هل الكلام حقيقة في النفسي دون اللفظي؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سعيد بن عبد القادر مكرم
    طالب علم
    • Oct 2011
    • 116

    #16
    بسم الله الرحمن الرحيم ، و به نستعين .

    أردت أن أضيف إلى ما قاله الإخوة سابقا عن صفة الكلام الإلهي ما يعضد حججهم ، و أعدّه اجتهادا من عندي ، فإن أخطأت فمن نفسي ، و من الشيطان ، و إن أصبت فمن الله ، و ذلك اعتمادا على منجزات اللسانيات المعاصرة التي قدّمت خدمة كبيرة للعلوم الإنسانية الأخرى ، و كانت وراء ظهور المنهج البنوي بغض النظر عما له و عما عليه . و في هذا الصدد ، أريد أن أمهد لحديثي هذا بمقدمات ضرورية عن حقل اشتغال اللسانيات ، فأقول إن موضوع اللسانيات هو حدود الجملة الكلامية ، إذ تعنى بدراسة العلاقة بين وحدات الجملة ، أي العلاقة بين الكلمات المكوّنة للجملة ، فأصغر وحدة في الجملة هي الكلمة ، و أصغر وحدة في الكلمة هي الحرف المتكون من صوتين هما الصامت و الصائت . لكن معقولية هذه الجملة في عمومها أو الوحدة في خصوصها تنبثق من العلاقات القائمة بين الوحدات المكونة للجملة من جهة ، و الوحدات المكونة للكلمة الواحدة من جهة أخرى . أما الوحدة في حد ذاتها فلا قيمة لها إلا في انتظامها ضمن نسق الكل .
    و من هنا ، فما نسميه كلمة ليس في الحقيقة إلا علامة لسانية أو دليل لساني signe ضمن منظومة العلامات اللسانية و غير اللسانية . و بهذا الوصف ، فاللسانيات هي جزء من حقل أوسع هو حقل السيميائيات أو ما يطلق عليه بعلم العلامات إذ هي تعنى فقط أي اللسانيات بالعلامة اللسانية أي الكلمة أو اللفظ فقط . فما هي العلامة ؟
    " فالعلامة اللسانية كما يعرفها سوسير هي كيان نفسي ذو وجهين " متمثلين في عنصرين هما : التصور و الصورة السمعية . فكل كلمة بوصفها علامة تتضمن هذين العنصرين ، اللذين يرتبطان فيما بينهما ارتباطا وثيقا و يستدعي أحدهما الآخر .
    و مع أن " العلامة " في التصور الشائع تحيل مباشرة على ما يطابقها في الواقع مثل كلمة "شجرة" إلا أن ذلك لا يعد تصورا صحيحا لطبيعة العلامة . و يرجع خطأ هذا التصور في نظر "سوسير" إلى أن الاستعمال الشائع لمصطلح 'الشجرة " يدل على الصورة السمعية وحدها عموما فيتم الربط خطأ بين الصورة السمعية و ما تحيل عليه في واقعها الخارجي المطابق ، متناسين ما إذا كانت "الشجرة " تدعى علامة . و مرد هذا اللبس ، يتمثل عند "سوسير " في أن العلامة تحمل تصور "الشجرة" بحيث أن فكرة الجزء الحسي تفترض فكرة الكل .
    ثم يقترح "سوسير " أن تستبدل كلمتي تصور و صورة سمعية بكلمتي المدلول و الدال ، و هكذا يمكن ملاحظة التقابل بين العنصرين ، ثم بينهما و بين الكل الذي يعدان جزءا منه
    و من هنا فالعلامة ، كما يحددها "سوسير " ، هي " مجموع ما ينجم عن ترابط الدال و المدلول" . لكنه يلاحظ في الوقت نفسه أن العلاقة بينهما ليست علّية بل اعتباطية ، و هو ما سماه باعتباطية العلامة . و هو يعلل رؤيته هذه باختلاف اللغات في وضع دوال مختلفة لمدلول واحد . لكنه ، من جهة أخرى ، يفرق بين العلامة المعرّفة * و بين الرمز، ففي حين تقوم العلاقة بين الدال و المدلول في العلامة اللسانية على الاعتباطية ، فان الرمز بخلافها " يستند إلى علاقة تجريبية تعلل اختيار الشكل الرمزي " ، كما في المثال الذي يسوقه "سوسير " المتعلق بصورة الميزان بوصفها رمزا للعدالة ، إذ في هذه الحالة لا يمكن تبديل الميزان بأي شكل آخر كالعربة مثلا.
    و لا تتوقف اعتباطية العلامة اللسانية عند حدود العلاقة بين الدال و المدلول، بل تتجاوزها إلى علاقتها بالمرجع، فليس ثمة رابط طبيعي أو علّي بين العلامة و مرجعها ، ،سواء تعلق الأمر بموضوعات مادية أم تجريدية . و مع ذلك ، إذا وجد هذا الرابط الطبيعي ، كالمحاكاة الصوتية لبعض الألفاظ في اللغات المختلفة ، فلا يجعلها هذا إطلاقا "عناصر عضوية لمنظومة ألسنية ، كما أن عددها أقل بكثير مما نعتقد" " (من مخطوط رسالة دكتوراه بعنوان " الشعرية البنوية ، أصولها المعرفية و تطبيقاتها النقدية " للعبد الفقير سعيد بن عبد القادر مكرم ).
    إذن العلامة اللسانية تتكون أساسا من دال و مدلول ، و العلاقة بينهما اعتباطية أي غير سببية ، و العلامة بوصفها كذلك هي ذهنية أي مستقرها هو الذهن لأنها منفصلة عن مرجعها الذي هو الصورة الواقعية مادية كانت أم ذهنية ، و العلاقة إذن بينها و بين مرجعها هي أيضا اعتباطية للأسباب المذكورة سابقا . و على الرغم من اعتباطية العلاقة بين الدال و المدلول المكوّنين للعلامة ، إلا أن علاقتهما تلازمية ، أي أنه لا يمكن الفصل بينهما عمليا لأن جماعهما يولّد الدلالة . لكن على الصعيد النظري يمكن الفصل بينهما ، فلا يمنع هذا التلازم استقلال كل منهما عن الآخر نظريا ، إذ "تهتم الصوتيات بدراسة الدوال ، في الوقت الذي تعنى فيه الدلاليات بدراسة المدلولات " .
    و عليه ، فالكلام أو الخطاب يتضمن بعدين هما الدال ممثلا في البنية اللسانية الصوتية و الصرفية و الخطية و الإيقاعية ، و المدلول ممثلا في الفكرة أو المفهوم أو المعنى . و مع أن انفصالهما مستحيل في التلفظ البشري ، لكن هذا لا يعني عدم وجود المدلول مستقلا في الذهن ، فليست العلامة اللسانية وحدها المعبّر عن هذا المدلول ، إذ يمكن إبلاغه بوسائل متعددة من خلال وسائل غير لفظية كالفن التشكيلي و الكاريكاتور و المسرح الصامت الإيمائي و الرقصة و غيرها من الوسائل الفنية . و من هنا يمكن فهم صفة الكلام النفسي القائم بذات الله بوصفه مدلولا مستقلا عن وسائل الإبلاغ اللفظية بوصفها دالا . فالتلازم بين الدال و المدلول يتحقق في الكلام البشري ، أما الانفصال فيتحقق في الكلام الإلهي بحكم أن العلاقة التي بينهما هي اعتباطية أساسا ، و ما دامت كذلك ، فلا لزوم للاعتباط في صفات الله .
    .و من هنا حكمنا بأن الأصوات و الحروف لا تلزم الكلام الإلهي ، في حين هي لازمة للكلام البشري القائم على متناقضين هما الاعتباطية و التلازم بين عنصري العلامة من جهة ، و كذا الاختلاف و التقابل بين وحدات الكلام ، مما يمنح للعلامة قيمتها من جهة أخرى . و كل ذلك لا يجوز في حق الكلام الإلهي المتسم بوحدته ، التي مردها وحدة المدلول ، و الذي لا يتوقف قياس قيمته على تقابل العلامات و اختلافها في ذاته تعالى ، فالذي يقوم بالذات هو المدلول مجردا من الدوال الحسية .
    و الله أعلم .
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

    تعليق

    • عبد الله جودة حسن
      طالب علم
      • Jan 2011
      • 159

      #17
      وجدتُّ هذا:

      قال ابن جني في «الخصائص» 1 / 8 :

      ((فقد ثبت بما شرحناه وأوضحناه أن (الكلام) إنما هو في لغة العرب عبارة عن الألفاظ القائمة برءوسها، المستغنية عن غيرها، وهي التي يسميها أهل هذه الصناعة الجمل، على اختلاف تركيبها.

      وثبت أن (القول) عندها أوسع من (الكلام) تصرفًا، وأنه قد يقع على الجزء الواحد، وعلى الجملة، وعلى ما هو اعتقاد ورأي، لا لفظ وجرس.

