رسائل (23
الكوثري من خلال رسائله الشخصية إلى البنوري
في الفترة بين عامي 1358- 1371
لمحات عن شخصيته وحياته الخاصة
إعداد
سعود بن صالح السرحان
معهد الدراسات العربية والإسلامية-جامعة إكستر
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
للرسائل المتبادلة بين العلماء أهمية بالغة، فهي تحتوي على مذاكراتهم ومناقشاتهم العلمية، كما أنها مرشدٌ ومفتاحٌ لفهم الظروف التي أدت إلى تأليفهم ونشرهم بعض الكتب، واتخاذهم بعض المواقف المؤيدة أو المعارضة لبعض الأفكار أو الأشخاص أو الجماعات، وتمتاز الرسائل الشخصية عن الكتب التي يؤلفها هؤلاء العلماء بكونها تعكس بصورة أوضح جوانبهم الإنسانية، فهم يكونون في رسائلهم الشخصية أكثر «بَوحاً» من الكتب العلمية التي يؤلفونها.
ولهذا كانت فرحتي غامرة عندما اطلعت في المكتبة العامرة للصديق الشيخ محمد بن عبد الله آل رشيد على مجموعة من الرسائل التي أرسلها الشيخ الإمام العلامة محمد زاهد الكوثري الحنفي إلى العلامة محمد يوسف البنوري الحنفي، والتمستُ من الشيخ محمد آل رشيد أن يأذن لي بتحقيق هذه الرسائل ونشرها فتكرّم بذلك حفظه الله.
وقد انصرفتُ إلى تحقيق هذه الرسائل النفيسة، فنسختها، وعلقت عليها بتعريف الأعلام، وتتميم أحداث الوقائع، وربط ما ورد فيها ـ ما أمكن ـ بآثار الإمام الكوثري الأخرى، وتعليق ما يناسب من فوائد ومسائل.
وصدّرتُ هذه الرسائل بتمهيد يعرِّف بها، ثم بترجمةٍ للعلامة البنوري، واستغنيت عن الترجمة للإمام الكوثري، لشهرة سيرته بين الباحثين، ولأن مصادر ترجمته قريبة المتناول، خلافاً للعلامة البنوري.
وقد انتقيت من هذه الرسائل بعض الجوانب التي تتعلق بحياة الإمام الكوثري وأخلاقه، لتكون الورقة البحثية التي أتقدم بها إلى مؤتمر "محمد زاهد الكوثري".
وصف الرسائل
عدد الرسائل 45 رسالة، تغطي الفترة من 5 ربيع الأول 1358 وحتى 8 جمادى الأولى 1371، وجميعها بخط الإمام الكوثري.
ويبدو أن مجموعة الرسائل كاملة لا سقط فيها، ويدل على ذلك أن الرسائل متتابعة فالمتأخر يشير إلى المتقدم من دون أية إشارة إلى رسالة غير موجودة.
ويتراوح حجم الرسالة الواحدة بين صفحتين إلى نصف الصفحة، كما تختلف موضوعاتها من رسالة إلى أخرى.
وقد بقيت هذه الرسائل محفوظة لدى العلامة البنوري حتى وفاته رحمه الله، وفي عام 1406هـ وأثناء زيارة شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غده، رحمه الله، ومعه الشيخ المسند محمد آل الرشيد إلى باكستان حصلا على نسخة مصورة من هذه الرسائل من ابن العلامة البنوري، وعلى هذه النسخة المصورة اعتمدتُ في عملي.
الرسائل
إن هذه الرسائل تكشف جوانب مهمة من حياة الإمام الكوثري العلمية والشخصية أيضاً، فهذه الرسائل جزءٌ من خلفية اللوحة التي تشكل مسيرة حياة الإمام في الفترة ما بين عام 1358هـ وحتى وفاته رحمه الله.
ولهذه الرسائل علاقة وثيقة ومتممة لمؤلفات العلامة الكوثري ومقالاته ومقدماته على الكتب الأخرى، ولا تقف هذه العلاقة عند تبادل الرأي في عنوان مقترح لأحد كتب الكوثري، أو بعض التصحيحات العلمية والطباعية لما ورد في بعض كتبه، بل تتعدى ذلك إلى الأسباب التي دعته إلى تأليف بعض تلك الكتب أو تناوله بالبحث والمناقشة لبعض القضايا. كما نجد في هذه الرسائل صدى موقف العلامة الكوثري من بعض الكتب التي أُلّفت في الرد عليه.
