بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه والتابعين لاسيما الأئمة الأربعة المجتهدين وإمامي أهل السنة والجماعة في التوحيد ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين:
وكان عضد الدولة أميرا عظيم الهيبة، غزير العقل، شديد التيقظ، كثير الفضل، واسع الثقافة، مشاركا في العلوم، وقد تعلم على أحسن المعلمين.
فكان يقدر العلم والعلماء، ويحب الأدب والأدباء، ويؤثر مجالستهم عن مجالسة الأمراء، ويجرى الجرايات على الفقهاء والمحدثين، والنحاة والمفسرين، والشعراء والمتكلمين، والأطباء والمهندسين.
وكانت له خزانة كتب عظيمة، عنى بها عناية فائقة، يدل عليها وصف المقدسي لها بأنها " حجرة على حدة، عليها وكيل وخازن ومشرف. ولم يبق كتاب صنف إلى وقت عضد الدولة من أنواع العلوم إلا وحصله فيها.
وهى أزج طويل في صفة كبيرة، فيه خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان الأزج والخزائن بيوتا طولها قامة في عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوق، عليها أبواب تنحدر من فوق ! والدفاتر منضدة على الرفوف، لكل نوع بيوت وفهرستات فيها أسامي الكتب، ولا يدخلها إلا كل وجبة ".
وكان يقرض الشعر ويتمثل به، ويحكم على معانيه بعد التقرير له، فقصده العلماء من كل فج، وصنفوا له الكتب، كأبي على الفارسي الذي ألف له كتاب " الإيضاح " وكتاب " التكملة " في النحو.
وارتحل إليه الشعراء كأبي الطيب المتنبي الذي ورد عليه بشيراز في جمادى الأولى سنة 354، وأنشده قصيدته الهائية التي يقول فيها: وقد رأيت الملوك قاطبة =وسررت حتى رأيت مولاها
ومن مناياهم براحته=يأمرها فيهم وينهاها
أبا شجاع بفارس عضد الد=دولة فنا خسرو شهنشاها
أساميا لم تزده معرفة=وإنما لذة ذكرناها
وقد أفرد عضد الدولة في داره لأهل الخصوص والحكماء والفلاسفة، موضعا يقترب من مجلسه، فكانوا يجتمعون فيه للمفاوضة والمذاكرة، آمنين من السفهاء ورعاع العامة.
وكان مجلسه هذا يحتوى على شياطين المعتزلة، كأبي سعد: بشر بن الحسين قاضى قضاة شيراز، المتوفى سنة 380، والأحدب رئيس المعتزلة ببغداد وأبى إسحق النصيبينى رئيسهم بالبصرة، وأبى الحسن: محمد بن شجاع.
وقد لاحظ عضد الدولة خلو مجلسه من أهل السنة، فقال: هذا ليس مجلس عامر بالعلماء، إلا إني لا أرى فيه واحدا من أهل الإثبات والحديث، أما لهؤلاء المثبتة من ناصر ؟
قال خادمكم علي: خذ هذه الفائدة واحفظها أن الأشاعرة في ذلك العصر إذا قوبلوا بالمعتزلة كانوا يسمون بالمثبتة لأن المعتزلة نفاة للصفات فكان حق المقابلة ما ذكرتُ وبذلك تعلم أن كلمة الإثبات الواردة في كتاب التبصير في معالم الدين للإمام الطبري إنما هي للمثبتة الذين أثبتوا صفات المعاني المقابلين للمعتزلة النافيين لهذه الصفات وأيضاً المثبتة الذين أثبتوا الصفات المتشابهة المفوضة حقيقتها لله تعالى الذين هم السلف المقابلين للمعتزلة الذين أوجبوا تأويل آياتها وردوا حديث آحادها وبذلك تظهر الخيانة العلمية للوهابي الذي حقق كتاب التبصير......
نعود للحكاية.......:
فقال القاضي بشر بن الحسين: ليس لهم ناصر، وإنما هم عامة، أصحاب تقليد ورواية، يروون الخبر وضده ويعتقدونهما جميعا، لا يعرفون النظر والمعتزلة هم فرسان الجدل والمناظرة.
فقال عضد الدولة: محال أن يخلو مذهب طبق الأرض من ناصر ! فانظر إلى موضع فيه مناظر يكتب فيه فيجلب.
فلما تبين القاضي العزم في حديثه، قال: سمعت أن بالبصرة شيخا وشابا، الشيخ يعرف بأبي الحسن الباهلي، والشباب يعرف بابن الباقلاني.