      وقد علمت بذلك تعسف المتكلمين في هذا الموضع، وضيق القول فيه عليهم، حتى لم يكادوا يفصلون بينهما. والعجب ذهابهم عن نص سيبويه فيه، وفصله بين (الكلام) و(القول))).

      ما رأيكم؟

      تعليق

      • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
        مـشـــرف
        • Jun 2006
        • 3723

        #18
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

        جزاكما الله خيراً أخويَّ الفاضلين...

        أخي عبد الله،

        أنا لم أقف على نصِّ ابن جنِّي رحمه الله الذي أشار إليه سيدي الشيخ عماد حفظه الله، وما نقلتَ مشكوراً قريب جدّاً منه.

        ونصُّ ابن جنِّي رحمه الله فيه بيِّن، وعليه تكون المسألة عنده ليست في الخلاف بين أصالة ما المُسمَّى بالكلام، فهو قد أدخل القول أعمَّ من الكلام، وهو ما يُفهم منه أنَّه معنى الدَّلالة الذي هو من حيث هو غير مسلتزم للصوت مثلاً لصحَّة كونه بغيره.

        أخي سعيد،

        جزاك الله خيراً على ما نقلتَ...

        ثمَّ إذ إنَّ اختصاصك في هذا فلا بدَّ أن تكون كلمة الفصل عندك!

        ثمَّ إنَّك بناء على كون هذا اختصاصك لا بدَّ أن تكون قد اطَّلعتَ على كلام ابن جنِّي رحمه الله، خاصَّة "الخصائص"...

        فيقول لنا شيخي وسيدي الشيخ عماد الزَّبن حفظه الله ورسالة سيدي الشيخ في الدكتوراة في اللسانيات- إنَّ كثيراً من المسائل اللسانية مذكور مؤسَّس عند ابن جنّي رحمه الله، وقال لنا إنَّ نعوم تشومسكي -وهو من جماعتكم!- يقول للعرب أنْ كيف أكون -أي نعوم- مرجعاً لديكم وأنتم لديكم ابن جنِّي؟!

        ولكن كما تعلم، نحن أهل ظلم أنفسنا والإعجاب بهذرمات غيرنا!

        وكون دي سوسير هو مؤسِّس هذا العلم أوالرَّائد فيه لا يصحُّ أبداً.

        ثمَّ اسمح لي بأن أسائلك عمَّا نقلتَ لأفيد منك.


        " فالعلامة اللسانية كما يعرفها سوسير هي كيان نفسي ذو وجهين " متمثلين في عنصرين هما : التصور و الصورة السمعية . فكل كلمة بوصفها علامة تتضمن هذين العنصرين ، اللذين يرتبطان فيما بينهما ارتباطا وثيقا و يستدعي أحدهما الآخر .
        و مع أن " العلامة " في التصور الشائع تحيل مباشرة على ما يطابقها في الواقع مثل كلمة "شجرة" إلا أن ذلك لا يعد تصورا صحيحا لطبيعة العلامة . و يرجع خطأ هذا التصور في نظر "سوسير" إلى أن الاستعمال الشائع لمصطلح 'الشجرة " يدل على الصورة السمعية وحدها عموما فيتم الربط خطأ بين الصورة السمعية و ما تحيل عليه في واقعها الخارجي المطابق ، متناسين ما إذا كانت "الشجرة " تدعى علامة . و مرد هذا اللبس ، يتمثل عند "سوسير " في أن العلامة تحمل تصور "الشجرة" بحيث أن فكرة الجزء الحسي تفترض فكرة الكل .

        بناء على مثال دي سوسير بالشَّجرة فإنَّ العلامة ليست التَّصوُّر وليس ركناً لها، بل هي الصورة الصوتيَّة فقط، فحصول الصورة صورة الشجرة- إنَّما جاء عند استخدام ذلك اللفظ، فهو نتيجة.
        ومفهوم العلامة -والدليل- هو ذات إذا ما حضرت للذهن فإنَّ الذِّهن يحضر لديه شيء آخر، فهي شيء مرَّكب من ذات وصفة متعدِّية وليس مركَّباً من ذاتين كما ادَّعى دي سوسير-. هذا في حال أن تكون العلامة دالَّة لنفسها، أي هي علَّة الدَّلالة، والدَّلالة اللُّغويَّة من هذا الباب.

        الآن؛ هل قول دي سوسير في أنَّ مدلول لفظ "شجرة" هو صورة في الذِّهن لا في الخارج -بل ما في الذِّهن دالٌّ على ما في الخارج، فيكون اللفظ دالاً على الصورة الذهنية، وهي دالة على ما في الخارج- قريب من قول السادة العلماء إنَّ حقيقة الكلام هي ما في الذِّهن؟

        فلو صحَّ أنَّ الصورة جزء من العلامة لصحَّ هذا، ولكنَّ ذلك لا يصحُّ كما سبق.

        صحيح أنَّ دلالة اللفظ كما قال دالة على صورة ذهنية تدلُّ على ما في الخارج، لكنَّ هذه الصورة الذهنية هي نفس العلم بذلك الخارجيِّ، ولا فرق.

        ولو عكسنا قوله لا من حيث إنَّ السامع يدرك معنى اللفظ، بل من حيث إنَّ المتكلِّم يريد الإشارة إلى الشَّجرة فهناك صورة ذهنيَّة (علميَّة) في ذهن المتكلِّم يشير هو إليها في نفسه، ويدلُّ عليها بعلامة لفظيَّة.

        فيظهر بهذا الوصف أنَّ الكلام في حقيقته نفسيٌّ قبل كونه خارجيّاً.

        ولكن حتَّى على هذه الصورة لا يكون كلام دي سوسير صحيحاً فصورة الشَّجرة هنا علميَّة كذلك، وليست جزءاً من العلامة.


        قولكم: "لكنه يلاحظ في الوقت نفسه أن العلاقة بينهما ليست علّية بل اعتباطية ، و هو ما سماه باعتباطية العلامة . و هو يعلل رؤيته هذه باختلاف اللغات في وضع دوال مختلفة لمدلول واحد".

        يقال إنَّ تسميته إيَّاها بالاعتباطيَّة منشأه أنَّ هذا النَّوع من الدَّلالة ليس عن تلازم ذاتيِّ بين الدَّالِّ والمدلول، فهو ليس من مرجِّح، فهو اعتباطيٌّ.

        أمَّا عند العلماء فهذا التَّلازم يُسمَّى وضعيّاً بأنَّه من وضع النَّاس-على القول باصطلاحيَّة اللغة-، وهو ترجيح إراديٌّ. صحيح أنَّا يمكن أن نقول إنَّ الوضع اعتباطيٌّ على خلاف بين العلماء-، لكنَّ كون هذا اللفظ دالّاً على ذلك المعنى في نفسه ليس اعتباطياً لأنَّه حاصل بالوضع.

        أمَّا التفرقة بين العلامة المعرِّفة والرَّمز فليست إلا من حيث كون التلازم الوضعيِّ صادراً عن الإرادة المحضة في الأولى، ولمناسبة تناسب بين الدالِّ والمدلول- في الثانية.
        أمَّا مثال رمز الميزان فالوضع جزء منه، وليس التناسب بين الميزان والعدل ذاتيّاً.
        فقد جرت عادة الناس في كون رمز الميزان دالاً على العدل بعد وضعهم هم هذه الدلالة، وليس نفس الميزان دالاً على العدل. ولا يمتنع أن نتصوَّر قوماً كلَّما رأوا رمز الميزان استحضروا سوق الخضروات بأنَّ الميزان إنَّما يُستخدم هنالك، بل هذه الدلالة ذاتيَّة بأنَّ صورة الشيء دالة عليه لذاتها عند العاقل، فالوليد أوَّل عمره مثلاً لا يفهم الدلالة- لا بوضع. فهي أقرب من الدلالة على العدل.

        ثمَّ إنَّه يمكن خلافاً لدي سوسير- أن نجعل أيَّ رمز غير شنيع- رمزاً للعدل، فيمكن مثلاً جعل رمز الأسد بأنَّه الملك، والملك عادل، ويمكن أن يتواضع النَّاس على ذلك.

        وفعليّاً يمكن أن تكون بعض الأمم قد رمَّزت للعدل بطريقة معيَّنة.

        ومثال آخر أنَّ رمز الصيدلة أفعى متسلِّقة كأساً، الكأس مفهوم سبب دلالتها، أمَّا الأفعى فسبب دلالتها كونها في بعض الأساطير القديمة كان لها قصَّة مع دواء أو ترياق...

        فهذا الرَّمز الآن له تناسب، لكنَّ تناسبه مبنيٌّ على وضع.

        قولكم: "والعلامة بوصفها كذلك هي ذهنية أي مستقرها هو الذهن لأنها منفصلة عن مرجعها الذي هو الصورة الواقعية مادية كانت أم ذهنية".
        فهذا الأمر الذهنيُّ إذن- ليس الصوت، وليس هو الصورة التي هي المرجع-، فخرج عن كونه هو ما ادَّعى دي سوسير إنَّه هو العلامة.

