الامبراطورية على الطريقة الأمريكية
1. الأكبر والأسرع والأسهل!
لدى الشعب الأميركي باستمرار غرام بالأرقام القياسية، واهتمام باحتكارها من الأقوى إلى الأكبر، ومن الأعلى إلى الأسرع، ومن الأطول إلى الأعرض وإلى ما لا نهاية له من أفعال التفضيل في وصف كافة مجالات الحياة.
وفي جدول الأرقام القياسية على مسار التاريخ من بدايته إلى نهايته (إذا كانت للتاريخ نهاية) فإن الصعود الإمبراطوري الأميركي هو قصة تتفوق على غيرها، لأنه في حدود قرن لا يزيد (القرن العشرين) تمكنت الإمبراطورية الأميركية أن تصبح الأقوى، والأكبر، والأعلى، والأطول، والأعرض كله في الوقت نفسه.
والشاهد أن الزحف الإمبراطوري الأميركي بدأ حركته في التسعينيات من القرن التاسع عشر مباشرة عقب انتهاء الحرب الأهلية في أميركا وفور تضميد جراحها، وعندما حلت تسعينيات القرن العشرين كان الانتشار الإمبراطوري الأميركي قد غطى وجه الكرة الأرضية، وكانت الإمبراطوريات الأخرى بما فيها الإمبراطورية الروسية وهي الوحيدة التي بقيت بعد الحرب العالمية الثانية قد تهاوت بنفاد الموارد، أو نفاد الجهد، أو نفاد الإرادة!
ويمكن أن يُقال إن الإمبراطورية الأميركية فهمت واستوعبت دروسها من كل ما قابلته على أرض الواقع، أو من بطون الكتب، أو من قصص المغامرات بل ومن قصائد الشعر وأدب الرحلات!
من أرض الواقع، التقطت الولايات المتحدة أهمية الانتشار السريع وتركيز القوة، ففي تجربة إنشائها كان هاجس أهلها حيث وصلوا هو ملء قارة بأكملها من المحيط إلى المحيط على عجل، ثم توحيد أقاليم هذه القارة بالسلاح لأنه الأسهل والأنجح بحيث يكون هؤلاء الذين تمكنوا من أغنى قارات الأرض في وضع يسمح بتجميع طاقاتها، وبناء قاعدة مأمونة لحياتهم عليها في حماية أوسع المحيطات.
ومن بطون الكتب كان من حظ الولايات المتحدة أن وحدتها كدولة وقد تحققت بوحشية الحرب الأهلية بتكلفة نصف مليون قتيل، وهو ما يزيد على أي خسائر بشرية تكلفتها في أي حرب عالمية خاضتها توافقت مع الوقت الذي كانت فيه أصداء نظرية داروين عن أصل الأنواع (قصة النشوء والارتقاء) تملأ الأجواء، وتشرح لدنيا بهرتها كشوفات الجغرافيا والعلوم درسا مؤداه، أن البقاء للأقوى، وأن الفائزين في صراع الحياة هم الأقدر على التكيف والتلاؤم ومغالبة العوائق وإزاحة غيرهم. ومع أن صراع الحياة شغل أوروبا (كما شغل أميركا)، فقد كان درس البقاء للأقوى حياً في الممارسة الأميركية المستجدة، وبعيدا في الذاكرة الأوروبية المعتقة، ثم إن الغِنى الأوروبي من مكتسبات الثقافة والفنون كان في استطاعته ترويض الغرائز، ووضع شيء من العقل في رأس الوحش (الدارويني) الذي هو أقدر المخلوقات على البقاء!
ومن قصص المغامرات أعجبت الولايات المتحدة بالقرصان الشهير الكابتن مورغان (الذي تمكنت أسرته في عصور لاحقة من العثور على كنزه واستعملته في رأس مال بنك مورغان العتيد) وكان الإعجاب الأميركي بمورغان استيعابا لفلسفة ذلك القرصان الذكي، وجوهرها يظهر في مقولته: أن القرصان العادي هو الذي يغير على السفن المسافرة ويقتل ركابها الأبرياء وينهب حمولاتها من الأشياء والنقود، وأما القرصان الذكي فإنه لا يغير إلا على سفن القراصنة الآخرين، ينتظرهم قرب مكامنهم عائدين مُحَمَّلين بالغنائم، مجهدين من القتل والقتال، ثم ينقض عليهم محققا جملة أهداف:
- يحصل على كنوز عدة سفن أغار عليها القرصان العادي في رحلة شاقة وطويلة لكن القرصان الذكي يحصل عليها جاهزة بضربة واحدة.
