منقول
وقفنا على تداعيات سقوط دولة الموحدين وهزيمة العقاب وسقوط مدن الأندلس الواحدة تلو الأخرى حتى سقطت عاصمة الأندلس قرطبة ولم يبق في بلاد الأندلس إلا مدينتان كبيرتان إلى حد ما وهما غرناطة وأشبيلية وكلامها يمثلان 25% من مساحة أرض الأندلس وذكرنا في المقالة السابق أن المسلمين استمروا في بلاد الأندلس لمدة أكثر من 250 سنة بعد الانهيار الكبير لدولة الأندلس وهي علامات هامة جدا لابد أن يقف عندها المسلمون .
بعد أن سقطت جيان وهي آخر المدن التي تحدثنا عن سقوطها في المقالة السابقة وفي نفس تلك السنة أي سنة 643 هـ يأتي فرناندو الثالث ملك قشتالة ويعاهد ابن الأحمر ولكن قبل أن نعرف ماهية هذه المعاهدة نعرف أولا من هو ابن الأحمر .
ابن الأحمر هو محمد بن يوسف بن نصر وينتهي نسبه إلى سعد بن عبادة الخزرجي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن شتان بين ابن الأحمر وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يسمى بابن الأحمر لأن شعره كان لونه أحمر ولم يكن هذا اسمه بل كان يلقب بابن الأحمر ولأبنائه من بعده حتى نهاية حكم المسلمين لغرناطة .
عقد ابن الأحمر معاهدة مع ملك قشتالة وكان فيها :
أولا :
دفع الجزية لملك قشتالة فانظر لما حدث بعد سقوط دولة الموحدين وقد كانت 150 ألف دينار ذهب كل سنة .
ثانيا :
أن يحضر إلى بلاطه كأحد ولاته على البلاد .
ثالثا :
أن يحكم غرناطة باسم ملك قشتالة .
رابعا :
أن يسلمه ما بقي من حصون جيان وأرجونة وغرب الجزيرة الخضراء وتقع كل هذه الحصون في غرب غرناطة وبذلك يسلم ابن الأحمر مواقع خطيرة جدا وتحيط بغرناطة وأعطاها لفرناندو الثالث ملك قشتالة .
خامسا :
أن يساعده في حروبه مع أعدائه إذا احتاج له فتخيل أن ملك غرناطة المسلم يساعد ملك قشتالة النصراني .
وأول حرب يدخل فيها ملك قشتالة بعد هذه المعاهدة هي الحرب ضد أشبيلية ويذهب إلى ابن الأحمر ويطلب منه أن يساعده في دخول أشبيلية فيسمع ويطيع ويأخذ ابن الأحمر فرسان المسلمين ويذهبون في مقدمة جيوش قشتالة ليحاصروا أشبيلية لمدة سنة وخمسة أشهر وهذا أمر عجيب فإذا فهمنا هذا من ابن الأحمر كيف نفهمه من شعب غرناطة فكيف يتحرك هذا الشعب لحصار هذه المدينة المسلمة المجاورة ولكن انظر إلى الانهيار الشديد في أخلاق القادة والشعوب فهذا الشعب لم يتأثر بحصار إخوانه الموجودين في أشبيلية وكان أهل أشبيلية يستغيثون بمن حولهم لكن المغرب كانت مشغولة بالثورات الداخلية فبنو مارين يصارعون الموحدين وغرناطة تحاصر أشبيلية ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وفي السابع من شهر رمضان سنة 646 هـ تسقط أشبيلية بأيدي المسلمين ومن عاونهم من النصارى ويغادر أهلها البلد وكانوا أربعمائة ألف مسلم وتم تهجيرهم خارج أشبيلية وكانت من أقوى حصون الأندلس ومن أعظم ثغور المسلمين ولكن واحسرتاه على المسلمين وكما قال الشاعر :
[poem font="Simplified Arabic,5,,normal,normal" bkcolor="white" bkimage="" border="double,6,black" type=2 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
وما فتئ الزمان يعود حتى مضى بالمجد قوم آخرون
وأصبح لا يرى في الركب قومي وقد عاشوا أئمته سنينا
وآلمني وآلم كل حر سؤال الدهر أين المسلمون ؟[/poem]
فأين المسلمون ؟ المسلمون يقتل بعضهم بعضا ويشرد بعضهم بعضا وهذا كان واقع هذه البلاد في سنة 646 هـ وتختفي أشبيلية من على الخارطة الإسلامية وحتى الآن مازال مسجد أشبيلية الكبير الذي أسسه يعقوب المنصور الموحدي بعد موقعة الأرك الخالد والذي أسسه بغنائم الأرك مازال إلى اليوم كنيسة يعلق فيها الصليب ويعبد فيها المسيح ولا حول ولا قوة إلا بالله .
لم يبق في أرض الأندلس بلد إسلامية إلا غرناطة والتي تمثل 15% من أرض الأندلس وكانت تضم ثلاثة ولايات متحدة سويا فتجد ولاية غرناطة وولاية مالقة وولاية المرية وكانت تلك الولايات تحت حكم ابن الأحمر .
وقد يتساءل البعض ما الذي يدفع ملك قشتالة أن يعقد اتفاقا أو معاهدة مع ابن الأحمر مع أن المسلمين وصل بهم ما وصل من حالة الضعف ؟ ولماذا لم يأكل غرناطة كما أكل غيرها من بلاد المسلمين ؟ .
في الواقع كان في غرناطة كثافة سكانية عالية جدا فتستعصي على جيوش النصارى أن يدخلوها مع تلك الكثافة العالية وربما نعجب لماذا الكثافة العالية ؟ . فنقول إنه لما كانت تسقط مدينة إسلامية فإن النصارى ينهجون نهجا واحدا إما القتل وإما التشريد والطرد من البلاد فكلما طرد أحد من بلاده يتجه إلى الجنوب في العمق أكثر وأكثر فتجمع أهل الأندلس من المسلمين في الجنوب الشرقي من البلاد فأصبح فيها كثافة ضخمة لا تمكن قوات النصارى من دخول هذه البلاد .
وأيضا كانت هناك حصون منيعة جدا كانت تحيط بغرناطة والمرية ومالقة وأيضا هذه المدن تقع على البحر الأبيض المتوسط بالقرب من بلاد المغرب العربي وقد قامت في بلاد المغرب العربي نواة لدولة جديدة هي دولة بني مارين وكانت دولة سنية تقوم على التقوى وكانت تساعد من حين لآخر بلاد غرناطة ولذلك استطاعت هذه البلاد أن تقف على قدميها ولو قليلا في مواجهة فرناندو الثالث ومن معه من النصارى في مملكة قشتالة .