وبالجملة لا غنى عن هذه الرسائل لمن أراد الكتابة عن العلامة الكوثري ومسيرته العلمية وجهاده، فبين جنباتها مشاهد متعددة من الحياة الشخصية للإمام، ونماذج من أخلاقه وعلمه وعلاقته بإخوانه العلماء؛ وقد انتقيت منها هاهنا شذراتٍ تفيد الدارسين لحياة الإمام، وقسمتها قسمين: الأول: مواقف في حياة الكوثري، والثاني: صفات الكوثري.
مواقف في حياة الكوثري
مكان سكن الكوثري في القاهرة: كان يسكن في العباسية في المنزل رقم 63، واستمر في هذا المنزل منذ بداية مكاتباته للبنوري، وحتى جمادى الأولى سنة 1368هـ حيث طلب المالك الجديد للمنزل من الكوثري أن يبحث عن سكن آخر لأنه يريد هدم المنزل، ففي رسالته المؤرخة في 14 من هذا الشهر يخبرنا الكوثري عن سبب انتقاله من منزله، حيث يقول: «صاحب منزلنا باع المنزل لآخر وهو يريد هدمه وبناءه من جديد على أدوار واسعة، رغبةً في الربح، فطلب منا إخلاء المنزل، ولم نتمكن إلى الآن اكتراء منزلٍ مناسب، وهذا متعب جداً في هذه البرهة لتشدد أزمة المساكن، والله سبحانه يسهِّلُ لنا الأمر»(الرسالة (26)). وتم انتقال الشيخ إلى سكنه الجديد في العباسية رقم 104، خلال يومي 20- 21 شوال من نفس السنة(الرسالة (29).).
مرض الشيخ واعتلال صحته
في هذه الرسائل يمكن تتبع العلل والأمراض التي أصابت الكوثري، رحمه الله، مع تحرج الشيخ من الإشارة إلى مرضه أو تردي صحته، وأول ما نلحظه في هذا السياق: أنه عندما طلب البنوري من الكوثري أن يحقق كتاب «شرح معاني الآثار»، أجابه الكوثري بأن صحته لا تساعده على إنجاز مثل هذا العمل الكبير، وأنه استعجل في تأليفه لـ«النكت» قبل أن يفوت الأوان، وكان ذلك في 5 شوال من سنة 1366(1)، ويبدو أن المرض اشتد على الشيخ الكوثري ففي رسالته المؤرخة في 22 المحرم من سنة 1367 يذكر أنه تنتابه أدواء متعددة تقعده عن العمل(2)، وبعد هذه الرسالة التي يشكو فيها الشيخ من تردي صحته انقطع عن الكتابة للبنوري فترة طويلة، ولما عاد إلى الكتابة إليه مرة أخرى اعتذر الكوثري عن تأخره في الكتابة باعتلال صحته(3)، وفي رسالته المؤرخة في 22 ربيع الأول سنة 1368 يشكو الكوثري من ضعف البصر الذي يحول بينه وبين المطالعة كما يشتهي(4)، كما كان ضعف البصر يحول بينه وبين مراجعة بعض الكتب مراجعة فاحصة(5). وفي 15 جمادى الآخرة سنة 1369 أرسل الكوثري رسالة إلى البنوري يعتذر فيها عن تقصيره في مراسلته لكونه أصبح مسنّاً ونظره لا يسعفه في الكتابة إلا عند الاضطرار(6). وكذلك كرر اعتذاره في 11 ذي القعدة سنة 1370(7).
__________
(1) 1الرسالة (18).
(2) 2 الرسالة (20).
(3) 3الرسائل (22، 23).
(4) 4 الرسالة (24).
(5) 5 الرسالة (28).
(6) 6 الرسالة (35).
(7) 7 الرسالة (42).
