محمد بن جرير الطبري
(224- 311هـ)
أ.د. إبراهيم السلقيني
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي
مقال في مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية
العدد الأول
أغنى علماؤنا الأعلام أمثال محمد بن جرير الطبري المكتبة الإسلامية بالموسوعات الضخمة في العلوم المختلفة التي جعلت المسلمين يملكون ثروة عليمة كبيرة لا تملكها أمة من أمم الأرض, وذلك بفضل الجهود الجبارة, والعزائم الخارقة, والقلوب المؤمنة الطاهرة, والنفوس الزكية التي وهبت وجودها وكل ما لديها للإسلام وعلومه.
لقد بلغ هؤلاء الأئمة الذروة في العلم بلا تشجيع يصنع لهم, أو مكافأة مادية تدر عليهم, إنما كان هدفهم مما ركبوا فيه الصعب والذلول: خدمة دينهم وإرضاء ربهم, ونشر سنة نبيهم, وعلوم إسلامهم, وحينما ننظر إلى تلك المؤلفات تطالعنا كثير من روائع العلوم والفنون, فلا نملك إلا أن نعجب ونفخر ونقول: رحم الله رجالاً خلفوا لمن أتى بعدهم أنفس ما يمكن لبشر أن يخلف, بل نتساءل كيف مكنتهم أوقاتهم وأعمارهم وظروفهم أن يبدعوا كل هذا الإبداع, ويكتبوا مثل هذه الكتب بل كيف استطاع الواحد منهم أن يؤلف عشرات الكتب بل المئات؟ ومثلنا يبذل جهده لإخراج مؤلف واحد, يقضي في تأليفه سنوات, وقد لا يصل إلى بعض المستوى الذي وصل إليه أولئك العلماء, مع أننا في زمن تحققت فيه أسباب الراحة, وتوافرت فيه وسائل الطباعة والنشر, وتيسرت للكاتب المصادر المختلفة. وأعود فأقول: إن قوة الإيمان والتقوى, وصحوة الضمير, والشعور بالمسئولية, وشدة الصبر تعليل واضح لوفرة الإنتاج وجودته.
وأن طالب العلم إذا بذل جهده في الطلب والتحصيل, وتحمل المشاق والمتاعب, وغالب الصعاب والعقبات, لا يخيب الله مسعاه, ولا يهضم حقه, ولا يتخلف عن التفوق والنبوغ, ومن كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة, وإن من جود وأتقن ما يزاوله في أمور الدين أو أمور الدنيا نجح وأفلح, فكيف بطالب العلم الذي تضع له الملائكة أجنحتها رضاءً بما يصنع.
لقد كان علماؤنا رضي الله عنهم يقطعون الفيافي والقفار في الهواجر والليالي مشيا على الأقدام, ويعقون في المتاعب والمخاطر حتى يلقوا عالماً, أو يسمعوا محدثاً, أو يأخذوا عن فقيه, يفعلون ذلك كله وهم صامتون, فلا تشهد منهم غرور المغرورين كالذي نراه اليوم من بعض المتعالي.
ورغم أنهم كانوا متباعدي الديار, مختلفي البيئات والأقطار, فيهم العربي والعجمي, والمصري والشامي, والمشرقي والمغربي, والخراساني والعراقي والتركي, والأبيض والأسود, فإننا لا نلمح في آثارهم من المفارقات أي أثر, ذلك لأن الإسلام هو الذي سواهم فأحسن تسويتهم, وصقلهم فوحد سيرتهم, وكونهم هذا التكوين الفريد, ولسان حال كل واحد منهم يقول:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا انتسبوا لقيس أو تميم
إن هؤلاء الأعلام لم يدونوا علوم الإسلام العظيم على ضفاف الأنهار, وتحت ظلال الأشجار والثمار, وإنما دونوها باللحم والدم, وسهر الليالي على السراج الذي لا يكاد يضيء نفسه.
واليوم تيسرت السبل, ولانت الوسائل, وقربت المسافات, وطويت أبعاد الزمان و والمكان, ومع ذلك فترت العزائم وضعف النتاج, وكثر المدعون, مع كثرة الشطط, وتجهيل السلف.
من أولئك الأعلام الذين كان لهم حظ عظيم من قوة الإيمان, وحرارة العقيدة, وحدة الذكاء, وقوة الحافظة, وتوقد الذهن, والصبر على العلم, والتحمل في سبيله الإمام الأجل (محمد بن جرير الطبري) أحد كبار العلماء والمجتهدين, والمفسرين, والمؤرخين, الذين أسست مذاهبهم, ودونت آراؤهم, غير أن مذهبه الفقهي انقرض بعد القرن الرابع الهجري بانقراض أتباعه وأصحابه, وسوف يكون الكلام يإيجاز على الأمور الآتية:
نسبه وكنيته ونسبته ولادته ونشأته صفاته وأخلاقه وعاداته طلبه للعلم ورحلته لأجله شيوخه وأساتذته فقهه واجتهاده تلامذته, والرواة عنه, وحاملو علمه أصحابه المتفقهون على مذهبه محنته ورميه بالابتداع والالحاد وفاته ودفنه أقوال الأئمة فيه, وثناؤهم عليه أشهر ما ترك لنا من مؤلفات.
أولاً نسب الطبري وكنيته ونسبته:
هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير أبو جعفر الطبري الآملي البغدادي, إمام المفسرين, وخاتم المجتهدين, وعظيم المؤرخين, وأحد كبار المحدثين في القرن الثالث الهجري, وأوائل القرن الرابع.
وما ورد في كشف الظنون صفحة (33) من أن اسم أبيه محمد فخطأ وتحريف ناسخ أو طابع تدورك فيما بعد صحفة(594-593 )(1) وذكر الحافظ إبن الجوزي ، وبدر الدين العيني : أن جده الأول كثير لايزيد ، وهو تسامح منهما .
وقد اختلف المتحدثون والمؤرخون في أن جده الثاني كثير او خالد والذي اختاره الجمهور ومنهم الخطيب وياقوت والسبكي وغيرهم أنه كثير ، واقتصروا على ذكره واختار غيرهم كابن خلكان وطا شكبري زاده والسيد جعفر الكتاني أنه خالد .