والمعاهدة التي حدثت كانت مخزية فإن ابن الأحمر يدفع فيها الجزية ويقضي معه العهود ألا يحاربه أبدا ومع أن المعاهدة قائمة على الصداقة وعدم الحرب إلا أن فرناندو الثالث ومن تبعه من ملوك النصارى دائما ما كانوا يخونون العهد ويحتلون بعض المدن ويحاول ابن الأحمر أن يردها فلا يفلح ثم يعاهدهم من جديد ويترك لهم حصنا أو حصنين أو مدينة أو مدينتين فيتركوه حاكما على البلاد يحكم باسمهم ولا حولا ولا قوة إلا بالله .
وعلى الرغم من أن ابن الأحمر كان معاهدا للنصارى ألا أن قول الله عز وجل ينفذ فقد قال الله { أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } (100) سورة البقرة .
ومن سنة 643 هـ إلى سنة 671 هـ كانت فترة معاهدات مع النصارى من قبل ابن الأحمر وفي سنة 671 هـ يحدث أن ملك قشتالة وكان في ذلك الوقت يسمى بالفنسو العاشر يخالف مخالفة صريحة للمعاهدة ويبدأ في تجهيز جيوش كبيرة ينوي بها دخول غرناطة لإنهاء الوجود الإسلامي تماما في بلاد الأندلس وهنا ابن الأحمر يجد نفسه في مأزق فهو قد عاهد من لا عهد له ونظر إلى بلاد المغرب فوجد بني مارين وهي الدولة التي قامت على أنقاض دولة الموحدين وقد سقطت دولة الموحدين سقوطا كاملا سنة 668 هـ وقام بحكم بني مارين رجل يسمى يعقوب المنصور الماريني وهو يختلف عن يعقوب المنصور الموحدي فهذا كان في زمن وهذا في زمن آخر ولكن كلاهما على شاكلة واحدة في طريقة الحكم والعدل والقوة وكلاهما من أكبر القواد في تاريخ المسلمين .
انظر إلى صفة يعقوب المنصور الماريني كما يصفه المؤرخون المعاصرون له فقد قالوا ( كان صوّما قوّما دائم الذكر كثير الفكر لا يزال في أكثر نهاره ذاكرا وفي أكثر ليله قائما يصلي مُكرما للصالحين وكثير الرأفة والحنين على المساكين متواضعا كريما جوادا وكان مظفرا منصور الراية ولم تهزم له راية قط ولم يكسر له جيش ولم يغزوا عدوا إلا قهره ولا جيشا إلا هزمه ودمره ولا قصد بلدا إلا فتحه وكان خطيبا مفوها يؤثر في نفوس جنوده وكان شجاعا مقداما يبدأ الحرب بنفسه ) وتلك الصفات يجب أن نقف عندها كثيرا ولكن ليس بإمكاننا هذا الآن وعلى المسلمين أن يعتبروا من هؤلاء القادة العظماء .
يستعين محمد بن الأحمر ببني مارين وبالفعل يأتوا ويصدون هجوم النصارى ولكننا نلاحظ أن بلاد الأندلس قد تعودت أن تستورد النصر من خارجها فمثلا يستوردوه من المرابطين ومرة من الموحدين والآن من بني مارين وهكذا لا تقوم للمسلمين قائمة في بلاد الأندلس إلا بمساعدة المغرب العربي وهذه البلاد التي قامت على أكتاف غيرها لن يستقيم لها الأمر ولا تستكمل النصر فلا يستقيم أبدا أن تنفق الأموال الضخمة في بناء قصر الحمراء وهو من أعظم قصور الأندلس ليكون قصرا للحكم لابن الأحمر وهو في هذه المحاصرة من النصارى ولا يستقيم له أن ينشأ الجنان الكثيرة وكانت أكثر من 300 حديقة ضخمة في غرناطة ويطلق على كل حديقة جنة وذلك من سعة هذه الحديقة وكثرة الثمار والأشجار فلا يستقيم له فعل هذا والبلاد محاصرة وعندما يأتي وقت الجهاد يستعين بالبلاد المجاورة .
أتى بنو مارين واستطاعوا أن يردوا الهجوم ولكن في نفس العام أي في سنة 671 هـ مات ابن الأحمر عن عمر يناهز الثمانين ويستخلف على الحكم ابنه واسمه محمد أيضا فيكون اسمه محمد بن محمد بن يوسف بن الأحمر وكانوا يلقبونه بالفقيه لأنه صاحب علم غزير وفقه عميق وقد كان معظم أسماء الأمراء من بني الأحمر محمد .
ولما تولى محمد الفقيه الحكم علم أن قوة المسلمين في بلاد الأندلس لن تستطيع مواجهة قوة النصارى بالإضافة إلى أن الفنسو العاشر ظن أنه لما مات محمد ابن الأحمر فإن الدولة قد تهاوت وبدأ في الهجوم على أطراف غرناطة وهنا محمد بن الأحمر الثاني أو الملقب بالفقيه يستعين بالقائد العظيم يعقوب المنصور الماريني رحمه الله .
وفي سنة 673 هـ جهز المنصور جيشا قوامه خمسة آلاف رجل فقط ووضع نفسه على رأس الجيش وعبر إلى بلاد الأندلس حتى يساعد محمد الفقيه في حربه ضد النصارى وهناك في مكان خارج غرناطة وبالقرب من قرطبة يلتقي المسلمون مع الصليبيين وقد كان عدد المسلمين وقتذاك مكونون من عشرة آلاف مقاتل فخمسة من جيش بني مارين وخمسة آلاف من جيش غرناطة ووجد المسلمون أن جيش النصارى كان تسعين ألفا وعلى رأسهم رجل من أكبر القواد في مملكة قشتالة وهو دون يونيو ديلارا ونحن نذكر اسمه لأن الموقعة التي دارت في ذلك الوقت عرفت في التاريخ باسم موقعة الدونونية نسبة إلى قائد النصارى .
