للتحميل :
بين يدي (بلايا بوزا العصرية)
نستعرض هنا بعض كتاب من أول ما ألف في التحذير من ضلال أرباب المدرسة العقلانية أو مدرسة الإحياء والتجديد كما يطيب لأصحابها تسمية أنفسهم والداعية إلى اللامذهبية والتمرد على سلطة المذاهب الأربعة السنية المتبوعة وادعاء الاجتهاد الكاذب والتجديف في الدين وثوابته العقدية والعملية بدعوى التجديد ومواكبة العصر والاجتهاد مع التمييع العقدي بدعوى قبول المخالف والتقريب بين المذاهب . وقد كان لهذه المدرسة وأربابها اليد الطولى في إضلال شباب المسلمين والعبث بمقدرات الأمة وتراثها الضارب في جذور التأريخ بواسطة التلاعب برموز ذلك التراث ابتداء بزعزعة المؤسسات التقليدية للإسلام السني ، كما حدث للأزهر بدعوى تحديثه وإصلاحه ، وليس انتهاء بالسخرية من ذلك التراث وتسمية علماءه فقهاء الحيض والنفاس والقضايا الإنصرافية والتقليد والجمود والتخلف ، هذا دون ذكر بذل الجهد والغاية في التنفير عن علوم الدين النافعة وصرف الشباب عن الاعتناء بها المتمثل في الاستخفاف بعلم الكلام والمتكلمين ووصفهم بالسفسطة والاشتغال بما لا يفيد حينا أو بالبدعة والتعمق والتأثر بفلسفة اليونان حينا آخر ، ومثله في المنطق واللغة والتفسير والتصوف الذي لم يدخر أرباب تلك المدرسة جهدا في محاربته وتشويه صورته .
وقد كان قيام وابتداء هذه المدرسة المشؤمة بإيعاز ورعاية ودعم من الاحتلال الأجنبي الانجليزي أو الفرنسي حيث وجد ، ثم امتد نموها السرطاني بعد رحيل أربابها الأجانب في جسد الأمة في شكل تنظيمات إسلاموية ديموغوغية غايتها الوصول إلى السلطة بأي ثمن ووسيلتها تجميع العوام والرعاع تحت شعارات لامعة بارقة لا حظ لها في أرض الواقع ولا نصيب ، بل لم يزد وجودها الواقعَ إلا بؤسا وتخلفا وبعدا عن الدين في اجترار للفشل وإدمان له على كل الأصعدة خاصة بعد تحالف الكثير من رموز الإسلاموية مع الحركة الوهابية وسعيهم في نشر فكرها الخارجي وعقيدتها التجسيمي وسط أتباعهم وفي المجتمع .
وتجد بقايا أفكار هذه المدرسة التجديدة خارج نطاق الحركة الإسلاموية متمثلا في شخصيات ناشزة على مجتمعها وقيمه ممثلة لأفكار هذه المدرسة الداعية إلى التمرد على القديم والتجديد إما في طرفها الأقصى المقابل للطرف الإسلاموي أي في صورة العلماني الليبرالي الرافض للدين جملة وتفصيلا ، أو في الوسط بين الإسلاموي والعلماني متمثلا في التيار الداعي إلى إصلاح ديني في الإسلام على غرار ما فعل مارتن لوثر والبروتستانت في الكاثوليكية .
والداخل إلى كهف مدرسة الإحياء والتجديد وتوابعها المعاصرة سيجد منقوشا على جدره المظلمة أسماء مثل حسن الترابي ويوسف القرضاوي وراشد الغنوشي وطه العلواني والعوا ومحمد عمارة وغيرهم ، وسيجد في الجدار المقابل للإسلامويين في هذا الكهف نقش أسماء نصر حامد أبو زيد وأركون ومحمد سعيد العشماوي وفرج فودة وجابر عصفور وأضرابهم ، ثم يجد في المساحة الفاصلة بين الجدارين أسماء الداعين إلى ثورة بروتستانتية في الإسلام مثل علي عبدالرازق وجمال البنا وأحمد صبحي منصور وأبو يعرب المرزوقي ومحمد عابد الجابري وخالص جلبي وغيرهم .
وكما نرى فإن من جمعناهم وجعلناهم ممثلين لهذه المدرسة الفكرية تتباين مواقفهم ورؤاهم تجاه الدين والحياة وقضايا السياسة والفكر ، إلا إنهم يجمعهم كلهم الانتماء إلى أصل واحد كان هو الرافد الرئيس لهذه المدرسة الفكرية المتبعثرة بأقسامها الثلاث الإسلاموي والثوري والعلماني ، فكل هؤلاء يعودون بالشكر والعرفان إلى مدرسة واحدة منها تشعبت دروبهم ألا وهي مدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده !!
فالإسلاموية لا ينكرون بل يفخرون بصلة مفجر الحركية الإسلاموية "حسن البنا" بهذه المدرسة عبر أستاذه ومرشده "رشيد رضا" صاحب "المنار" الذي لا تخفى صلته بمحمد عبده والأفغاني على أحد .
والعلمانيون يرون أنه لولا الجهود التي بذلتها مدرسة " الأفغاني عبده " في تخريب الأزهر والتنفير عن التراث وتحدي سلطان الدين ما كان لهم أن يروا النور يوما أو يتنفسوا نسيم الحرية والتحرر عن قيود الدين والتراث ، فنجد محمد سعيد العشماوي وهو من أساطين العلمانية يقول ناسبا نفسه إلى مدرسة "الأفغاني عبده " :
[وأعتقد أنه يوجد الآن تياران إسلاميان وليس واحداً، التيار الأول: عقلي تنويري، بدأ بمحمد عبده، ويسير فيه بعض المجتهدين من أمثالي] آ.هـ حوار حول قضايا إسلامية
ووصف "إسلامي" عند العمشاوي وأضرابه من العلمانيين لا يعني أكثر من انتساب صاحب الوصف إلى الإسلام .