ويوضح الكوثري في رسالة مكتوبة في 28 ذي الحجة سنة 1370 أن ضعف بصره واختلال صحته منعاه منذ سنتين من الخروج من المنزل إلا إلى الجامع القريب من منزله للجمعة فقط(1). ويشتد المرض بالعلامة الكوثري ويجري عملية لعينه ويكتب قبل وفاته بشهر تقريباً للبنوري: «ورجائي أنْ تعذروني في الانقطاع عن المكاتبة، وباصرتي بعد العملية لا تسعفني في ذلك، والشكر لله على ما أفاض من نور يهديني في الطريق، وقد تناوبتني أمراض لا داعي إلى شرحها غير إزعاج الإخوان، وهو المشكور جل جلاله في السراء والضراء، فأرجو دعواتكم بحسن الخاتمة. وقد أتم الإخوان بقية الأجزاء من القرطبي أمس، وتم تصديرها بالبريد هدية مني إلى سيادتكم، فرجائي أنْ تقبلوها من غير تلعثم، كما هو شأن الإخاء. والهبوط العام في صحتي يمنعني من مجاوبتكم ومجاوبة مولانا أبي الوفاء، ولكل مبدأ (له) نهاية، وروحي معكم، داعياً لكم بكل خير، وعليكم [السلام] ورحمة الله وبركاته»(2).
مرض زوجة الكوثري
تكشف لنا الرسائل جانباً من مرض زوجة الكوثري واعتنائه بها، ففي 5 شوال سنة 1366 اعتذر الكوثري من القيام ببعض الأعمال العلمية بسبب أن زوجته مريضةٌ منذ سنة(3)، ويبدو أن صحتها بدأت في التحسن مع نهاية تلك السنة ففي رسالة كتبها الكوثري في 21 ذي الحجة من السنة نفسها ذكر أن زوجته أصبحت تتمشّى داخل البيت(4).
__________
(1) 1الرسالة (43).
(2) 2 الرسالة (45) وهي مكتوبة في 8 جمادى الأولى سنة 1371.
(3) 3 الرسالة (18).
(4) 1 الرسالة (19).
صفات الكوثري
تكشف هذه الرسائل عن صفات شخصية ونفسية للعلامة الكوثري، ومن تلك الصفات:
أ) صفاته الخُلُقية
عزة نفسه وحياؤه: سيرة الكوثري مثال ناصع لعزة نفس العالم، فمع أنه كان يعيش حياة صعبة جداً في مصر؛ إلا أنه عاشها بتعفّف وعزة نفس، وتكشف هذه الرسائل جانباً من هذه العزة وهذا التعفّف، فعندما أراد بعض علماء الهند وأثريائها إرسالَ نفقةٍ للكوثري، رفض ذلك، وكتب لهم قائلاً إنه بحمد الله «في حالة يسر من ناحية المعيشة، فلا أحتاج إلى شيء من النفقة بفضل الله، سبحانه، فرجائي العدول عن حوالة شيءٍ من النقود وإعادة نقود من فكَّر في إرسال شيء إلى هذا العاجز لأصحابها مع الشكر العظيم على هذا العطف الكريم، فما بعث قبل وصول كتابي هذا إليكم أصرفه في شؤوني داعياً لكم بالخير»(1). مع أنه كان فقيراً ويبيع كتبه للإنفاق على نفسه، ولكنها عزة النفس، رحمه الله.
وطلب الكوثري من المحسن الكبير الحاج محمد موسى مَيّان إرسال أربع نسخ من كتاب «نصب الراية» مقابل أن يرسل له كتباً بمقدار ثمنها؛ إلا أن ميان أمر بإرسال الكتب هديةً للكوثري، فما كان من الكوثري إلا أن أرسل للمجلس العلمي الهندي، الذي يشرف عليه ميان 50 نسخة من كتابه «النكت الطريفة» هدية منه(2). وكذلك لما أهداه البنوري نسخاً من «نصب الراية» كافأه الكوثري بأن أهداه نسخة من «تفسير القرطبي» قيمتها 15 جنيهاً(3)، وهو مبلغ كبير بالنظر إلى ذلك الزمن.
__________
(1) 2 الرسالة (10). وانظر الرسالة رقم (12).
(2) 1 الرسالة (25).
(3) 2 الرسائل: (43، 44، 45).