كانت في الموقعة في سنة 674 هـ وقاد جيوش المسلمين المنصور الماريني رحمه الله وأخذ يحفز الناس بنفسه على القتال وكان مما قاله في خطبته الشهيرة التي قالها ليحفز جنده في هذه الموقعة ( ألا وإن الجنة قد فتحت لكم أبوابها وزينت حورها وأترابها فبادروا إليها وجدوا في طلبها وابذلوا النفوس في أفنانها ألا وإن الجنة تحت ظلال السيوف ، إن الله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة فاغتنموا هذه التجارة الرابحة وسارعوا إلى الجنة بالأعمال الصالحة فمن مات منكم مات شهيدا ومن عاش رجع إلى أهله سالما غانما مأجورا حميدا فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) فعانق الناس بعضهم بعضا للوداع وبكوا جميعا وسبحان الله بهؤلاء الجند وبهذا القائد وبهذا العدد القليل انتصر المسلمون انتصارا هائلا وقتل من النصارى ستة آلاف وأسر ثمانية آلاف وقتل دون يونيو قائد جيش قشتالة في هذه الموقعة وغنائم كثيرة وما انتصر المسلمون بعد موقعة الأرك سنة 591 هـ إلا في موقعة الدونونية .
وبعد هذه الموقعة انقسم جيش المسلمين إلى نصفين فنصف توجه إلى جيان وعلى رأسه ابن الأحمر ( محمد الفقيه ) ففتح جيان وانتصر عليهم ونصف آخر اتجه إلى أشبيلية وعلى رأسه المنصور فإذا به يحرر أشبيلية ويصالح أهلها على الجزية ومعه خمسة آلاف فقط فانظر إلى صلاح الرجال وإلى صلاح الجيوش .
وفي سنة 677 هـ ينتقد أهل أشبيلية ( أي يقومون بثورة على المسلمين ) فيذهب إليهم يعقوب الماريني رحمه الله ويصالحونه على الجزية بعد أن تحاصر فترة من الزمان ثم يتجه إلى قرطبة ويحاصرها فترضخ له على الجزية وكل هذا وقوام جيشه خمسة ألاف مقاتل فقط وهذا أمر غير مستغرب في التاريخ الإسلامي ولكن المستغرب أن يهزم جيش المنصور الماريني رحمه الله أو أن ينتصر جيش كجيش الناصر لدين الله في موقعة العقاب وكان يبلغ من الرجال خمسمائة ألف ولكنهم يعتمدون على قوتهم ولا يعتمدون على الله سبحانه وتعالى وهذه سنن تتكرر في التاريخ .
حصل يعقوب المنصور الماريني رحمه الله على غنائم كثيرة من فتوحاته ثم هو بعد ذلك يعطي غنائمه لأهل الأندلس من غرناطة ويعود إلى بلاد المغرب ولا يأخذ معه شيئا وانظروا للتاريخ كيف يكرر نفسه وقد كان هذا نفس فعل يوسف بن تشفين رحمه الله بعد موقعة الزلاقة فهؤلاء هم الرجال المنصورون .
وفي أثناء عودة يعقوب المنصور الماريني رحمه الله إلى بلاد المغرب يموت حاكم المرية وتولى من بعده ابن هذا الحاكم وهذا الابن لما رأى أفعال يعقوب المنصور الماريني وانتصاراته المتعددة أعجب به إعجابا كبيرا فعرض عليه أن يحكم هو المرية أي أراد هذا الابن أن يعطي المرية إلى يعقوب المنصور الماريني فقبل يعقوب المنصور الماريني هذا العرض ووضع فيها قوة قوامها ثلاثة آلاف واستجلب ثلاثة آلاف آخرين وضعهم في جزيرة طريف حتى يكونوا مددا قريبا إلى بلاد الأندلس إذا احتاجوا إليهم في حربهم ضد النصارى ثم عاد إلى بلاد المغرب .
ينظر محمد بن الأحمر الفقيه ما فعله حاكم المرية وإعطاء ولاية المرية ليعقوب المنصور الماريني فأوجس في نفسه خيفة ويقول إن في التاريخ لعبرة فلقد استعان المعتمد على الله بن عباد بيوسف بن تشفين فأخذ البلاد وضمها إلى دولة المرابطين وها هو الآن يعقوب الماريني يأخذ مدينة طريف ومدينة المرية وأراد أن يتخذ موقفا حتى لا تضم بلاد الأندلس إلى دولة بني مارين وانظر للفكر الذي كان عليه هذا الرجل الذي لقبوه بالفقيه وما هو بالفقيه فماذا يفعل وهو ليست له طاقة ولا لشعبه ولا لجيشه ولا لحصونه ؟ فهو فعل أمرا ما تخيله أحدا من المسلمين فقد ذهب إلى ملك قشتالة ويستعين به لطرد يعقوب المنصور الماريني من جزيرة طريف فيذهب إليه بعد أن انتصر عليه في موقعتين شهيرتين في التاريخ فيذهب للعدو ليطرد المنصور الماريني من جزيرة طريف .
فيأتي الجيش وأساطيله ويحاصر طريف من ناحيتين فناحية يقف فيها ابن الأحمر الفقيه والناحية الأخرى يقف فيها ملك قشتالة ويحاصر مدينة طريف ويسمع ذلك يعقوب المنصور الماريني رحمه الله فيعود من جديد إلى جزيرة طريف ويجهز الجيوش ويأتي بالأساطيل ويحارب النصارى هناك في موقعة كبيرة سنة 677 هـ وينتصر يعقوب المنصور الماريني رحمه الله على النصارى ويفرون من أمامه فرار إلى الشمال ويجد ابن الأحمر نفسه في مواجهة يعقوب المنصور الماريني فماذا يفعل ؟ فيبدأ بالندم والاعتذار وإظهار الأسباب الغير المقبولة وانظروا لما فعل يعقوب المنصور الماريني رحمه الله فقد عفا عنه وتاب عليه وأعاده إلى حكمه فقد كان رجلا يملك قلبه ويتحكم فيه .
ولنا وقفة ما فعله محمد ابن الأحمر الفقيه من تعاون مع النصارى ويحاصر مدينة مسلمة فهذا كله يفسر لنا لماذا سقطت هذه الدولة فما فعله ابن الأحمر كان بمعاونة جيشه وشعبه فشعب كهذا لابد له من أن ينتهي لأنه شعب رضي وقبل أن يحاصر المسلمين ويعاونون النصارى للقضاء على المسلمين .
