العالم الأزهري.. بين أصالة الرواق وزيف الأوراق

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد يوسف رشيد
    طالب علم
    • Sep 2003
    • 601

    #1

    العالم الأزهري.. بين أصالة الرواق وزيف الأوراق




    مضحكات .. مبكيات.. من واقع أسيف

    هل أنت أزهري؟
    نعم، لقد تخرجت من كلية الشريعة..
    إذا نسمع منك .. أفتنا يا فضيلة الشيخ..

    هل أنت أزهري؟

    إنني متخرج من كلية الهندسة، سوى أني تلقيت الفقه وأصوله في حلقات فضيلة الشيخ فلان وفضيلة الإمام فلان بالجامع الأزهر ولازمت كافة مجالسه حتى أذن لي بحلقة أشرح فيها للمبتدئن ومن جاوزهم.. ولازمت الشيخ اللغوي فلانا خمس سنوات أخذت عليه فيها الآجرومية والقطر والشذور وشرح ابن عقيل.. وكانت لنا مجالس طوال سنوات في التفسير مع فضيلة الشيخ فلان . . .
    عذرا.. إنك محب، ولست أزهريا.. فلا تزاحمنا.. !!

    * * *

    هيا يا شيخ محمد انضم إلى زميلك وانقلوا من بعضكم حل الأسئلة (قالها لي المراقب في اختبارات أحد الفصول من فترة دراستي بكلية الشريعة)

    * * *

    يا مشايخ.. أنتم مشايخ المستقبل ستفتون الناس بالحلال والحرام بعد التخرج، فلا تغشوا في الاختبارات حتى وإن وجدتم الجميع يفعلها، فسوف يبدلكم الله خيرا من ذلك حتى لو رسبتم في المادة (قلتها لمجموعة من الزملاء في كلية الشريعة قبل دخول أحد الاختبارات)

    وبعد الخروج من الاختبار قال أحدهم / يا شيخ محمد.. عبد السلام غش من سلمان (أسماء مستعارة لشخصيات حقيقية)
    ويخرج سلمان فأقول له : عرفت أنك قمت بتغشيش عبد السلام في اللجنة.
    يرد سلمان : بصراحة حصل يا شيخ، لكن الضرورات تبيح المحظورات.. ألا تسمع صوت عبد السلام كيف هو؟!! يقول لي يا شييييخ هات السؤال الأول.. بصوت مرعب!!
    نسيت أن أخبركم : عبد السلام كان طفلا سيئا منذ المرحلة الابتدائية وعلى غير سلوك سوي، وكان وهو في المرحلة الابتدائية يشرب المخدرات، ويشم أشياء غريبة (الكلة) ويشرب الدخان، ويحمل أسلحة بيضاء، ويخطط لجرائم عجيبة، ويصادق أناسا على هذه الشاكلة.. ثم بقدرة الهل سبحانه انتسب لكلية الزراعة أو التجارة، ثم استوفى فيها سنوات الرسوب.. ففتحت له كلية الشريعة صدرها!! .. فإذا بأخيه الذي يربيه وهو شيخ في الأربعينات ذو خلق وأنا على علاقة طيبة به يوصيني به أن لا أتركه وأن أضمه إلينا لعله يفلح ويهديه الله بسببنا.
    وصوته خشن غريب بالفعل، وربما يكون سلمان قد أصاب في توصيفه الفقهي في اضطراره أن (يغشش) عبد السلام، أي في حق سلمان وحده.. فسلمان كان يعيش بالسعودية في وسط أسرة مرفهة ويظهر عليه الترف ورقة العيش خلافا لجمهور الطلاب في جامعة الأزهر.. أما عبد السلام.. فمجرد رؤيته تبيح المحظورة.. فما بالكم لو كان مقعده في لجنة الاختبارات خلف مقعد سلمان !
    (من نعم الله سبحانه أن عبد السلام قد استوفى سنوات الرسوب كذلك من كلية الشريعة قبل أن يصبح شيخا أزهريا يفتي الناس.. وسلمان أيضا قد رسب وترك الكلية نظرا لشدة نعومته وعدم تحمله الدراسة)
    * * *

    الأزهر عقيدته باطلة.. عقيدته هي العقيدة الضالة التي ينظر لها أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي.. وهؤلاء ضالون مضلون.. ولا نجيب في الاختبارات إلا مضطرين حتى لا نرسب ... (يقولها شخص يتبع التيار المعاصر المتأثر بالمدرسة الوهابية السعودية.. ثم هو في النهاية.. أزهري!)
    * * *
    خالد عبدالله المذيع أو مقدم اللقاءات بقناة الناس أو الحكمة - :
    نقدم لكم هذه المرة شيخا من الأزهر لأن الناس لا يعجبهم السلفيون.. خلاص، بلاش سلفي هات أزهري..
    (وأتى بواحد هو من أشد الوهابية عداء للأزهر وعقيدته وهو مجسم خلافا لعامة الوهابية الذين ربما لا نثبت لهم ذلك - وألبسه اللباس الأزهري الشريف وهو لم يلبسه من قبل!.. وقدمه على أنه شيخ من الأزهر، في صورة مثيرة للاشمئزاز قد ملئت بالتدليس وفقد المروءة)
    فالعملية في نهايتها .. مكياج ولباس.. كما في كواليس المسرح.. والضحية هي الجمهور المشاهد
    * * *
    صبحي منصور.. زعيم القرآنيين منكري السنة.. وهو من أشد الناس عداء لسنة ومنهج أهل السنة، كان دكتورا بجامعة الأزهر الشرعية.. ويصح أنه أزهري!
    ولا يستطيع أحد أن يقول إنه ليس أزهريا.. فلم يدرس إلا بالأزهر، ولم يقم بالتدريس إلا بالأزهر.
    * * *


    كل ما سبق هو صور حقيقة من مأساة نعيشها معاصرا في أزهرنا الشريف..

    إنها مشكلة / تحديد هوية العالم والمفتي وطالب العلم..
    من هو حقا ؟
    هل هو الذي تخرج من كلية الشريعة؟

    عبد السلام الذي لا يصلي ويشرب المخدرات والدخان ويغش في الاختبارات لو تخرج من كلية الشريعة سيكون الشيخ المؤهل للإفتاء وغيره يخرس ويغلق فمه!