واتفق الكوثري مع البنوري أن يتم التعامل المالي بينهما بالكتب؛ فإذا طلب الكوثري كتباً من البنوري؛ فإنه يرسل له كتباً تعادل قيمتها، وهكذا، وذلك بسبب صعوبة التحويلات المالية في ذلك الوقت. وفي إحدى المرات طلب الكوثري كتباً من البنوري، فطلب البنوري أن يقايضه بقيمتها كتباً من تأليفه أو تحقيقه، وذلك أنفع للكوثري وأخف مؤنةً، لأن النفع المالي للكوثري هو فقط أن يوفّر شيئاً من المال، لأن كتبه تأتيه لقاء تأليفه خلافاً لكتبٍ يشتريها، فليس نفعاً مالياً بمعنى الربح، والعبارة الثانية أبلغ في كرم نفس الكوثري سيدي، فما رأيكم؟]،
إلا أن الكوثري رفض ذلك، وطلب منه أن يختار كتباً ليست من تأليفه، أما الكتب التي من تأليفه فإنه سيرسلها هديةً له(1).
تجلُّده وصبره
ويظهر هذا جلياً في رفضه الحديث عن مرضه، وتحرجه من ذلك، وقد تقدم نقل نماذج من ذلك(2).
تواضعه
مع كون الكوثري يمثل قامة علمية مرموقة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وكونه مرجعاً للعلماء فضلاً عن طلاب العلم وعامة الناس؛ إلا أنه كان متواضعاً بدرجة كبيرة، فها هو يجيب البنوري تعليقاً على ثناء هذا الأخير عليه، بقوله: «وكلماتكم الرقيقة في حق هذا العاجز تدل على تغاضيكم عما أنا عليه من وجوه التقصير، كما هو شأن عين الرضا، ورضاكم عن خطتي مشكور، وأدعو الله سبحانه أن لا يحيد بنا عن سواء السبيل، ويسلك بنا الصراط السوي، ويجمع بنا كلمة المسلمين في علوم الدين ويختم لنا بخير»(3).
__________
(1) 3الرسالة (41).
(2) 4الرسائل (18، 36، 44).
(3) 1 الرسالة (8).
ن رحمه الله يخجل من المدح، ومما قاله في هذا الخصوص: «وسيادتكم تخجلوني بوصفٍ أنا بعيد عنه، وإنما خدماتي ضئيلة، بيد الله سبحانه مضاعفة مثوبتها مع الصفح عن السيئات»(1). وقال له أيضاً: «يا سيدي الأستاذ الأجل، ما تخلعون على هذا العاجز من خِلَعِ الألقاب ناشئ من حبكم المؤدي إلى التغاضي عن العيوب، وإني شاكر لكم هذا الحب، لكن أرجوكم أنْ لا تعودوا لمثل تلك الألقاب التي لا أستحقها أصلاً»(2). بل إنه أنكر بشدة على البنوري لما وصفه بالإمامة، وقال له: «فيا أيها الأخ العزيز أرجوكم رجاءً مكرَّراً أن لا تذكروني بالإمامة وما إلى ذلك من الأوصاف التي أنا بعيد عنها كل البعد، لأني أخجل منها كل الخجل»(3). وكذلك أنكر عليه طلبه تقبيل يديه(4)، وقال له: «فيا مولاي تخجلني بتقبيل اليدين، وما هذا التواضع البالغ وأنت ذُخرنا ومدارُ فخرنا في الدارين؟! أعلى الله سبحانه قدركم، ووفقكم لكل ما تريدون»(5).
وكذلك فقد رفض اقتراحاً من البنوري لتسمية كتابه في الرد على الخطيب لما فيه من التمدُّح(6). كما اعتذر عن مراجعة بعض الكتب بحجة أنه لا يمكن أن يستدرك على مؤلفيها(7).
__________
(1) 2الرسالة (30)، وانظر الرسائل: (18، 32).
(2) 3الرسالة (31).
(3) 4 الرسالة (32)
(4) 5مع أن الكوثري كثيراً ما يكتب طالباً تقبيل يدي من يرى فيهم العلم والصلاح، مثل حكيم الأمة، ووالد البنوري.
(5) 6الرسالة (40).
(6) 1الرسالة (2)، وذلك قبل أن يسميه: «التأنيب».
(7) 2ال، 24).
