كنت في نقاش مع أحد الوهابية في مسألة الصفات الخبرية , فلما ألزمته بأن هذه الألفاظ من باب المجاز , قال: هذا يدل على أن المعنى المجازي قد نقل عن المعنى الحقيقي للفظ , فيكون المعنى الحقيقي للفظ ثابت لله تعالى , فاليد الحقيقية والعين الحقيقية ثابتة له سبحانه وتعالى !!
فقلت له : أنكم لما تفطنتم إلى أن اللغة العربية هي مصدر كشف قبائحكم وفضح طرائكم , جاء دورها لتنال نصيبها من الظلم والبغي والابتداع , وهذه القاعدة التي تكلمت عنها أظن أنها من ابتكار الهراس صاحب شرح الطحاوية , حيث يقول : ( بأنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى , لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنًى آخَرَ , إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ ثَابِتًا لِلْمَوْصُوفِ ، حَتَّى يُمْكِنُ لِلذِّهْنِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الْمَلْزُومِ إِلَى لَازِمِهِ" .
أي أنه إذا نسبنا وصفاً أو أمراً لشيء ما , فلا بد من ثبوت هذا الأمر أو الوصف لهذا الشيء , فمثلاً : لفظ "الظفر" وهو الجزء الذي يكون في الأصبع , لا يمكن أن يستعمل لأي شيء إلا إذا كان هذا الشيء محتوياً على الظفر.
ولكن هذا كلام باطل , لم يقره أحد من علماء اللغة قديماً كان أو معاصراً , بل وجدنا أن العرب قد استعملت الألفاظ لمعان غير ثابتة للموصوف , فقد استعملوا لفظ "الظفر" للمنية , ومعلوم أن المنية ليس لها ظفر , ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي :
وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها = أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ
ولكن هذه قاعدة غائية , أي أنهم وضعوها للوصول إلى ما يريدون , وليست معروفة عند اللغويين , بل علماء اللغة يقولون بخلافها , فاستعملها هؤلاء فيما نُسب إلى الخالق جل وعلا من ألفاظ لا يراد منها معناها الحرفي , وإنما جاءت في سياق معين لتدل على معنى في ذلك السياق يخالف معناها القاموسي , وذلك كقوله تعالى: "َأوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ" , فطبقوا قاعدتهم الغائية على هذه الآية وما يشابهها وقالوا: بما أن الآية تنسب الأيدي إلى الله , ولا يجوز أن تستعمل الأيدي لمعنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلي من الأيدي ثابتاً للموصوف وهو الله , فوجب أن يكون الله تعالى له أيدي!! , تعالى الله عما يقولون .
وهناك شواهد كثيرة من أشعارالعرب الجاهليين والمخضرمين تدل على أنهم استعملوا الألفاظ في معان بحيث تكون المعاني الأصلية منها غير ثابتة للموصوف , مما يهدم تلك القاعدة التي قد تنطلي على الأعجمي أو من هو في حكمه.
أولاً: استعمالهم لفظ الوجه في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :
* قال عنترة بن شداد :
وَصَوتُ حُسامي مُطرِبي وَبَريقُهُ = إِذا اِسوَدَّ وَجهُ الأُفقِ بِالنَقعِ مِقباسي
* وقال أيضاً :
وَراحَت خَيلُهُم مِن وَجهِ سَيفي = خِفافاً بَعدَما كانَت ثِقالا
* وقالت الفارعة القشيرية :
وفرت كلاب على وجهها = خلا جعفر قبل وجه النهار
* وقال طرفة بن العبد :
يَسيرُ بِوَجهِ الحَتفِ وَالعَيشُ جَمعُهُ = وَتَمضي عَلى وَجهِ البِلادِ كَتائِبُه
* وقال الحطيئة :
تَشاغَلَ لَمّا جِئتُ في وَجهِ حاجَتي = وَأَطرَقَ حَتّى قُلتُ قَد ماتَ أَو عَسى
ثانياً: استعمالهم لفظ اليد في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :
* قال الحارث المري :
أخالد قد نبهتني غير نائم = فلا تأمنن فتكي يد الدهر واحذر
* قال عنترة بن شداد :
سَقى اللَهُ عَمّي مِن يَدِ المَوتِ جَرعَةً = وَشُلَّت يَداهُ بَعدَ قَطعِ الأَصابِعِ
* وقال أيضاً :
نَسَجَت يَدُ الأَيّامِ مِن أَكفانِها = حُلَلاً وَأَلقَت بَينَهُنَّ عُقودَها
* وقال أيضاً :
وَما هَدَمَت يَدُ الحِدثانِ رُكني = وَلا اِمتَدَّت إِلَيَّ بَنانُ حَيني
* وقال امرؤ القيس :
مَعاشِرُ أَضحى وُدُّهُم متَبايناً = وَشَرُّهُمُ بادٍ يَدَ الدَهرِ مُقبِلُ
ثالثاً: استعمالهم لفظ الساق في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :
* قال تأبط شراً :
وَهُم أَسلَموكُم يَومَ نَعفِ مُرامِرٍ = وَقَد شَمَّرَت عَن ساقِها جَمرَةُ الحَربِ
* قال أبو ذؤيب الهذلي :
وَكُنتُ إِذا ما الحَربُ ضُرَّسَ نابُها = لِجائِحَةٍ وَالحَينُ بِالناسِ لاحِقُ
وَزافَت كَمَوجِ البَحرِ تَسمو أَمامَها = وَقامَت عَلى ساقٍ وَآنَ التَلاحُقُ
* وقال حاتم الطائي :
فتى الحرب إن عضت به الحرب عضها= وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
* وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه- :
وَزافَت كَمَوجِ البَحرِ تَسمو أَمامَها = وَقامَت عَلى ساقٍ وَآنَ التَلاحُقُ
* وقال سعد البكري :
ياَبؤُسَ لِلحَربِ الَّتي = وَضَعَت أَراهِطَ فَاِستَراحوا ...