وفي سنة 684 هـ يستعين ابن الأحمر من جديد بيعقوب المنصور الماريني رحمه الله لرد وصد حملة صليبية مرة أخرى على بلاده وبالفعل استجاب يعقوب المنصور الماريني رحمه الله فقد وهب حياته للدفاع عن هذا الدين وفي هذه الموقعة ينتصر المسلمون على النصارى ويعقد النصارى عهدا مع المنصور الماريني رحمه الله وكانت له شروطا ولننظر لهذه الشروط التي فرضها يعقوب المنصور الماريني على النصارى فهو لم يطلب منهم مالا ولم يطلب قصورا أو جاها ولكن طلب منهم أن يأتوه بكتب المسلمين الموجودة في قرطبة وأشبيلية وطليطلة وغيرها من البلاد فهذا هو الذي يريده من تلك البلاد وبالفعل أتوا له بكميات ضخمة جدا من الكتب وهذا هو الذي حفظ تراث الأندلس إلى الآن فمازالت إلى الآن الكتب التي أخذها يعقوب المنصور الماريني موجودة في مكتبة فاس بالمغرب فانظروا إلى علو المقاصد والهمم عند هذا الرجل وانظروا كيف كان ابن الأحمر وأولاده .
وفي سنة 685 هـ يموت الحاكم العظيم المنصور رحمه الله ويخلفه يوسف بن المنصور على إمارة بني مارين ويذهب ابن الأحمر الفقيه بسرعة إلى يوسف ويعرض عليه ما شاء من أرض الأندلس ويعرض عليه الولاء والطاعة ويقدم له ما يريد فطلب يوسف بن المنصور رحمه الله أن يأخذ الجزيرة الخضراء وطريف حتى تكون قاعدة له في حرب النصارى وهدأت الأمور نسبيا في غرناطة ولكن لما أخذ يوسف بن المنصور رحمه الله الجزيرة الخضراء وجزيرة طريف تحركت الوساوس من جديد في قلب ابن الأحمر ومع أنه ملقب بالفقيه إلا أنه يذهب من جديد إلى النصارى ويستعين بهم مرة أخرى لحرب يوسف بن المنصور لرد طريف وأخذها من بني مارين .
يأتي بالفعل جيش النصارى ويحاصر طريف ولكن في هذه المرة يستطيعون أن يسقطوا طريف وكان الاتفاق بين النصارى وبين محمد الفقيه ابن الأحمر أنه إذا أخذوا هذه الجزيرة من بني ماريني أن يأخذها ابن الأحمر الفقيه ولكن بعد أن أخذها النصارى لم يعيدوها له ولكن أخذوها لأنفسهم وهكذا خانوا العهد معه وحدثت الجريمة الكبرى والخيانة العظمى وسقطت طريف وهذه الجزيرة في منتهى الخطورة لأنها تطل على مضيق جبل طارق وبذلك انقطعت بلاد المغرب عن بلاد الأندلس وبهذا انقطع المدد من بلاد المغرب إلى بلاد الأندلس ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وفي سنة 701 هـ يموت ابن الأحمر الفقيه ويتولى من بعده محمد الثالث الذي كان يلقب بالأعمش وهذا كان رجلا ضعيفا جدا وتولى الأمور في عهده الوزير أبو عبد الله بن الحكيم وما هو بالحكيم وسيطر على الأمور تماما في بلاد غرناطة ثم انظر ماذا فعل ؟ .
لقد كان هذا الوزير على شاكلة من سبقه في مراسلة ملك قشتالة والتحالف معه ثم هو لم يكتف بهذا بل إنه زاد في هذه المحالفة بأن فعل أمورا عجيبة فقد جهز جيشا وذهب ليقاتل المسلمين فهل تتخيلوا هذا ؟ ذهب ليحتل سبتة في المغرب العربي وذلك حتى يقوي شأنه في مضيق جبل طارق وانظروا إلى العجب الذي حدث في تاريخ المسلمين بل وفعل ما هو أشد من ذلك فقد تراسل مع رجل من بني مارين ليقوم بانقلاب ضد يوسف بن المنصور وأمده بسلاح فوافق الرجل وقامت فتنة في بني مارين وقد كان هذا الرجل يريد أن يزعزع الحكم في بني مارين ويعتمد تماما على ملك قشتالة في حكم وياله من غباء منقطع النظير فهذا أمر لا يقره عقل ولا دين .
ترى ما النتيجة ؟ لقد سقط جبل طارق في يد الصليبيين بعد أعوام قليلة وعزلت بالكلية بلاد الأندلس عن بلاد المغرب العربي وهكذا تركت غرناطة لمصيرها المحتوم ونحن نعلم أن حكام غرناطة وشعب غرناطة قد اعتمدوا في حياتهم منذ سنوات طويلة على استيراد النصر من بلاد المغرب والآن انقطع النصر الذي يأتي من بلاد المغرب هذا غير الخيانات التي حدثت على بلاد المغرب جعلت أهل المغرب لا يثقون في مساعدة أهل غرناطة وهكذا تركوا لحالهم وتركوا لشأنهم .
وقد سقط جبل طارق في سنة 709 هـ في يد الصليبيين ومنذ هذه السنة حتى سنة 897 هـ والحال كما هو في بلاد غرناطة بنوا الأحمر يعقدون معاهدات مع ملك قشتالة فهم يسلمون حصنا أو قرية ويدفعون الجزية وخزي وعار لسنوات طويلة لكن سبحان الله لم تسقط والذي حفظ تلك البلاد 200 سنة مع هذا الضعف الشديد وبدون مدد من بلاد المغرب أنه كان هناك خلاف كبير جدا يدور بين مملكتي قشتالة وأراجون فهما مملكتان نصرانيتان في شمال غرناطة كانا يتصارعان سويا وكل مملكة منهم أصبحت مملكة ضخمة وكبيرة وذلك على أنقاض الدولة الإسلامية في بلاد الأندلس فأصبحت قوة غرناطة هزيلة جدا ولا ينظرون إليها وانشغلوا بأنفسهم وتركوا المسلمين .
ودعونا ندرس آخر 25 سنة في آخر مائتي سنة تلك التي كانت على عهد واحد من الخمول والركون إلى المعاهدات المخزية مع النصارى فلننظر ما الذي غير الأحوال وجعل بلاد الأندلس تسقط بالكلية ويلتفت إليها النصارى بعد أن انشغلوا عنها بحروبهم .
