بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، و الصلاة و السلام على سيدنا رسول الله، اللهم أصلح سرائرنا و علانيتنا، إنك العليم بذات الصدور.
قبل قليل تصفحت الشبكة، كنت أريد التأكد من نسبة بيت للبوصيري، فوقعت على شرح و تعليقات على بعض أبيات البردة، من شيخ اسمه محمد جميل زينو، رحمه الله، فهالني صدقا ما قرأت، فبحثت عن سيرته فعرفت أنه كان "صوفيا"، أو على الأصح كان يجالسهم و يحضر زواياهم، و السيرة مكتوبة بقلمه رحمه الله، و لكني تشككت من صحة وقوع المواقف التي ورد فيها، ما علينا، نرجع للتعليقات و الشرح، حقيقة من يقرأ التعليقات و الشرح يدرك بلا أدنى تأمل واحدا من أمرين: إما منتهى سذاجة و سطحية الفهم، و هو مستبعد، إذا علمنا أن هناك من يلقبه بالعلامة و العالم، حتى لو كان الواصف وهابيا، مجرد وصفه بهذه الصفة من طالب علم في منتدى ناطق بالعلم -ملتقى أهل الحديث- من المفترض أن ينفي نسبة هذا الأمر إليه بالكلية، و إما أنه متقصد للرد على البوصيري لمجرد الرد، لتكثير "حِبر" الذين يردون على ما يظنونه مخالفات و شركيات يعني، و هذا أهون الأمرين.
و سأعرض ثلاث أبيات نموذجا.
قال رحمه الله:
6- وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من *** لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
الشاعر يقول لولا محمد صلى الله عليه وسلم لما خُلقت الدنيا ، والله يكذبه ويقول
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات:56وحتى محمد صلى الله عليه وسلم خُلق للعبادة وللدعوة إليها يقول الله تعالى
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين) الحجر:فهو يزعم أن الله سبحانه و تعالى يكذب هذا المعنى، بدليل أن الله تعالى قال في كتابه : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، و لكن ما علاقة هذه الأية و أين وجه الاستدلال؟ البوصيري يقول أن سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم هو سبب لخروج الدنيا من العدم، فمن الواجب على المحتج أن يأتي بدليل يقول بكل وضوح أن سبب خروج الدنيا من العدم هو ليس النبي صلى الله عليه و سلم، و إذا أراد الزيادة و قوة الحجة ذكر لنا سبب خروج الدنيا من العدم أيضا، و لكنه لم يفعل هذا و لا ذاك، هو أتى بآية معناها أن سبب خلق الناس و الجن هو العبادة، فما علاقة الدنيا هنا؟ فقد تكون خلقت لسبب آخر! أقصد، أن الآية -وحدها دون ضم أدلة أخرى معها- لا تفيد سبب خروج الدنيا من العدم، و أما استنباط أن الله خلق الجن و الإنس للعبادة، إذن الدنيا خلقت ليعبد الإنس و الجن اللهً فيها، فهي لا تفيده بالضرورة، و تحتاج إلى دليل آخر، و الله أعلم، هذا رأيي المتواضع. و على التسليم أنها تفيده، فالاستدلال به ليس جيدا و لا واضحا بل هو خفي. و لم تعجبني أبدا زيادته (وحتى محمد صلى الله عليه وسلم خُلق للعبادة وللدعوة إليها)، ما فائدة ذكر هذا هنا؟ لا، بل و الاستدلال عليها أيضا، كأن أمر خلق سيد الخلق صلى الله عليه و سلم للعبادة أمرُ غامض يحتاج إلى دليل، أو لكأن هذه الآية -(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين)- تعارض البيت أو لها علاقة به أصلا.
البيت الثاني:
4- فإن لي منه ذمة بتسميتي *** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
يقول الشاعر: إن لي عهداً عند الرسول أن يدخلني الجنة، لأن اسمي محمداً، ومن أين له هذا العهد ؟
ونحن نعلم أن كثيراً من الفاسقين والشيوعيين من المسلمين اسمه محمد، فهل التسمية بمحمد مُبرر لدخولهم الجنة ؟ والرسول قال لبنته فاطمة رضي الله عنها "سليني من مالي
ما شِئْتِ، لا أُغني عنك من الله شيئاً " _رواه البخاري.
فأي إنسان سمع بالشعر و يفهم كلام العرب ممكن أن يفهم هذا المعنى؟ هل فعلا الشيخ زينو يحسب أن البوصيري يعتقد أن لمجرد أن اسمه "محمد" فسيدخل الجنة من دون النظر إلى أي اعتبار آخر؟ هل فعلا يظن الشيخ ذلك؟ يعني: حتى الطفل المسلم في الشارع لا يمكن أن يكون عنده هذا المنطق، أقصد أن يظن لتسميته به فهو الناجي، فهو الفائر بالجنة، فلأعمل ما أشاء من الذنوب و الكبائر و الشرك الأكبر، إذ أن اسمي محمد، هو معيار لمعرفة داخل الجنة، فلنحكم على كل مسمى باسمه الشريف بدخولها، ربما نسمي أولادنا كذلك و أحفادنا، و نوصي أحبابنا و ذوينا بذلك فنكون من المبشرين بالجنة من دون جُل الصحابة! يعني هل يحسب الشيخ أن البوصيري بهذه الدرجة من الجهل بالدين، و الاجتراء عليه، و التي يبرأ منها أطفال المسلمين، حتى يرد عليه بهذا الرد؟ من يفهم كلام العرب و يعرفه يعلم أن المقصود إنما هو ترغيب للتسمية باسمه الشريف، و تغن به و حبا فيه، و رغبة شديدة بالتعلق بأي شيء ممكن أن يوصل إلى شفاعته صلى الله عليه و سلم، هذا هو الغرض من البيت.
البيت الثالث، و هو المضحك المبكي، و اعذروني إن قلت أني لم أتمالك نفسي من الضحك على هذا الشرح الغريب:
5- لعل رحمة ربي حين يقسمها *** تأتي على حسب العصيان في القسم
وهذا غير صحيح، فلو كانت الرحمة تأتي قسمتها على قدر المعاصي كما قال الشاعر لكان على المسلم أن يزيد في المعاصي حتى يأخذ من الرحمة أكثر، وهذا لا يقوله مسلم
ولا عاقل ولأنه مخالف قول الله تعالى
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الأعراف:56والله تعالى يقول
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُون) الأعراف:156يقول: (و هذا لا يقول به مسلم و لا "عاقل")، طيب من البداية أيها الشيخ أليس الأولى بك أن تعيد النظر في فهمك لبيت شعره إذ ظننت أنه لا يقول به عاقل! أم أنك جردت الرجل من العقل أيضا! فسبحان الله!
الشيخ -سامحه الله!- نسي أو تناسى أن هناك كلمة قيلت في أول البيت: (لعل)، التي تفيد التمني، ثم طفق يفسر البيت بدونها! شرحا مضحكا! لا أزيد على هذا الوصف، ثم يتهم الشاعر أن كلامه لا يقوله مسلم و لا عاقل! من أولى بالاتهام! كلام البوصيري بالكفر و الخبل! أم أنت بالعجز عن فهم أبسط الشعر!
لو أن محمود شاكر حي و قرأ هذا الشرح لكلام العرب لصعق قلبه من فوره، و لقال بيت شيخ المعرة (فيا موتُ زر إن الحياة مريرة *** و يا نفس جدي إن دهرك هازلُ)
فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به و فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا.
تعليق