- لا يرتكب بالقرصنة جريمة، لأنه نهب الذين سَبَّقوا إلى النهب، وقتل الذين سَبَّقوا بالقتل وعليه فإن ما قام به لم يكن جريمة وإنما عقاب عادل، ولم يكن قتلا وإنما هو القصاص حقا.
- إن القرصان الذكي بهذا الأسلوب يصنع لنفسه مكانة وهيبة تذكرها تقارير النهار وتتذكرها حكايات الليل!
ومعنى تطبيق أسلوب الكابتن مورغان أن الولايات المتحدة لا تشغل نفسها بالسيطرة على بلدان مفردة وإنما تأخذ الأقاليم بالحزمة، ولا تبلع الدول لقمة بعد لقمة، وإنما تبلع المائدة الإمبراطورية بكل ما عليها، بما في ذلك الأطباق والأكواب، وأدوات الطعام والمفارش أيضا (وذلك متسق بثقافة التجربة مع الاستيلاء على قارة بأكملها عامرة بكل ما تحمله في بطنها وعلى ظهرها)!
كانت بداية الحلم الإمبراطوري الأميركي الذي خرج ليقوم بدور آكل الإمبراطوريات أواخر القرن التاسع عشر هي البدء بالأقرب، أي: إمبراطوريات أسبانيا والبرتغال فتلك قوى أصابها الوهن بعدما أفسدها الذهب المنهوب من كنوز قبائل وشعوب أميركا اللاتينية، ومع ذلك فهي لا تزال مصممة على ادعاء العظمة في جنوب ووسط نصف الكرة الغربي تحسب نفسها سيدة ممتلكات تعتبرها لها بحق الاكتشاف والفتح.
وكانت الإغارة على ممتلكات أسبانيا والبرتغال مهمة سهلة إلى حد كبير، ولعلها فتحت شهية الإمبراطورية الجديدة وأكدت لها مرة أخرى صحة نظريتها في الإغارة على الإمبراطوريات السابقة للحصول على كل شيء ومرة واحدة وليس على مراحل أو على آجال، تتغير خلالها الموازين.
ومع بداية القرن العشرين كانت الولايات المتحدة منهمكة تدرس أحوال إمبراطوريات أوروبا، سواء منها المتهالكة بطول السنين أو تلك المتماسكة تصلب عودها وتعطي نفسها عمرا متجددا بكل الوسائل!
كان ذلك شاغل الولايات المتحدة الأميركية عارفة أنها تخالف به وصية الجنرال جورج واشنطن مدركة وهي تتابع مجرى الحوادث في أوروبا (بعد توحيد ألمانيا وحرب السبعين وسقوط دولة نابليون الثالث ومشهد كوميونة باريس المؤذن بعصر من الثورات الاجتماعية) أن القارة القديمة مقبلة على حرب عالمية لإعادة توزيع المستعمرات وشعورها بأن الفرصة سانحة لها لتخرج إلى أعالي البحار.
وكان التحدي الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة هو كيف يمكن إزاحة تلك الإمبراطوريات القديمة والاستيلاء على ممتلكاتها بتطبيق أسلوب الكابتن مورغان، حتى وإن كانت تجربة الحظوظ في بحار بعيدة ضد إمبراطوريات ما زالت متعافية، يعني أن المهمة هذه المرة أصعب فقد كانت إمبراطورية كل من أسبانيا والبرتغال موجودة في حوض المياه الأميركي، كما أن كلتا الإمبراطوريتين نزل عليها الغروب فعلا وأما في حالة الإمبراطوريات الأوروبية فإن عملية الاستيلاء سوف تتم على الشواطئ البعيدة، والشمس هناك بعد الظهر!
