هذا موضوع كنتُ قد كتبته منذ سنتين تقريبا ، و نسختُه مرة أخرى لأني سأزيد عليه ، حيث إني عزمتُ الأن على قراءة ديوان المتنبي ، فكلما أقف على بيت يحرك عقلي ! علقتُ عليه .
إن الشعر العربيَّ كلام شريف المعنى نبيل المبنى ، و إن من أروع الشعر فصاحةً و أبلغه بيانًا لهو شعر أبي الطيب المتنبي ، شاعر العربية و لسانها الحكيم . و كنتُ قبل فترةٍ وجيزة عزمتُ على أن أتخذ شعر أبي الطيب مهذِّبًا لأخلاقي ، و مربِّيًا أتربى على يده مكارم الأخلاق العربية ، فأبو الطيب كان عربيًا شريفًا قحًا ، عالي الأخلاق علوًّا ، مترفَّعًا عن سفسافها حتى لو قُذف في أضيق المسالك . و أبو الطيب كان فتى من فتيان العرب ، عظيم الهمة ، كريم المعدن ، راقيَ الأخلاق شريفها ، رقيق المشاعر رُوحانيًّا ، ينثر بشعره درر الحكمة بأفصح الكلام ، و هو على هذا كلِّه كان صادق المشاعر و الأقوال و الأفعال صدقًا ثبت عليه في أقصى الشدائد إلى أن توفي ، فهو بهذا غريبة بين الشعراء قبله و بعده ، و فريد في عصر تفشى فيه شرار الخلق و الأخلاق . فمن أجل هذا و ذاك -و غير ذلك أيضًا- استحقَّ المتنبي عندي هذه المنزلة الكبيرة ، و استغنيتُ به و بأدبه عمن سواه من الشعراء و الأدب . و دعكم مما قيل في المتنبي من أنه كان أحمق ، لا يستحيي ، بخيلًا ، جبانًا ، و غير ذلك مما ينبزه به شراح ديوانه و غيرهم ، فما هذا إلا كذب تناولته الألسن ، و قد قال محمود شاكر تعليقًا على ذلك : [... عفا الله عنهم !! لقد رموا الرجل بكل نقيصة ، و وضعوا لكل ما كان يتمدح به في شعره قصة تخالف ذلك : رأوا المتنبي يتمدح بالكرم و يمدح عليه ، فوضعوا القصص في بخله و شراهته على المال ، و رأوه يمجِّد الرجولة و الشجاعة و يصف بها نفسه ، فوضعوا الأكاذيب في حكايات جبنه و خوره ، إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تصلح لتحقيق و لا ترجمة .] اهـ و لإتمام الفائدة في هذا الباب أنقل لكم ما قاله الأستاذ محمود شاكر في كتابه «المتنبي» تبيينًا لطريقة التعامل مع هذه الأخبار : [و اعلم أن أكثر ما يروى في ترجمة هذ الرجل و غيره من الرجال ، إنما كان من الأحاديث التي تتناقلها مجالس الأدباء ، و لا يُراد به التحقيق ، و لا يُنظر فيها إلى صدق الرواية و سياق التاريخ و ما إلى ذلك ، بل إن كثيرًا مما يُروى في تراجم رجالنا كان مما يُراد به مضغُ الكلام في مجالس الأمراء أو في سامر الأدباء . هذا على أنها رُبما حملتْ فيما تحمل أشياء لولا ورودها في هذه النصوص ، لافتقدنا من حلقات التاريخ حلقاتٍ لا ينتظم أمره إلا بها ، و لا يستمر إلا عليها ، فلمثل هذا كان لا بد لنا من النظر في النصوص و تمييزها ، و ردِّ بعضها و الأخذ ببعض ، حتى لا تنقطع بنا السبل في الترجمة لهؤلاء الأعلام ، فلا يفوتنَّك هذا إذا قرأت ما نكتب ، أو أردتَ أنتَ أن تقرأ أو تكتب .] انتهى بدرره ، فعليكم بكتابه و أعرضوا عمن سواه .
هذا ....... و قد رأيتُ أن أعلِّق على بعض أبياته تعليقاتٍ كانت تجول بخاطري ، فمن أحب من الإخوان المشاركة فحياه الله تعالى .