    الطالب الذي نجح في الاختبارات بالغش سيتخرج ويحسب على الأزهر، وهو لا يدري مما درسه شيئا بطبيعة الحال!

    الشاب الذي يضلل اعتقاد أهل السنة الذي قام عليه الأزهر الشريف سوف يخرج ويتكلم باسم الأزهر كشيخ أزهري! وهو يضلل الأزهر!

    أية مأساة تلك يا أولي الألباب؟!!

    وهل يمكن أن تكون بالفعل تلك هي المعايير التي نرتضيها لشخصية الأزهري أو لشخصية العالم عموما؟!

    هذا فضلا عن السمت والهدي الظاهر للسنة الذي يلتزمه العلماء، كاللحية والعمامة والباس الوقور.. لقد صار عدم الهدي الظاهر وترك السنن الظاهرة علامة عصرية على الأزهري المتنور!!

    تعالوا نعيش سويا هذه الصورة :

    لي مشايخ وإخوان قد أفدت منهم إفادة عظيمة، وهم أزهريون حقيقة؛ أي من حيث كونهم :
    أ‌- على اعتقاد أهل السنة والجماعة، ودرسوا علم التوحيد أو مسائل الكلام على ما قره علماء التوحيد من أهل السنة، ووفق المناهج والكتب المقررة في المنهج الأزهري العريق، وينافحون عم اعتقاد أهل السنة، ويردون على المخالفين بما لا يقدر عليه (الدكاترة الأكاديميون) الذين يلقون (المحاضرات) في قاعات الجامعة، وهي محاضرات هزيلة في واقع أمرها لمن خبرها وحضرها.
    ب يتلقون الفقه على مبدأ الإسناد والاتباع؛ فيتبعون أحد المذاهب الأربعة لأهل السنة مذهب الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد ويراعون مكانتهم في ذلك، ومراتب الاجتهاد، وشروط المجتهدين، وينقلون مذاهب الأئمة المجتهدين دون أن يحرفوا في الأحكام والفتاوى، سواء بحجة الاجتهاد كما هو عند الوهابيين، أو بحجة التجديد في فهم النصوص ومراعاة المقاصد كما هو عند الحداثيين، أو للأغراض السياسية ومراضاة السلاطين أو الطغاة كما هو حال أغلب من يرضى عنهم الطغاة.
    ج قد تلقوا السلوك والتصوف الصحيح مع الفقه في دين الله، ولم يفصلوا هذا عن ذلك، فغلب فيهم الإخلاص وإيثار الآخرة على الدنيا، ولم يقفوا على أبواب الطغاة، ولم يغازلوهم بالكلمات إشارة إليهم ليقربوهم وأنهم سيكونون عونا لهم.

    هؤلاء المشايخ هم المشايخ والعلماء والطلاب حقيقة، وفيهم وجدت نعم الشيخ، ونعم الأخ المعين..

    نرجع إلى فضيلة الشيخ عبد السلام - على افتراض أنه قد غش في الاختبارات أو اجتهد نوعا قبل الامتحان فنجح وتجاوز هو شيخ أزهري كبير.. له كامل الحق (الرسمي) في ارتداء الزي الأزهري الشريف.. على تركه للصلاة.. على شربه للبانجو والدخان.. على سلوكياته غير السوية .. إنه الآن هو (الشيخ) أمام (العامة) وأمام الذين تكلس تفكيرهم على هذه المعايير الفاشلة الضائعة، والتي هي أفشل وأضيع من فضيلة الشيخ عبد السلام نفسه..

    هل تتصورون أنه وفقا لتلك المفاهيم التافهة سيحتاج هؤلاء المشايخ والطلاب الذين ذكرتهم أولا إلى أن يصدق الشيخ عبد السلام على فتواهم لأنه هو الشيخ الأزهري المتخصص وهم غير متخصصين؟!!... إنه حقا لمن المضحكات المبكيات !

    تعالوا لنعيش صورة أخرى... لذات المأساة :

    سيخرج للناس رجل يرتدي اللباس الأزهري الشريف.. وسيبدأ في شرح وتبسيط العقيدة للعامة من خلال حلقات ومجالس لشيخ أزهري رسمي موثوق، وليس هو مجرد شخص أعفى لحيته فظن نفسه شيخا.. بل هو أمام الناس (شيخ أزهري موثوق). فيبدأ بشرح العقيدة الوهابية غالبا أي بحكم انتشارها في مصر زمان ضياع العلم فإذا اعترض عليه أحدهم من العلماء أو الطلاب الأزهريين غير الرسميين فماذا سيكون موقف العامة ومن تكلست رؤوسهم على تلك المعايير المغلوطة؟
    سيقولون للمعترض : اصمت أنت، فإنك لست أزهريا، وهو شيخ أزهري يعلمنا العقيدة الصحيحة !
    ولم يدر هؤلاء المساكين أن هذا المدلس قد اتخذ اللباس الأزهري والشهادة الأزهرية كـ (حصان طروادة) ليدخل على الناس في أمر دينهم، ولم يدروا أن من نهروه وأسكتوه هو المنافح حقا عن اعتقاد أهل السنة الذي قام عليه الأزهر الشريف.
    إنه حقا ضعف المؤسسة الأزهرية، وفشلها، في وضع قائمة صحيحة بضوابط المنتسبين إليها؛ بحيث تضمن عدم اختراقها، وتضمن انتساب الطلاب إليها قلبا وقالبا، دون أن ينتسبوا إليها قالبا، ثم هم خونة مضللون قلبا.
    إنني لا أقول : إن الأزهر مخترق؛ فالمرور من البوابات العريضة لا يعد اختراقا من المارة. والصواب أن نقول : إن أبواب الأزهر مفتوحة لكل من