كَشَفَت لَهُم عَن ساقِها = وَبَدا مِنَ الشَرِّ الصُراحُ .
ولم يقل أحد من أهل اللغة أن الذهن لا يستطيع أن ينتقل من الملزوم إلى لازمه إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتاً للموصوف , ولكن المسوغ لاستعمال اللفظ في أمر لم يوضع له هو وجود الشبه بين الشيء الذي يصدق عليه اللفظ وبين الشيء الذي نقل إليه اللفظ , ولو كان المعنى الأصلي ثابتاً للموصوف لما احتجنا أن نسخدم فيه لفظاً لم يوضع له في اللغة , ولكان استعمالنا للفظ حقيقة كما وضع له في اللغة , فلا نقول عندها أننا استعملنا له لفظاً لم يوضع له , ويستحيل أن يستعمل اللفظ في معنيين ويكون استعماله في كليهما حقيقة , لأن ذلك يشتت السامع فلا يدري أي المعنيين هو المقصود .
فمثلاً لفظ اليد , قد وضع في اللغة لذلك العضو المعروف , وقد استعملته العرب في غير ما وضِع له , فقالوا : يد المنايا , وذلك لأنه يفيد التأكيد وترسيخ المعنى بما يقوم عليه من التخييل والتصوير , وكأنك ترى المنايا تُوقِع الضرر بالمصاب أمام ناظريك , فلو كانت اليد ثابتة للمنايا لكان استعمالنا لها في موضعها ودون أن يحدث في نفس المستمع شيئاً من ترسيخ المعنى وتأكيده .
فبهت الذي ابتدع!
فقلت له : أنكم لما تفطنتم إلى أن اللغة العربية هي مصدر كشف قبائحكم وفضح طرائكم , جاء دورها لتنال نصيبها من الظلم والبغي والابتداع , وهذه القاعدة التي تكلمت عنها أظن أنها من ابتكار الهراس صاحب شرح الطحاوية , حيث يقول : ( بأنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى , لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنًى آخَرَ , إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ ثَابِتًا لِلْمَوْصُوفِ ، حَتَّى يُمْكِنُ لِلذِّهْنِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الْمَلْزُومِ إِلَى لَازِمِهِ" .
أي أنه إذا نسبنا وصفاً أو أمراً لشيء ما , فلا بد من ثبوت هذا الأمر أو الوصف لهذا الشيء , فمثلاً : لفظ "الظفر" وهو الجزء الذي يكون في الأصبع , لا يمكن أن يستعمل لأي شيء إلا إذا كان هذا الشيء محتوياً على الظفر.
ولكن هذا كلام باطل , لم يقره أحد من علماء اللغة قديماً كان أو معاصراً , بل وجدنا أن العرب قد استعملت الألفاظ لمعان غير ثابتة للموصوف , فقد استعملوا لفظ "الظفر" للمنية , ومعلوم أن المنية ليس لها ظفر , ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي :
وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها = أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ
ولكن هذه قاعدة غائية , أي أنهم وضعوها للوصول إلى ما يريدون , وليست معروفة عند اللغويين , بل علماء اللغة يقولون بخلافها , فاستعملها هؤلاء فيما نُسب إلى الخالق جل وعلا من ألفاظ لا يراد منها معناها الحرفي , وإنما جاءت في سياق معين لتدل على معنى في ذلك السياق يخالف معناها القاموسي , وذلك كقوله تعالى: "َأوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ" , فطبقوا قاعدتهم الغائية على هذه الآية وما يشابهها وقالوا: بما أن الآية تنسب الأيدي إلى الله , ولا يجوز أن تستعمل الأيدي لمعنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلي من الأيدي ثابتاً للموصوف وهو الله , فوجب أن يكون الله تعالى له أيدي!! , تعالى الله عما يقولون .