وكذلك مضى الزحف الإمبراطوري الجديد من أول خطوة بالعنف، وفي حين أن الإمبراطوريات السابقة مارست زحفها تسللا، فإن الإمبراطورية الأميركية مارسته اقتحاما. وعلى سبيل المثال وفي حالة الإمبراطورية البريطانية فإن بدايتها الهندية تركزت في نشاط شركة الهند الشرقية البريطانية، والذي حدث أن الشركة قامت أولا بإنشاء مراكز لتجارتها على شواطئ البنغال، مهمتها أن تقوم على تفريغ سفن الشركة الحاملة لبضائعها من إنكلترا (أو من غيرها) وتحافظ عليها في مخازنها حتى مواسم شحنها إلى الداخل. وفي نفس الوقت تستقبل منتجات ومحاصيل الداخل لوضعها على السفن تعود بها إلى إنكلترا (أو غيرها). وكان مطلع الظهور الإمبراطوري المسلح في الهند، حراس مخازن شركة الهند الشرقية، ثم تحول حراس الشركة إلى شبه قوة مسلحة خاصة، ومرت مئة سنة قبل أن يلحق جيش إنكليزي نظامي بمليشيا شركة الهند الشرقية التي أصبحت بذاتها نواة حكومة الهند، وهي واحدة من أرقى البيروقراطيات التي عرفها تاريخ علم الإدارة! حتى بلغ من كفاءتها أنها قامت بدور حكومة بريطانية موازية في دلهي للحكومة البريطانية الأصلية في لندن، وساعدتها على ذلك دواعي التمدد الإمبراطوري البريطاني وضرورات حماية الممتلكات البريطانية وكانت هذه مسؤوليات تقتضي من قبل ثورة الاتصالات الحديثة تفويضا واسعا للأطراف، بسبب وجود المركز بعيدا في الزمان قدر بعده في المكان، وكذلك أصبحت حكومة الهند الاستعمارية مستودع خبرة إمبراطورية هائلة، ومدرسة عالية الكفاءة تخرج منها أكفأ الوزراء والمشرعين والدبلوماسيين والإداريين في مختلف مجالات الخدمة العامة في لندن عاصمة الإمبراطورية ذاتها.
ولم تكن تجربة الإمبراطورية الأميركية تسمح لمثل هذا النموذج بأن يتكرر، بل على العكس فالإمبراطورية الأميركية تصادف توسعها وانتشارها مع ثورة في وسائل الاتصال سمحت بإدارة هذا التوسع والانتشار من واشنطن مباشرة، كما أن الإدارة جرت باندفاع يتعجل تحقيق مطالبه. ومع أن اللغة الناعمة بدت في بعض المناسبات مستعارة من تجارب إمبراطورية سابقة، فإن الاندفاع والعجلة والعمل المباشر من واشنطن لم تلبث جميعها حتى كشفت وجها آخر يغلب عليه العنف والقسوة وهو حتمي عندما لا تكون القوة مهيأة بالتجربة لحكمة الصبر، ولا تكون الثقافة كافية لترويض الغرائز، وفي مطلق الأحوال فإن مخالب النسر (وهو شعار الولايات المتحدة) لم تخلق مناسبة لغطاء قفاز من جلد أو حرير!
1. الأكبر والأسرع والأسهل!
لدى الشعب الأميركي باستمرار غرام بالأرقام القياسية، واهتمام باحتكارها من الأقوى إلى الأكبر، ومن الأعلى إلى الأسرع، ومن الأطول إلى الأعرض وإلى ما لا نهاية له من أفعال التفضيل في وصف كافة مجالات الحياة.
وفي جدول الأرقام القياسية على مسار التاريخ من بدايته إلى نهايته (إذا كانت للتاريخ نهاية) فإن الصعود الإمبراطوري الأميركي هو قصة تتفوق على غيرها، لأنه في حدود قرن لا يزيد (القرن العشرين) تمكنت الإمبراطورية الأميركية أن تصبح الأقوى، والأكبر، والأعلى، والأطول، والأعرض كله في الوقت نفسه.
والشاهد أن الزحف الإمبراطوري الأميركي بدأ حركته في التسعينيات من القرن التاسع عشر مباشرة عقب انتهاء الحرب الأهلية في أميركا وفور تضميد جراحها، وعندما حلت تسعينيات القرن العشرين كان الانتشار الإمبراطوري الأميركي قد غطى وجه الكرة الأرضية، وكانت الإمبراطوريات الأخرى بما فيها الإمبراطورية الروسية وهي الوحيدة التي بقيت بعد الحرب العالمية الثانية قد تهاوت بنفاد الموارد، أو نفاد الجهد، أو نفاد الإرادة!
ويمكن أن يُقال إن الإمبراطورية الأميركية فهمت واستوعبت دروسها من كل ما قابلته على أرض الواقع، أو من بطون الكتب، أو من قصص المغامرات بل ومن قصائد الشعر وأدب الرحلات!
من أرض الواقع، التقطت الولايات المتحدة أهمية الانتشار السريع وتركيز القوة، ففي تجربة إنشائها كان هاجس أهلها حيث وصلوا هو ملء قارة بأكملها من المحيط إلى المحيط على عجل، ثم توحيد أقاليم هذه القارة بالسلاح لأنه الأسهل والأنجح بحيث يكون هؤلاء الذين تمكنوا من أغنى قارات الأرض في وضع يسمح بتجميع طاقاتها، وبناء قاعدة مأمونة لحياتهم عليها في حماية أوسع المحيطات.