وقفنا على تداعيات سقوط دولة الموحدين وهزيمة العقاب وسقوط مدن الأندلس الواحدة تلو الأخرى حتى سقطت عاصمة الأندلس قرطبة ولم يبق في بلاد الأندلس إلا مدينتان كبيرتان إلى حد ما وهما غرناطة وأشبيلية وكلامها يمثلان 25% من مساحة أرض الأندلس وذكرنا في المقالة السابق أن المسلمين استمروا في بلاد الأندلس لمدة أكثر من 250 سنة بعد الانهيار الكبير لدولة الأندلس وهي علامات هامة جدا لابد أن يقف عندها المسلمون .
بعد أن سقطت جيان وهي آخر المدن التي تحدثنا عن سقوطها في المقالة السابقة وفي نفس تلك السنة أي سنة 643 هـ يأتي فرناندو الثالث ملك قشتالة ويعاهد ابن الأحمر ولكن قبل أن نعرف ماهية هذه المعاهدة نعرف أولا من هو ابن الأحمر .
ابن الأحمر هو محمد بن يوسف بن نصر وينتهي نسبه إلى سعد بن عبادة الخزرجي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن شتان بين ابن الأحمر وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يسمى بابن الأحمر لأن شعره كان لونه أحمر ولم يكن هذا اسمه بل كان يلقب بابن الأحمر ولأبنائه من بعده حتى نهاية حكم المسلمين لغرناطة .
عقد ابن الأحمر معاهدة مع ملك قشتالة وكان فيها :
أولا :
دفع الجزية لملك قشتالة فانظر لما حدث بعد سقوط دولة الموحدين وقد كانت 150 ألف دينار ذهب كل سنة .
ثانيا :
أن يحضر إلى بلاطه كأحد ولاته على البلاد .
ثالثا :
أن يحكم غرناطة باسم ملك قشتالة .
رابعا :
أن يسلمه ما بقي من حصون جيان وأرجونة وغرب الجزيرة الخضراء وتقع كل هذه الحصون في غرب غرناطة وبذلك يسلم ابن الأحمر مواقع خطيرة جدا وتحيط بغرناطة وأعطاها لفرناندو الثالث ملك قشتالة .
خامسا :
أن يساعده في حروبه مع أعدائه إذا احتاج له فتخيل أن ملك غرناطة المسلم يساعد ملك قشتالة النصراني .
وأول حرب يدخل فيها ملك قشتالة بعد هذه المعاهدة هي الحرب ضد أشبيلية ويذهب إلى ابن الأحمر ويطلب منه أن يساعده في دخول أشبيلية فيسمع ويطيع ويأخذ ابن الأحمر فرسان المسلمين ويذهبون في مقدمة جيوش قشتالة ليحاصروا أشبيلية لمدة سنة وخمسة أشهر وهذا أمر عجيب فإذا فهمنا هذا من ابن الأحمر كيف نفهمه من شعب غرناطة فكيف يتحرك هذا الشعب لحصار هذه المدينة المسلمة المجاورة ولكن انظر إلى الانهيار الشديد في أخلاق القادة والشعوب فهذا الشعب لم يتأثر بحصار إخوانه الموجودين في أشبيلية وكان أهل أشبيلية يستغيثون بمن حولهم لكن المغرب كانت مشغولة بالثورات الداخلية فبنو مارين يصارعون الموحدين وغرناطة تحاصر أشبيلية ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وفي السابع من شهر رمضان سنة 646 هـ تسقط أشبيلية بأيدي المسلمين ومن عاونهم من النصارى ويغادر أهلها البلد وكانوا أربعمائة ألف مسلم وتم تهجيرهم خارج أشبيلية وكانت من أقوى حصون الأندلس ومن أعظم ثغور المسلمين ولكن واحسرتاه على المسلمين وكما قال الشاعر :
[poem font="Simplified Arabic,5,,normal,normal" bkcolor="white" bkimage="" border="double,6,black" type=2 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
وما فتئ الزمان يعود حتى مضى بالمجد قوم آخرون
وأصبح لا يرى في الركب قومي وقد عاشوا أئمته سنينا
وآلمني وآلم كل حر سؤال الدهر أين المسلمون ؟[/poem]
فأين المسلمون ؟ المسلمون يقتل بعضهم بعضا ويشرد بعضهم بعضا وهذا كان واقع هذه البلاد في سنة 646 هـ وتختفي أشبيلية من على الخارطة الإسلامية وحتى الآن مازال مسجد أشبيلية الكبير الذي أسسه يعقوب المنصور الموحدي بعد موقعة الأرك الخالد والذي أسسه بغنائم الأرك مازال إلى اليوم كنيسة يعلق فيها الصليب ويعبد فيها المسيح ولا حول ولا قوة إلا بالله .
لم يبق في أرض الأندلس بلد إسلامية إلا غرناطة والتي تمثل 15% من أرض الأندلس وكانت تضم ثلاثة ولايات متحدة سويا فتجد ولاية غرناطة وولاية مالقة وولاية المرية وكانت تلك الولايات تحت حكم ابن الأحمر .
وقد يتساءل البعض ما الذي يدفع ملك قشتالة أن يعقد اتفاقا أو معاهدة مع ابن الأحمر مع أن المسلمين وصل بهم ما وصل من حالة الضعف ؟ ولماذا لم يأكل غرناطة كما أكل غيرها من بلاد المسلمين ؟ .
في الواقع كان في غرناطة كثافة سكانية عالية جدا فتستعصي على جيوش النصارى أن يدخلوها مع تلك الكثافة العالية وربما نعجب لماذا الكثافة العالية ؟ . فنقول إنه لما كانت تسقط مدينة إسلامية فإن النصارى ينهجون نهجا واحدا إما القتل وإما التشريد والطرد من البلاد فكلما طرد أحد من بلاده يتجه إلى الجنوب في العمق أكثر وأكثر فتجمع أهل الأندلس من المسلمين في الجنوب الشرقي من البلاد فأصبح فيها كثافة ضخمة لا تمكن قوات النصارى من دخول هذه البلاد .
وأيضا كانت هناك حصون منيعة جدا كانت تحيط بغرناطة والمرية ومالقة وأيضا هذه المدن تقع على البحر الأبيض المتوسط بالقرب من بلاد المغرب العربي وقد قامت في بلاد المغرب العربي نواة لدولة جديدة هي دولة بني مارين وكانت دولة سنية تقوم على التقوى وكانت تساعد من حين لآخر بلاد غرناطة ولذلك استطاعت هذه البلاد أن تقف على قدميها ولو قليلا في مواجهة فرناندو الثالث ومن معه من النصارى في مملكة قشتالة .
