الاستخلاف ليس محلاًّ للإرث ..

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • موسى البلوشي
    • Mar 2026

    #1

    الاستخلاف ليس محلاًّ للإرث ..

    الاستخلاف ليس محلاًّ للإرث


    بقلم : الشيخ الجليل المربي الكبير العلامة أشرف علي التهانوي

    المعروف بـ حكيم الأمة المتوفى 1362هـ / 1943م

    تعريب : أبو أسامة نور



    اتّخذ الناسُ اليوم الاستخلافَ مكانَ المشايخ إرثاً يتوارثونه ، ولو كان الخليفة الذي ينصبونه مكانَ شيخٍ أحمقَ كالحمار. وقد كان في الماضي المشايخ يضعون العمائمَ على رؤوس المريدين، وأصبح الأمرُ اليوم عكسَ ذلك ؛ فعاد المريدون يُكْرِمُون المشايخَ بالعمائم ؛ فما إن مات الشيخُ حتى يُحِلـُّون نجلَه محلّ أبيه ، ويُكْرِمُونَه بعمامة الخلافة ؛ فيصير شيخًا لهم جميعًا .

    وقد مَحَا شيخُنا (الحاج إمداد الله المهاجر المكيّ رحمه الله تعالى 1233هـ / 1817هـ = 1317هـ / 1899م) هذا التقليدَ كليًّا ؛ فلا يَحْتَلُّ اليوم سجّادتَه أحدٌ . وكانت سجَّادةٌ له في بلدة "كنكوه" إشارة إلى مريده الشيخ الفقيه المحدّث العالم الربّاني رشيد أحمد الكنكوهي 1244هـ / 1829م = 1323هـ / 1905م وكانت سجَّادةٌ له في مدينة "ديوبند" إشارة إلى الشيخ الناطق بالإسلام الإمام محمد قاسم النانوتويّ رحمه الله تعالى رئيس الطائفة المُؤَسِّسَة لجامعة دارالعلوم/ ديوبند 1248هـ / 1832م = 1297هـ / 1880م فكانت سجّاداتُه مُتَوَزَّعَةً في أمكنة شتّى . وأَوَدُّ أن أُؤَكِّد أن هذا الموقفَ له قيمةٌ مزيدةٌ وأهميّةٌ قصوى؛ حيث السجّادات تَتَوزَّعُها الأمكنةُ . وليس بشيء أن تكون السجّادةُ واحدةً مُرَكَّزَة في مكان واحد . إنّ هذا الشيءَ وأمثالَه لاتحتمل التوريثَ والتوارثَ .

    قصة وقعت لي :

    طَلَبَ إليَّ ذاتَ مرة أهالي بلدتي تَهانَهْ بَهوَنْ Thana bhawan بمديرية "مظفر نكر" Muzaffar Nagar بولاية "أترابراديش" Uttar Pardesh أن أتحمّل مسؤوليّةَ الإمامة بالمصلين ، فقَبِلتُ طلبَهم بشروط ، كان من بينها أنّ الإمامةَ لاتصير حقًّا من حقوقي ، وأنّي لا أكون مُلْزَمًا بالإمامة ، فأَتَخَلَّىٰ عنها عندَما أريد . ثم أعلنتُ على مرأى ومسمع منهم أني تولّيتُ الإمامةَ على إلحاحٍ من الناس ، و أَوَدُّ أن أُوَضِّح أن ذلك لايكون حقًّا لي، فلا يجري فيه التوارثُ . وعندما يكره أحدٌ إمامتي مهما كان من الذين يعتبرهم الناس من الحشوة ، فله أن يكتب إليَّ بطاقةً عن طريق البريد ، أني أكره إمامتَك . فأقول: والله لو أنّ ناسجًا للثياب أو جزّارًا منعني من الإمامة ، لامتنعتُ عنها فورًا . وعندما صرّحتُ لهم بذلك قمتُ بالإمامة ؛ لأنه بعدما صرّحتُ انْتَفَتْ احتمالاتُ التوارث . وبعد مدة تخلّيتُ عنها بدوري .

