ذكر الداهية الدهياء والمصيبة الصماء
وهى محنة علماء الزمان ودعاؤهم إلى القول بخلق القرآن وقيام الأحمدين ابن حنبل الشيباني وابن نصر الخزاعي رضي الله عنهما مقام الصديقين وما اتفق في تلك الكائنة من أعاجيب تتناقلها الرواة على ممر السنين كان القاضي أحمد بن أبى دؤاد ممن نشأ في العلم وتضلع بعلم الكلام وصحب فيه هياج بن العلاء السلمي صاحب واصل بن عطاء أحد رءوس المعتزلة وكان ابن أبى دؤاد رجلا فصيحا قال أبو العيناء ما رأيت رئيسا قط أفصح ولا أنطق منه وكان كريما ممدحا وفيه يقول بعضهم:
لقد أنست مساوي كل دهر ** محاسن أحمد بن دؤاد
وما طوفت في الآفاق إلا ** ومن جدواك راحلتي وزادي
يقيم الظن عندك والأماني ** وإن قلقت ركابي في البلاد
وكان معظما عند المأمون أمير المؤمنين يقبل شفاعاته ويصغى إلى كلامه وأخباره في هذا كثيرة .
فدس ابن أبى دؤاد له القول بخلق القرآن وحسنه عنده وصيره يعتقده حقا مبينا إلى أن أجمع رأيه في سنة ثمان عشرة ومائتين على الدعاء إليه فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابا يقول فيه : " وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاء بنور العلم وبرهانه أهل جهالة بالله وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه وقصور أن يقدروا الله حق قدره ويعرفوه كنه معرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه وذلك أنهم ساووا بين الله وبين خلقه وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه وقد قال تعالى (إنا جعلناه قرآنا عربيا ) فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال (وجعل الظلمات والنور ) وقال (نقص عليك من أنباء ما قد سبق ) فأخبره أنه قصص لأمور أحدثه بعدها وقال (أحكمت آياته ثم فصلت ) والله محكم كتابه ومفصله فهو خالقه ومبتدعه ثم انتسبوا إلى السنة وأنهم أهل الحق والجماعة وأن من سواهم أهل الباطل والكفر فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم فنزعوا الحق إلى باطلهم واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم إلى أن قال فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظا أوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه والهائل على أعدائه من أهل دين الله وأحق أن يتهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به من عمى عن رشده وحظه من الإيمان بالتوحيد وكان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه وتخرص الباطل ولم يعرف الله حق معرفته فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون واكشفهم عما يعتقدون في خلق الله وإحداثه وأعلمهم أنى غير مستعين في عمل ولا واثق بمن لا يوثق بدينه
فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك "
وكتب المأمون إليه أيضا في إشخاص سبعة أنفس وهم : محمد بن سعد كاتب الواقدي ويحيى بن معين وأبو خيثمة وأبو مسلم مستملى يزيد بن هارون وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبى مسعود وأحمد بن إبراهيم الدورقي فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه فردهم من الرقة إلى بغداد وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولا ثم أجابوه تقية .
وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة ففعل ذلك فأجابه طائفة وامتنع آخرون فكان يحيى بن معين وغيره يقولون أجبنا خوفا من السيف .
ثم كتب المأمون كتابا آخر من جنس الأول إلى إسحاق وأمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم أحمد ابن حنبل وبشر بن الوليد الكندي وأبو حسان الزيادى وعلى بن أبى مقاتل والفضل بن غانم وعبيد الله بن عمر القواريري وعلى بن الجعد وسجادة والذيال بن الهيثم وقتيبة بن سعيد وكان حينئذ ببغداد وسعدوية الواسطى وإسحاق بن أبى إسرائيل وابن الهرش وابن علية الأكبر ومحمد بن نوح العجلي ويحيى بن عبد الرحمن العمري وأبو نصر التمار وأبو معمر القطيعي ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم وعرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا
فقال لبشر بن الوليد ما تقول قال قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة قال والآن فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب قال أقول كلام الله قال لم أسألك عن هذا أمخلوق هو قال ما أحسن غير ما قلت لك وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه .
ثم قال لعلى بن أبى مقاتل ما تقول قال القرآن كلام الله وإن أمرنا أمير المؤمنين بشئ سمعنا وأطعنا وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك .
ثم قال لأحمد ابن حنبل ما تقول قال كلام الله قال أمخلوق هو قال هو كلام الله لا أزيد على هذا .
ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم .
وقال ابن البكاء الأكبر أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك فقال له إسحاق بن إبراهيم والمجعول مخلوق قال نعم قال فالقرآن مخلوق قال لا أقول مخلوق .
ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون فورد عليه كتاب المأمون بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة وملتمسوا الرياسة فيما ليسوا له بأهل فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية ويقول في الكتاب:
فأما ما قال بشر فقد كذب ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك عهد أكثر من إخبار أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق فادع به إليك فإن تاب فأشهر أمره وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه وابعث إلينا برأسه .
وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه فإن أجاب وإلا فاضرب عنقه .
وأما على بن أبى مقاتل فقل له ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل وتحرم .
وأما الذيال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي سرقه من الأنبار ما يشغله .
وأما أحمد بن يزيد أبو العوام وقوله إنه لا يحسن الجواب في القرآن فأعلمه أنه صبى في عقله لا في سنه جاهل سيحسن الجواب إذا أدب ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك .
وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته واستدل على جهله وآفته بها .
وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة يعنى في ولايته القضاء .
وأما الزيادي فأعلمه أنه كان منتحلا ولاء دعي فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد بن أبيه وإنما قيل له الزيادي لأمر من الأمور .
