بسم الله الرحمن الرحيم
قراءة في بعض اعتراضات المحدثين على النحويين
بقلم عماد أحمد الزبــن
تقديم
الشيخ سعيد فوده
قراءة في بعض اعتراضات المحدثين على النحويين
بقلم عماد أحمد الزبــن
تقديم
الشيخ سعيد فوده
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
فإن الدفاع عن الدين واجب على من هو أهل لذلك، ومناقشة المخالفين طريق للبيان والإرشاد، وكم من القواعد قد تفتقت عنها أذهان العلماء في أثناء كتابة الردود والمناقشات مع المخالفين، وإن العالم يترقى حتى يصل إلى مقام النظار، فلا يمكن أن يناظر الواحد عن الدين إلا بعد أن يترقى في مراقي العلم ويتقنه، ولذلك كان النُّظَّار من أعلم علماء الأمة، ولهم صفات خاصة قد لا توجد عند غيرهم من أصناف العلماء وذلك لما لهم من أهمية وقدر وخطر وتأثير.
وكما أن الدفاع عن عقائد الإسلام وأحكامه واجب، كوجوب الدفاع عن القرآن والسنة في وجه المخالفين لها، فكذلك يكون الدفاع عن اللغة العربية واجبا أيضا من جهة انها لغة القرآن، ولا سبيل إلى الناس لإتقان القرآن إلا بالعربية، ولا سبيل لترسيخ معالم الدين وفهمها والتمكن منها في نفوس الناس إلا بالتمكن من اللغة العربية، فبذلك يرتقي العلماء إلى أعلى الرتب.
وقد سررت جدا وطارت نفسي فرحاً عندما قام الشيخ الفاضل عماد الزبن بالرد على بعض القادحين في أصول اللغة والمخالفين في علماء العربية الذين وصلتنا العربية وترسخت أركانها بما قاموا به من جهود وبما بذلوا من أنظار. فصار القدح بهم طريقا إلى القدح بما يقوم عليه الدين.
وقد تفاوتت جهات التشكيك والقدح في علوم اللغة والنحو، فمن قادح في الشعر الجاهلي، ومن قادح بأصالة العربية ونقلها، إلى قادح ببلاغتها أو نحوها، أو أهليتها في حمل العلوم والمعارف في هذا الزمان، حتى نرى من يقدح في بعض علمائها ويعتبرهم قد جنوا عليها مظهراً نفسَه أحرص عليها منهم. وقد يكون هؤلاء قد تلبسوا بذلك عن حسن نية أو عن سوء طوية، وعلى كلا الاحتمالين فإن فعلهم هذا يترتب عليه من المساوئ ما يستوجب الردَّ والدفع.
إن من يزعم أن سيبويه وغيره من النحاة- لم يهتمَّ إلا بالشكل والحركات، ولم يلتفت إلى المعنى المفهوم من وراء تلك الأشكال والحركات، فهو قد قضى على نفسه بعدم الفهم لما قيل ويقال في النحو، فمن هو الذي لا يعلم أن الحركات دالة على معانٍ، ومن الذي لم يعلم أن النحاة قد بينوا أن الحركة الواحدة قد تدلُّ على أكثر من معنى وذلك بحسب النظم. ثم إني أرى هذا الزاعم قد غابت عن نفسه أصول عظيمة، فإن اللغة في أصلها كلمات وحركات قد وضعت على معانٍ معينة، فالاهتمام بها في أصله إنما هو اهتمام بها من حيث دلالتها على تلك المعاني لا لنفسها.