    توارث السجّادة

    فاليوم صار الاستخلاف إرثاً يتوارثونه . والناس يحترمون السجادةَ المُتَوَارَثَةَ ؛ حيث يرون أنّها ذاتُ أهميّة . فذلك احتفالٌ بالتقليد . وقد وجدنا لدى هؤلاء الناس تقليدًا آخر، وهو أنّ الشيخ القابع في السجّادة لايخرج من الزاوية . زرتُ مدينة "بهاكلبور" Bhagal pur إحدى مدن ولاية "بيهار" بالهند فسمعتُ أن شيخًا لم يخرج من الزاوية منذ 40 عامًا : منذ أن قَبَعَ في السجّادة . وكان مريدوه يَرْوُوْنَ عنه ذلك مُتَبَاهِيْنَ . قلتُ لهم: هل هو من الأنثى؟ إن الرجل يُطَوِّف بالخارج بالسيف غير المُغْمَدِ ؛ فالقَبْعُ في مكان واحد ليس رجولةً . أمّا إذا كان أحدٌ مُقْعَدًا أو قَعَدَتْ به الأعذار أو الدواعي الأخرى ، فلا بأس به.

    ومثلُ هذا الشيخ إذا دَعَتْهُ الضرورةُ للمثول بين يدي المحكمة ، تُبْذَل محاولاتٌ مُكَثَّفَةٌ لإعفائه منه ؛ لأن المشايخ اليوم عادوا يَعُدُّون المثولَ لدى المحكمة عيبًا . ولم أدرِ أنا السببَ في كونه عيبًا .

    قصةٌ أخرى حدثت لي

    كانت هناك مُحَاكَمةٌ جارية في مدينة "كانبور" بولاية "أترابراديش" بالهند وكانت لاتُحْسَم بشكل ؛ فقال القاضي للخصمين : الأحسنُ أن تَصْطَنِعَا حَكَمًا يحكم في قضيّتكما ، ثم المحكمةُ تتولّى تنفيذَ ما يحكم به هو . و رَضِيَا باتّخاذ الحَكَمِ وسَمَّتِ المحكمةُ عددًا من العلماء لَم يتَّفِقَا على أحدٍ منهم ، ثم سَمَّتْني فرَضِيَا ، وبالتالي وَجَّهتْ إليَّ المحكمةُ أمرًا رسميًّا بالمثول أمام القاضي (Summons) لأُدْلِيَ بما يَعِنُّ لي من الحكم في القضيّة ، فاعْتَقَدَ إخوانٌ مثولي بين يدي القاضي مذلّةً لي . قلتُ لهم : ما هي المذلة في هذا الأمر؟ إنّها لعزّةٌ أن تُحْسَم قضيّةٌ بشهادتي . على كل فمثلتُ لدى القضاء ، وأدليتُ بما كان عندي ، وتَمَّ حسمُ القضيّة العالقة منذ الثمانية عشر عامًا بناءً على تصريحاتي .

    وكذلك كانت لي رحلةٌ ذاتَ مرة إلى مدينة "بريلي" بولاية "أترابراديش" بالهند ، فأَبْدَىٰ مديرٌ للشرطة رغبةً في الاجتماع بي ؛ لأنّه كان حريصًا على زيارة ذوي العلم والفضل . وعندها كذلك رَأَىٰ بعضُ المحبين أن المديرَ ينبغي أن يحضر إلى منزلي ؛ لأن في ذلك إكرامًا لي ، أمّا حضوري إليه فهو مذلّة . أما أنا فرأيتُ غيرَ ما رَأَوْا ؛ حيث فكّرتُ أنه إذا جاء إليّ أكون أنا المُستَقْبِل له والمُحْتَفِي به، وإذا حضرتُ إليه يكون هو المُكْرِم لي؛ فذهبتُ أنا إليه ، فَتَنَاوَني بحفاوة بالغة .

    وقد كان ما أبديتُ من السبب في حضوري إلى مدير الشرطة ، مبنيًّا على فكرة الإخوان . أما السبب الحقيقي أنّ الله أكرمه بمنحه السلطةَ ، وجعله مسيطرًا علينا ؛ فندمتُ على أن أجعل الحاكم محكومًا . إن الله إذا جعله حاكمًا فالأدبُ التكويني يقتضي أن نعامله معاملةَ المحكوم مع الحاكم . فإذا رَغِبَ حاكمٌ من الحكاّم في لقائي أُحِبُّ أن أزوره أنا . أمّا اليوم فقد سادتِ التقاليدُ التي تجعل الناس يحسبون أنّ في ذلك مذلّةً للعُلماء وذوي الفضل .

