بسم الله الرحمن الرحيم
جرائم النظام السوري قبل الأحداث الكبرى بسنوات واستمرار النهج بعد الأحداث
سوف نتحدث عن بعض ما جرى منذ انقلاب الثامن من آذار وما بعده بعقود واختيارنا للحديث عن هذه المرحلة إنما هو للبحث عن جذور الصدام الذي حصل بين السلطة الحاكمة وبين شرائح واسعة من الشعب ، لنرى أن هذا الصدام كان نتيجة طبيعية لعسف السُّلطة واستفزازاتها ومحاربتها للشعب ودينه وقيمه، ليس في صعيد واحد، بل في أصعدة متعددة، وليس في محافظة من المحافظات فحسب، بل في القطر كله.
والحقيقة أن المشكلة برزت بانقلاب 1963م ، ثم صارت فاقعة بما تبعه من أمور فظيعة أشعلت الحريق.
وصحيح أن مشكلة النظام كانت مع الشعب السوري كله ، ولكن كان دور الإخوان أعظم وأكبر من دور غيرهم لذا كان ما أصابهم أعظم مما أصاب غيرهم.
ومع أن الصّدام لم يكن مع مدينة واحدة بل مع المدن السورية كلها، لكنه بلغ ذروة الوحشية والهمجية والحقد مع مدينة حماة عام 1982م .
وقد كان نظام الأقلية والأسرة الحاكمة هو المعتدي ، وكان هو المُمْسِك بزمام الأمور القادر على حل المشكلة بأيسر الطرق وأسلمها لو أراد ذلك وتخلى عن عُقَده.
وسنعرض فيما يلي بعض مقدمات المواجهة والصدام ، وبعض الأسباب التي أدت إلى ذلك ، وهي أمور برزت كما ذكرنا بعد انقلاب الثامن من آذار وتفاقمت بعدما سمّي بالحركة التصحيحية، ومما يدعو للأسى أنها لم تتوقف حتى الآن .
وهذه الأسباب الخطيرة يجيز كل واحد منها للشعب الثورة على الحكومة إن لم يوجبها عليه، فكيف إذا اجتمعت تلك الأسباب وشكلت طوفانا جارفاً من المشكلات والأزمات ؟!
1- خطّط النصيريون منذ فترة الإستعمار الفرنسي للإستيلاء على الحكم بمساعدة فرنسا ضمن خطة غربية لتسليم الأقليات الحكم في البلاد الإسلامية ، وذلك لإثارة الصراع بين الأكثرية التي لا تتخلى عن حقها وبين الأقلية المعتدية التي لا تستطيع البقاء في الحكم إلا بدعم خارجي، ولا شك أن ثمن الدعم الخارجي هو تأمين مصالح الداعمين على حساب مصالح الشعب وعقيدته .
وحتى يتمكن النصيريون من سرقة الحكم كَثُر المنتسبون منهم إلى الجيش بدفع من زعمائهم ومشايخهم ، وقاموا بتأسيس تنظيمات سرّية داخل الجيش للوثوب على السّلطة في الوقت المناسب ، وهذا دليل واضح على نية سيئة مبيّتة.
2- توزّع النصيريون في الأحزاب السورية ليكون لهم في كل حزب مجموعة ، فإذا ما سيطر أي حزب على الحكم كان لهم دور عن طريق أتباعهم في ذلك الحزب ، واستطاعوا لاحقا سرقة الحكم والإنفراد به.
3- ثم جاءت الفرصة المواتية فاستغلوا أجواء الحريّة والديمقراطية التي كانت سائدة بعد الإنفصال ، وارتكبوا جريمة ما سمي بثورة الثامن من آذار عام 1963م رافعين شعارات برّاقة كاذبة لم يكن لها في الواقع أدنى نصيب ، بل كان الواقع عكسها. وهذا الإنقلاب على مجلس نيابي منتخب بطريقة نزيهة وحكومة منبثقة عنه كاف ليعطي الشعب حق الثورة والخروج على هذا النظام لأسباب عدة منها :
أ- أنه لا يحق لطائفة صغيرة لا تجاوز نسبتها التسعة بالمائة من الشعب أن تحكم الأكثرية وأن تحرم الأكثرية حقها الشّرعي والقانوني في الحكم.
ب- أن هذه الطائفة أخذت الحكم بالقوة و ليس بالطرق الدستورية ولا الديمقراطية ، فقد حلّتْ ثورة الثامن من آذار المجلس النّيابي المنتخب والحكومة المنبثقة عنه ، وسجنت بعض رجالها ، وعطّلت الدستور الذي كان الشعب قد أقره بطرق دستورية. فهذا الحكم الذي جاء بالتآمر والقوة يستحق التغيير بالقوة حتى لو لم تأت بعد هذا أسباب أخرى. فكيف إذا تلا التغيير بالقوة أسباب أخرى كثيرة وخطيرة .