    كفى صراخا بشهادات زائفة.. واخرجوا للناس بالحق

    إن هذه النغمة نغمة الأزهري بالشهادة الورقية لم تعد تصلح، ولا أحسبها صلحت أصلا منذ ابتدائها، وإنما هي تعمل بجودة عالية على (تدمير) الأزهر وإفشاله في أدائه لمهمته المقدسة على الأرض.
    إن هذا الفتح العريض لبوابات المشيخة الرسمية قد أدى بطبيعة الحال وكنتيجة طبيعية لاتساع البوابات إلى أن يتخرج من لا يثق فيهم الناس؛ وهذا هو تفسير ما نشهده في زماننا من عدم ثقة الناس في كثير من مشايخ الأزهر، حيث يرى منهم الناس ما يرون. وعلى أنفسنا جنينا، وبأيدينا قتلنا أزهرنا العظيم.. وإني أدرك جيدا أنه مخطط كبير، سوى أنه لم يستعمل إلا بيد شخصيات أزهرية تنفذه بأيديها داخل الأزهر، وهم أول مسؤول عن هذا الفساد.
    إن هذه النغمة القديمة لم تعد تصلح.. لابد من الخروج من هذه الحلبة الرسمية الروتينية، والتي لم تعد تمثل الأزهر العتيق منهجا وسلوكا، ولا بد وأن تعم دعوة أهل السنة الأوساط الشعبية، خارجة من قمقمها الذي ضاق عن الجادين، واتسع للفاشلين، و فتح أحضانه لأصحاب التقديرات الضعيفة الذين رفضتهم كليات مثل الطب والهندسة والعلوم، بل وفتح أحضانه للراسبين الذين استوفوا سنوات الرسوب بأدنى الكليات ككلية التجارة والزراعة!
    قلت للطلاب في درس من الدروس حول منهج أهل السنة في التعامل مع الأحكام :

    لا تحسبوا أن المناهج الفاسدة المدمرة للدين قد انتشرت في مصر نتيجة أن الناس اقتنعوا بخرافاتهم وتناقضاتهم في الأسماء والصفات وفي الكلام في الله جل وعلا؛ فلا أحد يهتم لذلك ولا ينظر فيه من هذا التوجه في الشارع المصري العام، إن هذا الزخم والزحام هو لأجل أن أصحاب هذه التوجهات قد تواجدوا للناس في الشارع، خارج المؤسسات التي فقدت مصداقيتها عند الناس، والتي يراها الناس مؤسسات حكومية بالدرجة الأولى.

    لقد رأى الناس دعاة يتكلمون بحماسة في الدين، وتحاربهم الحكومة وتقبض عليهم، ويهاجمهم الطغاة زوار الليل في بيوتهم، وتفعل فيهم ما تفعل، وما يحدث في هذا السياق مشهور معروف لدى الناس، وتحاربهم الحكومة في الإعلام وتشوه صورتهم، ومعروف حال هذه الحكومة وأنها حكومة طاغية جائرة خارجة عن حكم الله وأنها محاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فكان حرب الحكومة لهم شهادة عدالة ودليل مصداقية لهذا التيار.. وإن الشعب المصري ينتظر النماذج ليلتف حولها، وإن (الأزهر المعاصر) قد تم تجفيفه للأسف من هذه النماذج، فالتف الناس حول (الموجود) حيث لم يجدوا غيرهم أصلا، فلم تكن هناك فرصة للاختيار إلا بين بعض المخلصين وبين مشايخ الحكومة، فمن يختارون؟ وإنه لو قدر الله أن يتواجد مشايخ الشيعة في مصر لاتبعهم الناس؛ لقوة تأثيرهم وجاذبيتهم، فضلا عن التزامهم في الظاهر بهدي ولباس يبعث على التقدير والمصداقية. فهل يدل ذلك على (صوابية) الشيعة؟

    إن الواجب على المشايخ الملتزمين منهج أهل السنة أن يفيقوا من سكرة (الرسمية) وأن يخرجوا للناس عارضين ما معهم من الحق.. وإنه لو كانت المؤسسة الرسمية الأزهرية الحالية غير ضامنة وغير حاضنة للقيام على هذا المنهج وإتاحة الفرصة أمام المخلصين للقيام عليه، فالواجب هو الخروج من الصورة الرسمية الفارغة، للصورة الحقيقية المرغوبة، والتي كان الأزهر عليها قبل أن يتم تدميره فيما سمي بـ (الإصلاح) وإنما هي تسمية زور وضلال.

    إنن انملك نماذج عظيمة على منهج أهل السنة، وليست هي داخل الإطار الرسمي للأزهر المعاصر، بل لقد حذرت هذه النماذج من الالتحاق بالفساد المنهجي الجاري في المؤسسة العريقة التي تحولت إلى مؤسسة حكومية قد تم إفسادها منهجا وسلوكا. وإلى أنموذج بارز من هذه النماذج.. نأخذ منه المثال.. ونستمد منه الفكرة..

    الوالد العالم المربي/ حسن حبنكة الميداني.. عالم مجاهد حكيم شجاع

    مدرسة هذا الإمام هي من المدارس شبه المعاصرة، وقد أخذت هذه المدرسة بجزء كبير من اهتمامي، فشغلت بها عقلي وقلبي فترة، حيث قرأت عنها، وعشتها وأصحابَها، ثم خرجت من هذا الانشغال بآثار تنفعني إلى يوم ألقى الله سبحانه.
    صاحب هذه المدرسة هو فضيلة الشيخ الإمام / حسن حبنكة الميداني (1908م 1978م)
    كان رحمه الله ورضي عنه رأس أهل الشام في زمانه، علما في المساجد والمعاهد، وسياسة حيث العواصف السياسية التي تعيشها بلاده، وسجلت مواقفه العزيزة الأنفة مع عدد من الحكام الذي حكموا سوريا حتى الأخير الهالك حافظ الأسد أسأل الله أن يعامله وولده بما يستحق -.
    يقول فضيلة الشيخ حسين خطاب إمام قراء الشام بعد الشيخ الإمام الحلواني:
    (وأجدر بشيخنا أن يكون نابغة القرن العشرين وإمامه، إلى ما منجه الله من تواضح جم في غير مذلة، ودعابة حسنة من غير ابتذال، وطلعة مهيبة من غير تكبر، ويتحقق فيه كثير من الصفات التي كانت تطلق على رسول اله صلى الله عليه وسلم "من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه" وكان رحمه الله يتعمد أن يتأسى برسول اله صلى اله عليه وسلم في أموره كلها حتى في مشيته "كأنما ينحط من صبب".
    وإذا ألم به مرض يستشفي بطعام من حلال عند إخوانه، يعلم أنهم لم يكسبوه إلا من طريق أحله الله، واكتسبوه بكد اليمين وعرق الجبين.
    وقد أمضيت في صحبته وتحت إشرافه وتوجهيهه وتعليمه وتأديبه نحوا من خمسين سنة، في غدوه ورواحه، وسفره وحضره، وجده وهزله الذي ما كان يخرج فيه عن دائرة الحشمة، وفي طعامه وشرابه، وحزنه وفرحه، وألمه وصحته، وسلمه ونضاله، فوجدته خير مرب، وخير معلم، وخير ناصح، يسلك بأتباعه وقومه نهج محمد صلى الله عليه وسلم، ويريد الخير للناس أجمعين، ويوجه إلى الصلاح، هذا دابه مع من سالمه، ومع من خاصمه، ومع من أحسن إليه، ومع من أساء إليه.) من مقدمته على الترجمة التي كتبها نجله فضيلة الشيخ عبد الرحمن الميداني -.

