الجوهرة المائة
سورة الشوري
ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ }
قال الرازي
وظاهر هذه الآية يقتضي أنه طلب أجراً على التبليغ والرسالة، وهو المودة في القربى هذا تقرير السؤال، والجواب عنه: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ والرسالة، بقي قوله { إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى} نقول الجواب عنه من وجهين الأول: أن هذا من باب قوله:
ولا عيب غير أن سيوفهم بها من قراع الدارعين فلول
المعنى أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى:
{ والمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ }
[التوبة: 71] وقال صلى الله عليه وسلم: " المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً " والآيات والأخبار في هذا الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجباً فحصولها في حق أشرف المسلمين وأكابرهم أولى، وقوله تعلى: { قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى القُرْبَي} تقديره والمودة في القربى ليست أجراً، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة الوجه الثاني: في الجواب أن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً }.
ثم قال: { إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى} أي لكن أذكركم قرابتي منكم وكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر.
وقال القرطبي
قوله تعالى: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } أي قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلاً. { إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } قال الزجاج: «إِلاَّ الْمَوَدَّةَ» استثناء ليس من الأول أي إلا أن تَوَدُّوني لقرابتي فتحفظوني. والخطاب لقريش خاصَّةً قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبيّ وغيرهم. قال الشعبيّ: أكْثَرَ الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش، فليس بَطْنٌ من بطونهم إلا وقد وَلَدَه فقال الله له: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } إلا أن تَوَدُّوني في قرابتي منكم أي تراعوا ما بيني وبينكم فتصدّقوني. فـ «ـالْقُرْبَى» هاهنا قرابة الرَّحِم كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوّة. قال عكرمة: وكانت قريش تَصِل أرحامها فلما بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم قطعته فقال: " صِلُوني كما كنتم تفعلون " فالمعنى على هذا: قل لا أسألكم عليه أجراً لكن أذكّركم قرابتي على استثناء ليس من الأوّل ذكره النحاس. وفي البخاريّ عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: { إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } فقال سعيد بن جُبير: قربى آل محمد فقال ابن عباس: عجِلت! إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصِلوا ما بينكم من القرابة. فهذا قول. وقيل: القربى قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي لا أسألكم أجراً إلا أن تَودّوا قرابتي وأهل بيتي، كما أمر بإعظامهم ذوي القربى. وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب والسُّدّي. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: " لما أنزل الله عز وجل: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين نَوَدُّهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وأبناؤهما» " ويدل عليه أيضاً ما روي " عن عليّ رضي الله عنه قال: شكوت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي. فقال: «أما ترضى أن تكون رابعَ أربعة أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرّيتنا خلف أزواجنا» " وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عِتْرَتي ومن ٱصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة "
وقال الحسن وقتادة: المعنى إلا أن يتودّدوا إلى الله عز وجل ويتقرّبوا إليه بطاعته. فـ «ـالْقُرْبَى» على هذا بمعنى القربة. يقال: قُرْبَة وقُرْبى بمعنًى كالزُّلْفة والزُّلْفى. وروى قَزَعة بن سُويد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " قل لا أسألكم على ما آتيتكم به أجراً إلا أن توادّوا وتقرّبوا إليه بالطاعة " وروى منصور وعوف عن الحسن «قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» قال: يتودّدون إلى الله عز وجل ويتقرّبون منه بطاعته. وقال قوم: الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، وأمرهم الله بمودّة نبيه صلى الله عليه وسلم وصِلة رحِمه، فلما هاجر آوته الأنصار ونصروه، وأراد الله أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا:{ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الشعراء: 109]، فأنزل الله تعالى:{ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } [سبأ: 47] فنسخت بهذه الآية وبقوله:{ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ } [صۤ: 86]، وقولِه:{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } [المؤمنون: 72]، وقولِه:{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } [الطور: 40] قاله الضحاك والحسين بن الفضل. ورواه جُوَيبر عن الضحاك عن ابن عباس.