        فالأمر الذِّهنيُّ المقصود هنا هو عين الدَّلالة، ليس هو الدَّليل ولا المدلول أي المرجع كان ذهنياً أو خارجيّاً-.

        قولكم: "فليست العلامة اللسانية وحدها المعبّر عن هذا المدلول ، إذ يمكن إبلاغه بوسائل متعددة من خلال وسائل غير لفظية كالفن التشكيلي و الكاريكاتور و المسرح الصامت الإيمائي و الرقصة و غيرها من الوسائل الفنية".

        يستدلُّ الإمام الفخر الرازيُّ رحمه الله على مثله باختلاف اللغات في حال كون المقول واحداً، فلو قلتَ: «أمطرت السماء» بالعربيَّة أو الإنجليزيَّة أو الفرنسية.... فالمقول واحد...

        إذن طريقة التَّعبير التي هي اللغة- هي غيرٌ للتعبير، فالكلام ليس هو عين هذا الأمر الخارجيِّ الذي هو الصوت-.

        ويمكن أن يُضرب المثل كذلك بكتابة الشيء، فالمكتوب هو كلام الكاتب، وليست نفس الكتابة كلاماً.

        فالكلام إذن هو فعل ما به الدَّلالة، وهو أعمُّ من إصدار الصوت، فيكون إصدار الصوت أو الكتابة... كيفيَّة للتعبير وليس عين التعبير.

        ولهذا قال الإمام ابن جنِّي بعموم القول للصوت وغيره.

        قولكم: "وعلى الرغم من اعتباطية العلاقة بين الدال و المدلول المكوّنين للعلامة ، إلا أن علاقتهما تلازمية ، أي أنه لا يمكن الفصل بينهما عمليا لأن جماعهما يولّد الدلالة لكن على الصعيد النظري يمكن الفصل بينهما".

        فهو صحيح، والمعبَّر عنه في علم الكلام أنَّ الحكم الوضعيَّ هو من الجائز العاديِّ عادة، فليس واجباً في حكم العادة.

        قولكم: "ومن هنا يمكن فهم صفة الكلام النفسي القائم بذات الله بوصفه مدلولا مستقلا عن وسائل الإبلاغ اللفظية بوصفها دالا . فالتلازم بين الدال و المدلول يتحقق في الكلام البشري ، أما الانفصال فيتحقق في الكلام الإلهي بحكم أن العلاقة التي بينهما هي اعتباطية أساسا ، و ما دامت كذلك ، فلا لزوم للاعتباط في صفات الله".

        فيقال إنَّ الألفاظ كلَّها إنَّما هي دالَّة على المعاني بالوضع، أي بالفعل الإراديِّ، والوضع قد يكون لا عن علَّة موجبة أو باعث، بل قد يكون لمحض الإرادة، والله تعالى فاعل مختار، فله تعالى أن يكون قد دلَّ على أيِّ مدلول بأيِّ لفظ.

        وقد سبق أنَّ وصف دلالة الكلمة بالاعتباطيِّ لا يصحُّ، فإنَّه راجع إلى ترجيح هو وضع إراديٌّ.

        وصفة الله تعالى ليست هي عين الدلالات المعنوية وقد خولف في ذلك-، بل صفة الله تعالى هي معنى به الدلالة.

        وكون كلام الله تعالى هو عين المدلول ليس بدقيق، فالمدلول هو ما هو معلوم لله تعالى، فيدلُّ تعالى على الواجب كوحدانيَّته والممكن كالقيامة والمستحيل كالشريك...

        وقد قال السادة العلماء رحمهم الله إنَّ صفة الكلام تتعلَّق بما تعلَّق به العلم.

        فتعلُّقات صفة الكلام هي الدَّلالة على ما هو معلوم لله تعالى.

        وشكراً لك أُخرى على ما أتحفتنا به.

        والسلام عليكم...
        فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

        تعليق

        • سعيد بن عبد القادر مكرم
          طالب علم
          • Oct 2011
          • 116

          #19
          أخويّ الفاضلين : عبد الله و محمد ، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

          أشكر لكما تعقيبكما على ما ورد في مداخلتي ، و إني لأعتز بمناقشتكما القيمة المباركة للموضوع الذي طرحته ، إذ تزيده إثراء ، و تكشف خباياه ، و تبيّن مواطن الخطإ أو الصواب فيه . و قد سعدت فعلا بذلك . و هو لا يزيد عن كونه خاطرة برقت في ذهني فقلّبتها على أوجهها لعلها توافق الموقف الذي يدافع عنه شيوخنا الأشاعرة في باب الكلام الإلهي . و لذلك أحببت أن تشاركوني خواطري هذه التي لا ترقى إلى مستوى التأسيس النظري . و لعل محاولتي استثمار ما جاء في معرض حديث دو سوسير عن ثنائية الدال و المدلول هي محاولة احترازية مني قدر الإمكان لعدم التقيد الصارم بمقتضيات نظرته إلى طبيعة العلامة لأنه يتحدث عن العلامة بوصفها كيانا نفسيا بشريا . و لذلك لم أحاول إسقاط عناصرمن مقولاته تلك المتعلقة بالفعل البشري على صفة الذات الإلهية ، كمسألة التلازم بين الدال و المدلول في التلفظ البشري ، فأنا أحاول أن أستثمر منطقه التحليلي في معالجته لهذه المسألة في ضوء نظريته اللسانية .

          بالنسبة لما تفضل به أخونا عبد الله ، فإن ما طرحه ابن جني من الفصل و التفريق بين القول و الكلام هو أمر صحيح لأننا نقول القرآن كلام الله ، و لا نقول إن القرآن قول الله ، ذلك أن الكلام عند ابن جني يتشكل في بنية لفظية دالة ، أدناها الجملة المفيدة ، أما القول ، كما ذكر ابن جني فقد ينسحب على أقل من الجملة ، أو على متتالية من الجمل أو على مقول القول فيما يتعلق بالرأي و الاعتقاد . و القول بهذا المعنى يكاد يقترب من تعريف اللسانيين المعاصرين له بأنه " كل ما ينطق به الإنسان بين فترتين من الصمت ، سواء كان جزءا من كلمة أو كلمة أو عدة كلمات أو جملة أو عدة جمل أو خطابا كاملا . و لا يشترط في القول أن يحمل معنى مفيدا أو أن يتبع نظاما نحويا ." ينظر معجم مصطلحات نقد الرواية ، لـ " لطيف زيتوني ، ص. 134 .
          و إذا كان العرب القدامى يتحدثون عن التفريق بين الكلام و القول ، فإن دو سوسير بوصفه أبا اللسانيات المعاصرة يطرح هذه المسألة من زاوية أخرى بالتفريق بين اللغة و الكلام . و في هذا الصدد يرى سوسير بأن اللغة هي << "منظومة من العلامات التي تعبر عن فكر ما" . و عليه ، فهو لا يفصل بين اللغة و الفكر أي بين الدال و المدلول، لكنه يفصل بين الدليل و المرجع كما سنرى لاحقا ، ذلك أن اللغة ، كما يضيف ، هي " مؤسسة اجتماعية غير أنها تتميز بسمات عدة عن المؤسسات الأخرى سياسية كانت أو قانونية " . و هي لذلك تعد أهم منظومة علاماتية في سياق المنظومات الأخرى كأبجدية الصم و البكم ، و الطقوس الرمزية ، و ضروب المجاملة و الإشارات العسكرية و غيرها . و عليه ينتهي إلى القول إن العلم "الذي يدرس حياة العلامات في صدر الحياة الاجتماعية " ، يمكن تسميته بالسيميولوجيا (sémiologie ) ، و اللسانيات هي جزء من هذا العلم الذي يتناول اللغة بوصفها منظومة خاصة عبر مجموعة الوقائع الأعراضية [السيميائيية ] " .
          و هو يميز منذ البداية بين اللغة و الكلام ، تمييزا منهجيا ، أدى إلى تبلور مبدأ البنية في الدراسات الاجتماعية و الانثروبولوجية لاحقا . و تتمثل هذه الفروق بين اللغة و الكلام كما يوضح ذلك ، فيما يأتي :
          1. اللغة هي مبدأ اجتماعي تتشكل بواسطته، و ذلك بوصفها " منظومة نحوية موجودة بالقوة في كل دماغ و على وجه التحديد في أدمغة مجموعة أفراد، إذ أنها لا توجد كاملة تامة عند الفرد و إنما لدى المجموعة "
          و هكذا فهي معطى اجتماعي قبلي ، بخلاف الكلام الذي هو ممارسة فردية للغة أي أن اللغة هي نتاج اجتماعي ، في حين يعد الكلام نتاجا فرديا . أما العلاقة بينهما فهي كالعلاقة بين الجوهري و الثانوي .
          2. اللغة هي نتاج يكتسبه الفرد انفعاليا ، و هي لا تخضع لتصميم الفرد و إرادته ، إذ إنها موجودة بالقوة في نفس الفرد ، كبنية قسرية ، قبلية ، في حين يتسم الكلام بأنه "عمل فردي للإرادة والعقل " . و هنا ينبغي الإشارة إلى ما يتميز به الكلام ، و ذلك من خلال استخدام الفرد الناطق للأنساق اللغوية للتعبير عن فكره الشخصي و من خلال استخدام الجهاز الصوتي بوصفه آلية نفسية فيزيائية لتجسيد هذه الأنساق .
          و إجمالا لهذا كله تتحدد سمات اللغة بكونها تتموقع ضمن القسم المحدد من دائرة الكلام ، حيث ترتبط الصورة السمعية بالتصور " ، و هي تمثل نسقا اجتماعيا ، مستقلا عن نطاق الفرد الذي يستحيل عليه خلقه أو تغييره ، فوجود اللغة لا يتحقق إلا بفضل نوع من التعاقد* بين أعضاء المجموعة الواحدة " ، و هي لذلك قابلة للدراسة بشكل مستقل عن وقائع الكلام المتناثرة، فهي محددة من طبيعة متجانسة بوصفها منظومة من العلامات ، لا يتم فيها إعارة الاهتمام إلا للوحدة بين المعنى و الصورة السمعية ، في العلامة المتسمة بالأساس النفسي لطرفيها .
          ثم يتناول "سوسير" العلاقات الوثيقة بين اللغة و الكلام ، إذ يرى أنه من الناحية الانطولوجية ، يعد وجود اللغة شرطا ضروريا ليغدو الكلام مفهوما و واضحا و مؤثرا كل التأثير ، غير أنه من الناحية التاريخية يرى أن لواقعة الكلام السبق دائما ، إذ لا يمكن في نظره الربط بين المعنى و صورته الشفهية إلا في فعل الكلام ، كما لا يمكن تعلم اللغة الأم و تمثلها ذهنيا إلا بالإصغاء للآخرين .
          و هكذا ينتهي سوسير إلى أن العلاقة بين اللغة و الكلام هي علاقة تأثير متبادل ، فاللغة هي في الوقت نفسه إنتاج للكلام و وسيلة له ، لكنه يلاحظ أن هذا لا يمنع كونهما شيئين مستقلين أحدهما من الآخر .
          و بناء على ما سبق، فاللغة هي نسق جمعي ، قبلي ، قسري ، لا يخضع لإرادة الأفراد ، و هي لذلك تمثل مبدأ بنويا لاواعيا يصدر عنه الأفراد في ممارساتهم الكلامية ، الواعية ، و بعبارة أخرى ، فاللغة هي " تقنين اجتماعي أو مجموعة من القواعد (code ) في حين أن " الكلام " فعل فردي يقوم به شخص ما في حديثه مع أشباهه" .من مخطوط رسالة دكتوراه بعنوان " الشعرية البنوية ، أصولها المعرفية و تطبيقاتها النقدية " ، للعبد الفقير سعيد بن عبد القادر مكرم .
          و من هنا نلاحظ أن الإشكالية عند دو سوسير ليست مطروحة على مستوى التفريق بين الكلام و القول ، و إنما على مستوى الفرق بين اللغة و الكلام . و لذلك ، فحديثه عن العلامة هو ضمن دائرة الكلام ، لا اللغة ، لكن تحليله للعلامة يخضع للثنائية نفسها أي المحايثة و التجلي ، فاللغة محايثة للكلام و المدلول محايث للفظ .