والمعاهدة التي حدثت كانت مخزية فإن ابن الأحمر يدفع فيها الجزية ويقضي معه العهود ألا يحاربه أبدا ومع أن المعاهدة قائمة على الصداقة وعدم الحرب إلا أن فرناندو الثالث ومن تبعه من ملوك النصارى دائما ما كانوا يخونون العهد ويحتلون بعض المدن ويحاول ابن الأحمر أن يردها فلا يفلح ثم يعاهدهم من جديد ويترك لهم حصنا أو حصنين أو مدينة أو مدينتين فيتركوه حاكما على البلاد يحكم باسمهم ولا حولا ولا قوة إلا بالله .
وعلى الرغم من أن ابن الأحمر كان معاهدا للنصارى ألا أن قول الله عز وجل ينفذ فقد قال الله { أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } (100) سورة البقرة .
ومن سنة 643 هـ إلى سنة 671 هـ كانت فترة معاهدات مع النصارى من قبل ابن الأحمر وفي سنة 671 هـ يحدث أن ملك قشتالة وكان في ذلك الوقت يسمى بالفنسو العاشر يخالف مخالفة صريحة للمعاهدة ويبدأ في تجهيز جيوش كبيرة ينوي بها دخول غرناطة لإنهاء الوجود الإسلامي تماما في بلاد الأندلس وهنا ابن الأحمر يجد نفسه في مأزق فهو قد عاهد من لا عهد له ونظر إلى بلاد المغرب فوجد بني مارين وهي الدولة التي قامت على أنقاض دولة الموحدين وقد سقطت دولة الموحدين سقوطا كاملا سنة 668 هـ وقام بحكم بني مارين رجل يسمى يعقوب المنصور الماريني وهو يختلف عن يعقوب المنصور الموحدي فهذا كان في زمن وهذا في زمن آخر ولكن كلاهما على شاكلة واحدة في طريقة الحكم والعدل والقوة وكلاهما من أكبر القواد في تاريخ المسلمين .
انظر إلى صفة يعقوب المنصور الماريني كما يصفه المؤرخون المعاصرون له فقد قالوا ( كان صوّما قوّما دائم الذكر كثير الفكر لا يزال في أكثر نهاره ذاكرا وفي أكثر ليله قائما يصلي مُكرما للصالحين وكثير الرأفة والحنين على المساكين متواضعا كريما جوادا وكان مظفرا منصور الراية ولم تهزم له راية قط ولم يكسر له جيش ولم يغزوا عدوا إلا قهره ولا جيشا إلا هزمه ودمره ولا قصد بلدا إلا فتحه وكان خطيبا مفوها يؤثر في نفوس جنوده وكان شجاعا مقداما يبدأ الحرب بنفسه ) وتلك الصفات يجب أن نقف عندها كثيرا ولكن ليس بإمكاننا هذا الآن وعلى المسلمين أن يعتبروا من هؤلاء القادة العظماء .
يستعين محمد بن الأحمر ببني مارين وبالفعل يأتوا ويصدون هجوم النصارى ولكننا نلاحظ أن بلاد الأندلس قد تعودت أن تستورد النصر من خارجها فمثلا يستوردوه من المرابطين ومرة من الموحدين والآن من بني مارين وهكذا لا تقوم للمسلمين قائمة في بلاد الأندلس إلا بمساعدة المغرب العربي وهذه البلاد التي قامت على أكتاف غيرها لن يستقيم لها الأمر ولا تستكمل النصر فلا يستقيم أبدا أن تنفق الأموال الضخمة في بناء قصر الحمراء وهو من أعظم قصور الأندلس ليكون قصرا للحكم لابن الأحمر وهو في هذه المحاصرة من النصارى ولا يستقيم له أن ينشأ الجنان الكثيرة وكانت أكثر من 300 حديقة ضخمة في غرناطة ويطلق على كل حديقة جنة وذلك من سعة هذه الحديقة وكثرة الثمار والأشجار فلا يستقيم له فعل هذا والبلاد محاصرة وعندما يأتي وقت الجهاد يستعين بالبلاد المجاورة .
أتى بنو مارين واستطاعوا أن يردوا الهجوم ولكن في نفس العام أي في سنة 671 هـ مات ابن الأحمر عن عمر يناهز الثمانين ويستخلف على الحكم ابنه واسمه محمد أيضا فيكون اسمه محمد بن محمد بن يوسف بن الأحمر وكانوا يلقبونه بالفقيه لأنه صاحب علم غزير وفقه عميق وقد كان معظم أسماء الأمراء من بني الأحمر محمد .
ولما تولى محمد الفقيه الحكم علم أن قوة المسلمين في بلاد الأندلس لن تستطيع مواجهة قوة النصارى بالإضافة إلى أن الفنسو العاشر ظن أنه لما مات محمد ابن الأحمر فإن الدولة قد تهاوت وبدأ في الهجوم على أطراف غرناطة وهنا محمد بن الأحمر الثاني أو الملقب بالفقيه يستعين بالقائد العظيم يعقوب المنصور الماريني رحمه الله .
وفي سنة 673 هـ جهز المنصور جيشا قوامه خمسة آلاف رجل فقط ووضع نفسه على رأس الجيش وعبر إلى بلاد الأندلس حتى يساعد محمد الفقيه في حربه ضد النصارى وهناك في مكان خارج غرناطة وبالقرب من قرطبة يلتقي المسلمون مع الصليبيين وقد كان عدد المسلمين وقتذاك مكونون من عشرة آلاف مقاتل فخمسة من جيش بني مارين وخمسة آلاف من جيش غرناطة ووجد المسلمون أن جيش النصارى كان تسعين ألفا وعلى رأسهم رجل من أكبر القواد في مملكة قشتالة وهو دون يونيو ديلارا ونحن نذكر اسمه لأن الموقعة التي دارت في ذلك الوقت عرفت في التاريخ باسم موقعة الدونونية نسبة إلى قائد النصارى .