قال أبو الطيبِّ المتنبي ، في سياق وصفه للحُمَّى التي نزلت به في مصر ، و كانت تغشاه إذا أقبل الليل ، و تنصرف عنه إذا أقبل النهار ، و هي من روائع الشعر العربي :
آااااه متى يفتح الله علي أن أشرح هذه القصيدة البديعة شرحًا يليق بها و بصاحبها !!! أذكر أني مررتُ بموقف في سالف حياتي أخطأت فيه خطأ بحقِّ أحد ضعفًا و إهمالًا ، و كنتُ في غاية الخجل و الحياء للاعتذار من خطأ لا عذر لي في اقترافه إلا ضعفُ الإنسان ، و قد عددتُ لنفسي وقتًا أتصل فيه بهذا الشخص لأعتذر إليه ، فكنتُ أرقب هذا الموعد كمن يستعجِله ، و هو لا يستعجله !! و كنتُ أصف لصاحبتي حالتي تلك متمثلةً بهذا البيت للمتنبي !! نرجع إلى البيت ، يقول المتنبي : هي تفارقني ليلًا ، واعدةً أن تزور الليل القادم ، فأنا أرقب وقتها لا أفتر و لا أملَّ ، مراقبةَ العاشق الولهان ، الذي لا همَّ له و لا شغل مذ عرف وقت الموعد إلى مجيئه إلا ترقُّب حضور المحبوب !! فهو قد تلبَّس بأعراض العاشق الولهان ، و لكنَّه عارٍ عن ذاتيَّاته !! فقول المتنبي "من غير شوق" ، أي من غير ذاتيات الشوق ، و قوله "مراقبةَ المشوق المستهام" أي مراقبة متلبِّسٍ بأعراض عديدة تعرِض على المشوق المستهام تصحِّح له أن يصف نفسه بهذين الوصفين . و شِبْه التلازم هذا بين هذه الأعراض العديدة و بين المشتاق الرَّاسخُ في نفوس الناس ، و ادِّعاءُ المتنبي انقطاعَ التلازم بينهما ، ليترك في نفس القارئ استغرابًا و إعجابًا و انبساطًا و أريحيةً ، و نظير هذا -مما يحضرني الآن- في شعر المتنبي ، يصف خيمة سيف الدولة :
و نظير ذلك في القرآن الكريم قوله سبحانه : {في سموم و حميم ، و ظلٍّ من يحموم ، لا باردٍ و لا كريم} و قوله سبحانه : {و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى ، و لكن عذاب الله شديد} أكتفي بهذا المختصر ، و إلى لقاء إن شاء الله .
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الشعر العربيَّ كلام شريف المعنى نبيل المبنى ، و إن من أروع الشعر فصاحةً و أبلغه بيانًا لهو شعر أبي الطيب المتنبي ، شاعر العربية و لسانها الحكيم . و كنتُ قبل فترةٍ وجيزة عزمتُ على أن أتخذ شعر أبي الطيب مهذِّبًا لأخلاقي ، و مربِّيًا أتربى على يده مكارم الأخلاق العربية ، فأبو الطيب كان عربيًا شريفًا قحًا ، عالي الأخلاق علوًّا ، مترفَّعًا عن سفسافها حتى لو قُذف في أضيق المسالك . و أبو الطيب كان فتى من فتيان العرب ، عظيم الهمة ، كريم المعدن ، راقيَ الأخلاق شريفها ، رقيق المشاعر رُوحانيًّا ، ينثر بشعره درر الحكمة بأفصح الكلام ، و هو على هذا كلِّه كان صادق المشاعر و الأقوال و الأفعال صدقًا ثبت عليه في أقصى الشدائد إلى أن توفي ، فهو بهذا غريبة بين الشعراء قبله و بعده ، و فريد في عصر تفشى فيه شرار الخلق و الأخلاق . فمن أجل هذا و ذاك -و غير ذلك أيضًا- استحقَّ المتنبي عندي هذه المنزلة الكبيرة ، و استغنيتُ به و بأدبه عمن سواه من الشعراء و الأدب . و دعكم مما قيل في المتنبي من أنه كان أحمق ، لا يستحيي ، بخيلًا ، جبانًا ، و غير ذلك مما ينبزه به شراح ديوانه و غيرهم ، فما هذا إلا كذب تناولته الألسن ، و قد قال محمود شاكر تعليقًا على ذلك : [... عفا الله عنهم !! لقد رموا الرجل بكل نقيصة ، و وضعوا لكل ما كان يتمدح به في شعره قصة تخالف ذلك : رأوا المتنبي يتمدح بالكرم و يمدح عليه ، فوضعوا القصص في بخله و شراهته على المال ، و رأوه يمجِّد الرجولة و الشجاعة و يصف بها نفسه ، فوضعوا الأكاذيب في حكايات جبنه و خوره ، إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تصلح لتحقيق و لا ترجمة .] اهـ و لإتمام الفائدة في هذا الباب أنقل لكم ما قاله الأستاذ محمود شاكر في كتابه «المتنبي» تبيينًا لطريقة التعامل مع هذه الأخبار : [و اعلم أن أكثر ما يروى في ترجمة هذ الرجل و غيره من الرجال ، إنما كان من الأحاديث التي تتناقلها مجالس الأدباء ، و لا يُراد به التحقيق ، و لا يُنظر فيها إلى صدق الرواية و سياق التاريخ و ما إلى ذلك ، بل إن كثيرًا مما يُروى في تراجم رجالنا كان مما يُراد به مضغُ الكلام في مجالس الأمراء أو في سامر الأدباء . هذا على أنها رُبما حملتْ فيما تحمل أشياء لولا ورودها في هذه النصوص ، لافتقدنا من حلقات التاريخ حلقاتٍ لا ينتظم أمره إلا بها ، و لا يستمر إلا عليها ، فلمثل هذا كان لا بد لنا من النظر في النصوص و تمييزها ، و ردِّ بعضها و الأخذ ببعض ، حتى لا تنقطع بنا السبل في الترجمة لهؤلاء الأعلام ، فلا يفوتنَّك هذا إذا قرأت ما نكتب ، أو أردتَ أنتَ أن تقرأ أو تكتب .] انتهى بدرره ، فعليكم بكتابه و أعرضوا عمن سواه .