          يتبع ...
          خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

          إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

          ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

          تعليق

          • سعيد بن عبد القادر مكرم
            طالب علم
            • Oct 2011
            • 116

            #20
            أخي محمد ، السلام عليكم ، و بعد :

            فهذا تعقيب على ملاحظاتك التي أشكرك عليها ، كما أشكر لك اهتمامك و اقتطاعك جزءا من وقتك الثمين الذي خصصته لها .

            ثمَّ إذ إنَّ اختصاصك في هذا فلا بدَّ أن تكون كلمة الفصل عندك!
            إن تخصصي هو نظرية الأدب ، و تحديدا الشعرية البنوية ، و هو ما اقتضى مني إلماما إلى حد ما باللسانيات الحديثة لأنها أساس معرفي للمنهج البنوي ، و للنظرية الأدبية البنوية .

            فيقول لنا شيخي وسيدي الشيخ عماد الزَّبن حفظه الله ورسالة سيدي الشيخ في الدكتوراة في اللسانيات- إنَّ كثيراً من المسائل اللسانية مذكور مؤسَّس عند ابن جنّي رحمه الله، وقال لنا إنَّ نعوم تشومسكي -وهو من جماعتكم!- يقول للعرب أنْ كيف أكون -أي نعوم- مرجعاً لديكم وأنتم لديكم ابن جنِّي؟!

            ولكن كما تعلم، نحن أهل ظلم أنفسنا والإعجاب بهذرمات غيرنا!

            وكون دي سوسير هو مؤسِّس هذا العلم أوالرَّائد فيه لا يصحُّ أبداً.
            من الأمور المسلّم بها أن الثقافات و الحضارات الإنسانية تتبادل التأثير و التأثر ، فلا ضير في أن يفيد المسلم من علوم الآخرين ، ذلك أن الحكمة ضالة المؤمن فأنّى وجدها فهو أحق بها . و من هذا المنطلق استعان المسلمون بالمنطق الأرسطي في تأسيس كثير من علومهم لأن الحاجة اقتضت ذلك لحفظ كتاب الله ، و لم يروا في ذلك مانعا شرعيا قط فانتقدوا و أضافوا و أبدعوا . و بالمثل تأثر الغرب بعلوم العرب في شتى المجالات ، و منها العلوم اللغوية ، لكنهم أضافوا أيضا و أبدعوا . و اللسانيات بالمعنى الحديث هي علم مستقل يعنى بدراسة اللغة في محورها الآني ، و موضوع اشتغالها هو الجملة بدراسة علاقاتها الداخلية . و قد تطورت بعد سوسير إلى مدارس و تيارات لغوية و فكرية ، ليس هذا موضع تفصيلها . و لذلك علينا أن نستثمر هذه العلوم اللغوية الجديدة في دراسة لغتنا .

            بناء على مثال دي سوسير بالشَّجرة فإنَّ العلامة ليست التَّصوُّر وليس ركناً لها، بل هي الصورة الصوتيَّة فقط، فحصول الصورة صورة الشجرة- إنَّما جاء عند استخدام ذلك اللفظ، فهو نتيجة.
            ومفهوم العلامة -والدليل- هو ذات إذا ما حضرت للذهن فإنَّ الذِّهن يحضر لديه شيء آخر، فهي شيء مرَّكب من ذات وصفة متعدِّية وليس مركَّباً من ذاتين كما ادَّعى دي سوسير-. هذا في حال أن تكون العلامة دالَّة لنفسها، أي هي علَّة الدَّلالة، والدَّلالة اللُّغويَّة من هذا الباب.
            أنت هنا تخلط بين العلامة و المرجع ، و هو ما حذّر منه دو سوسير ، و اعتبره خطأ لأن وجود العلامة مستقل عن مرجعها الخارجي ، فمدلولها لا يدرك من تمثيلها لهذا المرجع ، و إنما من السياق أي من علاقة تلك العلامة بغيرها من العلامات . و عليه فالعلامة ليست تمثيلا للواقع ، إنما هي مكتفية بذاتها و تملك قيمتها من علاقتها بغيرها اختلافا و تقابلا . و لتوضيح الفكرة أعطي مثالا عن العلامة اللسانية " قمر" ، فهل تملك هذه العلامة قيمة خارج السياق الذي توضع فيه ، طبعا لا . إنك لو ذهبت إلى المعجم لوجدتها بمعنى الكوكب الذي يعرفه كلنا ، لكن هل حضور هذه العلامة في مختلف النصوص تملك هذا المعنى الوحيد ، بالطبع لا ، ذلك أنها قد تعني عند شاعر ما امرأة جميلة ، و قد تكون مجرد اسم علم لامرأة في نص آخر ، و قد تكون اسم سلعة تجارية ، و قد تمثل عند أبي فراس الرجل الذي يفتقده الناس وقت الحاجة في قوله مفتخرا :
            سيذكرني قومي إذا جد جدهم .......و في الليلة الظلماء يفتقد البدر .
            و قل مثل ذلك عن أي علامة لسانية . و من هنا اضطر البلاغيون العرب و مفسروهم إلى الاعتراف بالمجاز ، فـ"يد" الله في القرآن الكريم بوصفها علامة لسانية ليست تمثيلا لمرجعها الخارجي أي الجارحة ، و إنما تكتسب معناها و قيمتها من علاقتها بمحيطها اللساني المتشكل من علامات . لذلك فالجملة هي منظومة علاماتية مكتفية بذاتها و تدرك من خلال علاقاتها العمودية و الأفقية . و لذلك يقول سوسير :" العلامة اللسانية لا تربط شيئا باسم بل تصورا بصوره سمعية " . و بناء على ذلك ، فالعلامة هي تتحدد بوصفها عنصرا مزدوجا أو عنصرا ذا وجهين : الدال و المدلول ، و لذلك فمن الصعب الفصل بين الدال و المدلول لارتباطهما الوثيق فيما بينهما ، إذ ينتج عن ارتباطهما هذا إنتاج الدلالة ، أو تحقيقها ، بعيدا عن كونها مطابقة للمرجع أو لا. و يشبّه "سوسير " هذه العلاقة الوثيقة بين الدال و المدلول ، بورقة ذات وجهين ، يمثل أحدهما الوجه /الدال ، و ثانيهما الظهر / المدلول ، و في هذه الحالة لا يمكن تمزيق وجه هذه الورقة دون تمزيق ظهرها ، أي أنه لا يمكن القضاء على الدال دون القضاء على المدلول، و العكس صحيح ، و من ثم لا يمكن فصل الصوت عن الفكر و لا الفكر عن الصوت .