الكوثري من خلال رسائله الشخصية إلى البنوري
في الفترة بين عامي 1358- 1371
لمحات عن شخصيته وحياته الخاصة
إعداد
سعود بن صالح السرحان
معهد الدراسات العربية والإسلامية-جامعة إكستر
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
للرسائل المتبادلة بين العلماء أهمية بالغة، فهي تحتوي على مذاكراتهم ومناقشاتهم العلمية، كما أنها مرشدٌ ومفتاحٌ لفهم الظروف التي أدت إلى تأليفهم ونشرهم بعض الكتب، واتخاذهم بعض المواقف المؤيدة أو المعارضة لبعض الأفكار أو الأشخاص أو الجماعات، وتمتاز الرسائل الشخصية عن الكتب التي يؤلفها هؤلاء العلماء بكونها تعكس بصورة أوضح جوانبهم الإنسانية، فهم يكونون في رسائلهم الشخصية أكثر «بَوحاً» من الكتب العلمية التي يؤلفونها.
ولهذا كانت فرحتي غامرة عندما اطلعت في المكتبة العامرة للصديق الشيخ محمد بن عبد الله آل رشيد على مجموعة من الرسائل التي أرسلها الشيخ الإمام العلامة محمد زاهد الكوثري الحنفي إلى العلامة محمد يوسف البنوري الحنفي، والتمستُ من الشيخ محمد آل رشيد أن يأذن لي بتحقيق هذه الرسائل ونشرها فتكرّم بذلك حفظه الله.
وقد انصرفتُ إلى تحقيق هذه الرسائل النفيسة، فنسختها، وعلقت عليها بتعريف الأعلام، وتتميم أحداث الوقائع، وربط ما ورد فيها ـ ما أمكن ـ بآثار الإمام الكوثري الأخرى، وتعليق ما يناسب من فوائد ومسائل.
وصدّرتُ هذه الرسائل بتمهيد يعرِّف بها، ثم بترجمةٍ للعلامة البنوري، واستغنيت عن الترجمة للإمام الكوثري، لشهرة سيرته بين الباحثين، ولأن مصادر ترجمته قريبة المتناول، خلافاً للعلامة البنوري.
وقد انتقيت من هذه الرسائل بعض الجوانب التي تتعلق بحياة الإمام الكوثري وأخلاقه، لتكون الورقة البحثية التي أتقدم بها إلى مؤتمر "محمد زاهد الكوثري".
وصف الرسائل
عدد الرسائل 45 رسالة، تغطي الفترة من 5 ربيع الأول 1358 وحتى 8 جمادى الأولى 1371، وجميعها بخط الإمام الكوثري.
ويبدو أن مجموعة الرسائل كاملة لا سقط فيها، ويدل على ذلك أن الرسائل متتابعة فالمتأخر يشير إلى المتقدم من دون أية إشارة إلى رسالة غير موجودة.
ويتراوح حجم الرسالة الواحدة بين صفحتين إلى نصف الصفحة، كما تختلف موضوعاتها من رسالة إلى أخرى.
وقد بقيت هذه الرسائل محفوظة لدى العلامة البنوري حتى وفاته رحمه الله، وفي عام 1406هـ وأثناء زيارة شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غده، رحمه الله، ومعه الشيخ المسند محمد آل الرشيد إلى باكستان حصلا على نسخة مصورة من هذه الرسائل من ابن العلامة البنوري، وعلى هذه النسخة المصورة اعتمدتُ في عملي.
الرسائل
إن هذه الرسائل تكشف جوانب مهمة من حياة الإمام الكوثري العلمية والشخصية أيضاً، فهذه الرسائل جزءٌ من خلفية اللوحة التي تشكل مسيرة حياة الإمام في الفترة ما بين عام 1358هـ وحتى وفاته رحمه الله.
ولهذه الرسائل علاقة وثيقة ومتممة لمؤلفات العلامة الكوثري ومقالاته ومقدماته على الكتب الأخرى، ولا تقف هذه العلاقة عند تبادل الرأي في عنوان مقترح لأحد كتب الكوثري، أو بعض التصحيحات العلمية والطباعية لما ورد في بعض كتبه، بل تتعدى ذلك إلى الأسباب التي دعته إلى تأليف بعض تلك الكتب أو تناوله بالبحث والمناقشة لبعض القضايا. كما نجد في هذه الرسائل صدى موقف العلامة الكوثري من بعض الكتب التي أُلّفت في الرد عليه.