وأما الزعم بأن سيبويه قد وضع "الكتاب" للأعاجم ليتفهموا اللغة العربية، فقد كفاه ما غبنَ نفسه به من سوء علم وجهل وعريض ادعاء، وقد بين الشيخ الفاضل الأستاذ عماد الردَّ عليه بأوفى كلام وأوجزه، فالأمر لا يحتاج إلى أكثر من ذلك. فسيبويه قد أودع في الكتاب علم من سبقه من النحاة العظام كالخليل ويونس، فهل يقال إن هؤلاء كانوا يكتبون للأعاجم فقط؟
وأما الاعتراض على النحو بأنه غير منطقي ولا عقليٌّ، فهذه التهمة ونقيضها صارتا عكازا يتكئ عليها الأعرج ليقول ما يقول. نحن نعلم أن هناك اتجاها سائداً في العصر الحديث يناقض العقل والأحكام العقلية الثابتة، وهو اتجاه السفسطة الفلسفية، أو الفلسفة السفسطية، فصرتَ ترى بعض الكتاب يعترضون على علم التوحيد بحجة أنه عقليٌّ ويهتم بالقواعد المنطقية، وترى في الوقت نفسه اتجاها آخرَ يعترض عليه بأنه غير منطقيٍّ ولا عقلي، وهذان الاتجاهان سائدان حتى صارت حججهم لقما سائغة يتراماها بعض من لا يحسنها ولا يعرف أبعادها، فصار يعتقد أنه يكفيه لهدم أمر أو الاعتراض عليه أن يقول: هذا غير متمسك بالعقل أو بالمنطق، إذا كان ممن يزعمون لأنفسهم الاعتداد بذلك، أو تراه يقول هذا متمسِّك بالقواعد المنطقية والأنظار العقلية إذا كان ممن لا يرون لها قيمة. وهكذا ترى الفريقين يرمون بهذه الحجة رميا بلا توجيه ولا تقعيد، وحجتهم هذه متهالكة على القولين وبكلا الاعتبارين، فالاتجاه الذي يعتد بالعقل والمنطق، عندما يكتفي برمي هذا القول بلا تحقيق له ولا توجيه، فهو قد خالف المنطق والعقل، ومن لا يعتدُّ بالعقل والمنطق فيرمي غيره بتهمة الالتزام بهما والتمسك بقواعدهما يقع في تناقض لأن هذا الإلزام لا يمكن أن يتمَّ إلا بناء على قواعد العقل والمنطق، وإذا نفى قواعد المنطق كاستحالة التناقض فإن إلزامه لا يلزمنا أصلا بل ينقض أصل دعواه ويبطلها من أصلها.
وأما زعم من زعم أن قواعد النحو قواعد بشرية، ولذلك لا يجوز أن يخضع لها القرآن العزيز، فكأنه يريد أن يوهمنا بغيرته على الكتاب العزيز والاهتمام بحفظه والدفاع عنه ضد المحرفين له! وهذا لعمري مطلق التهافت الذي يقع فيه المتهالكون في هذا الزمان، فهم أكثر الناس قدحا بالكتاب وأصول الدين، ومع ذلك تراهم يحاولون إظهار أنفسهم غيورين بالدين والقرآن! وقد علم القاصي والداني أن النحو نتيجة نوع استقراء لكلام العرب واستنباط منه، وكلام العرب هو الذي نزل به القرآن، فمعرفة القواعد التي يفهم بها كلاب العرب أكبر معين على فهم القرآن، ولا يقال إن من يحاكم القرآن بالقواعد، فإنه يتحكم به، إلا من أراد أن ينفي دلالات القرآن ويزيلها عن ما وضعت له، وهذا أعظم قدح بالقرآن. ولذلك فإنا قد رأينا الصحابة يحضون على فهم كلام العرب، وقد تعلموا ذلك كله من النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، فلا يلتفت إلى قول هذا الزاعم بأن فهم القرآن بقواعد النحاة تحكم به ومبطل لجلالته، إلا واحد غافل عن مآل هذه الدعوى، غير عارف بأصول العلماء والنحاة من المتقدمين والمتأخرين.
