بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فانطلاقا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) أحببت أن أكتب بعض الخواطر التي تنبعث بداخلي كلما رأيت الجيل الجديد كيف يتربى، وسمعت شكاة أهله عليه..
بعض الأهل يرى أن الهداية من الله تعالى، فيكل الأمور إليه، ويرى أن ابنه لم يكلفه الله تعالى، فيتركه ينهمك في الحرمات، ولا يحفظه من أماكن الفسق، ومن التزيي بزي الفساق، ومن العمل بأعمالهم..
لا يعلم هؤلاء بأن عدم تكلييف الطفل لا يدفع الإثم عن الولي إن فتح لابنه باب المعصية..
فعندما يدل الولي ابنه على أماكن الفسق، ويصحبه إليها، من ملاه يرى فيها المحرمات، كالموسيقا، وألعاب القمار التي تعد من الكبائر، وغيرها من الأمور المحرمة، فيحبها الولد و يشتهي اللعب فيها..
عندما يصحبه إلى دور السينما ليدله عليها، ثم يرى على الحيطان إعلانات الأفلام، وغيرها من الفساد فيتشوق لها..
عندما يعوده على النظر إلى الأفلام الأمريكية، ومتابعة المسلسلات، وغيرها من الأمور المحرمة..
عندما يصحبه للمطاعم ويعوده على الدناءة بالأكل فيها أمام أنظار الناس في المجمعات التجارية غيرها..
عندما يصحبهم إلى المسابح والنوادي ويعود بناته على هتك الستر بينهن وبين الله تعالى، و عندما يتركهم يسبحون بحضرة أناس يكشفون عن عوراتهم، فيعتادون النظر إلى العورات..
وعندما يعود ابنته على لبس الثياب الضيقة التي تصف أفخاذها وعورتها بحضرة الناس، أو بحضرة أخيها وأبيها فيقتل حياءها..
عندما يتركها في سن التاسعة والعاشرة -أخطر سن للبنت؛ لأنها تبدأ تعي فيه جمالها وتحاول أن تلفت نظر الناس إليه- بلا حجاب ولا ستر، سواء أمام الرجال عامة، أو أمام الأولاد الذين في سنها بدعوى أنهم صغار، فينمي فيها محبة الإغراء والشهوات الدنيئة وهو لا يشعر..
لا يعلم الولي وهو يفعل هذا كله أنه هو الآثم إثما مضاعفا، إثما عنه، وإثما عن كل ابن من أبنائه..
لا يعلم أن الولد يحن لأيام طفولته مهما كبر، ويحب أن يلعب ألعاب الطفولة، ويذهب إلى الأماكن التي أحبها في الطفولة، ويتشوق لمشاهدة المناظر التي شوقته في الطفولة، كل شيء أحبه وسعد به، سيربط سعادته به في الكبر..
ثم إن أدمن ابنه بعد بلوغه الذهاب لدور السينما، أو شراء الأفلام، أو الذهاب للمسابح والمطاعم، والملاهي، والنوادي اشتكى منه، ومن سوء فعاله، ونسي أنه هو من دله على طريقها عندما صحبه إليها في الصغر..
يرى أبناء الصالحين الذين تعلقت قلوبهم بالمساجد، فيتحسر على أبنائه، أنه يصحبهم للمساجد والملاهي، فيسحبون للأول سحبا، ويركضون للثاني ركضا..
ولا يعلم أنه هو الذي زرع محبة أماكن الفسق في قلوبهم عندما أراهم إياها، ولا يجتمع في قلب محبة أماكن الفسق وأماكن الطاعة، أماكن النور وأماكن الظلام..
وهو الذي ربط سعادة ابنه بهذه الأماكن التي إنما بنيت لنشر الفساد، وكانت يوما ما خاصة بالفساق والفجار، فصارت عامة لكل مسلم أضاع مبدأه، عندما ضعف إيمانه، ونسي قول نبينا صلى الله عليه سلم فيما رواه مسلم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)..
عندما ركنا للدنيا وربينا أبناءنا على البحث عن السعادة فيها، والركون إليها..
عندما سئمنا من غربتنا التي قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها: (طوبى للغرباء) فما ربينا عليها أبناءنا.. بل خفنا أن نشعرهم بالغربة بين الفساق فأبحنا لهم تقليدهم، والذهاب لأماكنهم بدعوى أنهم صغار..
نسينا قول الله تعالى: (ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا)، نهانا أن ننظر بأعيننا فقط إلى غير أهل الطاعة، لأن النظر يدعو للشهوة، فكيف وقد نظرنا وسمعنا وخالطنا واقتدينا..
بفعلنا هذا كله زرعنا بذرة الفسق فيهم.. ودللناهم على رعاية هذه البذرة.. ثم اشتكينا من أشواكها عندما اشتد عودها، فجرحتنا وجرحت نفسها، وأحدثت شرخا في دينها..
وبعد ذلك يجلس هذا الأب فيقول: ابني انحرف، والدينُ تحرَّف، والحياء قتل، والمساجد هجرت، والشيطان ركب أبناءنا فما عادوا يطيعونا، ولا يعلم أنه شارك في كل هذا، وأنه سيسأل عنه كله، ويحاسب عليه كله..
وأخيرا ربما قال البعض: فكم رأينا من أناس تعبوا في تربية أبنائهم وحفظهم، ثم ضل أبناؤهم، وفتنوا في الدنيا.. وأناس ضيعوا أبناءهم وعودوهم على المعاصي ثم صار أبناؤهم من العباد والزهاد..
فنقول لهم: نحن لا ننكر هذا، ولكن هذا الأب الذي تعب في التربية إلى أن بلغ ابنه سن التكليف واعتمد على نفسه، أبرأ ذمته فيما بينه وبين الله تعالى، فلن يحاسبه الله تعالى على فسق ابنه الذي تعب عليه، ولن يضيع له أجر تربيته عندما كان هو المسؤول عنه، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا..
وهذا الولي الذي ربى ابنه على المعصية والفجور، ثم اهتدى الابن وصار صالحا، لن ينجو من سؤال الله تعالى غدا عن سوء تربية ابنه..
فما ضر سيدنا نوح عليه الصلاة و السلام كفر ابنه، ولا نفع آزر خلة ابنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام..
فليجلس كل ولي مع نفسه، ولينظر كم مبدأ دينيا أماته في قلب أبنائه، وكم نوعا من أنواع الفسق زرع محبته في قلوبهم، وكم خلقا كريما أماته، وكم شهوة أحياها ونماها، ثم إن رأى يوما نتيجة عمله على أبنائه، أو مجتمعه، أو دينه، فلا يلومن إلا نفسه..
فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا.. وهم أيضا امتحان الحياة الدنيا.. وهم أيضا هوان الآخرة، عندما يفرون من أبائهم وأمهاتهم، ويعلنون عند الحساب أنهم كانوا سبب هلاكهم، فيضاعف لهم العذاب ضعفين.. عندها سيندم الولي على ما فرط، عندما لا ينفع الندم شيئا..
تعليق