فكتب عضد الدولة يومئذ إلى عامله بالبصرة ليبعثهما إليه، وأرسل إليهما خمسة آلاف درهم من الفضة، فلما وصل الكتاب إليهما قال الشيخ: هؤلاء الديلم قوم كفرة فسقة روافض، لا يحل لنا أن نطأ بساطهم، وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال: إن مجلسه مشتمل على أصحاب المحابر كلهم، ولو كان ذلك خالصا لله لنهضت. وشايعه على ذلك بعض أصحابه.
ولكن الباقلاني لم يعجبه رأى شيخه فقال له: كذا قال ابن كٌلَّاب والحارث ابن أسد المحاسبي ومن في عصرهم: إن المأمون فاسق ظالم لا نحضر مجلسه، حتى ساق أحمد بن حنبل، وجرى عليه بعد مما عرف، ولو ناظروه لكفوه عن هذا الأمر، وتبين له ما هم عليه بالحجة.
وأنت أيضا - أيها الشيخ - تسلك سبيلهم حتى يجرى على الفقهاء ما جرى على أحمد، ويقولوا: بخلق القرآن ونفى الرؤية وها أنا خارج إن لم تخرج.
فقال الشيخ: أما إذا شرح الله صدرك لذلك فافعل.
قال الباقلاني: فخرجتُ إلى شيراز، فلما دخلت المدينة استقبلني ابن خفيف في جماعة من الصوفية وأهل السنة، فلما جلسنا في موضع كان ابن خفيف يدارس فيه أصحابه " اللمع " للشيخ أبى الحسن الأشعري، فقلت له: تماد على التدريس كما كنت، فقال لي: أصلحك الله، إنما أنا بمنزلة المتيمم عند عدم الماء، فإذا وجد الماء فلا حاجة إلى التيمم.
فقلت له: جزاك الله خيرا، وما أنت بمتيمم، بل لك حظ وافر من هذا العلم، وأنت على الحق، والله ينصرك.
ثم قلت: متى الدخول إلى فنا خسرو ؟ فقالوا لي: يوم الجمعة لا يحجب عنه صاحب طيلسان.
فدخلت والناس قد اجتمعوا، والملك قاعد على سرير ملكه، والناس صفوف على يسار الملك، وفوق الكل قاضى القضاة: بشر بن الحسين، وكان يدخل مع الوزراء في وزارتهم، ويصغى الملك إلى رأيه في أمر الدولة، فلما رأيت ذلك كرهت أن أتقدم على الناس وأتخطى رقابهم، من غير أن أرفع، ولم تدعني نفسي أن أقعد في أخريات الناس.
وكان عن يمين الملك المجلس خاليا، ولا يقعد هناك إلا وزير وملك عظيم.
فمضيت وقعدت عن يمينه، بحذاء قاضى القضاة، فوجدوا من ذلك، وفزعوا واضطربوا، لأنه كان عندهم من الجنايات العظام، ونظر الملك لقاضي القضاة نظرا منكرا، وما في المجلس من يعرفني إلا رجل واحد.
فقال للقاضي: هذا هو الرجل الذي طلبه الملك من البصرة، فأعلم الملك بذلك، فقال قاضي القضاة: أطال الله بقاء مولانا، هذا هو الرجل الذي كتبت فيه، وهو لسان المثبتة.
فنظر الملك إلى الغلمان والحجاب فطاروا من بين يديه، ثم قال: اذكروا له مسألة، وكان في المجلس رئيس البغداديين من المعتزلة، وهو الأحدب.
وكان أفصح من عندهم وأعلمهم، وعدد كثير من معتزلة البصرة، أقدمهم أبو إسحاق النصيبينى، فقال الأحدب لبعض تلاميذه: سله، هل لله أن يكلف الخلق ما لا يطيقون، أو ليس له ذلك ؟ - وكان غرضه تقبيح صورتنا عند الملك - فقلت له: إن أردتم بالتكليف القول المجرد فقد وجد ذلك، لان الله تعالى قال: {قل: كونوا حجارة أو حديدا} ونحن لا نقدر أن نكون حجارة ولا حديدا.
وقال تعالى: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم} فطالبهم بما لا يعلمون.
وقال تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون}. وهذا كله أمر بما لا يقدر عليه الخلق.
وإن أردتم بالتكليف الذي نعرفه، وهو ما يصح فعله وتركه، فالكلام متناقض، وسؤالك فاسد، فلا تستحق جوابا، لأنك قلت: تكليف، والتكليف: اقتضاء فعل ما فيه مشقة على المكلف، وما لا يطاق لا يفعل لا بمشقة ولا بغير مشقة.
فسكت السائل، وأخذ الكلام الأحدب فقال: أيها الرجل، أنت سئلت عن كلام مفهوم فطرحته في الاحتمالات، وليس ذلك بجواب، وجوابه إذا سئلت أن تقول: نعم أو لا.
فأحفظني كلامه لما لم يوقرني توقير الشيوخ ولم يخاطبني بما يليق.