    أما من حيث تربية هذا الشيخ ومنهجه فكان منهجا تربويا عجيبا، نسمع عنه في تراجم الفرسان و (الرجال) ولا نتصوره - فضلا عن أن نراه - في هذا الزمان :

    بلغ من عنايته بتربية رجاله أنه كان لا يهتم بتصنيف الكتب، لأن همه الأكبر كان في (تأليف الرجال). وكان يتمثل بما حكي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، أنه حين سئل: ماذا ألفت من الكتب؟ فقال: ألفت لكم محمدا وأبا يوسف.

    كان الشيخ العالم المجاهد حسن الميداني رضي الله عنه معتنيا بمراقبة تلامذته وملاحظتهم، ولم يترك ذلك لمجرد الصحبة كما هو حال أغلب من يعرفون بالتربية فضلا عمن لا يعتنون بها أصلا فلا تكاد تفوته صغيرة ولا كبيرة ممن يفرض عليهم هيمنته التربوية، وذلك لشدة يقظته وحدة انتباهه، وحرصه على هذا الجانب - التربية في تلامذته، والذي كان يرى أن الله قد ألقاه واجبا على عاتقه، وحمله مسؤوليته.

    وكان من نعمات الله على الإمام أنه لما رأى الله تعالى منه الحرص على ذلك فقد كان يوفقه دون قصد من الشيخ ليطلع على هفوات تلامذته مباغتة من غير تدبير أو مراقبة.. فكان أحيانا :
    يسدي النصيحة والتوجيه ... أو يؤنب بالكلمة القاسية... أو يؤدب بالضرب أحيانا !

    وكان رحمه الله ذا حدة وعنف وشيء من القسوة في شبابه كما يحكي ولده الشيخ عبد الرحمن ثم لان في الخمسين من عمره، واشتد لينا ورقة بعد أن بلغ الستين من عمره، واستمر يلين ويرق ويعذر المخطئين ويزداد في ذلك سنة بعد سنة حتى وفاته رحمه الله ورضي عنه.

    وفي هذه الفترة الأخيرة لم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح والتوجيه، إلا أنه صار يتغاضى عن الهفوات.. ولم يكن يتغاضى في عمره السابق.

    وكان من أساليبه التربوية أنه يلجئ من يهيمن على تربيتهم إلى ممارسة الأمور التي يحرص أن يربيهم عليها، من أعمال وأقوال وتعليم وتوجيه وموعظة.. فكان يسوقهم سوقا إلى الممارسة المبكرة لهذه الأنشطة.
    وكان أخشى ما يخشاه رضي الله عنه أن يصاب من هو في دائرة تربيته بالغرور، فيستكبر، أو يندفع بحماقة، أو يقنع بما وصل إليه من مرتبة، فلا يتابع مسيرته.. لذلك فقد كان ينقد تلميذه، ولا يعطيه كل ما يستحقه من الثناء عليه في وجهه، بل قد يمنحه ذلك في غيبته.. أما في وجهه فقد كان يعطيه من استحسان العمل بالمقدار الذي يتسجع به على المواصلة، دون أن ينتفخ بالغرور والتعاظم، وكان يرى أن داء الغرور أعظم من دار انكسار النفس وشعورها بالحاجة إلى التحسين والتقدم، ما لم يصل المنكسر إلى حالة من الإحباط والتثبيط تسبب له التوقف.

    وكان الشيخ رضي الله عنه معروفا بالإعلان بتثريب وتقريع المجاهرين بالظلم والبغي أو الفسق والفجور مهما كانوا أصحاب مناصب وقوة وجور.. وكان معروفا بالجهاد بالعنف على قدر ما تسمح به الأسباب بحسب المنح الربانية في ذلك.. إلا أن نضج حكمته في تقدير الأمور كان قد تم له بالتجارب الممتدة على خط العمر، فربما كانت تغلبه أحيانا شجاعته وحدة طبعه، إلأا أن اللهعز وجل حماه فلم يتورط في إقدام مسرف يندم عليه ندما كثيرا، ولم يفقد شجاعته ولا صوابه ولا حكمته أمام عظائم الأحداث، بل كان عند ذلك من أفذاذ الرجال، وما كانت تلين قناته بالإغراءات أو المطامع، حتى ولو كانت تلبس لباس دعم مشاريعه التعليمية التربوية.

    وكانت هذه المدرسة مدرسة ذات اتجاه قوي في دين الله، لا يميل أصحابها إلى الحكام الطغاة كما هو حال كثير من المنتسبين للدعوة.. حتى أنهم كان لهم موقف مع فضيلة الدكتور/ محمد سعيد رمضان البوطي وهو من أعيان الدعة الرابعة التي تخرجت على الشيخ حسن رضي الله عنه - وهو معروف بمدحه وقربه من حكام سوريا. يقول الشيخ عبد الرحمن الميداني في ذلك:

    (واستدرج أخيرا إلى تمجيد ومدح قادة حكام حزب البعث، كان فيها محل انتقاد الكثيرين، وكنت أراه مجتهدا مخطئا غير منتفع بدنيا، وقد نصحه إخوان وأساتذة له محبون فلم يستجب)

    وتميزت هذه المدرسة كغيرها من مدارس أهل السنة بالتزامها بالهدي الظاهر، بل وجعله معيارا على الاستقامة. ويحكى في ذلك عن أحد طلاب هذه المدرسة ولن أذكر اسمه لعدم الداعي إليه أنه اشتغل فترة بالتجارة وبعد عن (طلب العلم والعمامة واللحية) هكذا كما عبر الشيخ عبد الرحمن الميداني، ثم ثاب إلى رشده ورجع إلى الطلب والعمامة واللحية.. وفي هذاالتعبير ما يشير إلى تعظيمهم للسمت والهدي الظاهر.