كانت في الموقعة في سنة 674 هـ وقاد جيوش المسلمين المنصور الماريني رحمه الله وأخذ يحفز الناس بنفسه على القتال وكان مما قاله في خطبته الشهيرة التي قالها ليحفز جنده في هذه الموقعة ( ألا وإن الجنة قد فتحت لكم أبوابها وزينت حورها وأترابها فبادروا إليها وجدوا في طلبها وابذلوا النفوس في أفنانها ألا وإن الجنة تحت ظلال السيوف ، إن الله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة فاغتنموا هذه التجارة الرابحة وسارعوا إلى الجنة بالأعمال الصالحة فمن مات منكم مات شهيدا ومن عاش رجع إلى أهله سالما غانما مأجورا حميدا فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) فعانق الناس بعضهم بعضا للوداع وبكوا جميعا وسبحان الله بهؤلاء الجند وبهذا القائد وبهذا العدد القليل انتصر المسلمون انتصارا هائلا وقتل من النصارى ستة آلاف وأسر ثمانية آلاف وقتل دون يونيو قائد جيش قشتالة في هذه الموقعة وغنائم كثيرة وما انتصر المسلمون بعد موقعة الأرك سنة 591 هـ إلا في موقعة الدونونية .
وبعد هذه الموقعة انقسم جيش المسلمين إلى نصفين فنصف توجه إلى جيان وعلى رأسه ابن الأحمر ( محمد الفقيه ) ففتح جيان وانتصر عليهم ونصف آخر اتجه إلى أشبيلية وعلى رأسه المنصور فإذا به يحرر أشبيلية ويصالح أهلها على الجزية ومعه خمسة آلاف فقط فانظر إلى صلاح الرجال وإلى صلاح الجيوش .
وفي سنة 677 هـ ينتقد أهل أشبيلية ( أي يقومون بثورة على المسلمين ) فيذهب إليهم يعقوب الماريني رحمه الله ويصالحونه على الجزية بعد أن تحاصر فترة من الزمان ثم يتجه إلى قرطبة ويحاصرها فترضخ له على الجزية وكل هذا وقوام جيشه خمسة ألاف مقاتل فقط وهذا أمر غير مستغرب في التاريخ الإسلامي ولكن المستغرب أن يهزم جيش المنصور الماريني رحمه الله أو أن ينتصر جيش كجيش الناصر لدين الله في موقعة العقاب وكان يبلغ من الرجال خمسمائة ألف ولكنهم يعتمدون على قوتهم ولا يعتمدون على الله سبحانه وتعالى وهذه سنن تتكرر في التاريخ .
حصل يعقوب المنصور الماريني رحمه الله على غنائم كثيرة من فتوحاته ثم هو بعد ذلك يعطي غنائمه لأهل الأندلس من غرناطة ويعود إلى بلاد المغرب ولا يأخذ معه شيئا وانظروا للتاريخ كيف يكرر نفسه وقد كان هذا نفس فعل يوسف بن تشفين رحمه الله بعد موقعة الزلاقة فهؤلاء هم الرجال المنصورون .
وفي أثناء عودة يعقوب المنصور الماريني رحمه الله إلى بلاد المغرب يموت حاكم المرية وتولى من بعده ابن هذا الحاكم وهذا الابن لما رأى أفعال يعقوب المنصور الماريني وانتصاراته المتعددة أعجب به إعجابا كبيرا فعرض عليه أن يحكم هو المرية أي أراد هذا الابن أن يعطي المرية إلى يعقوب المنصور الماريني فقبل يعقوب المنصور الماريني هذا العرض ووضع فيها قوة قوامها ثلاثة آلاف واستجلب ثلاثة آلاف آخرين وضعهم في جزيرة طريف حتى يكونوا مددا قريبا إلى بلاد الأندلس إذا احتاجوا إليهم في حربهم ضد النصارى ثم عاد إلى بلاد المغرب .
ينظر محمد بن الأحمر الفقيه ما فعله حاكم المرية وإعطاء ولاية المرية ليعقوب المنصور الماريني فأوجس في نفسه خيفة ويقول إن في التاريخ لعبرة فلقد استعان المعتمد على الله بن عباد بيوسف بن تشفين فأخذ البلاد وضمها إلى دولة المرابطين وها هو الآن يعقوب الماريني يأخذ مدينة طريف ومدينة المرية وأراد أن يتخذ موقفا حتى لا تضم بلاد الأندلس إلى دولة بني مارين وانظر للفكر الذي كان عليه هذا الرجل الذي لقبوه بالفقيه وما هو بالفقيه فماذا يفعل وهو ليست له طاقة ولا لشعبه ولا لجيشه ولا لحصونه ؟ فهو فعل أمرا ما تخيله أحدا من المسلمين فقد ذهب إلى ملك قشتالة ويستعين به لطرد يعقوب المنصور الماريني من جزيرة طريف فيذهب إليه بعد أن انتصر عليه في موقعتين شهيرتين في التاريخ فيذهب للعدو ليطرد المنصور الماريني من جزيرة طريف .
فيأتي الجيش وأساطيله ويحاصر طريف من ناحيتين فناحية يقف فيها ابن الأحمر الفقيه والناحية الأخرى يقف فيها ملك قشتالة ويحاصر مدينة طريف ويسمع ذلك يعقوب المنصور الماريني رحمه الله فيعود من جديد إلى جزيرة طريف ويجهز الجيوش ويأتي بالأساطيل ويحارب النصارى هناك في موقعة كبيرة سنة 677 هـ وينتصر يعقوب المنصور الماريني رحمه الله على النصارى ويفرون من أمامه فرار إلى الشمال ويجد ابن الأحمر نفسه في مواجهة يعقوب المنصور الماريني فماذا يفعل ؟ فيبدأ بالندم والاعتذار وإظهار الأسباب الغير المقبولة وانظروا لما فعل يعقوب المنصور الماريني رحمه الله فقد عفا عنه وتاب عليه وأعاده إلى حكمه فقد كان رجلا يملك قلبه ويتحكم فيه .
ولنا وقفة ما فعله محمد ابن الأحمر الفقيه من تعاون مع النصارى ويحاصر مدينة مسلمة فهذا كله يفسر لنا لماذا سقطت هذه الدولة فما فعله ابن الأحمر كان بمعاونة جيشه وشعبه فشعب كهذا لابد له من أن ينتهي لأنه شعب رضي وقبل أن يحاصر المسلمين ويعاونون النصارى للقضاء على المسلمين .
