الوهابية واللغة العربية!

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عثمان محمد النابلسي
    طالب علم
    • Apr 2008
    • 438

    #1

    الوهابية واللغة العربية!

    كنت في نقاش مع أحد الوهابية في مسألة الصفات الخبرية , فلما ألزمته بأن هذه الألفاظ من باب المجاز , قال: هذا يدل على أن المعنى المجازي قد نقل عن المعنى الحقيقي للفظ , فيكون المعنى الحقيقي للفظ ثابت لله تعالى , فاليد الحقيقية والعين الحقيقية ثابتة له سبحانه وتعالى !!

    فقلت له : أنكم لما تفطنتم إلى أن اللغة العربية هي مصدر كشف قبائحكم وفضح طرائكم , جاء دورها لتنال نصيبها من الظلم والبغي والابتداع , وهذه القاعدة التي تكلمت عنها أظن أنها من ابتكار الهراس صاحب شرح الطحاوية , حيث يقول : ( بأنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى , لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنًى آخَرَ , إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ ثَابِتًا لِلْمَوْصُوفِ ، حَتَّى يُمْكِنُ لِلذِّهْنِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الْمَلْزُومِ إِلَى لَازِمِهِ" .

    أي أنه إذا نسبنا وصفاً أو أمراً لشيء ما , فلا بد من ثبوت هذا الأمر أو الوصف لهذا الشيء , فمثلاً : لفظ "الظفر" وهو الجزء الذي يكون في الأصبع , لا يمكن أن يستعمل لأي شيء إلا إذا كان هذا الشيء محتوياً على الظفر.

    ولكن هذا كلام باطل , لم يقره أحد من علماء اللغة قديماً كان أو معاصراً , بل وجدنا أن العرب قد استعملت الألفاظ لمعان غير ثابتة للموصوف , فقد استعملوا لفظ "الظفر" للمنية , ومعلوم أن المنية ليس لها ظفر , ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي :
    وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها = أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ

    ولكن هذه قاعدة غائية , أي أنهم وضعوها للوصول إلى ما يريدون , وليست معروفة عند اللغويين , بل علماء اللغة يقولون بخلافها , فاستعملها هؤلاء فيما نُسب إلى الخالق جل وعلا من ألفاظ لا يراد منها معناها الحرفي , وإنما جاءت في سياق معين لتدل على معنى في ذلك السياق يخالف معناها القاموسي , وذلك كقوله تعالى: "َأوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ" , فطبقوا قاعدتهم الغائية على هذه الآية وما يشابهها وقالوا: بما أن الآية تنسب الأيدي إلى الله , ولا يجوز أن تستعمل الأيدي لمعنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلي من الأيدي ثابتاً للموصوف وهو الله , فوجب أن يكون الله تعالى له أيدي!! , تعالى الله عما يقولون .

    وهناك شواهد كثيرة من أشعارالعرب الجاهليين والمخضرمين تدل على أنهم استعملوا الألفاظ في معان بحيث تكون المعاني الأصلية منها غير ثابتة للموصوف , مما يهدم تلك القاعدة التي قد تنطلي على الأعجمي أو من هو في حكمه.

    أولاً: استعمالهم لفظ الوجه في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :
    * قال عنترة بن شداد :
    وَصَوتُ حُسامي مُطرِبي وَبَريقُهُ = إِذا اِسوَدَّ وَجهُ الأُفقِ بِالنَقعِ مِقباسي
    * وقال أيضاً :
    وَراحَت خَيلُهُم مِن وَجهِ سَيفي = خِفافاً بَعدَما كانَت ثِقالا
    * وقالت الفارعة القشيرية :
    وفرت كلاب على وجهها = خلا جعفر قبل وجه النهار
    * وقال طرفة بن العبد :
    يَسيرُ بِوَجهِ الحَتفِ وَالعَيشُ جَمعُهُ = وَتَمضي عَلى وَجهِ البِلادِ كَتائِبُه
    * وقال الحطيئة :
    تَشاغَلَ لَمّا جِئتُ في وَجهِ حاجَتي = وَأَطرَقَ حَتّى قُلتُ قَد ماتَ أَو عَسى