قال وأما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره وأما ابن نوح وابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد وأن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم وما نزل به كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركا وصاروا للنصارى شبها .
وأما ابن شجاع فأعلمه أنك صاحبه بالأمس والمستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحل من مال الأمير على بن هشام .
وأما سعدوية الواسطى فقل له قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرياسة فيه أن يتمنى وقت المحنة .
وأما المعروف بسجادة وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من العلماء القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله بإعداد النوى وحكه لإصلاح سجادته وبالودائع التى دفعها إليه على بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد .
وأما القواريري ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه .
وأما يحيى العمري فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف
وأما محمد بن الحسن بن على بن عاصم فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه وأنه بعد صبى يحتاج إلى أن يعلم
وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فجمجم عنها ولجلج فيها حتى دعاه أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميما فانصصه عن إقراره فإن كان مقيما عليه فأشهر ذلك وأظهره ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدي فاحملهم موثوقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم فإن لم يرجعوا حملهم على السيف .
قال فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل وسجادة ومحمد بن نوح والقواريرى فأمر بهم إسحاق فقيدوا ثم سألهم من الغد وهم في القيود فأجاب سجادة ثم عاودهم ثالثا فأجاب القواريري ووجه بأحمد بن حنبل ومحمد بن نوح المضروب إلى طرسوس ثم بلغ المأمون أنهم أجابوا مكرهين فغضب وأمر بإحضارهم إليه فلما صاروا إلى الرقة بلغتهم وفاة المأمون وكذا جاء الخبر بموت المأمون إلى أحمد ولطف الله وفرج
وأما محمد بن نوح فكان عديلا لأحمد بن حنبل في المحمل فمات فغسله أحمد بالرحبة وصلى عليه ودفنه رحمه الله تعالى .
وأما المأمون فمرض بالروم فلما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه وهو يظن أنه لا يدركه فأتاه وهو مجهود وقد نفذت الكتب إلى البلدان فيها من عبد الله المأمون وأخيه أبى إسحاق الخليفة من بعده بهذا النص فقيل إن ذلك وقع بأمر المأمون وقيل بل كتبوا ذلك وقت غشي أصابه فأقام العباس عنده أياما حتى مات .
وكان المأمون قد كتب وصية تطول حكايتها ضمنها تحريض الخليفة بعده على حمل الخلق على القول بخلق القرآن ثم توفى في رجب ودفن بطرسوس واستقل أمير المؤمنين المعتصم بالخلافة فكان من سعادة المأمون موته قبل أن يحضر أحمد بن حنبل إلى بين يديه فلم يكن ضربه على يديه .
وكانت هذه الفتنة عظيمة الموقع وأول من امتحن فيها من العلماء عفان بن مسلم الحافظ ولما دعي وعرض عليه القول بخلق القرآن فامتنع قيل قد رسمنا بقطع عطائك وكان يعطى ألف درهم في كل شهر فقال (وفى السماء رزقكم وما توعدون) وكانت عنده عائلة كبيرة قيل فدق عليه الباب داق في ذلك اليوم لا يعرف وقال خذ هذه الألف ولك كل شهر عندي ألف يا أبا عثمان ثبتك الله كما ثبت الدين ثم امتحن الناس بعده .
قال محمد بن إبراهيم البوشنجي سمعت أحمد ابن حنبل يقول تبينت الإجابة في دعوتين دعوت الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون ودعوته أن لا أرى المتوكل فلم أر المأمون مات بالبذندون وهو نهر الروم وأحمد محبوس بالرقة حتى بويع المعتصم بالروم ورجع فرد أحمد إلى بغداد .
وأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد دار الخلافة ليحدث ولده قعد له المتوكل في خوخة حتى نظر إلى أحمد ولم يره أحمد .
قال صالح لما صدر أبى ومحمد بن نوح إلى طرسوس ردا في أقيادهما فلما صار إلى الرقة حملا في سفينة فلما وصلا إلى عانات توفى محمد فأطلق عنه قيده وصلى عليه أبى
وقال حنبل قال أبو عبد الله ما رأيت أحدا على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح وإني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير قال لي ذات يوم يا أبا عبد الله الله الله إنك لست مثلى أنت رجل يقتدى بك قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحو هذا فمات وصليت عليه ودفنته أظنه قال بعانة
قال صالح صار أبى إلى بغداد مقيدا فمكث بالياسرية أياما ثم حبس بدار اكتريت له عند دار عمارة ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية فقال إني كنت أصلى بأهل السجن وأنا مقيد فلما كان في رمضان سنة تسع عشرة حولت إلى دار إسحاق بن إبراهيم .
وأما حنبل بن إسحاق فقال حبس أبو عبد الله في دار عمارة ببغداد في إسطبل لمحمد بن إبراهيم أخي إسحاق بن إبراهيم وكان في حبس ضيق ومرض في رمضان فحبس في ذلك الحبس قليلا ثم حول إلى حبس العامة فمكث في السجن نحوا من ثلاثين شهرا فكنا نأتيه ونقرأ عليه كتاب الإرجاء وغيره في الحبس فرأيته يصلى بأهل الحبس وعليه القيد وكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة والنوم
وكان يوجه إلى كل يوم برجلين أحدهما يقال له أحمد بن رباح والآخر أبو شعيب الحجام فلا يزالان يناظراني حتى إذا أرادا الانصراف دعي بقيد فزيد في قيودي قال فصار في رجله أربعة أقياد .
قال أبى فلما كان في اليوم الثالث دخل على أحد الرجلين فناظرني فقلت له ما تقول في علم الله .
قال علم الله مخلوق .
تعليق