ومضات محمود شاكر

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أنفال سعد سليمان
    طالبة علم
    • Jan 2007
    • 1681

    #1

    ومضات محمود شاكر

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ......... قد زرع الله تعالى في قلبي الهمة إلى خدمة كتب "شيخي" محمود شاكر ، و الذي أجمل ما قرأتُ في وصفه ما كتبه أحد الإخوة في الرياحين :

    [أبو فهر عالم وجد في غير زمنه، مكانه مع عبد القاهر والجاحظ والمبرد وتلك الأمة الخالية
    هو الأديب حقا والسائر أباطيل وأسمار، عصفت رياحه بكل ما رآه ماحيا لطريق ثقافتنا، فكان نمطا صعبا على أعاديه، وطرازا مختلفا من العلماء
    أقبل على اللغة، وملأت شغاف قلبه، فأتقنها وملك ناصيتها، بعد أن كانت عذراء تتأبى على كثيرين
    ]

    و ما وُضع تحته خط أسماء كتب محمود شاكر ، عليه ! و اسم الأخ أبو عبد الله الشافعي .

    و في هذا الرابط سأضع أكثر الكلمات التي أرى لها نفعا لطلبة العلم و لنهضة هذه الأمة ، في نظري . و لربما أعلق أو أشرح بحسب تيسير الله تعالى و توفيقه .

    -----------------------------------------


    هذا المقطع جاء استطرادًا من الأستاذ محمود شاكر -نور الله قبره- ، تخلل ردَّه على بعض من اتَّهمه بأنه قد أساء إلى واحد من المستشرقين المساكين ، في كتاب "برنامج طبقات فحول الشعراء" . و أراه في غاية الإفادة من فِيه علامة فهامة بصير خبير بأحوال أمتنا العربية الإسلامية .

    قال الأستاذ -نور الله قبره- :

    [ و قبل كُلِّ شيء ، فأنا لم أبلغ يوما من السذاجة و الغفلة و طيب النفس ، مبلغًا يحملني على أن أعتقد ، مغرورا بما أعتقد ، أنَّ فتى أعجميا ، غريب الوجه و اليد و اللسان عن العربية ، يدخل في العشرين أو الخامسة و العشرين من عمره ، قسم "اللغات الشرقية" في جامعة من من جامعات الأعاجم ، فيبتدئ تعلم ألف ، باء ، تاء ، ثاء ، أو أبجد هوز ، في العربية ، و يتلقى العربية نحوها و صَرفَها و بلاغتَها و شعرها و سائر آدابها و تواريخها ، عن أعجمي مثله ، و بلسان غير عربي ، ثم يستمع إلى مُحَاضر في آداب العرب أو أشعارها أو تاريخها أو دينها أو سياستها بلسان غير عربي ، و يقضي في ذلك بضعَ سنوات قلائل ، ثم يتخرج لنا مستشرقًا (في اللسان العربي و التاريخ العربي و الدين العربي) ، ندين له نحن العرب بالطاعة . و لم أبلغ من السذاجة أن أعتقد أن هذا ممكن ، و إن كنت أعلم علم اليقين أن كثيرا من أهل جلدتنا اليوم قد دانوا بذلك ، وجعلوا الأمر ممكنًا كل الإمكان !

    بل أقول أيضًا ، أنْ لو نشأ ناشئ الفتيان مِنَّا على حب عربيته ، و على توقير تاريخه ، و على الالتزام بمعرفة أمته ، و على الشموخ بنفسه عن الدنايا المذلة ، و الخضوع المهين للسادة ، و على حب الإتقان للعمل ، و كان ذلك نهجَ مدارسنا و جامعاتنا و صحافتنا و كتبنا و بيوتنا منذ يُولد المولود فينا ، كما هو نهج كلِّ بلد أعجميٍّ صار له السلطان علينا اليوم ، لو كان ذلك ، لجاء هؤلاء المستشرقون جميعا ، هالكهم و حيهم ، ليتعلموا على يد "صاحب المطبعة" منَّا ، ناهيك بالعالم منا و الإمام . أرأيتَ قط رجلا واحدا من غير الإنجليز أو الألمان مثلًا ، مهما بلغ من العلم و المعرفة ، كان مسموع الكلمة في آداب اللغة الإنجليزية ، و خصائص لغتها ، و في تاريخ الأمة الإنجليزية ، و في حياة المجتمع الإنجليزي ، يدين له علماء الإنجليز بالطاعة و التسليم ؟ ما علينا !
    ]
  • أنفال سعد سليمان
    طالبة علم
    • Jan 2007
    • 1681