ومن بطون الكتب كان من حظ الولايات المتحدة أن وحدتها كدولة وقد تحققت بوحشية الحرب الأهلية بتكلفة نصف مليون قتيل، وهو ما يزيد على أي خسائر بشرية تكلفتها في أي حرب عالمية خاضتها توافقت مع الوقت الذي كانت فيه أصداء نظرية داروين عن أصل الأنواع (قصة النشوء والارتقاء) تملأ الأجواء، وتشرح لدنيا بهرتها كشوفات الجغرافيا والعلوم درسا مؤداه، أن البقاء للأقوى، وأن الفائزين في صراع الحياة هم الأقدر على التكيف والتلاؤم ومغالبة العوائق وإزاحة غيرهم. ومع أن صراع الحياة شغل أوروبا (كما شغل أميركا)، فقد كان درس البقاء للأقوى حياً في الممارسة الأميركية المستجدة، وبعيدا في الذاكرة الأوروبية المعتقة، ثم إن الغِنى الأوروبي من مكتسبات الثقافة والفنون كان في استطاعته ترويض الغرائز، ووضع شيء من العقل في رأس الوحش (الدارويني) الذي هو أقدر المخلوقات على البقاء!
ومن قصص المغامرات أعجبت الولايات المتحدة بالقرصان الشهير الكابتن مورغان (الذي تمكنت أسرته في عصور لاحقة من العثور على كنزه واستعملته في رأس مال بنك مورغان العتيد) وكان الإعجاب الأميركي بمورغان استيعابا لفلسفة ذلك القرصان الذكي، وجوهرها يظهر في مقولته: أن القرصان العادي هو الذي يغير على السفن المسافرة ويقتل ركابها الأبرياء وينهب حمولاتها من الأشياء والنقود، وأما القرصان الذكي فإنه لا يغير إلا على سفن القراصنة الآخرين، ينتظرهم قرب مكامنهم عائدين مُحَمَّلين بالغنائم، مجهدين من القتل والقتال، ثم ينقض عليهم محققا جملة أهداف:
- يحصل على كنوز عدة سفن أغار عليها القرصان العادي في رحلة شاقة وطويلة لكن القرصان الذكي يحصل عليها جاهزة بضربة واحدة.
- لا يرتكب بالقرصنة جريمة، لأنه نهب الذين سَبَّقوا إلى النهب، وقتل الذين سَبَّقوا بالقتل وعليه فإن ما قام به لم يكن جريمة وإنما عقاب عادل، ولم يكن قتلا وإنما هو القصاص حقا.
- إن القرصان الذكي بهذا الأسلوب يصنع لنفسه مكانة وهيبة تذكرها تقارير النهار وتتذكرها حكايات الليل!
ومعنى تطبيق أسلوب الكابتن مورغان أن الولايات المتحدة لا تشغل نفسها بالسيطرة على بلدان مفردة وإنما تأخذ الأقاليم بالحزمة، ولا تبلع الدول لقمة بعد لقمة، وإنما تبلع المائدة الإمبراطورية بكل ما عليها، بما في ذلك الأطباق والأكواب، وأدوات الطعام والمفارش أيضا (وذلك متسق بثقافة التجربة مع الاستيلاء على قارة بأكملها عامرة بكل ما تحمله في بطنها وعلى ظهرها)!
كانت بداية الحلم الإمبراطوري الأميركي الذي خرج ليقوم بدور آكل الإمبراطوريات أواخر القرن التاسع عشر هي البدء بالأقرب، أي: إمبراطوريات أسبانيا والبرتغال فتلك قوى أصابها الوهن بعدما أفسدها الذهب المنهوب من كنوز قبائل وشعوب أميركا اللاتينية، ومع ذلك فهي لا تزال مصممة على ادعاء العظمة في جنوب ووسط نصف الكرة الغربي تحسب نفسها سيدة ممتلكات تعتبرها لها بحق الاكتشاف والفتح.
وكانت الإغارة على ممتلكات أسبانيا والبرتغال مهمة سهلة إلى حد كبير، ولعلها فتحت شهية الإمبراطورية الجديدة وأكدت لها مرة أخرى صحة نظريتها في الإغارة على الإمبراطوريات السابقة للحصول على كل شيء ومرة واحدة وليس على مراحل أو على آجال، تتغير خلالها الموازين.
ومع بداية القرن العشرين كانت الولايات المتحدة منهمكة تدرس أحوال إمبراطوريات أوروبا، سواء منها المتهالكة بطول السنين أو تلك المتماسكة تصلب عودها وتعطي نفسها عمرا متجددا بكل الوسائل!