            لآن؛ هل قول دي سوسير في أنَّ مدلول لفظ "شجرة" هو صورة في الذِّهن لا في الخارج -بل ما في الذِّهن دالٌّ على ما في الخارج، فيكون اللفظ دالاً على الصورة الذهنية، وهي دالة على ما في الخارج-
            قريب من قول السادة العلماء إنَّ حقيقة الكلام هي ما في الذِّهن؟
            كما سبق أن قلنا إن لفظ " شجرة " مستقل عن مرجعه ، فالعلامة ذهنية أساسا بغض النظر عن تطابق صورتها الذهنية أي مدلولها أو عدم تطابقه مع مرجعه الخارجي ، و من هنا يمكن إذا فصلنا نظريا بين الدال و المدلول أي أن نحرّر المدلول من أسر الدليل أن يكون هذا الفهم الشخصي متطابقا مع أقوال السادة الأشاعرة ، في حين لا يبدو سوسير متحمسا لهذا الفصل مع اعترافه بالعلاقة الاعتباطية بين الدال و المدلول .

            يقال إنَّ تسميته إيَّاها بالاعتباطيَّة منشأه أنَّ هذا النَّوع من الدَّلالة ليس عن تلازم ذاتيِّ بين الدَّالِّ والمدلول، فهو ليس من مرجِّح، فهو اعتباطيٌّ.

            أمَّا عند العلماء فهذا التَّلازم يُسمَّى وضعيّاً بأنَّه من وضع النَّاس-على القول باصطلاحيَّة اللغة-، وهو ترجيح إراديٌّ. صحيح أنَّا يمكن أن نقول إنَّ الوضع اعتباطيٌّ على خلاف بين العلماء-، لكنَّ كون هذا اللفظ دالّاً على ذلك المعنى في نفسه ليس اعتباطياً لأنَّه حاصل بالوضع.
            طبعا ليس عن تلازم ذاتي ، و لا هذا التلازم معلل بعلة منطقية ، و دليله على ذلك وجود علامات أو دوال متعددة لمدلول واحد في اللغات المختلفة ، ، فلا علة في نظره مثلا لتفضيل كلمة sur (أي أخت) على sister ، و Ochs على buf . أما التلازم بين الدال و المدلول فهو يرجعه إلى كون اللغة يحكمها التواضع الاجتماعي ، فوجود اللغة لا يتحقق إلا بفضل نوع من التعاقد بين أعضاء المجموعة الواحدة . و عليه فهي تقنين اجتماعي أو مجموعة من القواعد التي لا سبيل إلى تغييرها و لا أثر لإرادة الأفراد فيها . و من هنا ، فالتلازم بين عنصري العلامة وضعي ، لا يخضع لإرادة الأفراد . مع أنني شخصيا لا أميل إلى نظرية الوضع أو التعاقد ، فاللغة في نظري توقيفية ، إذ لو كانت وضعية بموجب عقد اجتماعي ، لتساءلنا : إذن بأي لغة تواضعوا على لغة ما دامت لا توجد أصلا لغة من قبل ؟
            و هكذا فاللغة بالتعريف الذي أشرنا إليه في المشاركة السابقة هي في حد ذاتها نسق لاواع ، جبري بحكم أنها نتاج اجتماعي أو إرث ثقافي ، موجود في العقل الجمعي للأمة ، في حين لا يجد الأفراد حريتهم إلا في الكلام لأن الكلام فعل شخصي ، يتجلى على أبدع ما يكون عند الشاعر .

            فيقال إنَّ الألفاظ كلَّها إنَّما هي دالَّة على المعاني بالوضع، أي بالفعل الإراديِّ، والوضع قد يكون لا عن علَّة موجبة أو باعث، بل قد يكون لمحض الإرادة، والله تعالى فاعل مختار، فله تعالى أن يكون قد دلَّ على أيِّ مدلول بأيِّ لفظ.

            وقد سبق أنَّ وصف دلالة الكلمة بالاعتباطيِّ لا يصحُّ، فإنَّه راجع إلى ترجيح هو وضع إراديٌّ.
            لا ينبغي أن نقيس الكلام الإلهي بوصفه خبرا أو معلومات أو مدلولات ، متعلقة بعلم الله بالتلازم الجبري لطرفي العلامة في اللسان البشري ، فصفات الله لا تتماثل مع صفات البشر كما هو منصوص عليه بالقانون القرآني :" ليس كمثله شيء " . و لذلك ، فالله فاعل مختار ، و هو الذي خلق لغات البشر ، فليس لنا أن نتخيل كلامه ككلامنا سبحانه .

            وصفة الله تعالى ليست هي عين الدلالات المعنوية وقد خولف في ذلك-، بل صفة الله تعالى هي معنى به الدلالة.

            وكون كلام الله تعالى هو عين المدلول ليس بدقيق، فالمدلول هو ما هو معلوم لله تعالى، فيدلُّ تعالى على الواجب كوحدانيَّته والممكن كالقيامة والمستحيل كالشريك...

            وقد قال السادة العلماء رحمهم الله إنَّ صفة الكلام تتعلَّق بما تعلَّق به العلم.

            فتعلُّقات صفة الكلام هي الدَّلالة على ما هو معلوم لله تعالى.
            كلامك صحيح ، و أشكرك جزيل الشكر ، و لك مني وافر التقدير و الاحترام .
            خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

            إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

            ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

            تعليق

            • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
              مـشـــرف
              • Jun 2006
              • 3723

              #21
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

              جزاك الله خيراً أخي سعيد على تحمُّلك لي!

              قولك: «من الأمور المسلّم بها أن الثقافات و الحضارات الإنسانية تتبادل التأثير و التأثر ، فلا ضير في أن يفيد المسلم من علوم الآخرين...».

              صحيح لا خلاف فيه، ومشايخنا كسيدي الشيخ عماد حفظه الله مهتمٌّ كثيراً بكتبهم مطَّلع عليها كثيراً.

              قولك: «أنت هنا تخلط بين العلامة و المرجع...».
              أقول: الذي فهمته منكم أنَّ المدلول هو الصورة الذهنيَّة وليس الخارجيَّ، فعند لفظ "شجرة" فالمدلول هو صورة الشجرة في الذهن وليس الشجرة الحقيقيَّة.

              فالشجرة الحقيقية الخارجيَّة هي المرجع، وصورة الشَّجرة هي المدلول، هذا ما فهمتُ منكم.

              وعليه إنَّما كان مقصودي أنَّ المدلول الذي هو الصورة الذهنيَّة أمر منفكٌّ عن الكلمة تماماً، فهذا المدلول الذي هو الصورة هو صورة علميَّة، فلا يصحُّ أن يُطلق عليه إنَّه جزء من الكلام، والفرق بين الكلام والعلم بيِّن.

              ومن جهات التَّفريق أنِّي لو كتبتُ لك كلمة "نظَّارة" فستحضر في ذهنك صورة النَّظَّارة، فهل تكون أنت قد تكلَّمتَ بحضور هذه الصُّورة؟

              الظَّاهر أن لا.

              بل ما حضر لك إنَّما هو الصورة العلميَّة، وهو مثل رؤيتك حروفاً مصفوفة " ق ل م " فتعلم انَّ هذه الحروف المصفوفة دالَّة على جسم أسطوانيٍّ طرفه مدبَّب....

              وإنَّما كلمة "نظَّارة" أو "قلم" من إنشائي أنا المتكلِّم الذي يريد الإشارة إلى هذه الصورة المدركة في ذهني، فهي غير هذه الصورة.
              فالذي يظهر لي أنِّي لم أخلط بين المرجع والصورة، بل كلامي كان على نفس الصُّورة.

              والذي فهمتُه بناء على التقرير السَّابق أنَّ العلامة ليس المدلول جزءاً منها، بل هي شيء مركَّب من (شيء/ذات) كالحروف المنتظمة + صفة تُعدِّي إدراك تلك الذات إلى إدراك غيرها، فالمدلول غيرٌ للذات وغيرٌ لهذه الصفة.