    وغير ذلك مما حكي في حق هذه المدرسة، وهذا العالم المجاهد من أهل السنة.



  • محمد يوسف رشيد
    طالب علم
    • Sep 2003
    • 601

    #2
    أما منهجه التعليمي - أي المسلك التعليمي والكتب والمواد التي يتلقاهاعليه طلبته وهو من أبرز ما يميز المنهج الأصيل الذي أهدف إلى بيانه من خلال تلك الكتابة فننقل منه ما يلي :

    كان رضي الله عنه يرى أن تربية طالب العلم على العلوم الشرعية حتى يصير فقيها في الدين داعيا هو أنفع لإسلام والمسلمين من تجميع عشرات الآلاف من المتحمسين للإسلام ممن لا يملكون ما يصونهم عن التحولات الفكرية والنفسية والعاطفية أقول محمد يوسف رشيد : كمن نراهم الآن في زمانا ثورون ويهتفون بالتكبير ومناداة الشريعة ويركبون الموجة العاطفية فإذا لوح لهم بفكرة أو بمال أو شوهت لديهم صورة الشريعة ارتدوا على أدبارهم خسروا الدنيا والآخر-. فكان رحمه الله ورضي عنه ينفق كل ما يأتيه من المال على طلاب العوم الشرعية، حتى كانت حياته في نهاية المطاف موهوبة جلها في في هذا السبيل.

    في علم (النحو) : كان الشيخ يقر متن الآجرومية، ثم شروحها، ثم ألفية ابن مالك/ ثم شروحها وحواشي الشروح. وكان يقرر سلسلة كتب ابن هشام (قطر اتلندى وبل الصدى وشرحه شذور الذهب وشرحه أوضح المسالك وشروحه وحواشيه مغني اللبيب وما عليه من تعليقات وتقريرات). وكانت له عناية بكتب النحو الأخرى المكتوبة بأسلوب ضوابط علم المنطق مثل كتاب (ملاّ جامي).

    وفي علم (الصرف) : كان يقرر من الرسائل الصغرى حتى الشافية.

    وفي علم (البلاغة) : كان يقرر من الرسائل الصغرى إلى شرح التلخيص وحواشيه، حتى المفتاح للسكاكي أحيانا.

    وفي علم (التفسير) : كان يقرر مثل تفسير البيضاوي، وتفسير النسفي، وتفسير أبي السعود، والكشاف للزمخشري، مع النظر في الحواشي والتقريرات، والنظر في التفاسير الكبرى الموسعة، مثل تفسير الآلوسي، والرازي، وأخيرااعتنى بتفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي، والطبري.

    وفي علم (المنطق) : كان يقرر (إيساغوجي) ومتن السلم وشروحه وحواشيه، ثم شرح متن التهذيب للخبيصي، مع النظر فيما هو أوسع من ذلك كمطالع الأنوار.

    وفي (الفقه الشافعي) : كان يقر متن الغاية والتقريب، وشروحه، وكان له عناية بنظم الغاية والتقريب لعمريطي، وقد كتب في أوائل شبابه تعليقا عليه وصار الطلاب يرجعون إليه حفظا للمتن وفهما من التعيق. وكان يقرر مقدمة الحضرمية، وعمدة السالك للغمراوي، وكتبا مختلفة في الفقه الشافعي، أما الكبار من طلابه فيقرؤون عليه المنهاج للإمام النووي، وشروحه، منها شرح الخطيب الشربيني، والتحفة لابن حجر، وشرح الرملي.

    وفي علم (أصول الفقه) : كان يقر من الرسائل الصغرى كالورقات، حتى جمع الجوامع وشرحه للمحلي، مع النظر في كثير من كتب الأصول على اختلاف المذاهب.

    وفي (الحديث) : كان يقر مختصر صحيح البخاري بشروحه، وصحيح البخاري بشروحه، وصحيح الإمام مسلم بشرح النووي، وغير ذلك من كتب الحديث، وكان له عناية خاصة برياض الصالحين للنووي.

    وقام الشيخ رضي الله عنه بتدريس علمي العروض والقافية في بعض مراحل حياته.

    وقر الطلبة عليه في (الأدب) كتاب زهر الآداب، وقد كانت له عناية خاصة بالبيان والتبي للجاحظ، وبكتاب أدب الدنيا والدين للماوردي، وقرأ الطلبة عليه قسما من الأمالي لأبي علي القالي.

    وكانت للشيخ رضي الله عنه عناية خاصة بكتاب الشفاء للقاضي عياض، وبكتب السيرة النبوية، وكتب الأخلاق، والمواعظ، والآداب، والرقائق، وكل ما يكون له تأثير في الخطابة والدروس العامة.

    وكان له ميل إلى الكتب العقلية والفلسفية.

    وكان رضي الله عنه يؤثر كتب التراث مما كتبه الأئمة الأعلام على الكتب المحدثة.


    هذا من منهج الشيخ رضي الله عنه، وهو يشبه أو يكاد يكون هو منهج الأزهر العريق قبل أن يتعرض للعملية التدميرية التي سميت زورا إصلاحية، والتي ادعى القائمون عليها أن الأزهر قد أصابه (الجمود!!) ويحتاج إلى (التنوير!!).. فهل ما وصل له حال المناهج في الأزهر الآن هو التنوير الذي رامه قادة هذه الحركة التخريبية؟.. وهل آن الأوان ليقنع طلاب الأزهر المعاصرون أن تلك الحركة التي غيرت فيها المناهج الأزهرية وضيعت ما هي إلا خطوة عظيمة في مخطط تدمير الإسلام في بلاده من خلال ضرب مؤسساته التي تمثل الأوتاد التي تشد إليها الخيمة الإسلامية لتظل البلاد كلها؟.. إن الخيمة الإسلامية في مصر قد انكفت وتمزقت يوم كسروا الوتد الأزهري العتيق.