وأما مسألة الزائد في القرآن، فلا يعترض على النحاة فيما قالوه إلا جاهل بمصطلحهم أو مراوغ مفترٍ. فالزيادة هنا لا تستلزم مطلقا عدم إفادة المعنى، وليس مجرد حشو كما يتوهم الواهمون، وإنما سمَّاها النحاة بذلك لاعتبار أشاروا إليه ملاحظين أصل التأليف للجملة وإفادتها للمعنى، والحكم للزيادة في نظري يدلُّ على تعمق النحاة في فهم اللغة وأن لها مراتب متراكبة من الدلالة يتألف منها الواحد فوق الآخر، وهذا طور من الفهم للغة لا يصل إليه هؤلاء المعترضون.
وأما الميل للعامية كبديل عن الفصيحة فهي دعوة قديمة مفضوحة، قد عُلِمَ ما وراءها وما غايتها، وقد أجاد وكفى ردُّ الشيخ عماد ولفت الأنظار إلى بعض المعاني الكامنة فلينظر في محله.
وقد أجاد الشيخ عماد في أثناء ردِّه على بعض المسائل كتعلقات الحروف والجملة الاسمية والفعلية وتعدد الخبر والفرق بين الحال والصفة ونزع الخافض ونون الوقاية والتمييز والاستثناء المفرغ ونحوها، فبين بعض أسرار للغة يستفيد منها طلاب العلم وتظهر بهذا قواعد تندرج في أصول اللغة وفقهها.
وقد أظهر أيضا تهافت أوزون في العديد من دعاويه وأن الأمور قد اختلطت عليه فأنكر ما هو ثابت، ونسب لنفسه بعض الأمور التي ذكرها النحاة السابقون، واعترض في غير محل الاعتراض، وغير ذلك من أنواع الأغاليط التي لابدَّ أن يقع فيها من ينصب نفسَه لأمر هو ليس له أهل.
وقد أحسن عندما أعلن في بداية ردِّه على د. أحمد درويش أننا لا نعارض التجديد المعتمد على أصول راسخة، ونظرات قويمة، لأن هذا التجديد يطور اللغة ويحفظها ويقيمها بين أظهر الناطقين بها، ولكنا ضدّ من يريد إنهاك اللغة وإنهاء وجودها بدعوى التجديد، وذلك بأن ينقض قواعدها التي لا تقوم أي لغة إلا بها، والتشكيك في العلماء بها وزعم أنهم يعكسون أمورا موهومة في أنفسهم لا واقع لها...الخ .
وأما الشوباشي في كتابه ذي العنوان الغريب "يسقط سيبويه"، فكأن هذا الكاتب يتصور نفسه في حملة انتخابية، أو زعامة سياسية، فما ذنب سيبويه حتى يقال له يسقط! بل يسقط من يريد إسقاطه، وقد أفرحني الشيخ عماد عندما قال له بكل هدوء:" أول ما استوقفني في هذا الكتاب عنوانه، فما الذنب الذي اقترفه هذا الرجل، ولو تنزلنا وقلنا: إنه أخطأ، ألا يستحق جهده أن نحترمه يا سيد شوباشي، كما تحترم كل أمم الأرض علماءها."اهـ
ولم يملك هذا الرجل ولن يملك هذا الرجل إلا جملة من التهم القديمة: النحو معقد، اللغة جامدة، ...الخ هذه الدعاوى التي لا تصدر إلا ممن في قلبه شيء من عداوة لهذه الأمة ولتاريخها، إن اللغة العربية من أقوى اللغات في العالم يشهد لهذا آلياتها التي تمتلكها، ويشهد لذلك عباقرة النحو في العالم، وأقول لهذا المعترض وغيره: إن طلاب العلم في هذا الزمان لم يعودوا يتأثرون من مجرد هذه الدعاوى الفارغة، فزمان الانبهار بالدعاوى الاستشراقية الساذجة قد ولَّى، أو يكاد، فعليه وعلى غيره من الذين يهدفون إلى محاربة هذه اللغة وما وراء اللغة أن يجدوا أمورا أخرى أقوى مما يستترون وراءه.