ولا خلاف في نسبته ، وأن اسمه محمد ، وكنيته أبو جعفر ، ونسبته الأولى إلى ( طبرستان ) ، وهي ولاية وبلدان واسعة يشملها هذا الاسم مجاورة لجيلان ، ونسبته الثانية إلى ( أمل ) قصبة طبرستان وأكبر مدينة بها، ونسبته الثالثة إلى بغداد .
ثانياً: ولادة الطبري ونشأته :
ولد الطبري في مدينة (أمل ) في أخر سنة أربع وعشرين ومائتين هجرية ، أو أول خمس وعشرين ومائتين . وأكثر من ولد (بأمل) اشتهرت نسبتهم إلى طبرستان ، وقد وقع الشك في تاريخ ولادة الطبري ، وذكر أن السبب في ذلك هو أن أهل بلده كانوا يؤرخون بالاحداث لا بالسنين ، فأرخوا مولده بحدث وقع في البلد ، ثم اختلفوا في أنه سنة (224) ، أول سنة (225) غير أن جمهور الكاتبين عنه ، والمؤرخين له قد اقتصروا على التاريخ الأول .وقد نشأ بأمل وتربى فيها برعاية والده الذي أنه من عنصر عربي ، وإن زعم المستشرق ( بروكلمان) أنه من عنصر أعجمي .
ثالثاً: صفات الطبري واخلاقه وعاداته :
أ- الصفات الشخصية : كان الطبري أسمر مائلا إلى الأمة ، نحيف الجسم ، مديد القامة ، اسود الشعر ، فصيح اللسان قوى البيان ، لم يكثر شبيه وبياضه ، وكبير اللحية ، حسن الصوت والأداء .
ب- الأخلاق : وكان ذا زهد وقناعة ، ورع وديانه ، حصوراً لا يعرف النساء ، شديد الإباء ، لاتقبل عطية الأمراء عزوفاً عن الدنيا ، غير ماتفت إلى أبنائها ، رافضاً لتولية القضاء ، عظيم الاحترام للعلم واهله .
ذكر السبكي في ( طبقات الشافعية ) (1) : أنه لما تقلد الخاقاني الوزارة وجه إلى ابن جرير الطبري بمال كثير فأبى أن يقبله ، فعرض عليه القضاء فامتنع ، فعاتبه أصحابه ، وطعموافي أن يقبل ولاية المظالم ، فانتهرهم وقال : قد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه .
ت- وقال أبو علي الطوماري في ( لسان الميران ) (2) : كنت مع أبو بكر بن مجاهد فسمع قراءة ابن جرير فقال : ما ظننت أن الله تعالى خلق بشراً أحسن منه يقرأ هذه القراءة ، وقال أحمد بن كامل القاضي تلميذ الطبري كما في معجم الأدباء ) (3) : ما سمعته قط لاحناً ، ولا حالفاً بالله عز وجل .
ث- العادات : وكان من عادة الطبري أيضاً (4) أنه يصلي الظهر في بيته ، ويكتب في تصنيفه إلى العصر ، ويجلس للناس يقرئ ويقرأ عليه إلى المغرب ، ثم يجلس للفقه إلى العشاء الأخرة ، ثم يدخل منزله ، وقد قسم ليله ونهاره في مصلحة نفسه ودينه والخلق .وقد نقل ياقوت الحموي في معجم الأدباء عن أحمد بن كامل القاضي ما بين الكثير من صفات الطبري وعاداته العامة والخاصة ، فمن أراد التوسع في ذلك فليرجع إليه .
رابعاً : طلب الطبري للعلم ورحلته من أجله :
تربى الطبري تربية دينية ، ونشأ نشأة علمية ، فاهتم منذ الصغر بالعلم وطلبه ، والخروج في سبيل أخذه وروايته ، وساعده على ذلك عدم زواجه
وقد فتح الله عليه ، حتى حصل الكثير من العلم ، وأصبح من كبار الأئمة ، وخيار علماء الأمة الذين يرحل إليهم ، ويؤخذ العلم عنهم .
ولقد حفظ القرآن الكريم في بلده ،وأخذ العلم والحديث عن أهله ، ثم رحل عن بلده في طلب العلم سنة وست وثلاثين ومائتين وهو ابن اثنتي عشرة سنة كما قال مسلم بن قاسم (1) أو رحل وله عشرين سنة كما قال ابن الجزري وهكذا رحل إلى الأفاق، واكثر التطاوف ، ووصل إلى البلدان النائية ، فسمع عن شيوخها ، وقد رحل في أوائل رحلته إلى مدينة السلام (بغداد) رغبة في السماع من الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، فلم يتفق ذلك له لموت الامام أحمد قبل دخوله إليها ، وأقام الطبري مدة بها ، وأكثر الكتابة عن شيوخها .
ثم انحدر إلى البصرة ، فسمع ممن كان باقياً من اهل العلم والحديث في وقته ، ومر في طريقه إليها بواسط ، وكتب عن علمائها .
ثم سار إلى الكوفة وأخذ العلم عن كبارها .
ثم عاد إلى بغداد ، فلزم المقام بها مدة ، وتفقه بها وكتب ، وأخذ علوم القرآن وكتب مسند يعقوب بن ابراهيم الدورقي .
ثم خرج إلى مصر ، وكتب في طريقه إليها عن المشايخ بأجناد الشام والسواحل والثغور ، وأكثر من الكتابة .
ثم صار إلى قسطاط مصر في سنة ثلاث وخمسين ومئتين هجرية وكان بها بقية من الشيوخ ، وأهل العلم ، فأكثر عنهم الكتابة من علوم الامام مالك والامام الشافعي ومختصر أقواله المتوفى سنة أربع وستين ومائتين هجرية ، فتكلما في أشياء كثيرة منها بحث الإجماع الذي هو ثالث الأدلة الشرعية ، وقيل أنهما قد تناظرا في بعض المسائل الفقهية ، وظهر عليه الطبري وغلبه ، إلا انه لم يبين لنا حقيقة هذه المسألة ، ولم يدون ما دار بينهما من أقوال في أثناء المناظرة حتى يمكن أن نحكم بصحة هذا القول ومع ذلك فقد كان الإمام الطبري رحمه الله تعالى يفضل المزني ويطريه ، ويذكر دينه وعلمه ، كما نزل في مصر على الربيع بن سليمان المرادي كبير ناشري مذهب الامام الشافعي رحمه الله تعالى ، وكبير مدوني كتبه .