    #2
    و هذه الفقرة منقولة من نفس الكتاب : "طبقات فحول الشعراء" ، إذ رأى الأستاذُ الكبير أن الناقد قد استعمل في وصفه لفظ "المحقق" ، فأراد الأستاذ -نور الله قبره- أن يبين وجهة نظره من هذا اللفظ ، و عطف على ذلك رأيه بعمل المعتني "بالكتاب العربي" ، فقال :

    [..و قبل أن أبدأَ ، أحب أن أنبه تنبيها لا بد منه . فالدكتور علي جواد الطاهر ["الناقد"] ، قد استخدم في مقالته هذه ، و في هذا الذي نقلتُه الكلمات الآتية : "التحقيق" و "المحقق" و "يحققه" و "حققه" ، و سائر ما يتصرف من ذلك الفعل ، و كذلك فعل غيره ، كالدكتور منير سلطان و الآخرين . و هذا خطأ شنيع ، لأني قد أسقطت هذا اللفظ و جميعَ مُشتقاته من كلامي و كتبي ، و دليل ذلك أني في الطبعة الأولى سنة ١٩٥٢ كتبت "طبقات فحول الشعراء" و تحتَه "شرحه محمود محمد شاكر" و في الطبعة الثانية سنة ١٩٧٤ كتبتُ اسم الكتاب ، و تحته "قرأه و شرحه محمود محمد شاكر" . و ذلك تعمد مني ، لأن "المنهج العلمي" و "علم التحقيق" الذي تخصص فيهما الأساتذةُ الكبار كالدكتور علي ، هما من الأشياء التي طرحتُها وراءَ ظهري منذ زمان طويل جدا ، و لأسباب كثيرة جدا . و لم أتبع في عملي في كتاب الطبقات و غيره من الكتب إلا "منهجا" آخر يخالف "المنهج العلمي" كلَّ المخالفة ، في جذوره و فروعه . و كذلك نبذت أيضًا مُستنكفا لفظ "حققَّ و تحقيق و محقق" ، و ما يخرج منها نبذًا بعيدا دَبر أُذُنَيَّ ، لِما فيه من التَّبجح و التَّعالي و الادِّعاء ، و اقتصرتُ على "قرأ" لأن عملي في كل كتاب لا يزيد على هذا : أن أقرأ الكتاب قراءةً صحيحةً ، و أؤديه للناس بقراءة صحيحة ، و كلُّ ما أعلق به عليه ، فهو شرحٌ لغامضه ، أو دلالة للقارئ من بعدي على ما يعينه على فهم الكلام المقروء و الاطمئنان إلى صحة قراءته و صحة معناه ، لا أكثر ، و لا أقل إن شاء الله . فكان لِزامًا على الدكتور علي و أمثاله أن يضعوني حيثُ وضعت نفسي ، إنما أنا قارئ أو شارح ، أو دليل ليس غير ، لست "مُحققا" ، إنما "المحقق" من يقول في "د" : "قال" ، و في نسخة "ع" : "نال" ، و في نسخة "م" : "فال" ، وهَلم جرا .]

    و تعليقا على لفظ "حقق" و ما يتصرف منه ، أدعو كما دعا رحمه الله : [نعوذ بالله وحده من سوء تَراكُب الألفاظ و من سوء اختيارها] .. فمن الألفاظ تتكون اللغة ، و اللغة هي آلة الفكر ، فإن لم يحسن المرء استخدامَها تخبَّط و اضطرب في فكره ، و غالط نفسه و غيره .