وأنا أدعو القارئ الكريم المهتم بهذا المجال أن يتابع قراءة هذه الرسالة الممتعة المفيدة، ولم أكن أريد إلا إعطاء فكرة إجمالية ولكن يبدو أن الحمية قد أخذتنا وطال الكلام، والقارئ الذكي يستغني عن طويله بقليله.
وأخيرا أدعو الشيخ عماد الزبن، الذي عرفته باحثا ماهراً في علوم اللغة وغيرها، محباً بل عاشقا للعربية وللدين الإسلامي، وأدعو غيره من القادرين على هذه المهمة اللازمة أن يقوموا بكتابة ردود على الكتب الأخرى التي ادعى فيها هذا المدعو أوزون بأن الإمام الشافعي قد جنى على الأصول وأن الإمام البخاري قد جنى على الحديث، ليكمل الردُّ على هذا المدَّعي ويستفيد طلاب العلم والمعرفة، وأن يقوموا بالرد على غيره ممن تصدى للعلوم الراسخة، وأن ينشروا ردودهم بين أهل العلم وطلابه حتى يعمَّ النفع، فبهذا الطريق تحصل الفائدة وتنقشع الظلمة.
وندعو الله تعالى أن يكون هذا كله في ميزان حسناتنا في يوم الدين. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين.
كتبه
سعيد فودة
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمـد لله الذي أنزل كتابه المبين، هدى ورحمة للعالمين، والصلاة والسـلام على نبيّه الأمين، ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكـره الغافلون، وبعد :
فهذه قراءة في اعتراضات بعض المحدثين على النحاة العرب، حاولت فيها أن أقف على مرادهم من هذه الاعتراضات، وأن أناقشها بثقاف الموضوعية والتجرد عن نوازع النفس، وقد اتخذت لمادتي العلمية عينات اعتراض اتسع صيتها في هذا الوقت، فناقشت أعمال كل من: زكريا أوزون، وأحمد درويش، وإبراهيم السامرائي، وشوقي النجار، وشريف الشوباشي، وجميل علوش، وقد حرصت على جمع مادة دراستي في قسمات منهجية؛ جمعت فيها المشتركات من هذه الاعتراضات عند الباحث،ثم انتقلت إلى باحث آخر؛ فعالجت اعتراضاته بالمنهج ذاته .
وترجع أهمية هذه الدراسة إلى ارتباطها بمتجه دفاعي عن جهود علماء أقاموا للأمة صرحا علميا لا ينكره إلا جاهل أو جاحد، وتقدم تحفظا صارخا من هذه النزعة التي تشيع في زماننا وترمي إلى تحقير النحاة، والتطاول على جهودهم وهدر أعمالهم؛ دون حق علمي، أو حجة مقنعة، وهذا مصير إلى هدر شخصية هذه الأمة، وتقويض بنيانها، ومن وراء ذلك؛ تقطيع لأوصال الشخصية الوطنية لهذه الأمة؛ التي لا يغفل لبيب عن ارتباط شخصيتها بلغتها وجهود علمائها، وليس في هذا الطرح ما يحملنا على وصد باب التجديد القائم على احترام أصول اللغة وطبيعتها، فهذا مقام مختلف؛ ولكل مقام مقال .
وأما مصادر هذا البحث، فقد تنوعت بتنوع المادة التي أعالجها، من مصادر نحوية، ولغوية، وأدبية، وغيرها، ودراسات في دوريات علمية، وقد قمت بدراسة كل هذه المواد العلمية، ثم قمت بتصنيفها، ثم قمت بمراجعة مصادر هذه الدراسات تحقيقا لنصوصها من مظانها، ثم قدمت خلاصة رأيي فيها بناء على دراستي المتواضعة، ووصلت بهذه الدراسة إلى قناعات علمية أقمتها على منهج علمي ، بحسب طاقتي وعلمي، هي صواب عندي يحتمل الخطأ.