ولم يبق أحد من اهل العلم بمصر إلا لقيه الطبري وامتحنه في العلم الذي يتحقق به ويتثبت منه ، كما حدث هو عن نفسه في كلام طويل مذكور في معجم الأدباء (1) .
وقد درس العروض بمصر ، وبعدأن سئل عنه ، وكان لم يدرسه بعد حتى أصبح عروضياً ، ثم رجع إلى مدينة السلام بغداد ، وكتب بها أيضاً .
ثم رجع إلى طبرستان ، وهي رجه\عته الأولى ، ثم غادرها ، ثم رجع إليها رجعته الثانية سنة تسعين ومئتين هجرية .
ثم غادر طبرستان للمرة الأخيرة ، ورجع إلى بغداد ، فنزل في قنطرة البردان ، وكانت مركزاً لكبار النحويين والمتأدبين (2) .
واشتهر اسمه في العلم وشاع خبره بالتقدم والفهم ، وقضى حياته الكريمة الحافلة بالأعمال العظيمة .
خامساً : شيوخ الطبري وأساتذته :
لقي الطبري في بلده و في رحلاته الطويلة كثيراً من العلماء والأدباء وأئمة الفقه والحديث وسمع منهم ، وأكثر من الكتابة عنهم ، وأخذ عن كثير من شيوخ البخاري ومسلم .
واكتقى بذكر بعضهم على سبيل الاجمال :
1. أحمد بن حماد الدولابي : من أهل العلم ، ولم نقف على ترجمه له ، وهو والد الإمام الكبير أبي بشر بن أحمد بن حامد الدولابي الحافظ المحدث صاحب كتاب ( الكنى والأسماء ) ، وقد توفى سنة 320 كما في اللباب ، وسنة 310 كما في العبر وتذكر الحفاظ .
2. أحمد بن عبد الرحمن بن وهب : ابن أخي عبد الله بن وهب صاحب الامام مالك بن أنس ، وأحد الرواة عن عمه ، وعن الشافعي ، وشيخ مسلم وابن خزيمة المتوفى سنة 264 ، وذكر ابن النديم في الفهرست أن الطبري أخذ فقه نالك عنه، وذكر السبكي في الطبقات أنه حدث عنه .
3. أحمد البغوي : الحافظ الحجة,صاحب المسند المعروف,وجد القاسم البغوي لأمه, ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ، وابن الأثير في اللباب ، والنووي في تهذيب الأسماء ، والذهبي في تذكرة الحفاظ ، وقالوا ان الطبري روى عنه وسمع عنه .
4. أبو العباس ثعلب الشيباني : البغدادي النحوي الكوفي المعروف بثعلب اللغة العربية ، وإمام نحاة الكوفة وأعلمهم .. وتلميذ ابن الاعرابي وغيره المتوفى سنة 291 كما في التذكرة والعبر .
5. أحمد بن يوسف التغلبي : تلميذ أبي عبيد القاسم بن سلام ، وشيخ علي بن عمرو بن سهل الحريري ، وموسى بن عبد الله الخاقاني .
6. اسحق بن أبي اسرائيل المروزي : البغدادي الامام الحافظ الكبير محدث بغداد الثقة الضابط ، ذكره الخططيب في تاريخه ، والذهبي في تذكرة الحفاظ ، وابن السبكي في الطبقات ، والحافظ بن حجر في اللسان ، وصرحوا بأن الطبري قد سمع منه وروى عنه .
7. أبو ابراهيم المزنى : المصري الامام الجليل ، والفقيه العظيم صاحب الشافعي وناصر مذهبه ، وواضع المختصرين من أقواله ، المختصر الكبير ، والمختصر الصغير ، المطبوع بهامش كتاب الأم للشافعي ، وهو أصل معظم كتب المذهب المدونة بعده ، فقد لقيه الطبري في مصر ، وأخذ العلم و الفقه عنه، وتباحثا في بعض القواعد الأصولية ، وتناظرا في بعض المسائل الفقهية .
8. اسماعيل بن موسى السدي : الفزاري المحدث الكوفي الشيعي ابن بنت السدي تلميذ مالك ، ذكره ابن النديم في الفهرست ، وياقوت في المعجم ، والذهبي في التذكرة ، وابن السبكي في الطبقات وقالوا ان الطبري أخذ الحديث عنه وسمعه منه .
9. أبو الأشعث : ذكره هكذا ياقوت في المعجم الأدباء ، وقال ان الطبري سمع الحديث منه ، وهو أحمد بن المقدام البغوي ، والامام المحدث تلميذ حماد بن زيد وطائفة كثيرة ، توفى سنة 253 كما في العبر والميزان .
فهو غير أبي الاشعث الصنعاني الشامي التابعي المتوفى بعد المائة ، تلميذ عبادة بن الصامت ، وشيخ أبي قلادة وعبد الرحمن بن يزيد بن جبار الدمشقي المحدث المتوفي سنة 154 كما في العبر واللباب .
10. بشر بن معاذ المقدي : لم نعثر على ترجمة له ، وذكر في الفهرست أن الطبري أخذ الحديث عنه .
11. أبو جريج : ولم نقف على شي يتعلق به ، ذكره هكذا ابن النديم في الفهرست ضمن من أخذ الطبري الحديث عنهم .
12. أبو حاتم السجستاني المقرئ المحدث الأديب اللغوي تلميذ أبي عبيدة والأصمعي المتوفى 255 كما في العبر .
13. الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني : البغدادي الامام الجليل المحدث الفقيه الفصيح البليغ الثقة الثبت ، أحد رواة مذهب الامام الشافعي القديم ، بل أثبتم رواية له كما قال أبو الحسن المارودي ، وقد توفى سنة 260 كما في تهذيب الاسماء وطبقات الشافعية والعبر والتذكرة .
لقيه الطبري في بغداد وأخذ عنه مذهب الشافعي القديم ، وكتب كتابه المشهور باسمه ، كما صرح به ابن النديم في الفهرست ، وياقوت في المعجم .
14. داود بن على الاصفهاني : مؤسس المذهب الظاهري المتوفى سنة 270 كما في التذكرة ، ذكره ابن النديم في الفهرست ضمن شيوخ الطبري ، وقال أنه قرأ الفقه عليه ، وقد ثبت أن الطبري لقيه وأخذ علمه وفقهه ، وتناظر معه ورد عليه .