    تعليق

    • أنفال سعد سليمان
      طالبة علم
      • Jan 2007
      • 1681

      #3
      بعد أن وضَّح الأستاذُ -نور الله قبره- حقيقة فعل المستشرقين ، و تلبيسهم على "المثقف" و غير "المثقف" بالدعوة إلى "الجديد" و "التجديد" و "ثقافة العصر" ، أتبعه برأيه في مفهوم "التجديد" في الثقافة ، فقال رحمه الله (ذيل الرسالة مُقدمة على كتاب المتنبي) :

      [ أهذا ؟ أم أن "الجديد" و "التجديد" لا يمكن أن يكون مفهوما ذا معنى إلا أن ينشأ نشأة طبيعية من داخل ثقافة متكاملة متماسكة حية في أنفس أهلها . ثم لا يأتي التجديد إلا من متمكن النشأة في ثقافته ، متمكن في لسانه و لغته ، متذوقٍ لما هو ناشئ فيه من آداب و فنون و تاريخ ، مغروس تاريخُه في تاريخها و في عقائدها ، في زمان قوتها و ضعفها ، و مع المتحدر إليه من خيرها و شرها ، مُحِسا بذلك كله إحساسا خاليا من الشوائب . ثم لا يكون "التجديد" تجديدا إلا من حوار ذكي بين التفاصيل الكثيرة المتشابكة المُعقدة التي تنطوي عليها هذه الثقافة ، و بين رؤية جديدة نافذة ، حين يلوح للمجدد طريقٌ آخر يمكن سلوكه ، من خلاله يستطيع أن يقطعَ تشابكا ليصله من ناحية أخرى وصلاً يجعله أكثر استقامة و وضوحًا ، و أن يَحل عُقدةً من طَرَف ، ليربطها من طرف آخر ربطا يزيدها قوةً و متانة و سلاسة .

      فالتجديد إذن حركة دائبة في داخل ثقافة متكاملة ، يتولاها الذين يتحركون في داخلها كاملة حركة دائبة ، عِمادها الخِبرة و التَّذوق و الإحساس المرهف بالخطر ، عند الإقدام على القطع و الوصل ، و عند التهجم على الحل و الربط . فإذا فُقِد هذا كلُّه ، كان القطع و الحل سلاحًا قاتلًا مدمرا للأمة و ثقافتها ، و ينتهي الأمر بأجيالها إلى الحيرة و التَّفَكُّك و الضياع ، إذ يُورِّث كلُّ جيلٍ منها جيلً بعده ، ما يكون به أشدَّ منه حيرةً و تفككا و ضياعا . ]

      تعليق

      • أنفال سعد سليمان
        طالبة علم
        • Jan 2007
        • 1681

        #4
        [كل حضارة بالغة تفقد دقة التذوق تفقد معها أسباب بقائها ، و التذوق ليس قواما للآداب و الفنون وحدها ، بل هو أيضا قوام لكل علم و صناعة ، على اختلاف بابات ذلك كله و تباين أنواعه و ضروبه . و كل حضارة نامية تريد أن تفرض وجودها ، و تبلغ تمام تكوينها ، إذا لم تستقل بتذوق حساس حاد نافذ ، تختص به و تنفرد ، لم يكن لإرادتها في فرض وجودها معنى يعقل ، بل تكاد هذه الإرادة أن تكون ضربا من التوهم و الأحلام لا خير فيه . فحسن التذوق ، يعني سلامة العقل ، و النفس و القلب من الآفات ، فهو لب الحضارة و قوامها ، لأنه أيضا قوام الإنسان العاقل المدرك الذي تقوم به الحضارة .]

        تعليق

        • أنفال سعد سليمان
          طالبة علم
          • Jan 2007
          • 1681

          #5
          هذه فقرة في مقدمة كتابه «نمط صعب ، و نمط مخيف» راقت لي كثيرا ، و أحببت وضعها هنا .

          [ثم إني قبلته أيضا -أي قبل كتابة هذا الكتاب- إكراما لناشئة الشعراء المحدثين و النقاد ، فإن مآل هذا الأمر كله إليهم ، فهم ورثة هذه اللغة بمجدها ، و شرفها ، و جمالها ، و فنها ، لا ينبغي أن يضللهم عنها ، أو يبعثر إليها خطاهم ، من عمد إلى إرث آبائهم من لدن إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام ، إلى يوم الناس هذا ، فسماه لهم "تراثا قديما" ليجعله عندهم أثرا من الآثار البالية ، محفوظا في متاحف القرون البائدة ، ينظر إليه أحدهم نظرة من وراء زجاج ثم ينصرف . فإذا أتاح الله لهم ، أو لبعضهم ، أن يطأ هذا الضلال بكبرياء الفن و عظمته و صراحته و حريته ، فقد ذلل لمن بعده وعورة الطريق إلى الذرى الشامخة ، و أزاح من مجرى النهر المتدفق من منابعه الخالدة كل ما يعترضه من صعاب ، أشدها و أعتاها : التوهم و الخوف ، و استطالة الطريق ، و العجلة إلى شيء ، إن صبر على امتناعه اليوم ، فهو بالغه غدا و حائزه .]

