[frame="7 80"]بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه :
قبل البدء في الموضوع ..
كنت قد اشتريت قبل سنوات كتاباً لطيفاً بعنوان ( شجر الدر في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة ) لأبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي ، المتوفى سنة 351 هجرية . والكتاب طبعته دار المعارف في مصر ضمن سلسلتها : ذخائر العرب . وقد قدم له وحققه وعلق عليه الأستاذ محمد عبد الجواد أستاذ فقه اللغة بدار العلوم ( سابقاً ) ومعهد التربية للمعلمات بالزمالك ( سابقاً ). والطبعة التي بين يدي هي الطبعة الثالثة .
ثم رأيت أن أكتب هذه المقالة لتقديمها لقراء المنتدى مرتكزا كثيرا على مقدمة المحقق لهذا الكتاب بتصرف مني ببعض الألفاظ والأفكار مضيفا أو مغيرا .. مسهبا أو مختصرا . فكانت هذه المقالة :
افتنان العلماء في نشر العربية
اللغة العربية .. تلك اللغة العظيمة .. البهية الألفاظ والمعاني .. والمفردات والمركبات .. والظواهر والضمائر .. والأسماء والأفعال ، هذه اللغة التي أكرمها الله بجعلها لغة آخر كتبه ، المحفوظ من التحريف ، الحجة لبعض بني آدم والحجة على بعضٍ آخر .. لغة القرآن يتقرب بها معلموها ومتعلموها إلى الله تعالى . لذا .. تجد اهتمام العلماء بها عظيما ، والتواصي بتعلمها ظاهراً في كلامهم بيناً .
لم يقتصر الاهتمام بها على من خصص جل وقته أو كله بعد حفظ القرآن وقدر من الأحاديث في العادة لتعلمها وتعليمها ، وإنما درسها واهتم بها علماء آخرون كعلماء التفسير وأصول الفقه . بل إن الأخيرين خدموا اللغة خدمة فاقت خدمة المتخصصين فيها في بعض الجوانب التي لها صلة وثيقة جداً بالأحكام الشرعية .
و قد كانت الحركة العلمية في القرون الهجرية الأولى نشطة ودؤوبة ، وكان لعلماء العربية نصيب وافر منها كنظرائهم من علماء الفقه والتفسير والحديث والسير والتاريخ .
وكانت مشافهة من لديه العلم هي الطريقة السائدة التي تلقى بها الطلبةُ العلمَ عن شيوخهم ، فظهرت سلاسل العلم وأسانيده التي انتظم فيها العالم تلو العالم . وقد شافه طلبةُ العربية العلماءَ في المدن والأعرابَ في البوادي ، ونظروا في مفردات القرآن وغرائبه ( الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم ، كما أن الغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل.. وهذا تعريف الإمام أبي سليمان الخطابي حسبما نقله بعض الأساتذة الباحثين عن كتاب كشف الظنون ) وفي أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وفي أشعار الجاهلية وصدر الإسلام وخطابتهما وحكمهما وأمثالهما .. حتى تجمع لدى العلماء كمٌّ وفير وقدر عظيم من المفردات والتراكيب اللغوية .. جدير بالتسجيل والتدوين ونقلها إلى الجيل بل الأجيال القادمة .
فمنهم من جمع مفردات تدور حول موضوع واحد ، يصف فيه حيواناً كالخيل والوحش ، أو نباتاً كالنخل والزرع ، أو ظاهرة ً كالسحاب والمطر ، أو يتكلم في الجبال والمعدنيات أو اللباس والطعام ، أو جمع مفردات باب واحد وضم بعضها إلى بعض : كما في كتاب اللبأ واللبن لأبي زيد الأنصاري ( سعيد بن أوس الأنصاري البصري 119 225هجرية ) ، وكتاب النبات والشجر ، وكتاب الخيل ، وكتاب الشاء ، وكتاب الدارات للأصمعي ( أبي سعيد عبد الملك الباهلي 123 216 هجرية ) ، وكتاب الأنواء ، وكتاب النخل والزرع ، وكتاب البئر لابن الأعرابي ( أبي عبد الله محمد بن زياد الكوفي 152 232 هجرية ) ، وكتاب المطر والسحاب لابن دريد ( أبي بكر محمد بن دريد الأزدي 223 321 هجرية ) وغيرها .