15. الربيع بن سليمان المرادي : المصري الامام الحجة الحافظ محدث الديار المصرية صاحب الشافعي وخادمه ، وناقل فقهه وعلمه ، وكبير مدوني مذهبه وأوثق رواة كتبه ، المتوفى سنة 270 ، كما في تهذيب الاسماء وتذكرة الحفاظ والعبر وطبقات الشافعية .
وأخذ الطبري عنه بمصر مذهب الشافعي الجديد وأكثر من الكتابة عنه كما صرح ابن النديم في الفهرست وغيره .
16. سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري : الفقيه المالكي أحد علماء القرن الثالث الهجري ، ذكر في الفهرست أن الطبري أخذ فقه مالك عنه ، وقد ذكره ابن فرحون في الديباج المذهب .
17. أبو سعيد الأشج : عبد الله بن سعيد حصين الكندي الكوفي الامام الحافظ محدث الكوفة وتلميذ أبي بكر عباس وشيخ ابن خزيمة المتوفى سنة 257 كما في التذكرة والعبر ، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ، والنووي في تهذيب الأسماء ، وقالا أن الطبري أخذ الحديث عنه .
18. أبو سعيد الاصطخري : الامام الجليل قاضي قم وكستان أحد الرفعاء من أصحاب الوجوه في مذهب الشافعي المتوفى سنة 328 ببغداد كما في طبقات الشافعية والعبر . ذكر ياقوت في معجم الأدباء أن الطبري قد درس فقه الشافعي بالعراق عليه .
19. سليمان بن عبد الرحمن الطلحي : أبو داود سليمان بن عبد الرحمن بن حماد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله الطلحي اللؤلوي الكوفي .
قرأ القرآن وعرضه عليه وأخذ القراءة عنه كما في طبقات السبكي وابن الجزري .
20. عماد بن موسى : كما في معجم الأدباء : أو عمران بن موسى كما في الفهرست ( لم نقف على ترجمة له ) . وقد أخذ الطبري الحديث عنه وسمعه منه كما صرح ابن النديم وياقوت .
21. عمرو بن علي الفلاسي : أبو حفص عمرو بن علي الباهلي الصيرفي الفلاسي ، الامام الحافظ ، أحد الاعلام وتلميذ معتمد بن سليمان . وقد ذكر كل من الخطيب والحافظ في اللسان أن الطبري قد سمع العلم منه .
22. المثنى بن ابراهيم الآبلي : ذكره أحمد بن كامل في تاريخه على ما في معجم الأدباء ، وقال : ان الطبري قد أكثر من كتابة العلم عنه .
23. محمد بن بشار بندار : أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري النساج الامام الكبير الشهير ببندار . سمع الطبري الحديث منه كما في تاريخ بغداد ومعجم الأدباء واللباب واللسان .
24. محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : أبو عبد الله المصري الامام الفقيه الشافعي المالكي صاحب الشافعي النتوفى سنة 268 كام في التذكرة .فقد أخذ الطبري عنه الفقه وسمع منه العلم .
وذكره ابن النديم في الفهرست ، وقال ان الطبري أخذ عنه فقه مالك .
25. محمد بن العلاء أبو كريب التهمداني : لا التهمذاني كما صحف في معجم الأدباء : الكوفي الحافظ الثقة محدث الكوفة تلميذ ابن المبارك عيينه ، ذكر أيضا في الفهرست وتاريخ بغداد وتهذيب الأسماء وطبقات الشافعي فقد حضر الطبري إلى داره لسماع الحديث منه فامتحنه أبو كريب في حفظه فأعجب به وعظم في نفسه وعرف قدره على حداثته ، ومكنه من حديثه ، ويقال أن الطبري قد سمع منه أكثر من مائة ألف حديث كما في معجم الأدباء .
26. محمد بن المثنى البصري : الحافظ الحجة محدث البصرة ، كما في التذكرة والعبر والميزان واللباب . سمع الطبري الحديث عنه كما في تاريخ بغداد والباب وتهذيب الأسماء .
سادساً : فقه الطبري واجتهاده :
لقد أطبق الأئمة الثقات على ان ابن جرير الطبري من كبار العلماء المثقفين والأئمة والمجتهدين ، وأنه دون مذهبا خاصا اقتدى الكثيرون به ، وتلقوه عنه ، ونشروه في حياته وبعد مماته ، وانه انقرض بعد القرن الرابع الهجري .
فقد ثبت أنه قد اهتم بطلب الفقه عن أئمته ووقف على مذهب أهل الرأي ومذهب مالك ، والشافعي ، وأنه ابتدأ أخذه في بغداد على مذهب الشافعي كأبي ابراهيم المزنى ، والربيع بن سليمان المرادي ، ويونس بن عبد الأعلى الشافعي وأخذ بها أي بمصر فقه مالك عن بني عبد الحكم ، وابن عبد الله بن وهب ، ويونس بن عبد الأعلى أيضا الذي كان من أصحاب مالك قبل أن يصير من أصحاب الشافعي ...
وثبت أيضا أنه قرأ الفقه على داود بن على الاصبهاني إمام أهل الظاهر الذي كان من كبار مقلدي الشافعي ومتبعيه والمنتصرين لمذهبه قبل أن يستقل بمذهبه الخاص به الذي انقرض في أواخر القرن الخامس الهجري أو بعد .
ثم فتح الله على الطبري وأهله النظر والاجتهاد المستقل ، فاختار من مذاهب الفقهاء قولا اجتهد فيه ، وأصبح صاحب مذهب خاص وأتباع له . وقد كان قبل أن يستقل بالاجتهاد وبعد أن درس مذهب الشافعي معدودا من كبار الأصحاب من مذهب الشافعي رضي الله عنه الذين لهم آراء خاصة في المسائل التي لم يتعرض لها الشافعي ، أو التي خرجوا فيها أقولاً مستندة إلى أقوال أخرى له أي للشافعي وكانت آراؤهم تسمى بالوجوه ، فمن عده من الشافعية من الأصحاب نظر إلى أمره قبل الاستقلال بالمذهب الخاص ، ومن لم يعد منهم نظر إلى آخر أمره ...