    ثانياً: استعمالهم لفظ اليد في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :
    * قال الحارث المري :
    أخالد قد نبهتني غير نائم = فلا تأمنن فتكي يد الدهر واحذر
    * قال عنترة بن شداد :
    سَقى اللَهُ عَمّي مِن يَدِ المَوتِ جَرعَةً = وَشُلَّت يَداهُ بَعدَ قَطعِ الأَصابِعِ
    * وقال أيضاً :
    نَسَجَت يَدُ الأَيّامِ مِن أَكفانِها = حُلَلاً وَأَلقَت بَينَهُنَّ عُقودَها
    * وقال أيضاً :
    وَما هَدَمَت يَدُ الحِدثانِ رُكني = وَلا اِمتَدَّت إِلَيَّ بَنانُ حَيني
    * وقال امرؤ القيس :
    مَعاشِرُ أَضحى وُدُّهُم متَبايناً = وَشَرُّهُمُ بادٍ يَدَ الدَهرِ مُقبِلُ

    ثالثاً: استعمالهم لفظ الساق في معنى غير المعنى الأصلي , بالرغم من عدم ثبوت المعنى الأصلي للموصوف :
    * قال تأبط شراً :
    وَهُم أَسلَموكُم يَومَ نَعفِ مُرامِرٍ = وَقَد شَمَّرَت عَن ساقِها جَمرَةُ الحَربِ
    * قال أبو ذؤيب الهذلي :
    وَكُنتُ إِذا ما الحَربُ ضُرَّسَ نابُها = لِجائِحَةٍ وَالحَينُ بِالناسِ لاحِقُ
    وَزافَت كَمَوجِ البَحرِ تَسمو أَمامَها = وَقامَت عَلى ساقٍ وَآنَ التَلاحُقُ
    * وقال حاتم الطائي :
    فتى الحرب إن عضت به الحرب عضها= وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
    * وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه- :
    وَزافَت كَمَوجِ البَحرِ تَسمو أَمامَها = وَقامَت عَلى ساقٍ وَآنَ التَلاحُقُ
    * وقال سعد البكري :
    ياَبؤُسَ لِلحَربِ الَّتي = وَضَعَت أَراهِطَ فَاِستَراحوا ...
    كَشَفَت لَهُم عَن ساقِها = وَبَدا مِنَ الشَرِّ الصُراحُ .

    ولم يقل أحد من أهل اللغة أن الذهن لا يستطيع أن ينتقل من الملزوم إلى لازمه إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتاً للموصوف , ولكن المسوغ لاستعمال اللفظ في أمر لم يوضع له هو وجود الشبه بين الشيء الذي يصدق عليه اللفظ وبين الشيء الذي نقل إليه اللفظ , ولو كان المعنى الأصلي ثابتاً للموصوف لما احتجنا أن نسخدم فيه لفظاً لم يوضع له في اللغة , ولكان استعمالنا للفظ حقيقة كما وضع له في اللغة , فلا نقول عندها أننا استعملنا له لفظاً لم يوضع له , ويستحيل أن يستعمل اللفظ في معنيين ويكون استعماله في كليهما حقيقة , لأن ذلك يشتت السامع فلا يدري أي المعنيين هو المقصود .

    فمثلاً لفظ اليد , قد وضع في اللغة لذلك العضو المعروف , وقد استعملته العرب في غير ما وضِع له , فقالوا : يد المنايا , وذلك لأنه يفيد التأكيد وترسيخ المعنى بما يقوم عليه من التخييل والتصوير , وكأنك ترى المنايا تُوقِع الضرر بالمصاب أمام ناظريك , فلو كانت اليد ثابتة للمنايا لكان استعمالنا لها في موضعها ودون أن يحدث في نفس المستمع شيئاً من ترسيخ المعنى وتأكيده .

    فبهت الذي ابتدع!
    التعديل الأخير تم بواسطة عثمان محمد النابلسي; الساعة 17-10-2009, 11:54.
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات
  • محمود عبد الصادق الحسّاني
    طالب علم
    • Jun 2007
    • 235

    #2
    صدقت يا سيدي
    فالقوم يرفعون معاول الهدم على على الثوابت في كل شيء يخالف عقيدتهم الفاسدة
    سبحان الله
    مع ان اللغة ثابتة قبل النصوص والاحتكام إليها - باعتبارها من القواطع في احكامها - يرفع النزاع في هذه المسائل .. لكنهم أغاروا عليها بكل ما أوتوا من قوة ليتصولوا إلى صحة اعتقادهم الخبي ..
    ولم أر في حياتي قوما يطعنون في الثوابت من أجل ما اختلف فيه مثل أولئك القوم ..
    ( فأما الذين في قلوبهم زيعغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله)
    وأولئك والله هم المفتونون الفاتنون

    تعليق

    يعمل...