    لقد كان من نتائج هذا التدمير الذي جرى على الأزهر العريق أن أصحاب هذه المدارس العلمية التربوية العظيمة والتي كانت تتفق يوما مع الأزهر صاروا يحذرون أتباعهم من الانتساب للأزهر المعاصر؛ ضرورة أنه يخرب قواعدهم، ولا يمنحهم إلا نتفا من سطوح من العلم، وأما التربية العلمية والسلوكية المتكاملة فقد تم القضاء عليها ونفيها بالكلية، ولم يصر لها وجود بالأزهر.

    يحكي الشيخ عبد الرحمن حسن الميداني نجل العالم المجاهد عن أحد تلامذة والده الإمام وهو الأستاذ الشيخ/ محمود المارديني الكردي أنه كان : أول المغامرين من طلاب مدرسة الوالد الإمام في الالتحاق بالأزهر لنيل شهادة عليا في العلوم الشرعية.. فيفهم من لفظ (المغامرين) أن الأمر كان محظورا عليهم، وهو واقع بالفعل كان يفعله أصحاب المدارس المنضبطة، سواء في الشام أو الهند أو بلاد ما وراء النهر وغيرها.. حتى قد بلغني عن أحد المشايخ من الهنود حسبما أذكر - لما أصر تلميذه على أن يأتي لمصر ليدرس بالأزهر، أوصاه الشيخ قائلا: اذهب ولكن لا ترجع لي مجتهدا أو وهابيا.. يريد أن الأزهر بصورة مناهجه المعاصرة يجعل الطالب يغتر فيجتهد برأيه دون ارتباط بمذاهب وتفقه فيها وأن المد السائد كتيار هو المد الوهابي وهو بدوره متحرر من القيود والضوابط العلمية الموروثة.

    لقد كان الطلبة في مدرسة الشيخ حسن الميداني رضي الله عنه يسافرون إلى مصر ويلتحقون بالأزهر لهدف ذكره نجله الشيخ عبد الرحمن حيث قال (وانتسبوا إلى الأزهر بغية الحصول على شهادة معترف بها).. أما علومهم وما تأصلوا عليه من شيخهم فقد وقع لهم ذلك في مدرسة الشيخ ووفق المنهج العلمي والتربوي الذي مر ذكره إجمالا.

    إشارات من كلام لفضيلة الشيخ حسن هيتو

    يقول فضيلة الشيخ حسن هيتو في كتابه (المتفيهقون) :

    (وقد حدثنا أشياخنا عن طريقة التدريس في الأزهر قبل أن يطور ويدمر، أن الطالب كان لا يدخله إلاَّ وهو حافظ للقرآن في الكتاتيب، فإذا دخله قرأ في السنة الأولى من كتب النحو الآجرومية بأربعة شروح لها.
    وفي السنة الثانية يقرأ قطر الندى .
    وفي السنة الثالثة يقرأ شذور الذهب .
    وفي السنة الرابعة يقرأ شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ويحفظها كما يحفظ الفاتحة.
    وفي السنة الخامسة والسادسة يقرأ شرح الأشموني على الألفية .
    فإذا نجح في هذا، وانتهى منه شرع في السنة السابعة والثامنة بدراسة المطول على السعد في البلاغة.
    (1/39)
    وهكذا كان يدرس ويتدرج في الكتب في شتى العلوم .
    وهذا يعني أن الطالب الذي قرأ هذه السلسلة المتتابعة، من الآجرومية إلى الأشموني ـ لا شك في أنه قد درس من قواعد لغة العرب ما يجعله في مصاف الأئمة الكبار فيها، ولا سيما أنه كان يتلقى هذه العلوم في الصغر في دراسته الابتدائية والثانوية .
    ولذلك فقد وجدت في جيل الأساتذة الأزهريين الذين أدركوا تلك المرحلة الأزهرية من أساتذتي ـ وجدت فيهم أئمة في اللغة ولم أجد فيهم أساتذة كما يعرفُ الطلابُ اليوم في أساتذة الجامعات .
    وهكذا كان يدرس الفقه، فكان الطالب يدرس أولاً حاشية الباجوري على ابن قاسم في الفقه الشافعي، ثم يدرس حاشية الشرقاوي على التحرير، ثم يدرس المنهج وشرحه لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ثم يدرس المنهاج للإمام النووي بشرح الإمام جلال الدين المحلي الذي يعتبر الذروة في الدقة والإتقان والإحكام في الفقه .
    وهذا كله في الدراسة الابتدائية والثانوية، فإذا ارتقى إلى الدراسة العالية، بدأ بدراسة الفقه الخلافي والأدلة ومناقشتها .
    ولذلك كان يصل الطالب إلى الدراسة العالية بعد الثانوية وهو إمام في المذهب، لا يقل عن كبار أئمته المبرزين فيه.
    ولقد درست الفقه على عدد من الأساتذة الذين كانوا يملون علينا منهاج النووي مع شرح المحلي إملاء عن ظهر قلب وهو يقع في أربعة مجلدات، مع التمكن التام في كل العلوم على ما ذكرت من النحو والفقه. ) انتهى كلامه رضي الله عنه

    وهذا الكلام من فضيلة الشيخ هيتو هو ليس للأزهر القديم، بل هو لأزهر متأخر، فما البال بأزهر متقدم!


    السبيل إلى الخروج من تلك الأزمة


    كافة التيارات الدينية والفكرية في مصر والتي تؤثر الآن بل وتتحكم في شكل الدولة وسياستها قد خرجت من الشعب ومن أفكار أصحابها وجهودهم الدعوية بين الناس.. ولا يزال في المقابل المشايخ الرسميون بالأزهر يهاجمون هذه التيارات والأفكار بأنها (ليست أزهرية رسمية!) ويستمرون في ذلك بصورة تثير الذهول! وكأنهم لا يتعلمون من الوقائع والأحداث، وكأنهم لا يدركون أن هذه المؤسسة الرسمية التي تم تدميرها قد فقدت مصداقيتها عند الناس، وحتى إن لم تفقد مصداقيتها لدى الناس فإنها بصورتها هذه المعاصرة لا يمكنها أن تمثل منهج أهل السنة كما كانت في السابق.