لكن الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري ( شيخ سيبويه وغيره ، 100 174 هجرية ) كان قد اتجه إلى الحروف ، فنظم المفردات بالنسبة إلى حروفها لا إلى معانيها ، فصنف كتابه ( العين ) ، وسلك مسلكه آخرون اقتفوا الأثر نفسه ، فكان ظهور ( لسان العرب ) و ( القاموس المحيط ) وغيرهما من الكتب التي عمد أصحابها إلى الألفاظ فرتبوها حسب حروفها مبتدئين بأول حرف من الكلمة أو آخر حرف منها ،فيضبطونها ويشرحون معناها أو معانيها ، ويوضحون استعمالها . وهذه الكتب أسماها الدكتور محمد عبد الجواد في مقدمته لتحقيق كتاب شجر الدر في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة : ( معجمات الألفاظ ) .
ومما تميز به علماء الأمة في مختلف العلوم الشرعية واللغوية : استجابتهم للمتغيرات في الساحة الإسلامية عامة والعلمية خاصة .. استجابة لم يخرجوا بها عن ثوابت الدين وقواعده العامة . فتجدهم لما رأوا ضعفاً في الهمم عن حفظ الكتب المطولة عن ظهر قلب وقد كان حفظ العلم من أسس تقويم ( ولا تقل : تقييم ) العالم والطالب اتجهوا إلى تصنيف المختصرات واختصار المطولات ليكون لدى الطالب رؤوس المسائل ومفاتيحها يستذكرها بسرعة عند الحاجة .
ولما رأوا عزوفاً عن حفظ كتب العلم المكتوبة نثراً اتجهوا إلى نظم العلوم شعراً ليسهل على الطالب حفظها . وما زالت بعض البلدان تتوارث فيها الأجيال حفظ المنظومات العلمية القديمة والحديثة . ولعل أبرز هذه البلدان الآن هي بلاد شنقيط ( موريتانيا .. بلد المليون شاعر ) .
وكان لعلماء اللغة نصيب من هذه الاستجابة للمتغيرات بما لا يمس الثوابت ، فقد تفننوا في عرض اللغة العربية حسبما تدعو الحاجة إلى ذلك .ففي مواجهة ما استجد في الدولة الإسلامية من إنشاء دواوين للكتابة والرسائل .. ظهرت كتب تجمع الألفاظ الخاصة بالمعنى الواحد لسد حاجة الكتّاب إلى جمع هذه الألفاظ وجعلها في متناول اليد والفكر . فكأنها مجموعة من الكتب السابق ذكرها التي وضعها الأصمعي و أضرابه . وهكذا ظهرت المصنفات التي أسماها ابن سيده ( أبو الحسن علي بن إسماعيل المتوفى سنة 458 هجرية ، الأندلسي صاحب المحكم والمخصص ) أسماها " الكتب المبوبة " ، أو ما أسماها د . محمد عبد الجواد " معجمات المعاني " ، أمثال : تهذيب الألفاظ لابن السكيت ( أبي يوسف يعقوب بن السكيت ، صاحب كتاب إصلاح المنطق ، 186 244 هجرية ) ، وكتاب فقه اللغة للثعالبي ( أبي منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري 350 429 هجرية ) ، والمخصص لابن سيده .
وفي مواجهة الملل والسآمة التي تصيب بعض الطلبة توجه بعض العلماء إلى ابتكار طريقة جديدة في عرض المفردات العربية ، فألفوا بعض الكتب بطريقة تداخل الكلمات والمعاني ، وهو ما يعرف بالمُداخَل أو المتداخل أو المسلسل . ومنهم من اتجه إلى طريقة أخرى هي تأليف المقامات التي جمعت بين الجانب القصصي والجانب اللغوي ، بل اختلف المهتمون في الباعث الأول لمثل هذا التأليف : هل هو باعث أدبي قصصي ، أم باعث لغوي تزيا بزي الأدب والقصص ؟
انتهت المقدمة .
وأنتظر منكم التوجيه والتصحيح ، لوجود آراء و تعليلات هنا ظنية غير قطعية ، والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه ، ورحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أخوكم / سامي أحمد العمير[/frame]
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه :
قبل البدء في الموضوع ..