ج- أن الطّائفة النصيرية طائفة كافرة بإجماع المسلمين ، وهذا شيئ معروف للعالم والجاهل وليس معنى هذا أنهم ليسوا مواطنين أو أنه يجوز انتقاص حقوقهم أو الاعتداء عليهم بل المراد شيء آخر إذ يعلم كل من عنده إطلاع على كتب السياسة الشّرعية أن مؤلفي هذه الكتب متفقون على وجوب الخروج على الحاكم الكافر وخلعه ولو بالقوة. ولله در المتنبي إذ يقول:
د- وإنما الناس بالملوك وهل تصلح عرب ملوكها عجم
أيها النّاس: أليس من حق الأكثرية أن تحكم وأن تحظى بحرية الاعتقاد والعبادة ، أليس هذا هو الأصل والعدل.
أحرامٌ على بلابله الدَّوحُ حلالٌ للطير من كل جنس
4- أعلن الإنقلابيون حالة الطوارئ يوم الإنقلاب ، وفي ظلها يفعل الحاكم الظالم ما يشاء بلا رقيب ولا محاسب ، ولا تزال هذه الحال التي يجب أن تكون مؤقتة سارية حتى الآن ، وليس لهذا مثيل في عالم اليوم . ونذكر هنا كيف قامت الدنيا على برويز مشرف لإعلان حالة الطوارئ شهرًا حتى أُكره على إلغائها على الرُّغم من علاقته بأمريكا . وقد أُلغيت هذه الحالة في سورية أواخر الشَّهر الرّابع من عام 2011م بالكلام لا بالواقع بل إن الذي حَدث بعد ذلك كان أسوأ وأقبح وها هو العالم يرى ما يجري في سورية عام 2011.
5- حرص النصيريون وفي وقت مبكر على الإنفراد بالحكم ، فراحوا يتخلصون ممن عاونهم وشاركهم في الإنقلاب / مثل : زياد الحريري ، و لؤي الأتاسي ، وعبدالكريم الجندي ، وجاسم علوان ، وأمين الحافظ ، وسليم حاطوم، فبعضهم قَتلوه وبعضُهم سَجنوه وبعضُهم أرسلوه في بعثات إلى الخارج وخرج ولم يعد.
6- ولكي يُحكِموا قبْضَتهم وتكون سورية خالصة لهم ويتخلصوا من أعظم مصادر الخطر على تآمرهم توالى صدور قوائم تسْريح الضُّباط المسلمين (السُّنة) من الجيش دون ذكر الاسباب وبغير حق, حتى فرغ الجيش السوري من ابنائه المخلصين أو كاد.
وقد تَحول الجيش بالتدريج إلى جيش طائفي قليل الخبرة . ومن عرف أعداد النُصيريين في حادثة مدرسة المدفعية أدْرك هذه الحقيقة .
7- أقدم النُّصيريون تحت سمع العالم وبصره على ضرب جامع السلطان في حماة عام 1964م وتسويته بالأرض. وكان من الميسور محاصرة المسجد ومنعُ الطعام والشراب عن العشرات المحاصرين فيه حتى يستسلموا دون إراقة نقطة دم ودون قتل أعداد ممن كان فيه. ولم يكتفوا بهذا بل عاثوا في المدينة فسادًا وقتلوا عددًا من أبنائها وعلى رأسهم الشهيد عثمان أمين.
8- دنَّس النُّصيريون عام 1964الجامع الأموي في دمشق على الرغم من مكانته الدينية والتاريخية فدخلوا بالمدرعات وبأعدادٍ من الجنود المدججين بالسِّلاح، وقتلوا بعض من كان فيه . كما دنَّسوا جامع خالد بن الوليد رضي الله عنه في مدينة حمص . وكل ذلك بحججٍ واهيةٍ سخيفة.
9- جهروا بالتطاول على الذّات الإلهية والمقدسات الاسلامية أكثر من مرة . ومن أمثلة هذا ما كتبه ابراهيم خلاص في مجلة جيش الشعب الرسمية سنة 1968من أنه يجب وضع الله تعالى والكتب والرسل في متحف التاريخ، ومن أمثلة التطاول والكفر بيت من الشعر رددوه في الاذاعة السورية قبل نكسة عام 1967م :
آمنت بالبعث رباً لا شريكَ له وبالعروبةِ ديناً ماله ثاني
وأغنية :
ميراج طيارك هرب مهزوم من نسر العرب بالجو نَتحدى القدر
...لكن القدر أخزاهم
10- أقدموا على سجن النِّساء لأسباب سياسية لأول مرة في تاريخ سورية وهذا مالا يطيقه الشَّعب المسلم.