    إن الساحة الحركية والدعوية الآن خالية من الممثلين الحقيقيين لأهل السنة، وإنه من الظلم البين أن نغمط حق هذه التيارات الدينية والفكرية العديدة في أن دعوتها قد آتت ثمرتها في الناس، وأن هذه الأيام هي أيامهم، وأن صوت التيارات الدينية منهم هو الصوت الذي يستحق أن يفوز بهذه الجوائز وتلك النتائج؛ فالله تعالى لا يحرم أحدا حقه، وإن من بذل جهدا واكنت له فكرته التي أخلص لها وعمل على تحقيقها فإنه يرى نتائج عمله ولابد وفقا للسنن الربانية الحكيمة، وإن الكسالى المتخمرين في قبو الرسمية الورقية المظلم لن يروا ثمرتهم بحال، وإن تحققت لأصحابهم ثمرة فلن يروها كذلك لأنهم قابعون في الظلام، ولا يعرفون من العلم والتربية سوى تقديم الأوراق والجلوس في المدرج ثم تلقي الراتب الشهري أول كل شهر. وأذكر في ذلك (دكاترة) بجامعة الأزهر كنا نذهب إليهم لنقرأ عليهم متنا من المتون أو حاشية فإذا بهم ينظرون إلينا نظرة تنبئ عن التعجب والتشكك!.. من أنتم.. وماذا تريدون.. لا نفهمكم.. حتى قال أحدهم لأحد الطلاب يوما : ما تتكلم فيه انتهى من قديم، ولا يطلبه أحد.. وتعجب أن هناك من يريد ذلك.

    إن الخطوة الأولى في طريق الإصلاح الحقيقي/ أن يتشبع الطلاب المخلصون من داخل وخارج الأزهر المعاصر بمعرفة المنهج الصحيح لأهل السنة، عقيدة، وفقها، وسلوكا.. ومن ثم يستوعبون جيدا أصول المنهج العلمي في تلقي هذه الأبواب نعم وحتى السلوك يتم تلقيه بمنهج علمي يعرفه أهل العلم -.
    وينبغي أن يكون المعتبر في ذلك هو المنهج وأركانه، لا المؤسسات أيا ما كانت، فالأزهر الحالي هو غير الأزهر منذ مئة وخمسين سنة مثلا، بل هو غير الأزهر منذ مئة سنة، ولو ظللنا نقدس العباءة الرسمية المؤسسية بقطع النظر عما تحويه بداخلها فهو يعني أننا نقتل أنفسنا بأنفسنا، ونقدم الفرصة على طبق من ذهب للتيارات المخالفة لأهل السنة كي تستحكم وتصير البلاد مصبوغة بصبغتها.
    وفي سبيل هذا النشاط لابد وأن تتاح الفرصة أمام المخلصين من أهل السنة من خارج الأزهر وداخله ليعقدوا الحلقات الموضحة لهذه المناهج، حتى ولو كان فيها كشف لمدى ضعف المؤسة الأزهرية المعاصرة، فالمريض لا يبدأ العلاج إلا إن قنع أولا بمرضه، ومن ثم قبل أن يشخص هذا المرض مهما كانت حقيقة التشخيص مؤلمة، وعلى كل حال فعمر هذا المرض بالأزهر هو قصير نسبة لعمر الأزهر السني الشريف الذي سننه صلاح الدين الأيوبي ونشطه الظاهر بيبرس رضي الله تعالى عنهما.
    والمعيار في هذه الإتاحة وتلك المشاركة التوعوية هو المنهج الحقيقي لأهل السنة، لا الأزهرية الرسمية، ولا الجنسية المصرية.. بل علماء أهل السنة قاطبة لابد وأن يكون هذا النشاط محلا لهم، وبدون هذا المعيار سنخسر كثيرا، بل لن نتحرك من مكاننا، لأن أكثر كوادر أهل السنة القادرة على مواجهة هذا المد الباطل والتي لا تزال متمسكة بالحال القديم هم خارج الأزهر كمؤسسة رسمية تم تدميرها، بعد أن كان الأزهر قبل تدميره المؤسسة الأصيلة الممثلة لأهل السنة.
    إن العبرة هي بالمنهج.. ونستعير في ذلك حال الأزهر قبل إنشاء الجامعة، وقبل بدعة (استمارة الالتحاق) فقد كان الشخص الأزهري هو الذي تعلم داخل الجامع الأزهر، على شيخ السارية، كانوا هم المجاورين المرابضين بالجامع الأزهر ومنطقته المحيطة، فهم أهل المغرب العربي المعتكفون برواق المغاربة، هم أهل الشام المعتكفون برواق الشوام، وهم أهل تركيا وأوروبا المعتكفون برواق الأتراك.. إنهم أهل الرواق لا أهل الأوراق.. حيث صار الشيعي الرافضي أزهريا..! وصار الوهابي المجسم أزهريا..! وصار الحداثي أزهريا..!... كل هؤلاء وغيرهم هم أزهريون بالأوراق.. فأي واحد منهم يمثل الأزهر في منهجه وعقيدته وسلوكه؟
    إن من يمكن أن نعتبره أزهريا حقا هو من اتفق مع الأركان الأصيلة المكونة للمدرسة الأزهرية العريقة، وهؤلاء لا يعرفون جامعة الأزهر.. وإن الخارجين عن المنهج الأزهري العريق هم من خالفوا هذه الأركان أو أحدها ولو انتسبوا بالأوراق إلى الجامعة التي ما عرفها المتقدمون.
    وفي سبيل حصول هذه المعرفة بمناهج أهل السنة والمناهج الأزهرية القديمة ومناهج مدارس السنة ككل أبذل وبعض إخواني جهودا في ذلك، نقوم من خلالها على جمع مادة تشبع طالب المعرفة في هذا الجانب؛ حيث تقريبا لم يصنف شيء مستقل في هذا الباب. وسوف تخرج نتائج هذه الجهود شيئا فشيئا في الأيام القليلة المقبلة إن شاء الله تعالى.