وبالجملة لا غنى عن هذه الرسائل لمن أراد الكتابة عن العلامة الكوثري ومسيرته العلمية وجهاده، فبين جنباتها مشاهد متعددة من الحياة الشخصية للإمام، ونماذج من أخلاقه وعلمه وعلاقته بإخوانه العلماء؛ وقد انتقيت منها هاهنا شذراتٍ تفيد الدارسين لحياة الإمام، وقسمتها قسمين: الأول: مواقف في حياة الكوثري، والثاني: صفات الكوثري.
مواقف في حياة الكوثري
مكان سكن الكوثري في القاهرة: كان يسكن في العباسية في المنزل رقم 63، واستمر في هذا المنزل منذ بداية مكاتباته للبنوري، وحتى جمادى الأولى سنة 1368هـ حيث طلب المالك الجديد للمنزل من الكوثري أن يبحث عن سكن آخر لأنه يريد هدم المنزل، ففي رسالته المؤرخة في 14 من هذا الشهر يخبرنا الكوثري عن سبب انتقاله من منزله، حيث يقول: «صاحب منزلنا باع المنزل لآخر وهو يريد هدمه وبناءه من جديد على أدوار واسعة، رغبةً في الربح، فطلب منا إخلاء المنزل، ولم نتمكن إلى الآن اكتراء منزلٍ مناسب، وهذا متعب جداً في هذه البرهة لتشدد أزمة المساكن، والله سبحانه يسهِّلُ لنا الأمر»(الرسالة (26)). وتم انتقال الشيخ إلى سكنه الجديد في العباسية رقم 104، خلال يومي 20- 21 شوال من نفس السنة(الرسالة (29).).
مرض الشيخ واعتلال صحته
في هذه الرسائل يمكن تتبع العلل والأمراض التي أصابت الكوثري، رحمه الله، مع تحرج الشيخ من الإشارة إلى مرضه أو تردي صحته، وأول ما نلحظه في هذا السياق: أنه عندما طلب البنوري من الكوثري أن يحقق كتاب «شرح معاني الآثار»، أجابه الكوثري بأن صحته لا تساعده على إنجاز مثل هذا العمل الكبير، وأنه استعجل في تأليفه لـ«النكت» قبل أن يفوت الأوان، وكان ذلك في 5 شوال من سنة 1366(1)، ويبدو أن المرض اشتد على الشيخ الكوثري ففي رسالته المؤرخة في 22 المحرم من سنة 1367 يذكر أنه تنتابه أدواء متعددة تقعده عن العمل(2)، وبعد هذه الرسالة التي يشكو فيها الشيخ من تردي صحته انقطع عن الكتابة للبنوري فترة طويلة، ولما عاد إلى الكتابة إليه مرة أخرى اعتذر الكوثري عن تأخره في الكتابة باعتلال صحته(3)، وفي رسالته المؤرخة في 22 ربيع الأول سنة 1368 يشكو الكوثري من ضعف البصر الذي يحول بينه وبين المطالعة كما يشتهي(4)، كما كان ضعف البصر يحول بينه وبين مراجعة بعض الكتب مراجعة فاحصة(5). وفي 15 جمادى الآخرة سنة 1369 أرسل الكوثري رسالة إلى البنوري يعتذر فيها عن تقصيره في مراسلته لكونه أصبح مسنّاً ونظره لا يسعفه في الكتابة إلا عند الاضطرار(6). وكذلك كرر اعتذاره في 11 ذي القعدة سنة 1370(7).
__________
(1) 1الرسالة (18).
(2) 2 الرسالة (20).
(3) 3الرسائل (22، 23).
(4) 4 الرسالة (24).
(5) 5 الرسالة (28).
(6) 6 الرسالة (35).
(7) 7 الرسالة (42).
