طه جابر العلواني من مشايخ ما يسمى بتيار العقلنة والتجديد الرامي إلى تجديد الفقه الإسلامي وجعله موائما للعصر ومسايرا للركب ، فهو من فقهاء "فقه الواقع" وفق المدلول الإصطلاحي للكلمة عند أنصار هذا التيار المتفلت من قيد الفقه المذهبي والذي يشمل أسماء مثل القرضاوي والترابي والعوا .
والشيخ "طه العلواني" مقيم بأميركا ويعد من أبرز منظري الإسلام الحركي الحزبي هناك ومن أشهر دعاة شرعنة - إن صح التعبير - الوجود الإسلامي في الغرب وانخراط المسلمين في المجتمعات الغربية وإيجاد فقه جديد يطلق عليه فقه الأقليات الإسلامية .
ومن ثمرات هذا الفقه الواقعي الجديد إنكار الضروريات والمسلمات بدعوى القراءة الجديدة للتراث والنصوص ، ومن هذا إنكار "حد الردة" الذي يسبب حرجا كبيرا للمقيمين في الغرب والمتأثرين بالحرية المطلقة فيه لما فيه من حجر على حرية العقيدة والفكر التي يؤمن بها الآخر المتمدن المتقدم الغربي ويقدسها ويعبدها !!
فالشيخ العلواني يقول :
القرآن خال من حد الردة عن الاسلام وحديث الرسول عن الردة مرتبط بواقعة حصلت آنذاك ولم يعاقب أحدا من المرتدين
د.العلواني:الإسلام لا يعاقب المرتد وحديث الرسول وُظف سياسيا

وقد سبقه إلى هذا الإنكار والجحود آخرون كالترابي والعوا وغيرهما فيما بات يشكل ظاهرة بدأت تنتشر وسط الشباب وخاصة شباب حركات التوظيف السياسي للإسلام كالإخوان بمختلف مسمياتهم وأشكالهم والتحرير وغيرهما من الحركات السياسية المتدثرة بدثار الإسلام .
والجامع الذي يجمع كل هؤلاء - في ظني - هو الانبهار بالغرب ومبادئه والحرية فيه ، والانبهار بالغرب والكفار والإعجاب بهم والشعور بالدونية مقابلهم - ولو في اللاوعي - هو بالفعل سرطان العصر في هذه الأمة المحمدية وهو حالقة الدين ومذهبة العز والريح ، ولئن كان الإنبهار بقيم الغرب من على البعد ينتج الرزايا فإن الإقامة في الغرب أدعى لوقوع ذلك الإنبهار والإنهزام النفسي عند المسلم إلا من رحم ربي وقليل ما هم.
وقد سبق ونبهتُ إلى أن اقامة المسلم في ديار الغرب والكفر بنية البقاء والاستيطان لا يجوز وفق الفقه المذهبي الداعي إلى مفاصلة الكفار وجهادهم إلى غاية إدخالهم وديارهم تحت سلطان المسلمين لا العكس .
ونبهتُ كذلك إلى المفاسد العظيمة التي تصيب الفرد المسلم وأسرته جراء الاستيطان هناك وهي المفاسد التي ظهرت جلية في كثير من أبناء الجيل الثالث للمهاجرين إلى أوروبا وأميركا إبان ستينيات القرن الماضي ، فإنه إن كان للمهاجرين الأوائل شوق وحنين يربطهم بجذورهم الشرقية الإسلامية فإن أبناء الجيل الثالث ممن ولدوا وتربوا ودرسوا في مدارس الغرب ولم يعرفوا غيره وطنا ومؤئلا لا شيء يربطهم بالشرق ولا حنين لديهم إلى ديار وعادات لقنهم مجتمعهم الجديد وفطمهم على أنها تخلف وعار ، فالمسلم المقيم هناك يجد نفسه في خضم منظومة عالمانية إلحادية تزدري الأديان وتعلي من قيمة حرية الكفر باسم حرية الفكر والعلم على المستوى الفكري العقلي ، وهو يجد نفسه في مواجهة تيار من الإباحية والفساد والحرية المنفلتة عن أي ضابط في الجنس والعادات والعلاقات الإجتماعية ، وكل ذلك تحت مظلة "الإخاء العدالة المساواة = مبادئ العالمانية والثورة الفرنسية" .
ووفق للقاعدة المجتمعية السوسيولوجية كما يحلو للمستغربين القائلة بأن المتخلف يتخلق بأخلاق المتقدم وأن الأجناس الدنيا تقلد الأجناس العليا وأن "كثرة المساس تفقد الإحساس" ، فإن الكثير ممن يقيمون بتلك البلاد قد أصابتهم حمى الاعتذارية ومحاولة اللحاق بركب التمدن والعصرنة ، ويبدو أن هؤلاء فقدوا "احساسهم" من كثرة "مساسهم" للغربيين واحتكاكهم بهم حتى باتوا يخجلون من التصريح بأمور هي من المسلمات الضرورية في دينهم التي لا مجال لإنكارها أو تحويرها .
واليوم نضع مثالا لما سبق وتحدثنا حوله من أن السير في ركب الغرب والإعجاب اللاواعي بما فيه من حرية يفضي وأفضى بكثيرين إلى التنكر لمبادئ دينهم أو إنكار وجودها رأسا قائلين إن كان هذا حال من يعد من النخبة المتنورة الواعية فكيف يكون حال الشباب الغارق في الملاهي والمخدرات والجنس ، ونأمل أن يجد ما نقول آذانا تسمع وقلوبا تفهم.
والله الموفق.
تعليق