سورة الشوري
ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ }
قال الرازي
وظاهر هذه الآية يقتضي أنه طلب أجراً على التبليغ والرسالة، وهو المودة في القربى هذا تقرير السؤال، والجواب عنه: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ والرسالة، بقي قوله { إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى} نقول الجواب عنه من وجهين الأول: أن هذا من باب قوله:
ولا عيب غير أن سيوفهم بها من قراع الدارعين فلول
المعنى أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى:
{ والمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ }
[التوبة: 71] وقال صلى الله عليه وسلم: " المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً " والآيات والأخبار في هذا الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجباً فحصولها في حق أشرف المسلمين وأكابرهم أولى، وقوله تعلى: { قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى القُرْبَي} تقديره والمودة في القربى ليست أجراً، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة الوجه الثاني: في الجواب أن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً }.
ثم قال: { إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى} أي لكن أذكركم قرابتي منكم وكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر.
وقال القرطبي
قوله تعالى: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } أي قل يا محمد لا أسألكم على تبليغ الرسالة جعلاً. { إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } قال الزجاج: «إِلاَّ الْمَوَدَّةَ» استثناء ليس من الأول أي إلا أن تَوَدُّوني لقرابتي فتحفظوني. والخطاب لقريش خاصَّةً قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو مالك والشعبيّ وغيرهم. قال الشعبيّ: أكْثَرَ الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عنها فكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوسط الناس في قريش، فليس بَطْنٌ من بطونهم إلا وقد وَلَدَه فقال الله له: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } إلا أن تَوَدُّوني في قرابتي منكم أي تراعوا ما بيني وبينكم فتصدّقوني. فـ «ـالْقُرْبَى» هاهنا قرابة الرَّحِم كأنه قال: اتبعوني للقرابة إن لم تتبعوني للنبوّة. قال عكرمة: وكانت قريش تَصِل أرحامها فلما بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم قطعته فقال: " صِلُوني كما كنتم تفعلون " فالمعنى على هذا: قل لا أسألكم عليه أجراً لكن أذكّركم قرابتي على استثناء ليس من الأوّل ذكره النحاس. وفي البخاريّ عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: { إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } فقال سعيد بن جُبير: قربى آل محمد فقال ابن عباس: عجِلت! إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصِلوا ما بينكم من القرابة. فهذا قول. وقيل: القربى قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي لا أسألكم أجراً إلا أن تَودّوا قرابتي وأهل بيتي، كما أمر بإعظامهم ذوي القربى. وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب والسُّدّي. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: " لما أنزل الله عز وجل: { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين نَوَدُّهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وأبناؤهما» " ويدل عليه أيضاً ما روي " عن عليّ رضي الله عنه قال: شكوت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي. فقال: «أما ترضى أن تكون رابعَ أربعة أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرّيتنا خلف أزواجنا» " وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عِتْرَتي ومن ٱصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة "
وقال الحسن وقتادة: المعنى إلا أن يتودّدوا إلى الله عز وجل ويتقرّبوا إليه بطاعته. فـ «ـالْقُرْبَى» على هذا بمعنى القربة. يقال: قُرْبَة وقُرْبى بمعنًى كالزُّلْفة والزُّلْفى. وروى قَزَعة بن سُويد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " قل لا أسألكم على ما آتيتكم به أجراً إلا أن توادّوا وتقرّبوا إليه بالطاعة " وروى منصور وعوف عن الحسن «قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» قال: يتودّدون إلى الله عز وجل ويتقرّبون منه بطاعته. وقال قوم: الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، وأمرهم الله بمودّة نبيه صلى الله عليه وسلم وصِلة رحِمه، فلما هاجر آوته الأنصار ونصروه، وأراد الله أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء حيث قالوا:{ وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الشعراء: 109]، فأنزل الله تعالى:{ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } [سبأ: 47] فنسخت بهذه الآية وبقوله:{ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ } [صۤ: 86]، وقولِه:{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } [المؤمنون: 72]، وقولِه:{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } [الطور: 40] قاله الضحاك والحسين بن الفضل. ورواه جُوَيبر عن الضحاك عن ابن عباس.
أن تنساه، قيل أي أبداً، قال الحسن وقتادة وغيرهما وهذا مما قضى الله تعالى نسخة وأن يرتفع حكمه وتلاوته. والظاهر أن النسيان على حقيقته. وفي «الكشاف» ((أي إلا
تعليق