              فهنا انفكاك بين الدَّالِّ والمدلول.

              صحيح أنَّ التَّلازم بينهما قويٌّ، لكنَّه ليس بناء على أنَّهما وجهان لشيء واحد.

              عندما قلتُ: «يقال إنَّ تسميته إيَّاها بالاعتباطيَّة...» قصدت الاعتراض عليه في تسميته كون التلازم اعتباطيّاً إذ هو راجع إلى الوضع، أمَّا «الاعتباط» في الوضع فلا يُشكل إذ معناه كون الوضع حاصلاُ بالإرادة المحضة، هذا ما قصدتُ.

              قولك: «فاللغة في نظري توقيفية ، إذ لو كانت وضعية بموجب عقد اجتماعي ، لتساءلنا : إذن بأي لغة تواضعوا على لغة ما دامت لا توجد أصلا لغة من قبل»؟

              أقول: التَّواضع ليس محتاجاً إلى لغة سابقة، وتعليم الطِّفل أنَّ لفظ «يد» دالٌّ على تلك الجارحة ليس يلزم أن يكون لدى الطِّفل علم سابق بأنَّ هناك لغة، بل تكفي الإشارة وإمساك اليد مراراً والتَّلفُّظ بهذا اللفظ.

              وكذلك لا يلزم وجود لغة سابقة لدى المعلِّم، إذ يمكن أن يخترع لفظ «دي» للدلالة على الجارحة ويعلِّمه للطفل.

              فالآن، تعلُّم الطِّفل لهذه الكلمة هو وضع عنده بغضِّ النَّظر عن كونه موضوعاً من قبل، ولم يحتج فيه إلى لغة سابقة.

              ورجوعاً يقال إنَّه لا يلزم للوضع إلا الإرادة، فلو لزم سبق وضع آخر فيلزم ذلك كذلك في ما وضع الله تعالى من أحكام ودلالات للكلمات بأن يكون ذلك راجعاً إلى غير الإرادة.

              فلمَّا لم يكن ذلك صحيحاً، بل هو بمحض إرادة الله تعالى، فيمكن أن نتصوَّر أن يكون ذلك بالإرادة فقط.

              قولك: «لا ينبغي أن نقيس الكلام الإلهي بوصفه خبرا أو معلومات أو مدلولات...».

              صحيح، لكنَّ حقيقة الدَّلالة الذي هو المعنى المصدريُّ- أمرٌ واحد في حقيقته...

              والله تعالى يأمر وينهى ويخبر، فالاشتراك في هذا مع العبيد إنَّما هو اشتراك في متعلَّق صفة الكلام وليس في نفس حقيقة هذه الصِّفة.

              فصفة الكلام لله تعالى لا ندرك حقيقتها أصلاً إنَّما ندرك أحكامها ولوازمها.

              قولك: «ذلك أن الكلام عند ابن جني يتشكل في بنية لفظية دالة، أدناها الجملة المفيدة...».

              أقول: هذه معلومة جميلة جدّاً أشكرك عليها.

              وجزاك الله خيراً.

              والسلام عليكم...
              فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

              تعليق

              • محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
                مـشـــرف
                • Jun 2006
                • 3723

                #22
                السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

                جزاك الله خيراً أخي سعيد على تحمُّلك لي!

                قولك: «من الأمور المسلّم بها أن الثقافات و الحضارات الإنسانية تتبادل التأثير و التأثر ، فلا ضير في أن يفيد المسلم من علوم الآخرين...».

                صحيح لا خلاف فيه، ومشايخنا كسيدي الشيخ عماد حفظه الله مهتمٌّ كثيراً بكتبهم مطَّلع عليها كثيراً.

                قولك: «أنت هنا تخلط بين العلامة و المرجع...».
                أقول: الذي فهمته منكم أنَّ المدلول هو الصورة الذهنيَّة وليس الخارجيَّ، فعند لفظ "شجرة" فالمدلول هو صورة الشجرة في الذهن وليس الشجرة الحقيقيَّة.

                فالشجرة الحقيقية الخارجيَّة هي المرجع، وصورة الشَّجرة هي المدلول، هذا ما فهمتُ منكم.

                وعليه إنَّما كان مقصودي أنَّ المدلول الذي هو الصورة الذهنيَّة أمر منفكٌّ عن الكلمة تماماً، فهذا المدلول الذي هو الصورة هو صورة علميَّة، فلا يصحُّ أن يُطلق عليه إنَّه جزء من الكلام، والفرق بين الكلام والعلم بيِّن.

                ومن جهات التَّفريق أنِّي لو كتبتُ لك كلمة "نظَّارة" فستحضر في ذهنك صورة النَّظَّارة، فهل تكون أنت قد تكلَّمتَ بحضور هذه الصُّورة؟

                الظَّاهر أن لا.

                بل ما حضر لك إنَّما هو الصورة العلميَّة، وهو مثل رؤيتك حروفاً مصفوفة " ق ل م " فتعلم انَّ هذه الحروف المصفوفة دالَّة على جسم أسطوانيٍّ طرفه مدبَّب....

                وإنَّما كلمة "نظَّارة" أو "قلم" من إنشائي أنا المتكلِّم الذي يريد الإشارة إلى هذه الصورة المدركة في ذهني، فهي غير هذه الصورة.
                فالذي يظهر لي أنِّي لم أخلط بين المرجع والصورة، بل كلامي كان على نفس الصُّورة.

                والذي فهمتُه بناء على التقرير السَّابق أنَّ العلامة ليس المدلول جزءاً منها، بل هي شيء مركَّب من (شيء/ذات) كالحروف المنتظمة + صفة تُعدِّي إدراك تلك الذات إلى إدراك غيرها، فالمدلول غيرٌ للذات وغيرٌ لهذه الصفة.

                فهنا انفكاك بين الدَّالِّ والمدلول.

                صحيح أنَّ التَّلازم بينهما قويٌّ، لكنَّه ليس بناء على أنَّهما وجهان لشيء واحد.

                عندما قلتُ: «يقال إنَّ تسميته إيَّاها بالاعتباطيَّة...» قصدت الاعتراض عليه في تسميته كون التلازم اعتباطيّاً إذ هو راجع إلى الوضع، أمَّا «الاعتباط» في الوضع فلا يُشكل إذ معناه كون الوضع حاصلاُ بالإرادة المحضة، هذا ما قصدتُ.

                قولك: «فاللغة في نظري توقيفية ، إذ لو كانت وضعية بموجب عقد اجتماعي ، لتساءلنا : إذن بأي لغة تواضعوا على لغة ما دامت لا توجد أصلا لغة من قبل»؟

                أقول: التَّواضع ليس محتاجاً إلى لغة سابقة، وتعليم الطِّفل أنَّ لفظ «يد» دالٌّ على تلك الجارحة ليس يلزم أن يكون لدى الطِّفل علم سابق بأنَّ هناك لغة، بل تكفي الإشارة وإمساك اليد مراراً والتَّلفُّظ بهذا اللفظ.

                وكذلك لا يلزم وجود لغة سابقة لدى المعلِّم، إذ يمكن أن يخترع لفظ «دي» للدلالة على الجارحة ويعلِّمه للطفل.

                فالآن، تعلُّم الطِّفل لهذه الكلمة هو وضع عنده بغضِّ النَّظر عن كونه موضوعاً من قبل، ولم يحتج فيه إلى لغة سابقة.

                ورجوعاً يقال إنَّه لا يلزم للوضع إلا الإرادة، فلو لزم سبق وضع آخر فيلزم ذلك كذلك في ما وضع الله تعالى من أحكام ودلالات للكلمات بأن يكون ذلك راجعاً إلى غير الإرادة.

                فلمَّا لم يكن ذلك صحيحاً، بل هو بمحض إرادة الله تعالى، فيمكن أن نتصوَّر أن يكون ذلك بالإرادة فقط.

                قولك: «لا ينبغي أن نقيس الكلام الإلهي بوصفه خبرا أو معلومات أو مدلولات...».

                صحيح، لكنَّ حقيقة الدَّلالة الذي هو المعنى المصدريُّ- أمرٌ واحد في حقيقته...

                والله تعالى يأمر وينهى ويخبر، فالاشتراك في هذا مع العبيد إنَّما هو اشتراك في متعلَّق صفة الكلام وليس في نفس حقيقة هذه الصِّفة.

                فصفة الكلام لله تعالى لا ندرك حقيقتها أصلاً إنَّما ندرك أحكامها ولوازمها.

                قولك: «ذلك أن الكلام عند ابن جني يتشكل في بنية لفظية دالة، أدناها الجملة المفيدة...».

                أقول: هذه معلومة جميلة جدّاً أشكرك عليها.

                وجزاك الله خيراً.