كان ذلك شاغل الولايات المتحدة الأميركية عارفة أنها تخالف به وصية الجنرال جورج واشنطن مدركة وهي تتابع مجرى الحوادث في أوروبا (بعد توحيد ألمانيا وحرب السبعين وسقوط دولة نابليون الثالث ومشهد كوميونة باريس المؤذن بعصر من الثورات الاجتماعية) أن القارة القديمة مقبلة على حرب عالمية لإعادة توزيع المستعمرات وشعورها بأن الفرصة سانحة لها لتخرج إلى أعالي البحار.
وكان التحدي الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة هو كيف يمكن إزاحة تلك الإمبراطوريات القديمة والاستيلاء على ممتلكاتها بتطبيق أسلوب الكابتن مورغان، حتى وإن كانت تجربة الحظوظ في بحار بعيدة ضد إمبراطوريات ما زالت متعافية، يعني أن المهمة هذه المرة أصعب فقد كانت إمبراطورية كل من أسبانيا والبرتغال موجودة في حوض المياه الأميركي، كما أن كلتا الإمبراطوريتين نزل عليها الغروب فعلا وأما في حالة الإمبراطوريات الأوروبية فإن عملية الاستيلاء سوف تتم على الشواطئ البعيدة، والشمس هناك بعد الظهر!
وكذلك مضى الزحف الإمبراطوري الجديد من أول خطوة بالعنف، وفي حين أن الإمبراطوريات السابقة مارست زحفها تسللا، فإن الإمبراطورية الأميركية مارسته اقتحاما. وعلى سبيل المثال وفي حالة الإمبراطورية البريطانية فإن بدايتها الهندية تركزت في نشاط شركة الهند الشرقية البريطانية، والذي حدث أن الشركة قامت أولا بإنشاء مراكز لتجارتها على شواطئ البنغال، مهمتها أن تقوم على تفريغ سفن الشركة الحاملة لبضائعها من إنكلترا (أو من غيرها) وتحافظ عليها في مخازنها حتى مواسم شحنها إلى الداخل. وفي نفس الوقت تستقبل منتجات ومحاصيل الداخل لوضعها على السفن تعود بها إلى إنكلترا (أو غيرها). وكان مطلع الظهور الإمبراطوري المسلح في الهند، حراس مخازن شركة الهند الشرقية، ثم تحول حراس الشركة إلى شبه قوة مسلحة خاصة، ومرت مئة سنة قبل أن يلحق جيش إنكليزي نظامي بمليشيا شركة الهند الشرقية التي أصبحت بذاتها نواة حكومة الهند، وهي واحدة من أرقى البيروقراطيات التي عرفها تاريخ علم الإدارة! حتى بلغ من كفاءتها أنها قامت بدور حكومة بريطانية موازية في دلهي للحكومة البريطانية الأصلية في لندن، وساعدتها على ذلك دواعي التمدد الإمبراطوري البريطاني وضرورات حماية الممتلكات البريطانية وكانت هذه مسؤوليات تقتضي من قبل ثورة الاتصالات الحديثة تفويضا واسعا للأطراف، بسبب وجود المركز بعيدا في الزمان قدر بعده في المكان، وكذلك أصبحت حكومة الهند الاستعمارية مستودع خبرة إمبراطورية هائلة، ومدرسة عالية الكفاءة تخرج منها أكفأ الوزراء والمشرعين والدبلوماسيين والإداريين في مختلف مجالات الخدمة العامة في لندن عاصمة الإمبراطورية ذاتها.
ولم تكن تجربة الإمبراطورية الأميركية تسمح لمثل هذا النموذج بأن يتكرر، بل على العكس فالإمبراطورية الأميركية تصادف توسعها وانتشارها مع ثورة في وسائل الاتصال سمحت بإدارة هذا التوسع والانتشار من واشنطن مباشرة، كما أن الإدارة جرت باندفاع يتعجل تحقيق مطالبه. ومع أن اللغة الناعمة بدت في بعض المناسبات مستعارة من تجارب إمبراطورية سابقة، فإن الاندفاع والعجلة والعمل المباشر من واشنطن لم تلبث جميعها حتى كشفت وجها آخر يغلب عليه العنف والقسوة وهو حتمي عندما لا تكون القوة مهيأة بالتجربة لحكمة الصبر، ولا تكون الثقافة كافية لترويض الغرائز، وفي مطلق الأحوال فإن مخالب النسر (وهو شعار الولايات المتحدة) لم تخلق مناسبة لغطاء قفاز من جلد أو حرير!
تعليق