          و إن هذا الكلام من جماله حري أن يُحفظ عن ظهر قلب .

          تعليق

          • أنفال سعد سليمان
            طالبة علم
            • Jan 2007
            • 1681

            #6
            [و نفس الإنسان وعاءٌ للخير و الشر ، و لكنه يستطيع بالعقل الورِع ، الذي نسميه نحن المسلمين «الدين» ، أن يصرع شيطان شره بالتقوى ، بيد أن هذا الأمر قلما يحسنه إلا من ألف تسبيح الله و تحميده و تنزيهه ، و إسلام وجهه إليه ، منيبًا إليه ضارعًا ، مستعينًا به مخلصًا]

            و لا يفوتني أن أذكر هنا طريقًا آخر لتهذيب الأخلاق قالها الأستاذ سعيد في أحد دروسه ، و هي (طلب العلم) ، فالإنسان كلما ترقى في درجات العلم النافع ، تهذبت نفسه ، و تخلصت من شوائب الكبر و العجب و الغرور و غير ذلك من الأوصاف الذميمة .

            تعليق

            • أنفال سعد سليمان
              طالبة علم
              • Jan 2007
              • 1681

              #7
              و هذه أستطيع أيضا أن أعتبرها من "ومضاته" رحمه الله ، عبارة عن دعاء يشعل في نفسنا الأمل لرجوع هذه الأمة الإسلامية من جديد .

              و نسأل الله تعالى [أن يسدد خطانا و خطى أمتنا إلى غاية مرموقة ، يعين على بلوغها تراث من الثقافة و الأدب و الفكر ، لو كان لعدونا مثله ، لما لجأ إلى أبشع وسائل التدمير و النسف ، حتى يتركنا أمة عاجزة جاهلة تخر على آثار قدميه خاضعة ، تصف نفسها بألفاظ كثيرة تُدار على أسماع صغارنا و كبارنا بالليل و النهار ، كالتخلف ، و التعصب و الرجعية .
              اللهم اهدنا فيمن هديت ، و تولنا فيمن توليت ، و قنا شر ما قضيت ، إنك تقضي و لا يقضى عليك ، لا يذل من واليتَ ، و لا يعز من عاديت ، سبحانك لا شريك لك في ملكك .]

              تعليق

              • أنفال سعد سليمان
                طالبة علم
                • Jan 2007
                • 1681

                #8
                في الأيام الأخيرة، أصبحتُ أردِّد في نفسي هذه الفقرة كثيرًا .... أسأل الله تعالى أن أكون و إياكم ممن عناهم محمود شاكر بهذا الكلام.

                [بيدَ أن ما كتبه عبد القاهر -أي الجرجاني- سوف يبقى بإذن الله، نِبْراسًا و سِراجًا مُنيرًا لكلِّ من يسَّر له اللهُ الإخلاص و الهمَّة و السَّعيَ المبصِر في طلب الكشف عن بلاغة الألسنة البشرَّية عامةً، و اللسان العربيِّ خاصَّةً، و سيبقى بمشيئة الله، ما كتبه الأيِمةُ من الخلف -ألا فلْيقرأْ من ينسِب محمود شاكر إلى مدرسة "السلفيين"- الذين جاءوا من بعده، دليلًا هاديًا يمهِِّد الطريقَ لمن أراد من أهل زمننا، و من يجيء بعدنا، أن يهجُرَ ((الثرثرة)) الفاشية في زماننا و زمانهم، مهاجِرًا إلى الصدق المؤدِّي إلى بلوغ الحق، حتى تستتِبَّ الخُطى على الطريق المستقيم. و كلُّ من دبَّ على الدَّربِ وصل، بتوفيق من الله و عون، و الجِدُّ خليقةٌ تُفضي إلى مستَقَرِّ السعادة في الدنيا و الآخرة.] اهـ

                كم كان لهذا الكلام، و ما زال، له الأثر الكبير في نفسي ....

