سعيد فودة: الضعف الفكري نتيجة عدم تحديد أصول تكشف الواقع
تقليص
X
-
الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد
-
يطلق البعض من مريدي الشيخ المهندس والمفكر سعيد فودة، على شيخهم:"العقل الثاني عشر" تيمناً بالإمام الرازي، وفي زاوية أخرى يراه آخرون بأنه يمثل استقطاباً حاداً في خيمة الفكر الإسلامي، ويشهر سيفاً في وجوه رموز تراثه. للشيخ فودة نحو 150 كتابا مخطوطا، المطبوع منها عشرون وله مشاركات على الشبكة الإلكترونية في منتدى الأصلين مع عدد من المجموعات الصوتية في شروح متون في العقيدة وأصول الفقه والمنطق من ابرز مؤلفاته " تدعيم المنطق"، و"الموقف". التقينا الشيخ سعيد فودة في حوار حول آرائه الفكرية واتجاهاته، وفي النظر للتراث ومنهج التلقي، ونقد الفكر الغربي.
حاوره عون القدومي
* بم يمكنكم تعريف المدرسة العلمية التي تنتسبون إليها؟
- هي مدرسة أهل السنة والجماعة المتمثلة بالأشاعرة والماتريدية من جهة الاعتقاد والأصول، والمذاهب الأربعة من جهة الفقه، والطرق الصوفية المعتمدة والمبنية على الفقه والعقائد المشار إليها.
* ما يؤخذ على هذه المدرسة - الأشاعرة والماتريدية- في الأوساط الثقافية ما يطلق عليه بالمنهج التلفيقي، وهو تغير الآراء كحل وسط بين أقوال الفرق الأخرى فما ردكم؟
- وصف الشيء بأنه منهج تلفيقي راجع لمدى تصور الحاكم بهذا الحكم للآراء المحتملة في المسألة، فإذا كان صاحب الحكم لا يتصور إلا قولين ثم عرف قولاً آخر يقول به الأشاعرة أو غيرهم فإنه يسارع بالحكم على أصحاب القول الثالث هذا بأنه ملفق وحكمه راجع إلى أن المسألة لا تحتمل إلا هذين القولين كقول الأشاعرة بالكسب أي كون الإنسان فاعل لأفعاله دون أن يكون خالقاً لها أي إنشاؤها من العدم فالكسب مشتمل على إثبات كون الإنسان فاعلاً مختاراً وفعله ليس خلقاً ،أي إنشاء من عدم وهذا القول يتصور بعض الناس أنه تلفيق من قولين الأول للمعتزلة والثاني للجبرية، وهو في الحقيقة عبارة عن تحقيق لحقيقة المسألة لأن المسألة في نفسها لا تتخذ لا صورة مذهب المعتزلة ولا صورة مذهب الجبرية بل صورتها الحقيقية مذهب الكسب ،فالذي يحصر المسألة في قولي المعتزلة والجبرية راجع إلى قصور نظر فيه وراجع إلى ثقافته فيتوهم قول الأشاعرة تلفيقا وهو في عينه تحقيق.
* هل ثمة اختلاف بين المتقدمين والمتأخرين من الأشاعرة والماتريدية؟
- الاختلاف أنواع، فمنه اختلاف في الأصول، وفي الفروع واختلاف حقيقي وآخر لفظي، أما الخلاف اللفظي فهو موجود بين الأشاعرة المتقدمين والمتأخرين وبين المتقدمين والمتأخرين من جهة، أما الاختلاف الحقيقي الأصلي فليس موجوداً لا من الأشاعرة المتقدمين ولا المتأخرين ولا المتقدمين والمتأخرين ،وأما الاختلاف المعنوي الفرعي الذي لا يعود بالنقص على الأصول فهو موجود ومسائله محدودة ولا يستلزم خروجاً على أصول المذهب.
* أليس في التركيز على مثل هذه المسائل تعويق لوحدة الأمة وجمع كلمتها واستنزاف الطاقات في اشكالات لمدارس لم تزل مختلفة منذ قرون؟
- هذا السؤال منشأه استشكال عملي وليس استشكالاً علمياً بمعنى أن السائل يفترض أن البحث في هذه المسائل والتركيز عليها قد يعود بالضرر على الناحية العملية وهو المعبر عنه بتشتيت جهود الأمة وتركيزها.
وفي نظرنا أن العمل المؤثر الفاعل لا يمكن أن يصدر إلا عن علم راجح أو متيقن فإذا كان المقصود الفاعل هو الأمة بمجموعها فيستحيل أن يصدر عنها عمل فاعل مؤثر بها وبالآخرين حال كونها مشتتة بين مذاهب شتى، فإذا أردنا أن نجعل الأمة فاعلة مؤثرة في عملها فيجب أن تحاول الوصول بالأمة إلى موقف جماهيري أغلبي في أهم المسائل التي تستطيع بعد ذلك أن تحقق واقعها، والحصول على هذا القدر من الاتفاق لا يمكن إلا بالنقاش والحوار الهادف فلا طريق غير ذلك إلا القسر والجبر ونحن نعتقد أن وظيفتنا لنهضة الأمة من شرطها الوصول إلى هذا الأمر.
يجب أن نلاحظ أن المخالفين لنا كالفكر الغربي لم يصلوا إلى هذه الدرجة من القوة والتأثير إلا بعد أن مروا في مرحلة نقاش وجدل وحوار عميق داخلي بينهم حتى استطاعوا أن يصلوا إلى وجهة نظر أغلبية، تم تبنيها عملياً من سائر أطراف المجتمع، وهم عندما يتعاملون معنا فمنها ينطلقون لا من وجهة نظر فرد منهم ،ومن هنا ظهرت قوتهم وظهر ضعفنا.