    قصة أخرى

    كان الحديث يدور أصلاً في توارث سجّادات المشايخ ، فأشير إلى مفسدةٍ أخرى من خلال قصة ممتعة ؛ ولكنها مثيرة لدرس كبير : يقال : اِنّ قاضيًا (مأذونًا شرعيًّا للإمامة والمناكحة والطلاق) مسلمًا صار مدينًا لمرابٍ هندوسيّ في مدينة ، فرفع المرابي ضدّه دعوىً إلى المحكمة ، فأصدرت الحكم بمصادرة مُمْتَلَكاَتِه وأراضيه الزراعيّة حتى ما كان يناله من المكافآت النقدية لقاءَ الخطابة والإمامة ؛ فقد كان دخلُه الحاصلُ أيام العيدين كبيرًا جدًّا . قال الراوي : إنه رأى ذات مرة يومَ العيد أن المسلمين يتوافدون إلى المُصَلّى في ملابس جديدة وبدأوا ينتظرون مقدمَ الإمام ، فما لبثوا أن رَأَوْا مُرَابِيًا هندوسيًّا يُغِذّ الخطى إليهم في "الدهوتي" الإزار الطويل الأبيض الرقيق الذي يتّزر به الهندوس شعارًا لهم وما إن وصل المُصَلَّىٰ حتى ارتفع الضجيجُ بأن السيد الإمام قد حَضَرَ . وقضيتُ من عجبى لايزال الحديث للراوي وقلتُ في نفسي يا إلهى ! كيف هذا الإمام ؟ هل المرابي الهندوسيّ سيُصَلِّي العيدَ بالناس ؟!. وما هو إلاّ دقائق حتى صَعِدَ المرابي فعلاً المنبرَ ، وانْتَصَبَ قائمًا وخاطب الناسَ : أيّها الناس ! هل تسمحون لي ؟ قالوا : نعم ، نسمح لك ، فبسط ثوبًا على الأرض ، وبدأ الناس يقذفون عليه الفلوسَ والروبيّاتِ . وعندما انْتَهَوْا من دفع النقود ، عَدَّدَ ما تَجَمَّعَ منها على ثوبه ، وسَجَّلَ المجموعَ في دفتر حسابه بأنّ الدخلَ كان يومَ العيد هذا العامَ كذا من الروبيّات ، ثم جَعَلَها في صُرَّة ، وألقى الصُرَّةَ على إحدى كتفيه ، ثم قال للناس : هل تأذنون ؟ قالوا : نأذن لك . ثم قَدَّمَ إليهم التحيّةَ ، ورَجَعَ أدراجَه إلى بيته ، ثم لَحِقَه الناسُ إلى بيوتهم دونما صلاة أو خطبة تتبعها. وقد سألهم الراوي: أَوَلا تُؤَدَّى الصلاةُ ؟ فقَصُّوا عليه القصةَ بفصّها ونصّها ، وقالوا : إن السيد الإمام مدين للمرابي الهندوسي هذا ، وقد حَصَلَ على قرار قضائي بمصادرة ما كان يناله الإمام من الدخل يومي العيدين ، فاخْتَفَىٰ هو منذ سنوات ، فلا يَطْلُعُ إلى المُصَلَّىٰ . أمّا نحن فنحضره كالعادة ، وهذا المرابي يواظب على استخراج النقود وجمعها ؛ فصلاتا العيدين لاتُؤَدَّيَان منذ سنوات .

    فالإرثُ المعمولُ به في أمثال هذه الأشياء ، إحدى مفاسده أن الدخل الحاصل بأسماء المشايخ والصالحين يضيع في غير موضعه ، فالأوقافُ الكثيرةُ تضيع ؛ لأنّ الغلاّت والحاصلات الموقوفه لصالح زوايا الصالحين تذهب هدرًا ؛ لأن تقليد استخلاف المشايخ وتوارثِ سجّاداتهم ، لايسمح بتولّي القيام على الأوقاف إلاّ لأولاد المشايخ سواء أكانوا صالحين أو طالحين ، ثم يمتد الأمرُ إلى ادّعائهم ملكَها . وعلى ذلك فضاعت آلافٌ من الأوقاف .
يعمل...