وكتب
عماد أحمد الزبن
عماد أحمد الزبن
أولا ...
جناية سيبويه : الرفض التام لما في النحو من أوهام
الكاتب : زكريا أوزون
1ـ مناقشة الكليات في الكتاب
2ـ مناقشة الجزئيات والمسائل
(أ) الجملة الاسمية
(ب) الجملة الفعلية
(ج) الأدوات والحروف
(د) إعراب الجمل
الكليات في كتاب جناية سيبويه
رؤية ...
اتخذ أوزون ،في كتابه، من سيبويه رمزا للنحو العربي الذي يطمح إلى تقويضه، فهذا النحو في نظره سبب تخلف الأمة العربية، وهو في سبيل تحقيق هذا الهدف؛ ينزع منزع الاستهزاء بجهود العلماء، وينفخ الروح من جديد في الدعوة إلى العامية، والاستغناء عن الإعراب الذي لا قيمة له في نظره في تقوّم المعنى، ويحشد أكثر ما قاله المعترضون على النحو العربي، لذلك فإنني سأعتني بما جاء به أوزون على وجه الخصوص، وأكثر من الرد عليه، لما في كتابه من هجوم صارخ على النحو من جهة، ولأنه لخص أكثر القضايا التي طرحها أعداء النحو العربي من جهة أخرى. وأحب أن أقرر في بدء الكلام أنني لا أصف النحاة بالعصمة، ولا أحجر على أحد أن ينتقد أنظارهم، ولا أوافق من يتجمد عند قول نحوي وكأنه قرآن منزل، وأنا مع حركات التيسير المؤسس في اللغة العربية، التيسير الذي ينطلق من رحم الحرص على اللغة ، ويحترم أصولها، ويقيم المنآد بثقاف طبيعة هذه اللغة وسماتها، ولا يتهدّى إلى سبيله بالهدم والتقويض، وعدم احترام جهود العلماء، والاستهزاء بتراث أمة بسطت ظلها على العالم، حضارة وثقافة وتعميرا، لذلك فالباحث يبدي تحفظا عظيما من أسلوب أوزون في طرح أفكاره التي تدور في فلكين: الأفكار المستوردة، والأفكار العجلى غير المؤسسة، التي نهضت في الماضي القريب، وسرعان ما ماتت بموت الداعين إليها، وهو في الأمرين مقلد محض، وإن حاول أن يلبس ثوب العصر والتمرد.
وإن أردت أن أكون موضوعيا، فيلزمني أن أنصح أوزون بترك الكلام في اللغويات والشرعيات، فليس هذا عشك فادرجي، فما سطره ثَم، يدل على قلة بضاعته في علم النحو[1]، وقد اجتاله الاستبداد برأيه؛ فتعاطى ما لا يحسن، ورفل بثوب كبير عليه، فانفصل بكتابه عن أخطاء جسيمة، تدل على أنه سعى إلى السباق، في مضمار لا خيل له فيه.
مناقشة الكليات في كتاب جناية سيبويه :
أولا : قواعد العربية تقوم على الشكل، وتتقوّم بالحركات، ولا تهتم بالمضمون[2].