هذا ....... و قد رأيتُ أن أعلِّق على بعض أبياته تعليقاتٍ كانت تجول بخاطري ، فمن أحب من الإخوان المشاركة فحياه الله تعالى .
قال أبو الطيبِّ المتنبي ، في سياق وصفه للحُمَّى التي نزلت به في مصر ، و كانت تغشاه إذا أقبل الليل ، و تنصرف عنه إذا أقبل النهار ، و هي من روائع الشعر العربي :
أراقِب وقتها من غيرِ شوقٍ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ مراقبةَ المشوقِ المستهامِ
آااااه متى يفتح الله علي أن أشرح هذه القصيدة البديعة شرحًا يليق بها و بصاحبها !!! أذكر أني مررتُ بموقف في سالف حياتي أخطأت فيه خطأ بحقِّ أحد ضعفًا و إهمالًا ، و كنتُ في غاية الخجل و الحياء للاعتذار من خطأ لا عذر لي في اقترافه إلا ضعفُ الإنسان ، و قد عددتُ لنفسي وقتًا أتصل فيه بهذا الشخص لأعتذر إليه ، فكنتُ أرقب هذا الموعد كمن يستعجِله ، و هو لا يستعجله !! و كنتُ أصف لصاحبتي حالتي تلك متمثلةً بهذا البيت للمتنبي !! نرجع إلى البيت ، يقول المتنبي : هي تفارقني ليلًا ، واعدةً أن تزور الليل القادم ، فأنا أرقب وقتها لا أفتر و لا أملَّ ، مراقبةَ العاشق الولهان ، الذي لا همَّ له و لا شغل مذ عرف وقت الموعد إلى مجيئه إلا ترقُّب حضور المحبوب !! فهو قد تلبَّس بأعراض العاشق الولهان ، و لكنَّه عارٍ عن ذاتيَّاته !! فقول المتنبي "من غير شوق" ، أي من غير ذاتيات الشوق ، و قوله "مراقبةَ المشوق المستهام" أي مراقبة متلبِّسٍ بأعراض عديدة تعرِض على المشوق المستهام تصحِّح له أن يصف نفسه بهذين الوصفين . و شِبْه التلازم هذا بين هذه الأعراض العديدة و بين المشتاق الرَّاسخُ في نفوس الناس ، و ادِّعاءُ المتنبي انقطاعَ التلازم بينهما ، ليترك في نفس القارئ استغرابًا و إعجابًا و انبساطًا و أريحيةً ، و نظير هذا -مما يحضرني الآن- في شعر المتنبي ، يصف خيمة سيف الدولة :
عليها رِياضٌ لم تحُكها سحابةٌ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ و أغصانُ دوحٍ لم تغنَّ حمائمه
و فوق حواشي كلِّ ثوب مُوجَّه ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ من الدُّرِّ سمطٌ لم يثقِّبه ناظمُه
و فوق حواشي كلِّ ثوب مُوجَّه ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ من الدُّرِّ سمطٌ لم يثقِّبه ناظمُه
و نظير ذلك في القرآن الكريم قوله سبحانه : {في سموم و حميم ، و ظلٍّ من يحموم ، لا باردٍ و لا كريم} و قوله سبحانه : {و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى ، و لكن عذاب الله شديد} أكتفي بهذا المختصر ، و إلى لقاء إن شاء الله .

تعليق