11- بدؤوا بتنفيذ جريمة تغيير المناهج وتشويهها في المراحل كلها محرفين العقيدة ومزورين التاريخ الثابت ولا يزالون مستمرين.
فأصبحت حركة الحشاشين والقرامطة وأمثالهما في الكتب الجامعية والمدرسية حركات ثورية يشاد بها ، ويُعلى من شأنها عدا التزويرات الأخرى التي لا نرى أن نذكرها الآن.
12- صار سَجن المفكرين والناشطين والملتزمين بدينهم و الدعاة والملتزمين مع التعذيب الشديد المميت خبرا يومياً وممن قُتِل تحت التعذيب الشهيد حسن عصفور وغيره.
13- ومن الامور الخطيرة سجن عدد كبير من العلماء قبل حرب حزيران على سبيل الحيطة خوفاً من قيامهم بتوعية الشعب وتحريضه عند اقدام الاسد على تسليم الجولان. وممن سُجِن الشيخ العلامة عبدالفتاح أبوغدة والشيخ عبدالحميد الاحدب والشيخ مروان حديد وغيرهم كثيرون .
14- صرّح حافظ أسد في المؤتمر القطري السادس بأن الاخوان لا ينفع معهم الا الاستئصال ،وقال شقيقه رفعت ما معناه إنه لا مانع من قتل مليون من السوريين أو أكثر حفاظا على الثورة ، مستشهداً بما جرى من قتل الملايين على يد رجال الثورة الشيوعية .
15- استأثر النصيريون بالبعثات العلمية وحصروها فيهم وفي قلة من البعثيين وقد أدى هذا إلى هبوط المستوى العلمي وظلم المستحقين .
16- أَضَرّ النصيريون بالتعليم بقبول أبنائهم وبعض الحزبيين في الجامعات والوظائف دون النظر إلى المعدل والكفاءة.
17- صرّح أحمد أبوصالح الذي كان سابقاً عضو قيادة، في برنامج يشاهده الملايين وهو شاهد على العصر مع الأستاذ أحمد منصور، أن وفداً من الكونغرس الامريكي جاء إلى سورية قبل حرب 1967م وطلب من القيادة السورية تأجير الجولان لإسرائيل فاجتمعت القيادة وكان فيها أمثال : أحمد أبوصالح ، ودرست الامر فرفضته. ثم سافر الوفد وكانت له وقفة في لندن، فتبعه حافظ أسد إلى لندن واتفق معهم على تسليم الجولان مقابل أن يحكم هو سورية بدعم أمريكي ورضى إسرائيلي . وعندما عاد الأسد من لندن دعته القيادة لمحاكمته وكان فيهم بدر جمعة رئيس فرع المخابرات العسكرية في حلب ، فدخل مع الأسد في خلاف ومشادة كلامية وتعالت الأصوات وكان بدر جمعة قريباً من الأسد فلطم الأسد قائلاً له : خائن وترفع صوتك . فلما قام الأسد بحركته اعتقل بدر جمعة وأعدمه على الخازوق.
18- ثم أقدم حافظ أسد على تسليم الجولان حسب الاتفاق الذي تم مع وفد الكونغرس الامريكي ، وفي كتاب سقوط الجولان تفصيل هذا بما لا يدع مجالاً للشك. ومما يؤكد أن تسليم الجولان كان مؤامرة ما عرفه القاصي والداني من اعلان سقوط الجولان و(القُنيطرة) قبل أن يصلها جندي اسرائيلي واحد بحوالي (48) ساعة إضافة إلى منعة جبهة الجولان وصعوبة إقتحامها ان لم نقل استحالة إقتحامها عادة.
19- اتصل الملك حسين رحمه الله تعالى بحافظ أسد صبيحة الخامس من حزيران عام 1967م وطلب منه أن يقوم الطيران السوري الذي كان متفوقا على الطيران الأردني بضرب المطارات العسكرية الاسرائيلية مع التركيز على المدارج أثناء انشغال الطيران الاسرائيلي بضرب الطيران المصري لئلا يجد الطيران الاسرائيلي عند عودته مطارات تؤويه ولا مدارج يهبط عليها لكن الاسد استمهله ثم اتصل الملك الحسين رحمه الله تعالى مرة أخرى بالاسد فاستمهله ثانية ، حتى أنهى الطيران الاسرائيلي المهمة وعاد إلى مواقعه سالماً . ولو لم تكن هناك صفقة خيانة لقام أسد بما اقترحه الملك ولتغير سير الحرب كلها.