كنت قد اشتريت قبل سنوات كتاباً لطيفاً بعنوان ( شجر الدر في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة ) لأبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي ، المتوفى سنة 351 هجرية . والكتاب طبعته دار المعارف في مصر ضمن سلسلتها : ذخائر العرب . وقد قدم له وحققه وعلق عليه الأستاذ محمد عبد الجواد أستاذ فقه اللغة بدار العلوم ( سابقاً ) ومعهد التربية للمعلمات بالزمالك ( سابقاً ). والطبعة التي بين يدي هي الطبعة الثالثة .
ثم رأيت أن أكتب هذه المقالة لتقديمها لقراء المنتدى مرتكزا كثيرا على مقدمة المحقق لهذا الكتاب بتصرف مني ببعض الألفاظ والأفكار مضيفا أو مغيرا .. مسهبا أو مختصرا . فكانت هذه المقالة :
افتنان العلماء في نشر العربية
اللغة العربية .. تلك اللغة العظيمة .. البهية الألفاظ والمعاني .. والمفردات والمركبات .. والظواهر والضمائر .. والأسماء والأفعال ، هذه اللغة التي أكرمها الله بجعلها لغة آخر كتبه ، المحفوظ من التحريف ، الحجة لبعض بني آدم والحجة على بعضٍ آخر .. لغة القرآن يتقرب بها معلموها ومتعلموها إلى الله تعالى . لذا .. تجد اهتمام العلماء بها عظيما ، والتواصي بتعلمها ظاهراً في كلامهم بيناً .
لم يقتصر الاهتمام بها على من خصص جل وقته أو كله بعد حفظ القرآن وقدر من الأحاديث في العادة لتعلمها وتعليمها ، وإنما درسها واهتم بها علماء آخرون كعلماء التفسير وأصول الفقه . بل إن الأخيرين خدموا اللغة خدمة فاقت خدمة المتخصصين فيها في بعض الجوانب التي لها صلة وثيقة جداً بالأحكام الشرعية .
و قد كانت الحركة العلمية في القرون الهجرية الأولى نشطة ودؤوبة ، وكان لعلماء العربية نصيب وافر منها كنظرائهم من علماء الفقه والتفسير والحديث والسير والتاريخ .
وكانت مشافهة من لديه العلم هي الطريقة السائدة التي تلقى بها الطلبةُ العلمَ عن شيوخهم ، فظهرت سلاسل العلم وأسانيده التي انتظم فيها العالم تلو العالم . وقد شافه طلبةُ العربية العلماءَ في المدن والأعرابَ في البوادي ، ونظروا في مفردات القرآن وغرائبه ( الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم ، كما أن الغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل.. وهذا تعريف الإمام أبي سليمان الخطابي حسبما نقله بعض الأساتذة الباحثين عن كتاب كشف الظنون ) وفي أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وفي أشعار الجاهلية وصدر الإسلام وخطابتهما وحكمهما وأمثالهما .. حتى تجمع لدى العلماء كمٌّ وفير وقدر عظيم من المفردات والتراكيب اللغوية .. جدير بالتسجيل والتدوين ونقلها إلى الجيل بل الأجيال القادمة .
فمنهم من جمع مفردات تدور حول موضوع واحد ، يصف فيه حيواناً كالخيل والوحش ، أو نباتاً كالنخل والزرع ، أو ظاهرة ً كالسحاب والمطر ، أو يتكلم في الجبال والمعدنيات أو اللباس والطعام ، أو جمع مفردات باب واحد وضم بعضها إلى بعض : كما في كتاب اللبأ واللبن لأبي زيد الأنصاري ( سعيد بن أوس الأنصاري البصري 119 225هجرية ) ، وكتاب النبات والشجر ، وكتاب الخيل ، وكتاب الشاء ، وكتاب الدارات للأصمعي ( أبي سعيد عبد الملك الباهلي 123 216 هجرية ) ، وكتاب الأنواء ، وكتاب النخل والزرع ، وكتاب البئر لابن الأعرابي ( أبي عبد الله محمد بن زياد الكوفي 152 232 هجرية ) ، وكتاب المطر والسحاب لابن دريد ( أبي بكر محمد بن دريد الأزدي 223 321 هجرية ) وغيرها .