يكثر أوزون في كتابه من هذا الطرح، فالكليات النحوية عنده تقوم على الحركات، التي هي مناط التخريجات والتأويلات، لذلك فهو يعترض بشدة على التصنيف بحسب الحركات (مرفوعات ، منصوبات ، إلخ)، ويرى أن سيبويه وأصحابه من النحاة، لم يهتموا بالمعاني والمضامين في بناء قواعدهم، "فالشكل أساس القراءة الصحيحة، ثم يأتي بعد ذلك المضمون، الذي كثيرا ما نطوعه غصبا عنه[3] ليخضع لقواعد النحو"
إذن، فالحركة برأي أوزون، تفرض على النحاة الوظيفة النحوية، فهم وجدوا كلمة عالم مرفوعة في قولنا (في القوم عالم) فلم يمكنهم إلا أن يجعلوها مبتدأ، أما عنده هو، فالأمر أسهل من ذلك، فيستوي في نظره قولهم (كان أحمدُ فائزا) أو (كان أحمدَ فائزٌ) أو (كان أحمدُ فائزٍ)، فلا قيمة لهذه الحركات ما دام أوزون في جميع هذه الحالات فهم أن أحمد فائز. تذنيب ونقاش :
1ـ هذه القضية الكبرى في كتاب (الجناية) التي بنى عليها أكثر أمثلته ومسائله، وهي تقوم على مغالطة واضحة، ومخالفة صارخة للواقع النحوي، وسبب هذا الخلط في كلامه؛ أنه لم يقترب من حمى كتاب سيبويه، وكأنه يخشى أن يجد فيه عفريتا من الجن يجتاله ويؤزه، ثم هو لم يعتمد في مراجعه ومصادره، في أكثرها، الكتب الأصول التي هي مظان هذه المسائل، بل راح يقفز في الكتب المدرسية أو الكتب الحديثة التي لم يكن من مقصود مؤلفيها التدقيقُ والتحقيق في المسائل الأصول.
2ـ ولنا أن نسأل أوزون، هل هذه الحركات من مخترعات النحاة، أو من طبيعة اللغة التي استقراها النحاة؟ إذن، فأوزون يعترض على طبيعة اللغة العربية، لا على تعقيدات الكليات النحوية، كما يدعي، فاعتبار كلامه مصير إلى تقويض اللغة، وليس مجرد اعتراض على اجتهادات علماء، كما يحاول أن يقنعنا.
3ـ هذا المنهج الفوضى الذي يدعو إليه أوزون تأباه طبيعة اللغة العربية التي تقوم على المنطق اللغوي، فالحركات عندنا دوال المعاني، والحركات ترتبط بالوظائف النحوية التي تقتضيها المعاني، فالإضافة مثلا مقتضاها الجر، الذي تدل عليه الكسرة، والرفع علامة الإسناد وأعني به: الفاعلية والابتداء، والنصب علامة الفضلة، وأعني به: الكائن بعد تقوّم الإسناد[4].
4ـ النحاة العرب لم يهتموا بالشكل دون المضمون، وأنا أمنع هذه الدعوى، لأنهم لو توقفوا عند الشكل حسب؛ ما قسموا المنصوبات مثلا أقساما مختلفة، وكذلك المرفوعات، وهذا تقسيم معنوي كما لا يخفى، ولو كان الاعتبار عندهم بالشكل المحض؛ ما وجدناهم يعتبرون السماع والقياس في جهات مختلفة من جهات النظر النحوي، وإن تعجب فعجب أن أوزون لم يلاحظ في تطبيقات النحاة اختلافات في الأحكام النحوية في الشكل الواحد؛ مراعاة منهم للمعنى، ولو كان معوّلهم على الشكل حسب؛ فكيف يفسر لنا أوزون هذه الظاهرة؟ وهاك ما يوضح مقصودي:
لماذا اختلف حكم النحاة على الجار والمجرور في هذه الآيات: (وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً)[النساء : 79] ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ) [الحج : 15]،( ِبأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) [القلم : 6]، (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا)[يونس : 27] ، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) [الزمر : 36]. الألفاظ بعد