّر عن هذا المدلول ، إذ يمكن إبلاغه بوسائل متعددة من خلال وسائل غير لفظية كالفن التشكيلي و الكاريكاتور و المسرح الصامت الإيمائي و الرقصة و غيرها من الوسائل الفنية . و من هنا يمكن فهم صفة الكلام النفسي القائم بذات الله بوصفه مدلولا مستقلا عن وسائل الإبلاغ اللفظية بوصفها دالا . فالتلازم بين الدال و المدلول يتحقق في الكلام البشري ، أما الانفصال فيتحقق في الكلام الإلهي بحكم أن العلاقة التي بينهما هي اعتباطية أساسا ، و ما دامت كذلك ، فلا لزوم للاعتباط في صفات الله .
.و من هنا حكمنا بأن الأصوات و الحروف لا تلزم الكلام الإلهي ، في حين هي لازمة للكلام البشري القائم على متناقضين هما الاعتباطية و التلازم بين عنصري العلامة من جهة ، و كذا الاختلاف و التقابل بين وحدات الكلام ، مما يمنح للعلامة قيمتها من جهة أخرى . و كل ذلك لا يجوز في حق الكلام الإلهي المتسم بوحدته ، التي مردها وحدة المدلول ، و الذي لا يتوقف قياس قيمته على تقابل العلامات و اختلافها في ذاته تعالى ، فالذي يقوم بالذات هو المدلول مجردا من الدوال الحسية .
و الله أعلم .
أردت أن أضيف إلى ما قاله الإخوة سابقا عن صفة الكلام الإلهي ما يعضد حججهم ، و أعدّه اجتهادا من عندي ، فإن أخطأت فمن نفسي ، و من الشيطان ، و إن أصبت فمن الله ، و ذلك اعتمادا على منجزات اللسانيات المعاصرة التي قدّمت خدمة كبيرة للعلوم الإنسانية الأخرى ، و كانت وراء ظهور المنهج البنوي بغض النظر عما له و عما عليه . و في هذا الصدد ، أريد أن أمهد لحديثي هذا بمقدمات ضرورية عن حقل اشتغال اللسانيات ، فأقول إن موضوع اللسانيات هو حدود الجملة الكلامية ، إذ تعنى بدراسة العلاقة بين وحدات الجملة ، أي العلاقة بين الكلمات المكوّنة للجملة ، فأصغر وحدة في الجملة هي الكلمة ، و أصغر وحدة في الكلمة هي الحرف المتكون من صوتين هما الصامت و الصائت . لكن معقولية هذه الجملة في عمومها أو الوحدة في خصوصها تنبثق من العلاقات القائمة بين الوحدات المكونة للجملة من جهة ، و الوحدات المكونة للكلمة الواحدة من جهة أخرى . أما الوحدة في حد ذاتها فلا قيمة لها إلا في انتظامها ضمن نسق الكل .
و من هنا ، فما نسميه كلمة ليس في الحقيقة إلا علامة لسانية أو دليل لساني signe ضمن منظومة العلامات اللسانية و غير اللسانية . و بهذا الوصف ، فاللسانيات هي جزء من حقل أوسع هو حقل السيميائيات أو ما يطلق عليه بعلم العلامات إذ هي تعنى فقط أي اللسانيات بالعلامة اللسانية أي الكلمة أو اللفظ فقط . فما هي العلامة ؟
" فالعلامة اللسانية كما يعرفها سوسير هي كيان نفسي ذو وجهين " متمثلين في عنصرين هما : التصور و الصورة السمعية . فكل كلمة بوصفها علامة تتضمن هذين العنصرين ، اللذين يرتبطان فيما بينهما ارتباطا وثيقا و يستدعي أحدهما الآخر .
و مع أن " العلامة " في التصور الشائع تحيل مباشرة على ما يطابقها في الواقع مثل كلمة "شجرة" إلا أن ذلك لا يعد تصورا صحيحا لطبيعة العلامة . و يرجع خطأ هذا التصور في نظر "سوسير" إلى أن الاستعمال الشائع لمصطلح 'الشجرة " يدل على الصورة السمعية وحدها عموما فيتم الربط خطأ بين الصورة السمعية و ما تحيل عليه في واقعها الخارجي المطابق ، متناسين ما إذا كانت "الشجرة " تدعى علامة . و مرد هذا اللبس ، يتمثل عند "سوسير " في أن العلامة تحمل تصور "الشجرة" بحيث أن فكرة الجزء الحسي تفترض فكرة الكل .