وقلت له: يا هذا أنت نائم ورجلاك في الماء: إنما طرحت السؤال في الاحتمالات، وقد بينت لك الوجوه المحتملة، فإن كان معك في المسألة كلام فهاته، وإلا تكلم في غيرها.
فقال الملك للأحدب: أيها الشيخ، قد بين الاحتمال، وليس لك أن تعيد عليه، ولا أن تغالطه، ثم إني ما جمعتكم إلا للفائدة لا للمهاترة، ولما لا يليق بالعلماء.
ثم التفت إلى وقال لي: تكلم على المسألة.
فقلت: ما لا يطاق على ضربين: أحدهما لا يطاق للعجز عنه، والآخر لا يطاق للاشتغال عنه بضده، كما يقال: فلان لا يطيق التصرف لاشتغاله بالكتابة وما أشبه ذلك، وهذا سبيل الكافر: أنه لا يطيق الإيمان، لا لأنه عاجز عن الإيمان، لكنه لا يطيقه لاشتغاله بضده الذي هو الكفر، فهذا يجوز تكليفه بما لا يطاق.
وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه، ولو ورد لكان جائزا وصوابا، وقد أثنى الله تعالى على من سأله أن (لعلها ألا) يكلفه ما لا يطيق، فقال عز وجل: (ولا تحملنا مالا طاقة لنا به)، لان الله تعالى له أن يفعل في ملكه ما يريد.
ثم تجاوز الأحدب الكلام إلى غيره، ومال الملك إلى قولي.
ثم سألني النصيبينى عن مسألة الرؤية: هل يرى الباري سبحانه بالعين ؟ وهل تجوز الرؤية عليه أو تستحيل ؟ وقال: كل شئ يرى بالعين، فيجب أن يكون في مقابلة العين.
فالتفت الملك إلىّ وقال: تكلم أيها الشيخ في المسألة.
فقلت: لو كان الشيء يرى بالعين لوجب أن يكون في مقابلة العين على ما قال: ولكن لا يرى الله بالعين.
فتعجب الملك من قولي، والتفت إلى قاضى القضاة، فقال: إذا لم ير الشيء بالعين، فبأي شئ يرى ؟ فقال: يسأله الملك.
فقال أيها الشيخ فبأي شئ يرى إذا لم ير بالعين ؟ فقلت: يرى بالإدراك الذي في العين، ولو كان الشيء يرى بالعين لكان يجب أن ترى كل عين قائمة، وقد علمنا أن الاجهر عينه قائمة ولا يرى شيئا.
فزاد الملك تعجبا، وقال للنصيبينى: تكلم.
فقال: إني لم أعلم أنه يقول هذا، ولا بنيت إلا على ما نعرف، وظننت أنه يسلم أن الشيء يرى بالعين ! فغضب الملك وقال: ما أنت مثل الرجل، لأنك بنيت المسألة على الظن.
ثم التفت إلى وقال لي: تكلم أنت.
فقلت: العين لا ترى، وإنما ترى الأشياء بالإدراك الذي يحدثه الله تعالى فيها، وهو البصر، ألا ترى أن المحتضر يرى الملائكة ونحن لا نراهم ؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يرى جبريل عليه السلام ولا يراه من يحضره ؟ والملائكة يرى بعضهم بعضا ولا نراهم نحن ؟ والدليل على جواز رؤية الباري تعالى أنه ليس فيها قلب للحقائق، ولا إفساد للأدلة، ولا إلحاق صفة نقص بالقديم تعالى، فوجب أن يكون كسائر الموجودات، لأنه تعالى موجود، والشيء إنما يرى لأنه موجود، لان المرئي لم يكن مرئيا لأنه جنس، لانا نرى سائر الأجناس المختلفة، ولا لقيام معنى بالمرئي، لانا نرى الأعراض التي لا تحمل المعاني، وقد ثبت بالنص وجوب رؤية الحق سبحانه في الدار الآخرة.
في المجلس كلام كثير، وقال الملك على إثره لقاضي القضاة: ألم أقل لك: إن مذهبا طبق الأرض لابد له من ناصر.
ولما انقضى المجلس صحبني بعض الحجاب إلى منزل هيئ لي فيه جميع ما أحتاج إليه، فسكنته.
ولما خرج الباقلاني قال الملك لقاضيه: فكرت بأي قتلة أقتله لجلوسه حيث جلس بغير أمري، وأما الآن فقد علمت أنه أحق بمكاني مني.
ثم دفع ابنه صمصام الدولة، ليعلمه مذهب أهل السنة، فعلمه وألف له كتاب " التمهيد " ولم يزل الباقلاني عند عضد الدولة، إلى أن أقدم بغداد.
من مقدمة كتاب الإعجاز -الشاملة
تعليق