حروف الجر في هذه الآيات مجرورة، لكن النحاة لم يكتفوا بالشكل؛ ليجعلوا هذه الألفاظ من باب نحوي واحد؛ نظرا لوحدة الشكل وحركة الأواخر، بل إنهم ذهبوا مذهبا آخر، إذ أدركوا أن هذه الحروف أدت في هذه الآيات معاني مختلفة عن المعاني الخاصة بها، معتمدين في هذا على المضمون والمعنى، وهذا المعنى هو التوكيد، فالتوكؤ على المعنى جعلهم يحكمون على لفظ الجلالة (الله) في الآية الأولى، بأنه فاعل، وعلى (سبب) بأنه مفعول، وعلى (أيّكم) بأنه مبتدأ، وهذا رأي سيبويه (الجاني) الذي يقف عند الشكل فقط برأي السيد أوزون، وحكموا على (مثلها) بأنه خبر المبتدأ، وعلى (كاف) بأنه خبر ليس[5]، فليقل السيد أوزون: هل هذا حال من يقف عند الشكل فقط، وإذا كان معوّلهم الشكل فقط؛ فلماذا يبحثون عن الوظائف النحوية لهذه الألفاظ، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، ولو كلف السيد أوزون نفسه عناء النظر في كتب هؤلاء العلماء الذين يحتقر جهودهم، لوجدها طافحة بهذه الأمثلة، والذي لا يقضى منه العجب، أن أوزون يعترض على الحرف الزائد، ويعده من تعقيدات النحاة[6]، فإذا توقف العلماء عند الحرف، قال: إن قواعد النحاة شكلية، وإذا توغل النحاة في المعنى، قال : هذا من التعقيد، ولا ندري أي حكم نأخذ منه؛ لنترتب عليه الرد، ويبدو لي أن الأمر ليس واضحا في ذهنه، فالناس أعداء ما جهلوا.
5ـ اتهم السيد أوزون الإمام سيبويه ببناء قواعد (شكلانية)[7] ، ولا غرو، فالسيد أوزون لم يفتح كتاب سيبويه الذي يورد عليه هذه الإشكالات، ولو تجشم النظر في الكتاب لرأى ما يذهله من اعتبار المعنى لا الشكل، وأكتفي في هذه الدراسة بمثالين واضحين :
جاء في كتاب سيبويه[8]: وقال ابن همام السلولي :
وأحضرتُ عذري ، عليه الشهو دُ ، إن عاذرا لي أو تاركا
قال سيبويه : " فنصبه لأنه عنى الأمير المخاطب، ولو قال : إن عاذرٌ لي وإن تاركٌ، يريد: إن كان لي في الناس عاذر أو غيرُ عاذر، جاز" فهل يعتد سيبويه بالمعنى أو لا يا سيد أوزون؟
وجاء في كتاب سيبويه[9]: قال امرؤ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
قال سيبويه: "فإنما رفع لأنه لم يجعل القليل مطلوبا، وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافيا، ولو لم يرد ذلك ونصب فسد المعنى"، والذي يريده سيبويه كما شرحه ابن هشام[10] نفي التنازع في كلمة ( قليل)، لاختلاف مطلوبي العاملين، فإن كفاني طالب لـ (قليل)، وأطلب طالب للملك المحذوف، فهو مَلك يريد الملك، ولا يجوز أن يكون (قليل) معمولا لـ (أطلب) لئلا يلزم فساد المعنى، إذ لو كان قوله (لم أطلب) عاملا في قليل، معطوفا على كفاني للتنازع، لزم إثبات طلب القليل؛ لأنه في معرض لو، فيكون قد أثبت طلبه للقليل بعد ما نفاه بقوله:
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ....
بمعنى لو أنه نصب ( قليل) على المفعولية لـ ( لم أطلب) لفسد المعنى، لأنه يطلب الملك، ويكفيه قليل من المال إذا حصّل الملك الضائع منه[11]، وكتاب سيبويه طافح بمثل هذه الأمثلة والأنظار، فما رأي السيد أوزون؟
ثانيا : يفترض أوزون أن سيبويه أعجمي، وقد وضع هذه القواعد لأمثاله من غير العرب، كيلا يلحنوا في العربية، لغة العلم، آنذاك، ثم جاء العرب فاعتمدوا هذه القواعد[12].