20- من الواضح للجميع هدوء جبهة الجولان هدوءاً رائعاً في ظل التجديد الدائم لاتفاقية الفصل بين القوات وإنه لمن الامور شبه المستحيلة انطلاق أحد من سورية إلى الجولان للقيام بعملية عسكرية دفاعاً عن أرض سورية محتلة باعتراف مجلس الامن. وقد كان حافظ اسد وفياً لاتفاقية الفصل مع اليهود، وها هو الابن يسير على خطى أبيه . وعجبا لمن يمد حزب الله الشيعي بأعتى الاسلحة ، بحجة تحرير مزارع بسيطة خداعاً وكذباً، ولا يسمح لشعبه ولا لأهل الجولان التي تبلغ مساحتها أضعاف مزارع شبعا بالمقاومة . أليست أرضنا أولى بوجود مقاومة فيها.
21- غدر حافظ برفاقه : صلاح جديد ، ونور الدين الأتاسي ،ويوسف زعين .... فاعتقلهم أزلامه أثناء اجتماع للقيادة ، ثم أودعهم السجون إلى أن قضى أكثرهم فيها ، في حركة سماها تصحيحية سنة 1970 م وقد كان حريصاً على بقائهم في السجن لأنهم شهود على خيانته فلم يكن من الممكن إطلاق سراحهم بحال من الاحوال خشية أن يتحدثوا إذا اطلق سراحهم بما يعرفونه من أسرار الخيانة.
22- زار حافظ أسد المحافظات السورية بعد حركته التصحيحية فاستقْبله الناس استقبال الأبطال مصدقين ما أعلنه من أنه سيحارب الطائفية ويحقق المساواة ويطلق الحريات . وقد انطلى هذا على كثير من الناس ، ثم لم يَطُل الزمن حتى بان لهم كذبه وبطلانه .
23- وضع الأسد بعد حركته دستوراً استبدادياً وفق هواه ، وهذا الدستور جعل الحزب قائداً للشعب والدولة كما تنص المادة الثامنة ، أما حافظ أسد فهو رئيس الحزب المهيمن عليه وعلى الدولة ، ووضع الدستور بيد الأسد كل شيء ، زيادة على أن الدستور علماني . ومن معالم الاستبداد إلغاء استقلال القضاء واعتماد الاستفتاء بدل الانتخاب ، ومنع ترشيح أحد لرئاسة الجمهورية إلا المُرشح الوحيد الذي يُقدمه الحزب .
24- عندما أبدى العلماء رأيهم في الدستور بتحرك سلمي لم يكتف الأسد بتجاهل آرائهم بل أودعهم السجون لسنوات دون اعتبار لسنهم ومكانتهم . وممن سجن يومئذ الشيخ محمد علي مشعل والشيخ سعيد حوّى وغيرهما .
25- طرح حافظ أسد الدستور الفاسد على الشعب مستخفاً بما أحدثه من تذمر في سورية كلها ففاز الدستور باستفتاءٍ مزور، وعلى الرغم من أن الدستور الذي صُنِع على عين الأسد ووفق هواه يمنحه و زمرته حقوقاً لا يحظى بها رئيس في العالم فقد ضرب به الأسد عرض الحائط واستمر يعمل بحالة الطوارئ طيلة حياته ، ثم استمر العمل بقانون الطوارئ سنين بعد موته .
26- أَدخل حافظ أسد الجيش السوري في حرب تشرين عام 1973 م وسمّاها حرب تشرين التحريرية وقد خسرت سورية في هذه المسرحية عشرات القرى والبلدات ومساحات واسعة غنمتها إسرائيل و لا تزال تحت الاحتلال .
27- زَجّ حافظ أسد الجيش السوري في لبنان عام 1976 بالاتفاق مع الولايات المتحدة و إسرائيل بعد التفاهم على الخطوط الحمراء و الخضراء ، وكان الغرض القضاء على المقاومة الفلسطينية التي يعتبرها الأسد قوة سنِّية تشكل خطرًا على حكم الأقلية في سورية .
ولم ينس الناس حتى الآن أحداث الكرنتينا وتل الزعتر وغيرهما عندما قتل الجيش الأسدي ما لا يحصى من الفلسطينيين، ثم قام الإسرائيليون بمجازر صبرا وشاتيلا تحت سمع الجيش السوري وبصره ، ثم حاصر الأسد مدينة طرابلس من البر واليهود من البحر سنة 1987 حتى تم القضاء على المقاومة الفلسطينية وخرج ياسر عرفات من لبنان بلا رجعة وانتهى دور الفلسطينيين بشكل كامل هناك , ثم أخذت راية المقاومة خداعا وتضليلا الحركات الشيعية ومنعت الفلسطينيين من العبور إلى أراضيهم المحتلة لمجاهدة الاسرائيليين .
يتبع النصف الثاني إن شاء الله
تعليق