لكن الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري ( شيخ سيبويه وغيره ، 100 174 هجرية ) كان قد اتجه إلى الحروف ، فنظم المفردات بالنسبة إلى حروفها لا إلى معانيها ، فصنف كتابه ( العين ) ، وسلك مسلكه آخرون اقتفوا الأثر نفسه ، فكان ظهور ( لسان العرب ) و ( القاموس المحيط ) وغيرهما من الكتب التي عمد أصحابها إلى الألفاظ فرتبوها حسب حروفها مبتدئين بأول حرف من الكلمة أو آخر حرف منها ،فيضبطونها ويشرحون معناها أو معانيها ، ويوضحون استعمالها . وهذه الكتب أسماها الدكتور محمد عبد الجواد في مقدمته لتحقيق كتاب شجر الدر في تداخل الكلام بالمعاني المختلفة : ( معجمات الألفاظ ) .
ومما تميز به علماء الأمة في مختلف العلوم الشرعية واللغوية : استجابتهم للمتغيرات في الساحة الإسلامية عامة والعلمية خاصة .. استجابة لم يخرجوا بها عن ثوابت الدين وقواعده العامة . فتجدهم لما رأوا ضعفاً في الهمم عن حفظ الكتب المطولة عن ظهر قلب وقد كان حفظ العلم من أسس تقويم ( ولا تقل : تقييم ) العالم والطالب اتجهوا إلى تصنيف المختصرات واختصار المطولات ليكون لدى الطالب رؤوس المسائل ومفاتيحها يستذكرها بسرعة عند الحاجة .
ولما رأوا عزوفاً عن حفظ كتب العلم المكتوبة نثراً اتجهوا إلى نظم العلوم شعراً ليسهل على الطالب حفظها . وما زالت بعض البلدان تتوارث فيها الأجيال حفظ المنظومات العلمية القديمة والحديثة . ولعل أبرز هذه البلدان الآن هي بلاد شنقيط ( موريتانيا .. بلد المليون شاعر ) .
وكان لعلماء اللغة نصيب من هذه الاستجابة للمتغيرات بما لا يمس الثوابت ، فقد تفننوا في عرض اللغة العربية حسبما تدعو الحاجة إلى ذلك .ففي مواجهة ما استجد في الدولة الإسلامية من إنشاء دواوين للكتابة والرسائل .. ظهرت كتب تجمع الألفاظ الخاصة بالمعنى الواحد لسد حاجة الكتّاب إلى جمع هذه الألفاظ وجعلها في متناول اليد والفكر . فكأنها مجموعة من الكتب السابق ذكرها التي وضعها الأصمعي و أضرابه . وهكذا ظهرت المصنفات التي أسماها ابن سيده ( أبو الحسن علي بن إسماعيل المتوفى سنة 458 هجرية ، الأندلسي صاحب المحكم والمخصص ) أسماها " الكتب المبوبة " ، أو ما أسماها د . محمد عبد الجواد " معجمات المعاني " ، أمثال : تهذيب الألفاظ لابن السكيت ( أبي يوسف يعقوب بن السكيت ، صاحب كتاب إصلاح المنطق ، 186 244 هجرية ) ، وكتاب فقه اللغة للثعالبي ( أبي منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري 350 429 هجرية ) ، والمخصص لابن سيده .
وفي مواجهة الملل والسآمة التي تصيب بعض الطلبة توجه بعض العلماء إلى ابتكار طريقة جديدة في عرض المفردات العربية ، فألفوا بعض الكتب بطريقة تداخل الكلمات والمعاني ، وهو ما يعرف بالمُداخَل أو المتداخل أو المسلسل . ومنهم من اتجه إلى طريقة أخرى هي تأليف المقامات التي جمعت بين الجانب القصصي والجانب اللغوي ، بل اختلف المهتمون في الباعث الأول لمثل هذا التأليف : هل هو باعث أدبي قصصي ، أم باعث لغوي تزيا بزي الأدب والقصص ؟
انتهت المقدمة .
وأنتظر منكم التوجيه والتصحيح ، لوجود آراء و تعليلات هنا ظنية غير قطعية ، والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه ، ورحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أخوكم / سامي أحمد العمير[/frame]
تعليق