                والسلام عليكم...
                فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

                تعليق

                • سعيد بن عبد القادر مكرم
                  طالب علم
                  • Oct 2011
                  • 116

                  #23
                  أخي محمد ، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،

                  و أنتهز هذه الفرصة لأهنئك و أهنئ أعضاء هذا المنتدى الأعزاء ، و مشرفيه الأكارم بعيد الأضحى المبارك الذي نتمنى أن يعيده الله - عز و جل - علينا و على الأمة الإسلامية و قد عم ربوعها الأمن و السلم و الازدهار و الخير و البركات ، آمين .

                  أشكرك مرة أخرى على تعقيبك القيم ، و تأكد أخي محمد أن صدور المؤمنين تسع غيرها من أصحاب الملل الأخرى فكيف لا يتسع بعضها لبعض ، بل هم كما قال الله تعالى : " و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض " . و لذلك ، فأنا مسرور بمناقشتك الجادة لي ، فلا تبين قيمة المسألة إلا من إعمال الآراء فيها و سبر أغوارها و تمحيصها من كل جانب .
                  أقول: الذي فهمته منكم أنَّ المدلول هو الصورة الذهنيَّة وليس الخارجيَّ، فعند لفظ "شجرة" فالمدلول هو صورة الشجرة في الذهن وليس الشجرة الحقيقيَّة.

                  فالشجرة الحقيقية الخارجيَّة هي المرجع، وصورة الشَّجرة هي المدلول، هذا ما فهمتُ منكم.
                  هذا صحيح ، لكن الصورة الذهنية التي هي المدلول لا تنفصل عن صورتها السمعية التي هي الدال ، حتى في الذهن ، لأنك حين تستدعي في ذهنك " الشجرة " ، فأنت تستدعيها صورة ذهنية ( مدلولا ) باسمها ( دالها ) ، و إلا لما تمايزت مفردات العالم في ذهنك . و من هنا قوله تعالى :" و علم آدم الأسماء كلها " .
                  و من ناحية أخرى ، إذا افترضنا أنك تستدعي مفهوما مجردا ، و ليكن العلامة اللسانية " الإرادة " ، فهل يمكن استدعاء مدلولها دون دالها . ثم إن هذه العلامة لا قيمة لها خارج النسق العلاماتي ، لأن لها مدلولات عدة بحسب السياق المعرفي التي تنتمي إليه ، فعلماء الكلام يريدون بها وجها معينا هو المعنى الميتافيزيقي الإلهي ، أما الفلاسفة الوجوديون فيريدون بها وجها آخر هو المعنى الوجودي ، في حين يريد بها علماء النفس معنى آخر نفسيا ، و قل مثل ذلك عن وجوه أخرى لها في حقول معرفية أخرى . و السبب في هذا الاختلاف الدلالي هو أن العلامة ذاتها ليست تمثيلا لمرجعها ، و إنما تمتلك قيمتها التواصلية بوظيفتها في السياق أي من علاقتها بالكل . و من هنا لا يمكن فصل عنصريها المكونين لها ، و إن كنا على الصعيد النظري ، يمكن أن نطرح السؤال الأنطولوجي عن أسبقية أحدهما عن الآخر ، أي السؤال عن من يتقدم الآخر في الوجود ، المتعلق بالثنائيات الآتية في الفلسفة الكلاسيكية : الماهية و الوجود ، الجوهر و العرض ، المحتوى و الشكل . لكن على المستوى العملي لا يمكن الفصل بينهما في نظر سوسير ، و أخلافه من البنويين ، ذلك أن المدلول محايث للدال ، فالمشكلة إذن لا تتعلق بانعتاق المدلول من أسر العلامة ، و إنما باستقلاله عن مرجعه . و على هذا الأساس ، ينظر السيميائيون إلى الكون بوصفه نصا متشكلا من منظومة من العلامات غير اللسانية ، فلا يمكن فصل العلامة غير اللسانية عن مدلولها الذي تنطوي عليه ضمن نسقها العلاماتي . كما ينظرون إلى ظواهر الثقافة في المجتمع على النحو نفسه .


                  وعليه إنَّما كان مقصودي أنَّ المدلول الذي هو الصورة الذهنيَّة أمر منفكٌّ عن الكلمة تماماً، فهذا المدلول الذي هو الصورة هو صورة علميَّة، فلا يصحُّ أن يُطلق عليه إنَّه جزء من الكلام، والفرق بين الكلام والعلم بيِّن.

                  ومن جهات التَّفريق أنِّي لو كتبتُ لك كلمة "نظَّارة" فستحضر في ذهنك صورة النَّظَّارة، فهل تكون أنت قد تكلَّمتَ بحضور هذه الصُّورة؟

                  الظَّاهر أن لا.

                  بل ما حضر لك إنَّما هو الصورة العلميَّة، وهو مثل رؤيتك حروفاً مصفوفة " ق ل م " فتعلم انَّ هذه الحروف المصفوفة دالَّة على جسم أسطوانيٍّ طرفه مدبَّب....

                  وإنَّما كلمة "نظَّارة" أو "قلم" من إنشائي أنا المتكلِّم الذي يريد الإشارة إلى هذه الصورة المدركة في ذهني، فهي غير هذه الصورة.
                  فالذي يظهر لي أنِّي لم أخلط بين المرجع والصورة، بل كلامي كان على نفس الصُّورة.
                  عندما نفكر في العلامات خارج النسق الذي يكونها ، يمكن أن يحدث هذا الانفكاك ، و لكن العلامة دالة ضمن النسق ، لا خارجه ، و هذا قدر الإنسان أنه لا يستطيع أن يتصور أو يفكر خارج اللغة ، ففكره مأسور داخلها ، يتحدد بحدودها ، و هو ما لا ينطبق على صفة الكلام الإلهي ، لأن الكلام الإلهي لا تحده حدود الأبعاد الفضائية و الزمانية للعلامة ، و عليه ، لا يمكن أن نقيس اللامحدود على المحدود .

                  والذي فهمتُه بناء على التقرير السَّابق أنَّ العلامة ليس المدلول جزءاً منها، بل هي شيء مركَّب من (شيء/ذات) كالحروف المنتظمة + صفة تُعدِّي إدراك تلك الذات إلى إدراك غيرها، فالمدلول غيرٌ للذات وغيرٌ لهذه الصفة.

                  فهنا انفكاك بين الدَّالِّ والمدلول.
                  اللسانيون يعبرون عن الشيء بالمرجع ، أي أن الشيء يوجد خارج العلامة في الواقع الموضوعي ، لا داخلها . و العلامة عندهم ليست تمثيلا للشيء ، فهي كيان نفسي مستقل ، لا يمكن الفصل فيه بين طرفيها ، كما لا نستطيع أن نفصل بين الروح و الجسد ، الذين يكوّن جماعهما ما نسميه النفس . فجماع الدال و المدلول يكوّن العلامة ، و هذا الترابط بينهما هو الذي يولّد الدلالة ، و فصلهما ينتج عنه موت الدلالة عند الانسان . و هو دليل آخر على أن الكلام الإلهي لا يشبه الكلام البشري من هذا الوجه .
                  خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

                  إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

                  ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

                  تعليق

                  • إنصاف بنت محمد الشامي
                    طالب علم
                    • Sep 2010
                    • 1620