ويوضح الكوثري في رسالة مكتوبة في 28 ذي الحجة سنة 1370 أن ضعف بصره واختلال صحته منعاه منذ سنتين من الخروج من المنزل إلا إلى الجامع القريب من منزله للجمعة فقط(1). ويشتد المرض بالعلامة الكوثري ويجري عملية لعينه ويكتب قبل وفاته بشهر تقريباً للبنوري: «ورجائي أنْ تعذروني في الانقطاع عن المكاتبة، وباصرتي بعد العملية لا تسعفني في ذلك، والشكر لله على ما أفاض من نور يهديني في الطريق، وقد تناوبتني أمراض لا داعي إلى شرحها غير إزعاج الإخوان، وهو المشكور جل جلاله في السراء والضراء، فأرجو دعواتكم بحسن الخاتمة. وقد أتم الإخوان بقية الأجزاء من القرطبي أمس، وتم تصديرها بالبريد هدية مني إلى سيادتكم، فرجائي أنْ تقبلوها من غير تلعثم، كما هو شأن الإخاء. والهبوط العام في صحتي يمنعني من مجاوبتكم ومجاوبة مولانا أبي الوفاء، ولكل مبدأ (له) نهاية، وروحي معكم، داعياً لكم بكل خير، وعليكم [السلام] ورحمة الله وبركاته»(2).
مرض زوجة الكوثري
تكشف لنا الرسائل جانباً من مرض زوجة الكوثري واعتنائه بها، ففي 5 شوال سنة 1366 اعتذر الكوثري من القيام ببعض الأعمال العلمية بسبب أن زوجته مريضةٌ منذ سنة(3)، ويبدو أن صحتها بدأت في التحسن مع نهاية تلك السنة ففي رسالة كتبها الكوثري في 21 ذي الحجة من السنة نفسها ذكر أن زوجته أصبحت تتمشّى داخل البيت(4).
__________
(1) 1الرسالة (43).
(2) 2 الرسالة (45) وهي مكتوبة في 8 جمادى الأولى سنة 1371.
(3) 3 الرسالة (18).
(4) 1 الرسالة (19).
صفات الكوثري
تكشف هذه الرسائل عن صفات شخصية ونفسية للعلامة الكوثري، ومن تلك الصفات:
أ) صفاته الخُلُقية
عزة نفسه وحياؤه: سيرة الكوثري مثال ناصع لعزة نفس العالم، فمع أنه كان يعيش حياة صعبة جداً في مصر؛ إلا أنه عاشها بتعفّف وعزة نفس، وتكشف هذه الرسائل جانباً من هذه العزة وهذا التعفّف، فعندما أراد بعض علماء الهند وأثريائها إرسالَ نفقةٍ للكوثري، رفض ذلك، وكتب لهم قائلاً إنه بحمد الله «في حالة يسر من ناحية المعيشة، فلا أحتاج إلى شيء من النفقة بفضل الله، سبحانه، فرجائي العدول عن حوالة شيءٍ من النقود وإعادة نقود من فكَّر في إرسال شيء إلى هذا العاجز لأصحابها مع الشكر العظيم على هذا العطف الكريم، فما بعث قبل وصول كتابي هذا إليكم أصرفه في شؤوني داعياً لكم بالخير»(1). مع أنه كان فقيراً ويبيع كتبه للإنفاق على نفسه، ولكنها عزة النفس، رحمه الله.
وطلب الكوثري من المحسن الكبير الحاج محمد موسى مَيّان إرسال أربع نسخ من كتاب «نصب الراية» مقابل أن يرسل له كتباً بمقدار ثمنها؛ إلا أن ميان أمر بإرسال الكتب هديةً للكوثري، فما كان من الكوثري إلا أن أرسل للمجلس العلمي الهندي، الذي يشرف عليه ميان 50 نسخة من كتابه «النكت الطريفة» هدية منه(2). وكذلك لما أهداه البنوري نسخاً من «نصب الراية» كافأه الكوثري بأن أهداه نسخة من «تفسير القرطبي» قيمتها 15 جنيهاً(3)، وهو مبلغ كبير بالنظر إلى ذلك الزمن.
__________
(1) 2 الرسالة (10). وانظر الرسالة رقم (12).
(2) 1 الرسالة (25).
(3) 2 الرسائل: (43، 44، 45).