ثم يقترح "سوسير " أن تستبدل كلمتي تصور و صورة سمعية بكلمتي المدلول و الدال ، و هكذا يمكن ملاحظة التقابل بين العنصرين ، ثم بينهما و بين الكل الذي يعدان جزءا منه
و من هنا فالعلامة ، كما يحددها "سوسير " ، هي " مجموع ما ينجم عن ترابط الدال و المدلول" . لكنه يلاحظ في الوقت نفسه أن العلاقة بينهما ليست علّية بل اعتباطية ، و هو ما سماه باعتباطية العلامة . و هو يعلل رؤيته هذه باختلاف اللغات في وضع دوال مختلفة لمدلول واحد . لكنه ، من جهة أخرى ، يفرق بين العلامة المعرّفة * و بين الرمز، ففي حين تقوم العلاقة بين الدال و المدلول في العلامة اللسانية على الاعتباطية ، فان الرمز بخلافها " يستند إلى علاقة تجريبية تعلل اختيار الشكل الرمزي " ، كما في المثال الذي يسوقه "سوسير " المتعلق بصورة الميزان بوصفها رمزا للعدالة ، إذ في هذه الحالة لا يمكن تبديل الميزان بأي شكل آخر كالعربة مثلا.
و لا تتوقف اعتباطية العلامة اللسانية عند حدود العلاقة بين الدال و المدلول، بل تتجاوزها إلى علاقتها بالمرجع، فليس ثمة رابط طبيعي أو علّي بين العلامة و مرجعها ، ،سواء تعلق الأمر بموضوعات مادية أم تجريدية . و مع ذلك ، إذا وجد هذا الرابط الطبيعي ، كالمحاكاة الصوتية لبعض الألفاظ في اللغات المختلفة ، فلا يجعلها هذا إطلاقا "عناصر عضوية لمنظومة ألسنية ، كما أن عددها أقل بكثير مما نعتقد" " (من مخطوط رسالة دكتوراه بعنوان " الشعرية البنوية ، أصولها المعرفية و تطبيقاتها النقدية " للعبد الفقير سعيد بن عبد القادر مكرم ).
إذن العلامة اللسانية تتكون أساسا من دال و مدلول ، و العلاقة بينهما اعتباطية أي غير سببية ، و العلامة بوصفها كذلك هي ذهنية أي مستقرها هو الذهن لأنها منفصلة عن مرجعها الذي هو الصورة الواقعية مادية كانت أم ذهنية ، و العلاقة إذن بينها و بين مرجعها هي أيضا اعتباطية للأسباب المذكورة سابقا . و على الرغم من اعتباطية العلاقة بين الدال و المدلول المكوّنين للعلامة ، إلا أن علاقتهما تلازمية ، أي أنه لا يمكن الفصل بينهما عمليا لأن جماعهما يولّد الدلالة . لكن على الصعيد النظري يمكن الفصل بينهما ، فلا يمنع هذا التلازم استقلال كل منهما عن الآخر نظريا ، إذ "تهتم الصوتيات بدراسة الدوال ، في الوقت الذي تعنى فيه الدلاليات بدراسة المدلولات " .
و عليه ، فالكلام أو الخطاب يتضمن بعدين هما الدال ممثلا في البنية اللسانية الصوتية و الصرفية و الخطية و الإيقاعية ، و المدلول ممثلا في الفكرة أو المفهوم أو المعنى . و مع أن انفصالهما مستحيل في التلفظ البشري ، لكن هذا لا يعني عدم وجود المدلول مستقلا في الذهن ، فليست العلامة اللسانية وحدها المعبّر عن هذا المدلول ، إذ يمكن إبلاغه بوسائل متعددة من خلال وسائل غير لفظية كالفن التشكيلي و الكاريكاتور و المسرح الصامت الإيمائي و الرقصة و غيرها من الوسائل الفنية . و من هنا يمكن فهم صفة الكلام النفسي القائم بذات الله بوصفه مدلولا مستقلا عن وسائل الإبلاغ اللفظية بوصفها دالا . فالتلازم بين الدال و المدلول يتحقق في الكلام البشري ، أما الانفصال فيتحقق في الكلام الإلهي بحكم أن العلاقة التي بينهما هي اعتباطية أساسا ، و ما دامت كذلك ، فلا لزوم للاعتباط في صفات الله .
.و من هنا حكمنا بأن الأصوات و الحروف لا تلزم الكلام الإلهي ، في حين هي لازمة للكلام البشري القائم على متناقضين هما الاعتباطية و التلازم بين عنصري العلامة من جهة ، و كذا الاختلاف و التقابل بين وحدات الكلام ، مما يمنح للعلامة قيمتها من جهة أخرى . و كل ذلك لا يجوز في حق الكلام الإلهي المتسم بوحدته ، التي مردها وحدة المدلول ، و الذي لا يتوقف قياس قيمته على تقابل العلامات و اختلافها في ذاته تعالى ، فالذي يقوم بالذات هو المدلول مجردا من الدوال الحسية .
و الله أعلم .
تعليق