(224- 311هـ)
أ.د. إبراهيم السلقيني
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي
مقال في مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية
العدد الأول
أغنى علماؤنا الأعلام أمثال محمد بن جرير الطبري المكتبة الإسلامية بالموسوعات الضخمة في العلوم المختلفة التي جعلت المسلمين يملكون ثروة عليمة كبيرة لا تملكها أمة من أمم الأرض, وذلك بفضل الجهود الجبارة, والعزائم الخارقة, والقلوب المؤمنة الطاهرة, والنفوس الزكية التي وهبت وجودها وكل ما لديها للإسلام وعلومه.
لقد بلغ هؤلاء الأئمة الذروة في العلم بلا تشجيع يصنع لهم, أو مكافأة مادية تدر عليهم, إنما كان هدفهم مما ركبوا فيه الصعب والذلول: خدمة دينهم وإرضاء ربهم, ونشر سنة نبيهم, وعلوم إسلامهم, وحينما ننظر إلى تلك المؤلفات تطالعنا كثير من روائع العلوم والفنون, فلا نملك إلا أن نعجب ونفخر ونقول: رحم الله رجالاً خلفوا لمن أتى بعدهم أنفس ما يمكن لبشر أن يخلف, بل نتساءل كيف مكنتهم أوقاتهم وأعمارهم وظروفهم أن يبدعوا كل هذا الإبداع, ويكتبوا مثل هذه الكتب بل كيف استطاع الواحد منهم أن يؤلف عشرات الكتب بل المئات؟ ومثلنا يبذل جهده لإخراج مؤلف واحد, يقضي في تأليفه سنوات, وقد لا يصل إلى بعض المستوى الذي وصل إليه أولئك العلماء, مع أننا في زمن تحققت فيه أسباب الراحة, وتوافرت فيه وسائل الطباعة والنشر, وتيسرت للكاتب المصادر المختلفة. وأعود فأقول: إن قوة الإيمان والتقوى, وصحوة الضمير, والشعور بالمسئولية, وشدة الصبر تعليل واضح لوفرة الإنتاج وجودته.
وأن طالب العلم إذا بذل جهده في الطلب والتحصيل, وتحمل المشاق والمتاعب, وغالب الصعاب والعقبات, لا يخيب الله مسعاه, ولا يهضم حقه, ولا يتخلف عن التفوق والنبوغ, ومن كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة, وإن من جود وأتقن ما يزاوله في أمور الدين أو أمور الدنيا نجح وأفلح, فكيف بطالب العلم الذي تضع له الملائكة أجنحتها رضاءً بما يصنع.
لقد كان علماؤنا رضي الله عنهم يقطعون الفيافي والقفار في الهواجر والليالي مشيا على الأقدام, ويعقون في المتاعب والمخاطر حتى يلقوا عالماً, أو يسمعوا محدثاً, أو يأخذوا عن فقيه, يفعلون ذلك كله وهم صامتون, فلا تشهد منهم غرور المغرورين كالذي نراه اليوم من بعض المتعالي.
ورغم أنهم كانوا متباعدي الديار, مختلفي البيئات والأقطار, فيهم العربي والعجمي, والمصري والشامي, والمشرقي والمغربي, والخراساني والعراقي والتركي, والأبيض والأسود, فإننا لا نلمح في آثارهم من المفارقات أي أثر, ذلك لأن الإسلام هو الذي سواهم فأحسن تسويتهم, وصقلهم فوحد سيرتهم, وكونهم هذا التكوين الفريد, ولسان حال كل واحد منهم يقول:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا انتسبوا لقيس أو تميم
إن هؤلاء الأعلام لم يدونوا علوم الإسلام العظيم على ضفاف الأنهار, وتحت ظلال الأشجار والثمار, وإنما دونوها باللحم والدم, وسهر الليالي على السراج الذي لا يكاد يضيء نفسه.
واليوم تيسرت السبل, ولانت الوسائل, وقربت المسافات, وطويت أبعاد الزمان و والمكان, ومع ذلك فترت العزائم وضعف النتاج, وكثر المدعون, مع كثرة الشطط, وتجهيل السلف.
من أولئك الأعلام الذين كان لهم حظ عظيم من قوة الإيمان, وحرارة العقيدة, وحدة الذكاء, وقوة الحافظة, وتوقد الذهن, والصبر على العلم, والتحمل في سبيله الإمام الأجل (محمد بن جرير الطبري) أحد كبار العلماء والمجتهدين, والمفسرين, والمؤرخين, الذين أسست مذاهبهم, ودونت آراؤهم, غير أن مذهبه الفقهي انقرض بعد القرن الرابع الهجري بانقراض أتباعه وأصحابه, وسوف يكون الكلام يإيجاز على الأمور الآتية:
نسبه وكنيته ونسبته ولادته ونشأته صفاته وأخلاقه وعاداته طلبه للعلم ورحلته لأجله شيوخه وأساتذته فقهه واجتهاده تلامذته, والرواة عنه, وحاملو علمه أصحابه المتفقهون على مذهبه محنته ورميه بالابتداع والالحاد وفاته ودفنه أقوال الأئمة فيه, وثناؤهم عليه أشهر ما ترك لنا من مؤلفات.
أولاً نسب الطبري وكنيته ونسبته:
هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير أبو جعفر الطبري الآملي البغدادي, إمام المفسرين, وخاتم المجتهدين, وعظيم المؤرخين, وأحد كبار المحدثين في القرن الثالث الهجري, وأوائل القرن الرابع.
وما ورد في كشف الظنون صفحة (33) من أن اسم أبيه محمد فخطأ وتحريف ناسخ أو طابع تدورك فيما بعد صحفة(594-593 )(1) وذكر الحافظ إبن الجوزي ، وبدر الدين العيني : أن جده الأول كثير لايزيد ، وهو تسامح منهما .
وقد اختلف المتحدثون والمؤرخون في أن جده الثاني كثير او خالد والذي اختاره الجمهور ومنهم الخطيب وياقوت والسبكي وغيرهم أنه كثير ، واقتصروا على ذكره واختار غيرهم كابن خلكان وطا شكبري زاده والسيد جعفر الكتاني أنه خالد .