وهناك شواهد كثيرة من أشعارالعرب الجاهليين والمخضرمين تدل على أنهم استعملوا الألفاظ في معان بحيث تكون المعاني الأصلية منها غير ثابتة للموصوف , مما يهدم تلك القاعدة التي قد تنطلي على الأعجمي أو من هو في حكمه.
أولاً: استعمالهم لفظ الوجه في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :
* قال عنترة بن شداد :
وَصَوتُ حُسامي مُطرِبي وَبَريقُهُ = إِذا اِسوَدَّ وَجهُ الأُفقِ بِالنَقعِ مِقباسي
* وقال أيضاً :
وَراحَت خَيلُهُم مِن وَجهِ سَيفي = خِفافاً بَعدَما كانَت ثِقالا
* وقالت الفارعة القشيرية :
وفرت كلاب على وجهها = خلا جعفر قبل وجه النهار
* وقال طرفة بن العبد :
يَسيرُ بِوَجهِ الحَتفِ وَالعَيشُ جَمعُهُ = وَتَمضي عَلى وَجهِ البِلادِ كَتائِبُه
* وقال الحطيئة :
تَشاغَلَ لَمّا جِئتُ في وَجهِ حاجَتي = وَأَطرَقَ حَتّى قُلتُ قَد ماتَ أَو عَسى
ثانياً: استعمالهم لفظ اليد في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :
* قال الحارث المري :
أخالد قد نبهتني غير نائم = فلا تأمنن فتكي يد الدهر واحذر
* قال عنترة بن شداد :
سَقى اللَهُ عَمّي مِن يَدِ المَوتِ جَرعَةً = وَشُلَّت يَداهُ بَعدَ قَطعِ الأَصابِعِ
* وقال أيضاً :
نَسَجَت يَدُ الأَيّامِ مِن أَكفانِها = حُلَلاً وَأَلقَت بَينَهُنَّ عُقودَها
* وقال أيضاً :
وَما هَدَمَت يَدُ الحِدثانِ رُكني = وَلا اِمتَدَّت إِلَيَّ بَنانُ حَيني
* وقال امرؤ القيس :
مَعاشِرُ أَضحى وُدُّهُم متَبايناً = وَشَرُّهُمُ بادٍ يَدَ الدَهرِ مُقبِلُ
ثالثاً: استعمالهم لفظ الساق في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :
* قال تأبط شراً :
وَهُم أَسلَموكُم يَومَ نَعفِ مُرامِرٍ = وَقَد شَمَّرَت عَن ساقِها جَمرَةُ الحَربِ
* قال أبو ذؤيب الهذلي :
وَكُنتُ إِذا ما الحَربُ ضُرَّسَ نابُها = لِجائِحَةٍ وَالحَينُ بِالناسِ لاحِقُ
وَزافَت كَمَوجِ البَحرِ تَسمو أَمامَها = وَقامَت عَلى ساقٍ وَآنَ التَلاحُقُ
* وقال حاتم الطائي :
فتى الحرب إن عضت به الحرب عضها= وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
* وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه- :
وَزافَت كَمَوجِ البَحرِ تَسمو أَمامَها = وَقامَت عَلى ساقٍ وَآنَ التَلاحُقُ
* وقال سعد البكري :
ياَبؤُسَ لِلحَربِ الَّتي = وَضَعَت أَراهِطَ فَاِستَراحوا ...
كَشَفَت لَهُم عَن ساقِها = وَبَدا مِنَ الشَرِّ الصُراحُ .
ولم يقل أحد من أهل اللغة أن الذهن لا يستطيع أن ينتقل من الملزوم إلى لازمه إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتاً للموصوف , ولكن المسوغ لاستعمال اللفظ في أمر لم يوضع له هو وجود الشبه بين الشيء الذي يصدق عليه اللفظ وبين الشيء الذي نقل إليه اللفظ , ولو كان المعنى الأصلي ثابتاً للموصوف لما احتجنا أن نسخدم فيه لفظاً لم يوضع له في اللغة , ولكان استعمالنا للفظ حقيقة كما وضع له في اللغة , فلا نقول عندها أننا استعملنا له لفظاً لم يوضع له , ويستحيل أن يستعمل اللفظ في معنيين ويكون استعماله في كليهما حقيقة , لأن ذلك يشتت السامع فلا يدري أي المعنيين هو المقصود .
فمثلاً لفظ اليد , قد وضع في اللغة لذلك العضو المعروف , وقد استعملته العرب في غير ما وضِع له , فقالوا : يد المنايا , وذلك لأنه يفيد التأكيد وترسيخ المعنى بما يقوم عليه من التخييل والتصوير , وكأنك ترى المنايا تُوقِع الضرر بالمصاب أمام ناظريك , فلو كانت اليد ثابتة للمنايا لكان استعمالنا لها في موضعها ودون أن يحدث في نفس المستمع شيئاً من ترسيخ المعنى وتأكيده .
فبهت الذي ابتدع!
تعليق