تذنيب ونقاش :
1ـ يفترض أوزون أن سيبويه ألف هذه القواعد وأخرجها من جعبته، وهذا جهل مستطير في تاريخ النحو، لأن سيبويه نقل علم من قبله من النحاة والعلماء، وسطره ونظّـره وهذبه وأضاف إليه شيئا من أبصاره، فهل كان: الخليل، وأبو عمرو بن العلاء، ويونس، وغيرهم من أئمة اللغة ممن قعد اللغة؛ يضع هذه القواعد لغير العرب، وهل كتاب سيبويه إلا حصيلة علوم هؤلاء الأفذاذ، ولعل السيد أوزون يتمعن قليلا بقول ثعلب: "اجتمع على صنعة كتاب سيبويه اثنان وأربعون إنسانا منهم سيبويه، والأصول والمسائل للخليل"[13] وبقول سيبويه لعلي بن النضر حين أراد تأليف كتابه: " تعال نحيي علم الخليل"[14]، واقرأ معي يا سيد أوزون قول الأستاذ محمد خير الحلواني: "إن كتاب سيبويه ثمرة من ثمار الخليل"[15]، وليت شعري لو كان أوزون الأعرابي، يساوي مدّ ابن جني الرومي في غيرته على العربية وهو يتغزل فيها قائلا : "وذلك أنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة، وجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة؛ ما يملك عليّ جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به أمام غَــلوة السحر"[16].
ثم ألم يعلم السيد أوزون أن بعض النحاة كان يخالف سيبويه، وهذا أمر واضح في كتب النحو، ولعل نظرة في مقتضب المبرد مثلا ؛ تجلي هذه الفكرة في عقله، فكيف يصور أن العرب قبلوا قوالب كلية جاهزة؛ دون أن يحاكموها أو ينقدوها، إن النحو العربي حصيلة جهود طبقات من العلماء، وليس جهد عالم واحد أو حصيلة كتاب واحد، كما يتوهم صاحبنا، فالكتاب حصيلة علوم العرب النحوية في حقبة ما قبل سيبويه، ثم خضع هذا لنقد العلماء اللاحقين، وهذا ما نقرؤه في كتب النحو التي يشمئز منها السيد أوزون .
--------------------------------------------------------------------
[1] وهذا الحكم يجري على كتابيه : جناية البخاري ، وجناية الشافعي .
[2] جناية سيبويه، زكريا أوزون، صـ 18، 69
[3] أستعفي القارئ من هذه الركاكة في لغة أوزون .
[4] - ينظر : الإيضاح في شرح المفصل ، ابن الحاجب ( 1/401 ) ، وهمع الهوامع ، السيوطي ( 1/ 64 )، وبحث الأستاذ نبيل أبو عمشة، نظرات في كتاب ( جناية سيبويه) صـ 6 في الشبكة العالمية للمعلومات .
[5] ـ ينظر : البرهان في علوم القرآن ، الزركشي ( 3/ 83 ـ 84 )
[6] ـ جناية سيبويه ، صـ 101 ـ 102
[7] ـ نفسه، صـ 18 . وهذه من الألفاظ التي دخلت لغتنا من جرا الترجمة غير الواعية ، وأنا لا أستسيغها ولا يجري بها قلمي
[8] ــ 1/ 262
[9] ــ 1/ 79
[10] ــ مغني اللبيب : صـ 660
[11] ــ وللدكتور نبيل أبو عمشة كلام لطيف على هذا الشاهد في رده دعاوى أوزون ، تنظر في الشبكة العالمية للمعلومات http://www.dahsha.com/viewarticle.php
[12] ـ جناية سيبويه صــ 18
[13] ـ إنباه الرواة ، القفطي ( 2/347)، وليس هذا عندي من العصبية المذهبية البتة .
[14] ــ طبقات النحويين واللغويين ، أبو بكر الزبيدي صـ 75
[15] ــ المفصل في تاريخ النحو العربي ، ( 1/ 300)
[16] ـ الخصائص ، 1/ 47
تعليق