                    #24
                    المشاركة الأصلية بواسطة سعيد بن عبد القادر مكرم
                    ... ... و من هنا لا يمكن فصل عنصريها المكونين لها ... ... لكن على المستوى العملي لا يمكن الفصل بينهما في نظر سوسير ، و أمثاله من البنويين ، ذلك أن المدلول محايث للدال ... ... كما ينظرون إلى ظواهر الثقافة في المجتمع على النحو نفسه .
                    ... ... ... عندما نفكر في العلامات خارج النسق الذي يكونها ، يمكن أن يحدث هذا الانفكاك ، و لكن العلامة دالة ضمن النسق ، لا خارجه ، و هذا قدر الإنسان أنه لا يستطيع أن يتصور أو يفكر خارج اللغة ، ففكره مأسور داخلها ، يتحدد بحدودها ، و هو ما لا ينطبق على صفة الكلام الإلهي ، لأن الكلام الإلهي لا تحده حدود الأبعاد الفضائية و الزمانية للعلامة ، و عليه ، لا يمكن أن نقيس اللامحدود على المحدود .
                    ... ... ... و هو دليل آخر على أن الكلام الإلهي لا يشبه الكلام البشري من هذا الوجه . [ بل وَ لا من أَيّ وجه آخر يشترك في الوصف مع صفاب المخلوقين ]
                    وَ أنتم أيضاً وَ أحبابَكُم بِأَلف خير دكتور سـعيد وَ نشكُرُكم على التهنِئة وَ نُبادِلُكم وَ نُشارككم نفس المشاعر و التمنّيات ، جزاكم الله خيراً .. و الحمدُ لله الذي أنقذكم من الضياع في متاهات تنظيرات سوسير وَ أشكالِهِ وَ حفظكم من الإنزلاق في مهاوي التشبيه بتوفيقه لَكم لاعتقاد أن الكلام الإلهي لا تحده حدود الأبعاد الفضائية و الزمانية للعلامة [وَنحوها] ، و عليه ، فَلا يمكن أن نقيس اللامحدود على المحدود . فله الحمدُ وَ لَهُ الشكر سُـبحانَهُ عزَّ وَجَلّ ...
                    وَ الأَمَةُ الفقيرة ، بعد النظر في أبحاث سـوسـير و بياجيه وَ ريكور و إيميل دورك حاييم وَ مدارسهم و أشباههم من فلاسفة الغرب المُعاصِرين في مجالات الــ :" مودرن سوسيولوجي و البيداغُوجي وَ الأنتولوجي و الأنثروبولوجي وَ اللينغويستيكس و ما شـابهها " ، رَاَت أَنَّهُم ، وَ اللهُ إعلَم ، لَم يتمكّنوا من التحرّر تماماً من أسْـرِ المُؤَثّرات البيئيّة و خلفيّاتها الثقافِيّة و رواسبها رغم جميع المحاولات ، فَلِذا بَقِيَ كثيرٌ من مستنتجاتُهُم النظرِيّة وَ الإسـتقرائِيّة وَ التجريبيّة مُقَيَّداً وَ مَحَلّ نَظَر بل محلّ جَدَل وَ استدراك وَ تعقيب كما لا يخفى على المُنصِف الحُرّ ، بل في كثيرِ منها قابلة للردّ بوضوح لا سِـيّما ما بَنَوهُ من ذلك على اصطلاحِيّات ترجع في حقيقتها إلى مُغالطات منطقِيّة وَ تجريبيّة أَخذُوها على أنَّها مُسَـلَّمات عقلِيّة وَ واقعيّة بَحتة ، ثُمَّ أسَّسُوا عليها مُغالطات جديدة أَدّاهم إليها إختلال النظر وَ أسـر المَأْلُوفات الطَبعِيّة وَ الإعتيادِيّة ... وَ أنا بفضل الله تعالى ، و إن كنت كغيري لا أدّعي العصمة من الخطأ وَ الزَلل ، إِلاّ أنّي اانَفُ عن تقرير ما لا أستطيع إثباتَهُ بالدليل القاطع و الحمدُ لله ، فَلِذا لَم أَقتنع بِاَخذ فِكرة عن أبحاثهم من خلال الترجمات و الدراسات بل تَعّمَّقتُ في النظر في مُؤَلَّفاتِهم بنصوصها الأصلِيّة بالفرنسيّة و الإنكليزيّة وَ ما شـابه ... وَ قبلَ أَن نبعد عن أصل الموضوع أَوَدُّ أَن أُذَكّرَ نَفسـي و السـادة المُطالعين هنا بهذه القاعدة الذهبيّة بل النُوريّة التي قَرَّرها أُسـتاذُ المُتكَلّمين في زمانه و بعده حضرة مولانا الإمام أبو منصور البغداديّ عبد القاهر بن طاهر التميميّ رحمه الله تعالى و رضي عنه في تذكِرَتِه : " أَنَّ الخِلافَ في صِفَة المخلُوق لا يقتضي تكفيراً و لا تبديعاً ما لَم يُؤَدّ إلى تكذٍيب نُصوص قَطعِيّة أو خرق إجماع عقديّ أو مناقضة مُسَلّمات عقلِيّة " . هذه خلاصتُها بالمعنى ، أو لعلَّهُ ذكر ذلك رحمه الله في الفرق بين الفِرَق ، عُذراً لا أذكُرُ الآن ... فَإذا تقرّر هذا وَ طالَما أنَّهُ لا مُشاحّة في الإصطلاح - ما لم يُفحِش في الشطط - وَ أَنَّ أكثَر الخلافِيّات في صفة كلام المخلوقين وَ أحوالهم فلا ينبغي التشـدّد في التفاصيل وَ لا تضييع الوقت بالمبالغة في التَعَمَّق في الجُزئِيّات و الغلُوّ في التفريعييّات و تطبيقاتها ... لا سـيّما عند مُحاوَلات التعميم عن قصد أو غير قصد ... لكن زَعمُهم بِأَنَّ قَدَر الإنسان أَنَّهُ :" لا يستطيع أن يتصور أو يفكر خارج اللغة ... " يُعَكّرُ عليه واقع اختلاف الألسِـنَة واللُغات أَيّما تعكير كما لا يخفى عند التحقيق السـليم ، وَ لتوضيح ذلك مجالٌ آخَر إن شـاء الله تعالى وَ يَعلَمُ ذلك يقيناً ، نَظَراً وَ ذَوقاً ، مَنْ أتقَنَ أَكثر من لُغة و اعتادَ التكلّم بها جميعاً مع إلمامِهِ بخلفِيّاتِها الثقافِيّة وَ البيئِيّة وَ التاريخيّة وَ التطوّرات المَراحِلِيّة لِكُلٍّ منها ... وَ اللهُ أَعلَم .
                    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
                    خادمة الطالبات
                    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

                    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

                    تعليق

                    • إنصاف بنت محمد الشامي
                      طالب علم
                      • Sep 2010
                      • 1620

                      #25
                      المشاركة الأصلية بواسطة إنصاف بنت محمد الشامي
                      لَم يتمكّنوا من التحرّر تماماً من أسْـرِ المُؤَثّرات البيئيّة و خلفيّاتها الثقافِيّة و رواسبها رغم جميع المحاولات ، فَلِذا بَقِيَ كثيرٌ من مستنتجاتُهُم النظرِيّة وَ الإسـتقرائِيّة وَ التجريبيّة مُقَيَّداً وَ مَحَلّ نَظَر بل محلّ جَدَل وَ استدراك وَ تعقيب كما لا يخفى على المُنصِف الحُرّ ... ... قبلَ أَن نبعد عن أصل الموضوع أَوَدُّ أَن أُذَكّرَ نَفسـي و السـادة المُطالعين هنا بهذه القاعدة الذهبيّة بل النُوريّة التي قَرَّرها أُسـتاذُ المُتكَلّمين في زمانه و بعده حضرة مولانا الإمام أبو منصور البغداديّ عبد القاهر بن طاهر التميميّ رحمه الله تعالى و رضي عنه في تذكِرَتِه : " أَنَّ الخِلافَ في صِفَة المخلُوق لا يقتضي تكفيراً و لا تبديعاً ما لَم يُؤَدّ إلى تكذٍيب نُصوص قَطعِيّة أو خرق إجماع عقديّ أو مناقضة مُسَلّمات عقلِيّة " . هذه خلاصتُها بالمعنى ، أو لعلَّهُ ذكر ذلك رحمه الله في الفرق بين الفِرَق ، عُذراً لا أذكُرُ الآن ... .
                      عفواً : كنت قد كتبتُ أوّلاً : بَقِيَت مُستنتجاتُهُم برفع التاء و الهاء ثُمَّ عدّلتُ العبارة بقولي :" بقي كثيرٌ من مُستنتجاتِهِم ... " لكن سهوت عن تعديل التشكيل إلى الخفض ( الجرّ - بالكسرتين) فمعذرة ...
                      وكذلك التذكرة البغداديّة مطبوعة قديماً في اسطنبول باسم كتاب أصول الدين لأبي منصور البغداديّ ثُمَّ صُوّرت هذه الطبعة في باكستان و بيروت كما هي ، ثُمَّ طبعت حديثاً في بيروت بصفّ جديد لنفس الطبعة العثمانيّة بلا تحقيق ... و كتاب أصول الدين للشـيخ أبي منصور مُقَدّم على كتب المتأخّرين في النقل و التحقيق لمعرفة حقيقة أقوال أهل السُنّة فشـيخُهُ تلميذ الإمام الجهبذ العظيم شيخ الشيوخ سـيّدنا الإمام أبي الحسن الأشعريّ رضي الله عنه وَ عنّا به آمين... و الله وليّ التوفيق
                      ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
                      خادمة الطالبات
                      ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

                      إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

                      تعليق

                      • سعيد بن عبد القادر مكرم
                        طالب علم
                        • Oct 2011
                        • 116

                        #26
                        بارك الله فيك يا أخت إنصاف ، على ما تفضلت به ، و كلنا خادم للدين و اللغة العربية من موقعه ، و نوّر الله قلبك بالعلم و الحكمة .
                        خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

                        إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

                        ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

                        تعليق

                        • إنصاف بنت محمد الشامي
                          طالب علم
                          • Sep 2010
                          • 1620

                          #27
                          المشاركة الأصلية بواسطة سعيد بن عبد القادر مكرم
                          بارك الله فيك يا أخت إنصاف ، على ما تفضلت به ، و كلنا خادم للدين و اللغة العربية من موقعه ، و نوّر الله قلبك بالعلم و الحكمة .
                          آمين و قُلُوبنا جميعاً بروفيسور سعيد المحترم وَ لكم أيضاً جزيل الشكر . وَ نتمنّى لحضرتكم دوام التوفيق .
                          ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
                          خادمة الطالبات
                          ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

                          إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

                          تعليق

                          يعمل...