    والخطوة الثانية في طريق الإصلاح / أن تقوم جهود حركية حقيقية من المنتسبين لهذا المنهج، وأن يتم تنظيم التعاون فيما بينهم لإحياء هذا المنهج.
    لا أخفي شعوري بالاستياء من الخمول والسلبية التي وجدتها في كثير من أهل السنة المعاصرين، رغم أنهم ليسوا من البالغين من العمر مبلغا يهمدهم عن النشاط والعطاء.. ولكن ما هو تفسير هذا الخمول وتلك السلبية؟... يشعر المرء منهم بـ (طيبة زائدة) في مواجهة مثل هذه القضايا، مع تصورهم لهم واستيعابهم إياها!.. فهل هي بالفعل الطيبة الزائدة فيهم؟.. أم هل يرون الأمر غير ذي أهمية بالحجم الذي أطرحه أو يطرحه بعض إخواني؟.. أجدني وبعض إخواني عاجزين أحيانا عن تفسير هذا الخمول.

    إنني على علاقة بعدد لا بأس به من مناصري المناهج الأصلية، وهو عدد على الأقل يمكنه أن يكثف الجهود وينظمها بحيث تظهر ثمرته العلمية والتربوية في مصر خلال أشهر عديدة، سوى أن هذه الانعزالية الحركية وهذه الطيبة الزائدة لن ينفعا الدعوة ولا العلم بشيء، ربما تنفع العزلة صاحبها في صلاح قلبه، وربما تنفع الطيبة صاحبها في إحسانه للناس، أما استعارة هاتين في هذا الأمر العاجل المحتاج إلى الحركة والسخونة والحماسة وعدم اللين فهو ضرر وأي ضرر، ونتيجته هي ما نراه الآن؛ تخرب الدنيا وتحترق ويتغير وجه مصر والطيبون لازالوا طيبين!

    إن أقل واحد من هؤلاء المشايخ والطلاب وليس فيهم أحد قليل هم على الرأس والعين، سوى أن القلب منفطر منهم، ومن عظيم أمرهم في السلبية وترك الحركة، حتى أن بعضهم يرى أن زمان العلم قد انتهى، وأنه لا يمكن إحياء هذا المنهج، فيكتفي الإنسان في أن ينتفع به في نفسه!.. وبعضهم لا يحب المشاكل!.. وبعضهم صامت لا ندري ما وراءه.. فمن إذا للحركة والدعوة وإحياء المنهج يا مشايخنا؟!

    ذهبت لأحد المشايخ يوما، وقلت له: يدي بيدك يا فضيلة الشيخ، نتحرك سويا، ونحن شباب متحركون، نتعلم منكم ونتحرك ونتدارك الواقع ونغيره، ولا نيأس.. فقال الشيخ : أنا عن نفسي يئست! ولن تقوم قومتنا إلا بحكومة تنصرنا! خلاص الدولة الآن هي لمخالفي أهل السنة!... فكانت تلك الكلمات اليائسة أنموذجا يعكس الحالة النفسية الخاملة لكثير من الكوادر التي يمكنها أن تعيد هذا المنهج إلى النور، والتي سيحاسبها الله على تقصيرها.
    وشيخ آخر فاضل ونحبه، لما عرضت لقضية نحتاج فيها إلى دفاع المنتسبين لأهل السنة يعرب أنه لا يحب الخوض في خلافات ومشاكل!

    يا مشايخنا الأفاضل، لو أنه سيظل هذا هو الحال فليس لنا بعد أن نشتكي من انتشار العقائد والأفكار المبتدعة؛ لأننا نحن الذين أفرغنا لهم الطرقات، ولما كانت الطرقات يوما مشغولة بالحق يملؤها لم تجد هذه البدع مكانا لها، وإنما انتشرت هذه البدع في الفراغ الذي أحدثته خطط تدمير المؤسسة الأزهرية، والذي تحدثه الآن بجودة أعلى نفسياتنا المنهزمة، أو الخاملة، أو الطيبة طيبة زائدة.. لا أدري توصيفها على وجه الدقة.

    إننا نملك أنموذجا قويا في الأردن، يبرز هذا الأنموذج ما يمكن أن يؤديه الإصرار والحركة في سبيل الله تعالى، وهو أنموذج سيدي فضيلة الأستاذ/ سعيد فودة.
    إن الأردن حاله ما كان يختلف عن مصر كثيرا، ومذهب أهل السنة كاد أن يندثر به علميا ويتهم به أصحابه، سوى توفيق الله تعالى لفضيلة الأستاذ سعيد وما قام به من نشاطات لم تدخل إطار الرسمية فالأستاذ سعيد ليس أزهريا من الجهة الرسمية سوى في الفترة الأخيرة وإنما هو مهندس أحيا الله تعالى بها مذهب أهل السنة في الأردن، وأفاد منه الناس ومن تسجيلاته في العالم كله وليس في الأردن وحدها. وهو شخص واحد، فما بالكم لو كان مؤسسة أو فريق من القائمين على الحق.

    على أهل الحق في مصر أن يتداركوا أنفسهم، وأن ينفضوا عن كاهلهم غبار الاستسلام والنظر إلى الحركة أنه لا فائدة منها، فهم عدد لا يستهان به، وما تأصلوا عليه من العلوم لا يوازيهم فيه من انتشروا الآن وتمكنوا بحركتهم ودعوتهم، فقد سمعناهم ورأينا فتاواهم وكتاباتهم العلمية؛ تغلب عليها الركاكة والسطحية، ومليئة بالتناقضات، سوى أنهم بحركتهم ونشاطهم قد نشروا هذه الركاكة وتلك السطحية، وانتصرت بحركة أصحابها. وإن ما يمكله أهل الحق هو أولى بالنشر وبتعليمه الناس، فضلا عن كونه أكثر قبولا في الناس لو عرض عليهم، فهو أقرب للعقل وللفطرة، وأعمق نظرا وآصل فكرا.

    لقد ملك أهل الحق مقومات العمل، والقبول في الأرض، فلا عذر لهم في التهاون وترك المبادرة، فإن فعلوا فرأوا من النتائج ما يسوؤهم فلا يلوموا إلا أنفسهم.

    (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)

    (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)


    كتبه / محمد يوسف رشيد الحنفي الأزهري
    24 / 9 / 2011م

    تعليق

    • حسين علي اليدري
      طالب علم
      • Aug 2003
      • 456

      #3
      تكفي اللبيب إشارة مرموزة*** وسواه لا يكفيه إلا الندا العالي
      بارك الله فيك أخي الشيخ محمد الحنفي على موضوعك، يا ليته يجد أذنان صاغية وقلب شهيد
      اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
      sigpic

      تعليق

      يعمل...