وفي سنة 684 هـ يستعين ابن الأحمر من جديد بيعقوب المنصور الماريني رحمه الله لرد وصد حملة صليبية مرة أخرى على بلاده وبالفعل استجاب يعقوب المنصور الماريني رحمه الله فقد وهب حياته للدفاع عن هذا الدين وفي هذه الموقعة ينتصر المسلمون على النصارى ويعقد النصارى عهدا مع المنصور الماريني رحمه الله وكانت له شروطا ولننظر لهذه الشروط التي فرضها يعقوب المنصور الماريني على النصارى فهو لم يطلب منهم مالا ولم يطلب قصورا أو جاها ولكن طلب منهم أن يأتوه بكتب المسلمين الموجودة في قرطبة وأشبيلية وطليطلة وغيرها من البلاد فهذا هو الذي يريده من تلك البلاد وبالفعل أتوا له بكميات ضخمة جدا من الكتب وهذا هو الذي حفظ تراث الأندلس إلى الآن فمازالت إلى الآن الكتب التي أخذها يعقوب المنصور الماريني موجودة في مكتبة فاس بالمغرب فانظروا إلى علو المقاصد والهمم عند هذا الرجل وانظروا كيف كان ابن الأحمر وأولاده .
وفي سنة 685 هـ يموت الحاكم العظيم المنصور رحمه الله ويخلفه يوسف بن المنصور على إمارة بني مارين ويذهب ابن الأحمر الفقيه بسرعة إلى يوسف ويعرض عليه ما شاء من أرض الأندلس ويعرض عليه الولاء والطاعة ويقدم له ما يريد فطلب يوسف بن المنصور رحمه الله أن يأخذ الجزيرة الخضراء وطريف حتى تكون قاعدة له في حرب النصارى وهدأت الأمور نسبيا في غرناطة ولكن لما أخذ يوسف بن المنصور رحمه الله الجزيرة الخضراء وجزيرة طريف تحركت الوساوس من جديد في قلب ابن الأحمر ومع أنه ملقب بالفقيه إلا أنه يذهب من جديد إلى النصارى ويستعين بهم مرة أخرى لحرب يوسف بن المنصور لرد طريف وأخذها من بني مارين .
يأتي بالفعل جيش النصارى ويحاصر طريف ولكن في هذه المرة يستطيعون أن يسقطوا طريف وكان الاتفاق بين النصارى وبين محمد الفقيه ابن الأحمر أنه إذا أخذوا هذه الجزيرة من بني ماريني أن يأخذها ابن الأحمر الفقيه ولكن بعد أن أخذها النصارى لم يعيدوها له ولكن أخذوها لأنفسهم وهكذا خانوا العهد معه وحدثت الجريمة الكبرى والخيانة العظمى وسقطت طريف وهذه الجزيرة في منتهى الخطورة لأنها تطل على مضيق جبل طارق وبذلك انقطعت بلاد المغرب عن بلاد الأندلس وبهذا انقطع المدد من بلاد المغرب إلى بلاد الأندلس ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وفي سنة 701 هـ يموت ابن الأحمر الفقيه ويتولى من بعده محمد الثالث الذي كان يلقب بالأعمش وهذا كان رجلا ضعيفا جدا وتولى الأمور في عهده الوزير أبو عبد الله بن الحكيم وما هو بالحكيم وسيطر على الأمور تماما في بلاد غرناطة ثم انظر ماذا فعل ؟ .
لقد كان هذا الوزير على شاكلة من سبقه في مراسلة ملك قشتالة والتحالف معه ثم هو لم يكتف بهذا بل إنه زاد في هذه المحالفة بأن فعل أمورا عجيبة فقد جهز جيشا وذهب ليقاتل المسلمين فهل تتخيلوا هذا ؟ ذهب ليحتل سبتة في المغرب العربي وذلك حتى يقوي شأنه في مضيق جبل طارق وانظروا إلى العجب الذي حدث في تاريخ المسلمين بل وفعل ما هو أشد من ذلك فقد تراسل مع رجل من بني مارين ليقوم بانقلاب ضد يوسف بن المنصور وأمده بسلاح فوافق الرجل وقامت فتنة في بني مارين وقد كان هذا الرجل يريد أن يزعزع الحكم في بني مارين ويعتمد تماما على ملك قشتالة في حكم وياله من غباء منقطع النظير فهذا أمر لا يقره عقل ولا دين .
ترى ما النتيجة ؟ لقد سقط جبل طارق في يد الصليبيين بعد أعوام قليلة وعزلت بالكلية بلاد الأندلس عن بلاد المغرب العربي وهكذا تركت غرناطة لمصيرها المحتوم ونحن نعلم أن حكام غرناطة وشعب غرناطة قد اعتمدوا في حياتهم منذ سنوات طويلة على استيراد النصر من بلاد المغرب والآن انقطع النصر الذي يأتي من بلاد المغرب هذا غير الخيانات التي حدثت على بلاد المغرب جعلت أهل المغرب لا يثقون في مساعدة أهل غرناطة وهكذا تركوا لحالهم وتركوا لشأنهم .
وقد سقط جبل طارق في سنة 709 هـ في يد الصليبيين ومنذ هذه السنة حتى سنة 897 هـ والحال كما هو في بلاد غرناطة بنوا الأحمر يعقدون معاهدات مع ملك قشتالة فهم يسلمون حصنا أو قرية ويدفعون الجزية وخزي وعار لسنوات طويلة لكن سبحان الله لم تسقط والذي حفظ تلك البلاد 200 سنة مع هذا الضعف الشديد وبدون مدد من بلاد المغرب أنه كان هناك خلاف كبير جدا يدور بين مملكتي قشتالة وأراجون فهما مملكتان نصرانيتان في شمال غرناطة كانا يتصارعان سويا وكل مملكة منهم أصبحت مملكة ضخمة وكبيرة وذلك على أنقاض الدولة الإسلامية في بلاد الأندلس فأصبحت قوة غرناطة هزيلة جدا ولا ينظرون إليها وانشغلوا بأنفسهم وتركوا المسلمين .
ودعونا ندرس آخر 25 سنة في آخر مائتي سنة تلك التي كانت على عهد واحد من الخمول والركون إلى المعاهدات المخزية مع النصارى فلننظر ما الذي غير الأحوال وجعل بلاد الأندلس تسقط بالكلية ويلتفت إليها النصارى بعد أن انشغلوا عنها بحروبهم .
تعليق