ولا خلاف في نسبته ، وأن اسمه محمد ، وكنيته أبو جعفر ، ونسبته الأولى إلى ( طبرستان ) ، وهي ولاية وبلدان واسعة يشملها هذا الاسم مجاورة لجيلان ، ونسبته الثانية إلى ( أمل ) قصبة طبرستان وأكبر مدينة بها، ونسبته الثالثة إلى بغداد .
ثانياً: ولادة الطبري ونشأته :
ولد الطبري في مدينة (أمل ) في أخر سنة أربع وعشرين ومائتين هجرية ، أو أول خمس وعشرين ومائتين . وأكثر من ولد (بأمل) اشتهرت نسبتهم إلى طبرستان ، وقد وقع الشك في تاريخ ولادة الطبري ، وذكر أن السبب في ذلك هو أن أهل بلده كانوا يؤرخون بالاحداث لا بالسنين ، فأرخوا مولده بحدث وقع في البلد ، ثم اختلفوا في أنه سنة (224) ، أول سنة (225) غير أن جمهور الكاتبين عنه ، والمؤرخين له قد اقتصروا على التاريخ الأول .وقد نشأ بأمل وتربى فيها برعاية والده الذي أنه من عنصر عربي ، وإن زعم المستشرق ( بروكلمان) أنه من عنصر أعجمي .
ثالثاً: صفات الطبري واخلاقه وعاداته :
أ- الصفات الشخصية : كان الطبري أسمر مائلا إلى الأمة ، نحيف الجسم ، مديد القامة ، اسود الشعر ، فصيح اللسان قوى البيان ، لم يكثر شبيه وبياضه ، وكبير اللحية ، حسن الصوت والأداء .
ب- الأخلاق : وكان ذا زهد وقناعة ، ورع وديانه ، حصوراً لا يعرف النساء ، شديد الإباء ، لاتقبل عطية الأمراء عزوفاً عن الدنيا ، غير ماتفت إلى أبنائها ، رافضاً لتولية القضاء ، عظيم الاحترام للعلم واهله .
ذكر السبكي في ( طبقات الشافعية ) (1) : أنه لما تقلد الخاقاني الوزارة وجه إلى ابن جرير الطبري بمال كثير فأبى أن يقبله ، فعرض عليه القضاء فامتنع ، فعاتبه أصحابه ، وطعموافي أن يقبل ولاية المظالم ، فانتهرهم وقال : قد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه .
ت- وقال أبو علي الطوماري في ( لسان الميران ) (2) : كنت مع أبو بكر بن مجاهد فسمع قراءة ابن جرير فقال : ما ظننت أن الله تعالى خلق بشراً أحسن منه يقرأ هذه القراءة ، وقال أحمد بن كامل القاضي تلميذ الطبري كما في معجم الأدباء ) (3) : ما سمعته قط لاحناً ، ولا حالفاً بالله عز وجل .
ث- العادات : وكان من عادة الطبري أيضاً (4) أنه يصلي الظهر في بيته ، ويكتب في تصنيفه إلى العصر ، ويجلس للناس يقرئ ويقرأ عليه إلى المغرب ، ثم يجلس للفقه إلى العشاء الأخرة ، ثم يدخل منزله ، وقد قسم ليله ونهاره في مصلحة نفسه ودينه والخلق .وقد نقل ياقوت الحموي في معجم الأدباء عن أحمد بن كامل القاضي ما بين الكثير من صفات الطبري وعاداته العامة والخاصة ، فمن أراد التوسع في ذلك فليرجع إليه .
رابعاً : طلب الطبري للعلم ورحلته من أجله :
تربى الطبري تربية دينية ، ونشأ نشأة علمية ، فاهتم منذ الصغر بالعلم وطلبه ، والخروج في سبيل أخذه وروايته ، وساعده على ذلك عدم زواجه
وقد فتح الله عليه ، حتى حصل الكثير من العلم ، وأصبح من كبار الأئمة ، وخيار علماء الأمة الذين يرحل إليهم ، ويؤخذ العلم عنهم .
ولقد حفظ القرآن الكريم في بلده ،وأخذ العلم والحديث عن أهله ، ثم رحل عن بلده في طلب العلم سنة وست وثلاثين ومائتين وهو ابن اثنتي عشرة سنة كما قال مسلم بن قاسم (1) أو رحل وله عشرين سنة كما قال ابن الجزري وهكذا رحل إلى الأفاق، واكثر التطاوف ، ووصل إلى البلدان النائية ، فسمع عن شيوخها ، وقد رحل في أوائل رحلته إلى مدينة السلام (بغداد) رغبة في السماع من الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، فلم يتفق ذلك له لموت الامام أحمد قبل دخوله إليها ، وأقام الطبري مدة بها ، وأكثر الكتابة عن شيوخها .
ثم انحدر إلى البصرة ، فسمع ممن كان باقياً من اهل العلم والحديث في وقته ، ومر في طريقه إليها بواسط ، وكتب عن علمائها .
ثم سار إلى الكوفة وأخذ العلم عن كبارها .
ثم عاد إلى بغداد ، فلزم المقام بها مدة ، وتفقه بها وكتب ، وأخذ علوم القرآن وكتب مسند يعقوب بن ابراهيم الدورقي .
ثم خرج إلى مصر ، وكتب في طريقه إليها عن المشايخ بأجناد الشام والسواحل والثغور ، وأكثر من الكتابة .
ثم صار إلى قسطاط مصر في سنة ثلاث وخمسين ومئتين هجرية وكان بها بقية من الشيوخ ، وأهل العلم ، فأكثر عنهم الكتابة من علوم الامام مالك والامام الشافعي ومختصر أقواله المتوفى سنة أربع وستين ومائتين هجرية ، فتكلما في أشياء كثيرة منها بحث الإجماع الذي هو ثالث الأدلة الشرعية ، وقيل أنهما قد تناظرا في بعض المسائل الفقهية ، وظهر عليه الطبري وغلبه ، إلا انه لم يبين لنا حقيقة هذه المسألة ، ولم يدون ما دار بينهما من أقوال في أثناء المناظرة حتى يمكن أن نحكم بصحة هذا القول ومع ذلك فقد كان الإمام الطبري رحمه الله تعالى يفضل المزني ويطريه ، ويذكر دينه وعلمه ، كما نزل في مصر على الربيع بن سليمان المرادي كبير ناشري مذهب الامام الشافعي رحمه الله تعالى ، وكبير مدوني كتبه .