والكثير من المفكرين العلمانيين اليوم مثل العشماوي يرون أن حركة "النهضة" العربية العلمانية لم تكن لتوجد وتحيا لولا بذر بذرتها من قبل الأفغاني وعبده ، على أن دور محمد عبده في مهزلة "تحرير" المرأة والفتوى الترنسفالية وبقية مهازل التحرر عن الدين معروف مشهور .
وأما أشباه البروتستانت فلعلهم أكثر الفريقين وفاء لتراث "الأفغاني عبده " ، وذلك أن مهمة "الأفغاني عبده" كانت أسمى غاياتها تغيير الدين من جوره وقلب المفاهيم فيه لا نفيه ولا استعماله دعاية سياسية يتجمع الناس حولها ، أو بحسب قول "مصطفى عبد الرازق" وهو أحد شيوخ الأزهر المنسوبين لهذا التيار والمتأثرين بدعوته - كما شيخ الأزهر المراغي أيضا للأسف - وهو يصف شيخه ومثاله الأفغاني :
[ كان الأفغاني المصلح الجريء ، الذي حاول الهدم والبناء في أقدس هيكل عند البشر ، فيما يعتبره الناس دينا ] .
وبعد ، فمشاركة منا في التحذير مما تمثله هذه المدرسة في بواكيرها العقلانية أو في نهاياتها المتطرفة سواء الإسلاموية منها أو العلمانية أو ما بينهما فإنا نستعرض أدناه بعض كتاب كتبه الشيخ الأزهري الصوفي محمد الجنبيهي باسم (بلايا بوزا العصرية) ، وهو كتاب كتبه مؤلفه مباشرة عقب نشر "طه حسين" لكتابه (الشعر الجاهلي) ، وقد أخذ التحذير من الأفغاني وعبده وبيان حالهما جزء معتبرا من الكتاب باعتبارهما أساس ما حل بمصر من نقمة وبلاء خراب التعليم الديني وفساد الأزهر وذهاب سلطان الدين فيه ، ثم استغرق الرد على طه حسين وكتابه والتحذير منهما نصفه الآخر ، وقصة "طه حسين" عند الشيخ الجنبيهي هي ذات قصة "محمد عبده" من حيث أن كليهما صنيعة الاستعمار وأداة بيده لهدم الدين ، ومن هنا بدأ الكتاب بالحديث عن "الأفغاني عبده" وأنهاه بالحديث عن طه حسين ، وفي ذلك يقول في كتابه :
[ وإني أرى بنور الفراسة أن الأسباب التي جعلت ابن عبده الغرابلي محبوبا لفحول السياسيين ولولاة الأمور من الدول المتحالفة على محو الإسلام اسما ورسما ، وصيرته محمودا عند محرري الجرائد الأوروبية تتمدح باسمه وتعتني بعمل تذكار له ، هي بعينها الأسباب التي يتناول بها أستاذ الجامعة المصرية مرتبا كبيرا بسبب شهادة الدكتوراة التي نالها من أوروبا لسبب عداوته للدين ورجاله ، حتى يكون إذا أعلوا شأنه فتنة لأبناء المسلمين ] بلايا بوزا ضـ 35 36
و"ابن عبده الغرابلي" هو الشيخ "محمد عبده" نفسه ، وهو يلقبه بـ"الغرابلي" لأن أهله من (الغجر) الذين يسمون في بعض البلدان "الحلب" كما في صعيد مصر والسودان أو "النَور" كما في الشام أو "الصَلَبْ" كما في جزيرة العرب ، وكان غالبهم قديما وبعضهم حتى اليوم يسكن خيما متنقلة ويمتهن صناعات خفيفة كتصليح الأسرة والأدوات الحديدية المنزلية كما في مصر والسودان أو (ربّ الدلال) أي أواني القهوة في جزيرة العرب ، ومن مهنهم التي اشتهروا بها صناعة الغرابيل التي تتخذ سيورها من جلود الحيونات الميتة ، فلهذا كان ينسبه الجنبيهي إلى هذه المهنة .
وما يهمنا هنا هو استعراض بعض ما كتبه في حق الأفغاني وعبده والذي تظهر أهميته في كونه صدر عن معاصر لهما ورفيق درب لعبده وزميل له في الدراسة في الأزهر ، فكاتب الكلام شيخ أزهري صوفي معروف بالورع والتقوى والصلاح بل وحدثني بعضهم أنه تروى له كرامات ، وهو الشيخ محمد الجنبيهي نسبة إلى (جَنبيه) قرية باقليم (البحيرة) التي ينتمي محمد عبده إلى قرية أخرى فيه ، وقد امتد عمره أكثر من عشرين عاما بعد وفاة محمد عبده (1904م) حيث توفي عام (1927م) ، وكان له مؤلفات عدة منها (نشر الاسرار البشرية) في الاخلاق، و (إرشاد شوارد أرباب النفوس ) في الوعظ ، و (مسموم الاسنة والسهام) و (الرزايا العصرية) والكتاب الذي نستعرضه (بلايا بوزا العصرية) المنشور عام 1926م ، وللشيخ الصوفي الجنبيهي ترجمة في أعلام الزركلي .
يتبع ..
تعليق