* بالمناسبة عقدت لكم قبل أسابيع، ندوة حول نقد الفكر الغربي، ما أبرز انتقاداتكم على هذا الفكر؟
-الفكر السائد في الغرب هو الفكر العلماني وهو في الحقيقة عبارة عن مظهر متقدم من مظاهر الفلسفة البراغماتية وهذه الفلسفة قائمة على نظرة معينة اتجاه الأديان وكثير من المفكرين إنما يصدرون في أفكارهم من هذا المبدأ ويبنون نظراتهم على هذه الفلسفة وإن لم يصرحوا بذلك. من هنا تنشأ مواقفنا اتجاه هؤلاء المتحدثين بلسان العلمانية فنحن نهتم بتفنيد آرائهم وبيان رجوعها إلى أصول كلية والكشف عنها والتي يحرص هؤلاء على إخفائها وسترها لأن التصريح بها لا يوافق الجمهور ويعود بالضرر على كثير من الآراء التي يريدون تصديرها.
* برأيكم ما أسباب الفوضى الفكرية التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم من طنجة إلى جاكرتا؟ وهل من سبل للنهوض بها؟
- السبب الأساسي في الضعف الفكري الحاصل هو عدم القدرة على تعيين أصول فكرية تكشف عن الواقع الكائن أو الذي سيكون، وسبب هذا راجع إلى عدم الالتزام بالمناهج العلمية والفكرية واستبدال المقدمات الفكرية بمقدمات غائية أو عاطفية تكون أموراً شخصية راجعة في ثبوتها إلى إثبات الشخص المعين لها ولذلك يصعب على كل واحد أن يقيم برهاناً عليها يخضع له الآخرون لأنها مجرد خيار محبوب أو خيار يتشوق إليه من اختاره.
* إذن، هل يحمل الفكر الكلامي في طياته القدرة على مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة سواء من داخل الفكرة الإسلامية أم من خارجها؟
- نحن نزعم أن المنهج الكلامي بما يشتمل عليه من جهات عديدة جداً قادر على مواجهة الآراء وتقويم الأفكار ونقد الاتجاهات في هذا العصر كما كان قادراً نفس هذا المنهج على القيام بنفس الدور في العصور السابقة ورسالتنا عبارة عن إظهار البرهان العملي على صحة هذه المقولة وذلك بما نقوم به من أعمال فكرية وعملية.
*من الأقوال المتداولة عند بعض المفكرين أن الحق متعدد بتعدد طرائقه ومسالكه وكل سالك في النظر قد استقامت مناهجه معذور في النتيجة التي يتوصل إليها ومن ثم فلا يوجد داع لعدم فكر الآخر والحكم عليه بالتجريم ومحاولة اقصائه لأن زوايا النظر متباينة، ما وجهة نظركم في ذلك؟
- مقولة الحق تطلق على ما يريد الإنسان أن يفعله وما يعتقد أنه يحق له ان يفعله وتطلق على ما هو ثابت في نفسه، أي أنه خارج عن نطاق فعل الإنسان، فنعتقد أن الحق بالمعنى الثاني ثابت لا بإرادة الإنسان ،وأن وجود الإنسان في نفسه هو جزء من منظومة الحق بهذا المعنى، وبالتالي فإن ما يفعله الإنسان أو يريد أن يفعله وهو الحق بالمعنى الأول يجب أن يكون تابعاً للحق الثابت في نفسه.
* كثير من مؤلفات الباحثين في حقول المعرفة تناولت مسألة التراث، كيف تنظرون إلى التراث وما هي آليات التعامل معه؟ وما نصيبه من الحضور في ثقافتنا المعاصرة؟
- مقولة التراث يقصد منها كثير من المعاصرين الدلالة على أمر كان، ويفرضون أنه لا حق له بالكون الآن ولا موجب لاستمراره وبالتالي يفترضون وجود انقطاع حقيقي بين ما هو كائن وبين ما كان من التراث، وهذا محض تحكم منهم، فلا داع ولا موجب لهذا الافتراض وهذا سبب نشأة إشكالية موقف العلمانيين من التراث ورجوع ذلك إلى دعوى الانقطاع، ولا نؤمن بذلك ونعتقد أن هذا الفكر دائم ونحن معنيون بإظهار ذلك عملياً على صعيد العمل الفكري وعلى صعيد العمل الواقعي.
* يلفت الانتباه انشغالكم بإحياء منهج التلقي بين " الشيخ والتلميذ" مع أن تقنيات التعليم المعاصرة تريح من عناء هذا؟
- لا شك أن طريقة التلقي لها فوائد عديدة جداً وهي مقصودة لذاتها في منهجنا وفي ديننا ،وهذه الفوائد لا يمكن تحصيلها إلاّ بصعوبة بالغة بغير هذه الطريقة، فلا نلغي الطرق الأخرى بل نحاول استثمارها بما يعود بالنفع على المقاصد المطلوبة.
* ما أهم مشاريعكم العلمية الحالية؟
- مشاريعنا التي نهتم بها ناشئة وتابعة لمبادئنا ومعتقدنا وما نشتغل به في الوقت المعاصر تابع أيضاً للإشكالات التي تنشأ في هذا الزمان وأهم مشروع حسب هذه النظرة إعادة البرهان على حقية الإسلام كدين هو خاتم الأديان، وهذا يتم عن طريق إحسان بيانه بما يلائم نقد وكشف عدم اتساق النظم الفكرية التي يقترحها المخالفون لهذا الدين، ومن أهم ما يتحدد به هذا الرد على الفلسفة العلمانية بمختلف أطيافها وشرح مذهب أهل السنة بالقواعد العلمية المقررة.
تعليق