ولم يبق أحد من اهل العلم بمصر إلا لقيه الطبري وامتحنه في العلم الذي يتحقق به ويتثبت منه ، كما حدث هو عن نفسه في كلام طويل مذكور في معجم الأدباء (1) .
وقد درس العروض بمصر ، وبعدأن سئل عنه ، وكان لم يدرسه بعد حتى أصبح عروضياً ، ثم رجع إلى مدينة السلام بغداد ، وكتب بها أيضاً .
ثم رجع إلى طبرستان ، وهي رجه\عته الأولى ، ثم غادرها ، ثم رجع إليها رجعته الثانية سنة تسعين ومئتين هجرية .
ثم غادر طبرستان للمرة الأخيرة ، ورجع إلى بغداد ، فنزل في قنطرة البردان ، وكانت مركزاً لكبار النحويين والمتأدبين (2) .
واشتهر اسمه في العلم وشاع خبره بالتقدم والفهم ، وقضى حياته الكريمة الحافلة بالأعمال العظيمة .
خامساً : شيوخ الطبري وأساتذته :
لقي الطبري في بلده و في رحلاته الطويلة كثيراً من العلماء والأدباء وأئمة الفقه والحديث وسمع منهم ، وأكثر من الكتابة عنهم ، وأخذ عن كثير من شيوخ البخاري ومسلم .
واكتقى بذكر بعضهم على سبيل الاجمال :
1. أحمد بن حماد الدولابي : من أهل العلم ، ولم نقف على ترجمه له ، وهو والد الإمام الكبير أبي بشر بن أحمد بن حامد الدولابي الحافظ المحدث صاحب كتاب ( الكنى والأسماء ) ، وقد توفى سنة 320 كما في اللباب ، وسنة 310 كما في العبر وتذكر الحفاظ .
2. أحمد بن عبد الرحمن بن وهب : ابن أخي عبد الله بن وهب صاحب الامام مالك بن أنس ، وأحد الرواة عن عمه ، وعن الشافعي ، وشيخ مسلم وابن خزيمة المتوفى سنة 264 ، وذكر ابن النديم في الفهرست أن الطبري أخذ فقه نالك عنه، وذكر السبكي في الطبقات أنه حدث عنه .
3. أحمد البغوي : الحافظ الحجة,صاحب المسند المعروف,وجد القاسم البغوي لأمه, ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ، وابن الأثير في اللباب ، والنووي في تهذيب الأسماء ، والذهبي في تذكرة الحفاظ ، وقالوا ان الطبري روى عنه وسمع عنه .
4. أبو العباس ثعلب الشيباني : البغدادي النحوي الكوفي المعروف بثعلب اللغة العربية ، وإمام نحاة الكوفة وأعلمهم .. وتلميذ ابن الاعرابي وغيره المتوفى سنة 291 كما في التذكرة والعبر .
5. أحمد بن يوسف التغلبي : تلميذ أبي عبيد القاسم بن سلام ، وشيخ علي بن عمرو بن سهل الحريري ، وموسى بن عبد الله الخاقاني .
6. اسحق بن أبي اسرائيل المروزي : البغدادي الامام الحافظ الكبير محدث بغداد الثقة الضابط ، ذكره الخططيب في تاريخه ، والذهبي في تذكرة الحفاظ ، وابن السبكي في الطبقات ، والحافظ بن حجر في اللسان ، وصرحوا بأن الطبري قد سمع منه وروى عنه .
7. أبو ابراهيم المزنى : المصري الامام الجليل ، والفقيه العظيم صاحب الشافعي وناصر مذهبه ، وواضع المختصرين من أقواله ، المختصر الكبير ، والمختصر الصغير ، المطبوع بهامش كتاب الأم للشافعي ، وهو أصل معظم كتب المذهب المدونة بعده ، فقد لقيه الطبري في مصر ، وأخذ العلم و الفقه عنه، وتباحثا في بعض القواعد الأصولية ، وتناظرا في بعض المسائل الفقهية .
8. اسماعيل بن موسى السدي : الفزاري المحدث الكوفي الشيعي ابن بنت السدي تلميذ مالك ، ذكره ابن النديم في الفهرست ، وياقوت في المعجم ، والذهبي في التذكرة ، وابن السبكي في الطبقات وقالوا ان الطبري أخذ الحديث عنه وسمعه منه .
9. أبو الأشعث : ذكره هكذا ياقوت في المعجم الأدباء ، وقال ان الطبري سمع الحديث منه ، وهو أحمد بن المقدام البغوي ، والامام المحدث تلميذ حماد بن زيد وطائفة كثيرة ، توفى سنة 253 كما في العبر والميزان .
فهو غير أبي الاشعث الصنعاني الشامي التابعي المتوفى بعد المائة ، تلميذ عبادة بن الصامت ، وشيخ أبي قلادة وعبد الرحمن بن يزيد بن جبار الدمشقي المحدث المتوفي سنة 154 كما في العبر واللباب .
10. بشر بن معاذ المقدي : لم نعثر على ترجمة له ، وذكر في الفهرست أن الطبري أخذ الحديث عنه .
11. أبو جريج : ولم نقف على شي يتعلق به ، ذكره هكذا ابن النديم في الفهرست ضمن من أخذ الطبري الحديث عنهم .
12. أبو حاتم السجستاني المقرئ المحدث الأديب اللغوي تلميذ أبي عبيدة والأصمعي المتوفى 255 كما في العبر .
13. الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني : البغدادي الامام الجليل المحدث الفقيه الفصيح البليغ الثقة الثبت ، أحد رواة مذهب الامام الشافعي القديم ، بل أثبتم رواية له كما قال أبو الحسن المارودي ، وقد توفى سنة 260 كما في تهذيب الاسماء وطبقات الشافعية والعبر والتذكرة .
لقيه الطبري في بغداد وأخذ عنه مذهب الشافعي القديم ، وكتب كتابه المشهور باسمه ، كما صرح به ابن النديم في الفهرست ، وياقوت في المعجم .
14. داود بن على الاصفهاني : مؤسس المذهب الظاهري المتوفى سنة 270 كما في التذكرة ، ذكره ابن النديم في الفهرست ضمن شيوخ الطبري ، وقال أنه قرأ الفقه عليه ، وقد ثبت أن الطبري لقيه وأخذ علمه وفقهه ، وتناظر معه ورد عليه .