واتفق الكوثري مع البنوري أن يتم التعامل المالي بينهما بالكتب؛ فإذا طلب الكوثري كتباً من البنوري؛ فإنه يرسل له كتباً تعادل قيمتها، وهكذا، وذلك بسبب صعوبة التحويلات المالية في ذلك الوقت. وفي إحدى المرات طلب الكوثري كتباً من البنوري، فطلب البنوري أن يقايضه بقيمتها كتباً من تأليفه أو تحقيقه، وذلك أنفع للكوثري وأخف مؤنةً، لأن النفع المالي للكوثري هو فقط أن يوفّر شيئاً من المال، لأن كتبه تأتيه لقاء تأليفه خلافاً لكتبٍ يشتريها، فليس نفعاً مالياً بمعنى الربح، والعبارة الثانية أبلغ في كرم نفس الكوثري سيدي، فما رأيكم؟]،
إلا أن الكوثري رفض ذلك، وطلب منه أن يختار كتباً ليست من تأليفه، أما الكتب التي من تأليفه فإنه سيرسلها هديةً له(1).
تجلُّده وصبره
ويظهر هذا جلياً في رفضه الحديث عن مرضه، وتحرجه من ذلك، وقد تقدم نقل نماذج من ذلك(2).
تواضعه
مع كون الكوثري يمثل قامة علمية مرموقة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وكونه مرجعاً للعلماء فضلاً عن طلاب العلم وعامة الناس؛ إلا أنه كان متواضعاً بدرجة كبيرة، فها هو يجيب البنوري تعليقاً على ثناء هذا الأخير عليه، بقوله: «وكلماتكم الرقيقة في حق هذا العاجز تدل على تغاضيكم عما أنا عليه من وجوه التقصير، كما هو شأن عين الرضا، ورضاكم عن خطتي مشكور، وأدعو الله سبحانه أن لا يحيد بنا عن سواء السبيل، ويسلك بنا الصراط السوي، ويجمع بنا كلمة المسلمين في علوم الدين ويختم لنا بخير»(3).
__________
(1) 3الرسالة (41).
(2) 4الرسائل (18، 36، 44).
(3) 1 الرسالة (8).
ن رحمه الله يخجل من المدح، ومما قاله في هذا الخصوص: «وسيادتكم تخجلوني بوصفٍ أنا بعيد عنه، وإنما خدماتي ضئيلة، بيد الله سبحانه مضاعفة مثوبتها مع الصفح عن السيئات»(1). وقال له أيضاً: «يا سيدي الأستاذ الأجل، ما تخلعون على هذا العاجز من خِلَعِ الألقاب ناشئ من حبكم المؤدي إلى التغاضي عن العيوب، وإني شاكر لكم هذا الحب، لكن أرجوكم أنْ لا تعودوا لمثل تلك الألقاب التي لا أستحقها أصلاً»(2). بل إنه أنكر بشدة على البنوري لما وصفه بالإمامة، وقال له: «فيا أيها الأخ العزيز أرجوكم رجاءً مكرَّراً أن لا تذكروني بالإمامة وما إلى ذلك من الأوصاف التي أنا بعيد عنها كل البعد، لأني أخجل منها كل الخجل»(3). وكذلك أنكر عليه طلبه تقبيل يديه(4)، وقال له: «فيا مولاي تخجلني بتقبيل اليدين، وما هذا التواضع البالغ وأنت ذُخرنا ومدارُ فخرنا في الدارين؟! أعلى الله سبحانه قدركم، ووفقكم لكل ما تريدون»(5).
وكذلك فقد رفض اقتراحاً من البنوري لتسمية كتابه في الرد على الخطيب لما فيه من التمدُّح(6). كما اعتذر عن مراجعة بعض الكتب بحجة أنه لا يمكن أن يستدرك على مؤلفيها(7).
__________
(1) 2الرسالة (30)، وانظر الرسائل: (18، 32).
(2) 3الرسالة (31).
(3) 4 الرسالة (32)
(4) 5مع أن الكوثري كثيراً ما يكتب طالباً تقبيل يدي من يرى فيهم العلم والصلاح، مثل حكيم الأمة، ووالد البنوري.
(5) 6الرسالة (40).
(6) 1الرسالة (2)، وذلك قبل أن يسميه: «التأنيب».
(7) 2ال، 24).
تعليق