15. الربيع بن سليمان المرادي : المصري الامام الحجة الحافظ محدث الديار المصرية صاحب الشافعي وخادمه ، وناقل فقهه وعلمه ، وكبير مدوني مذهبه وأوثق رواة كتبه ، المتوفى سنة 270 ، كما في تهذيب الاسماء وتذكرة الحفاظ والعبر وطبقات الشافعية .
وأخذ الطبري عنه بمصر مذهب الشافعي الجديد وأكثر من الكتابة عنه كما صرح ابن النديم في الفهرست وغيره .
16. سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري : الفقيه المالكي أحد علماء القرن الثالث الهجري ، ذكر في الفهرست أن الطبري أخذ فقه مالك عنه ، وقد ذكره ابن فرحون في الديباج المذهب .
17. أبو سعيد الأشج : عبد الله بن سعيد حصين الكندي الكوفي الامام الحافظ محدث الكوفة وتلميذ أبي بكر عباس وشيخ ابن خزيمة المتوفى سنة 257 كما في التذكرة والعبر ، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ، والنووي في تهذيب الأسماء ، وقالا أن الطبري أخذ الحديث عنه .
18. أبو سعيد الاصطخري : الامام الجليل قاضي قم وكستان أحد الرفعاء من أصحاب الوجوه في مذهب الشافعي المتوفى سنة 328 ببغداد كما في طبقات الشافعية والعبر . ذكر ياقوت في معجم الأدباء أن الطبري قد درس فقه الشافعي بالعراق عليه .
19. سليمان بن عبد الرحمن الطلحي : أبو داود سليمان بن عبد الرحمن بن حماد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله الطلحي اللؤلوي الكوفي .
قرأ القرآن وعرضه عليه وأخذ القراءة عنه كما في طبقات السبكي وابن الجزري .
20. عماد بن موسى : كما في معجم الأدباء : أو عمران بن موسى كما في الفهرست ( لم نقف على ترجمة له ) . وقد أخذ الطبري الحديث عنه وسمعه منه كما صرح ابن النديم وياقوت .
21. عمرو بن علي الفلاسي : أبو حفص عمرو بن علي الباهلي الصيرفي الفلاسي ، الامام الحافظ ، أحد الاعلام وتلميذ معتمد بن سليمان . وقد ذكر كل من الخطيب والحافظ في اللسان أن الطبري قد سمع العلم منه .
22. المثنى بن ابراهيم الآبلي : ذكره أحمد بن كامل في تاريخه على ما في معجم الأدباء ، وقال : ان الطبري قد أكثر من كتابة العلم عنه .
23. محمد بن بشار بندار : أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري النساج الامام الكبير الشهير ببندار . سمع الطبري الحديث منه كما في تاريخ بغداد ومعجم الأدباء واللباب واللسان .
24. محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : أبو عبد الله المصري الامام الفقيه الشافعي المالكي صاحب الشافعي النتوفى سنة 268 كام في التذكرة .فقد أخذ الطبري عنه الفقه وسمع منه العلم .
وذكره ابن النديم في الفهرست ، وقال ان الطبري أخذ عنه فقه مالك .
25. محمد بن العلاء أبو كريب التهمداني : لا التهمذاني كما صحف في معجم الأدباء : الكوفي الحافظ الثقة محدث الكوفة تلميذ ابن المبارك عيينه ، ذكر أيضا في الفهرست وتاريخ بغداد وتهذيب الأسماء وطبقات الشافعي فقد حضر الطبري إلى داره لسماع الحديث منه فامتحنه أبو كريب في حفظه فأعجب به وعظم في نفسه وعرف قدره على حداثته ، ومكنه من حديثه ، ويقال أن الطبري قد سمع منه أكثر من مائة ألف حديث كما في معجم الأدباء .
26. محمد بن المثنى البصري : الحافظ الحجة محدث البصرة ، كما في التذكرة والعبر والميزان واللباب . سمع الطبري الحديث عنه كما في تاريخ بغداد والباب وتهذيب الأسماء .
سادساً : فقه الطبري واجتهاده :
لقد أطبق الأئمة الثقات على ان ابن جرير الطبري من كبار العلماء المثقفين والأئمة والمجتهدين ، وأنه دون مذهبا خاصا اقتدى الكثيرون به ، وتلقوه عنه ، ونشروه في حياته وبعد مماته ، وانه انقرض بعد القرن الرابع الهجري .
فقد ثبت أنه قد اهتم بطلب الفقه عن أئمته ووقف على مذهب أهل الرأي ومذهب مالك ، والشافعي ، وأنه ابتدأ أخذه في بغداد على مذهب الشافعي كأبي ابراهيم المزنى ، والربيع بن سليمان المرادي ، ويونس بن عبد الأعلى الشافعي وأخذ بها أي بمصر فقه مالك عن بني عبد الحكم ، وابن عبد الله بن وهب ، ويونس بن عبد الأعلى أيضا الذي كان من أصحاب مالك قبل أن يصير من أصحاب الشافعي ...
وثبت أيضا أنه قرأ الفقه على داود بن على الاصبهاني إمام أهل الظاهر الذي كان من كبار مقلدي الشافعي ومتبعيه والمنتصرين لمذهبه قبل أن يستقل بمذهبه الخاص به الذي انقرض في أواخر القرن الخامس الهجري أو بعد .
ثم فتح الله على الطبري وأهله النظر والاجتهاد المستقل ، فاختار من مذاهب الفقهاء قولا اجتهد فيه ، وأصبح صاحب مذهب خاص وأتباع له . وقد كان قبل أن يستقل بالاجتهاد وبعد أن درس مذهب الشافعي معدودا من كبار الأصحاب من مذهب الشافعي رضي الله عنه الذين لهم آراء خاصة في المسائل التي لم يتعرض لها الشافعي ، أو التي خرجوا فيها أقولاً مستندة إلى أقوال أخرى له أي للشافعي وكانت آراؤهم تسمى بالوجوه ، فمن عده من الشافعية من الأصحاب نظر إلى أمره قبل الاستقلال بالمذهب الخاص ، ومن لم يعد منهم نظر إلى آخر أمره ...
تعليق