                و حين يقول شيخنا العلامة محمود شاكر "ثرثرة" فهو يعنيها و ليست مبالغةً منه. رجل بلغ من الشهرة ما بلغ، كطه حسين مثلًا، مشغوفٌ بتكرير المعاني و حشو الصفحات بكلام لا معنى له و لا فائدة، "لكَي يُقالَ عظيمُ القَدْرِ مَقْصودُ" كما يقول الفتى العربي المبين المتنبي. و ليس هذا دأب طه حسين عميد كلية الآداب بالجامعة المصرية فقط، بل كلُّ من نحَّى أحدَ كبار العلماء من عرشِ العظمة و الهيبة و الوقار، و قعد محلَّه، و أطلق لسانَه في العلوم العربية الإسلامية، و نشب أنيابه في علماء "الخلف" - اللقب الذي أصبح سُبَّة!- و صار يتبجَّح و يَنْبَحْ، و يثرثر و يبربر، على قدر ذلك، يكون ذيوع صيته، و علو مقامه، و احترامه بين الخاص و العام.

                و من يقرأ لهؤلاء الذي عناهم محمود شاكر، كمحمد عبده، و تلميذه محمد رشيد رضا، و البرقوقي، و سائر هذه المدرسة، و كان بعيدًا عن مجالس علماء الدين، لا يسعه إلا الاستهزاء بكل علوم الخلف ضربةً واحدة، مما يؤدي إلى العزوف عنها بمرة. و إنما ينجو من هذا الداء الذي أصاب الأمة بالصدق .... في ابتغاء الحق، فما تحلَّى امرؤ بالصدق في طلب الحق، إلا و هداه بإذن الله إلى الطريق المستقيم، الذي خطا فيه السلف، ثم من بعدهم الخلف.

                و يحضرني كلام قلتُه قبل ثلاث سنين:

                [يا طالبَ العلم الأشعري: لا تقلْ لستُ بذاك! و لا أشرف فيه على الغايات! ألا إن كلَّ من دبَّ على الدربِ وصل! و بتوفيق من الله و عون يبلغ البطل!] اهـ


                ألا إن آمالي كإشراق الصباح!

                تعليق

                • أنفال سعد سليمان
                  طالبة علم
                  • Jan 2007
                  • 1681

                  #9
                  و هذه الفقرة أعشقها!

                  [مرةً أخرى، ثم مرةً أخرى، ثم مرةً أخرى، أحبُّ أن يعلم من لم يكن يعلم، أنِّي امرؤ لا تُرْهِبُه بوَرِاقُ الوعيد، و لا تُثْنِيْهِ لَوَائحُ التهديد، و لا تَهُولُه ألفاظٌ محفوظةٌ تلوكها الأقلام الذاهلة، و تمضغها الأفواه المتلمِّظة. و أنِّي مذ خِفتُ الله وحدَه، لم أطوِ قلبًا على مخافةِ أحدٍ من عباده، و أنِّي مذ فرغتُ أن أشرك بالله أحدًا، لم تَرُعْني كلمةٌ أوصَف بها سوى «الشرك بالله». و كلُّ صفةٍ بعد هذه، فمصيرها عندي ما قال زيادٌ في خطبته البتراء: "أن أجعلها دَبْرَ أذني و تحت قدمي"، إلا أن أكون مبطلًا في قول أو فعل، فعنئذ أؤوب إلى الحق صاغرًا خاضِعَ العنق، لا تأخذني دون ذلك عزة بالإثم، و لا يمنعني منه حياءٌ أو كبرٌ أن أقر علانية بخطأ كان منِّي، أو زللٍ تردَّيتُ فيه. و أستغفر الله و أتوب إليه، إذ ألجأني من ألجأني إلى أن أصف للناس نفسي، بما لا ينبغي للمرء أن يعتاده من التمدُّح، فإنه يوشك أن يكون بابًا من الأبواب الخفيَّة إلى النفاق.] اهـ

                  و قول شيخنا العلامة محمود شاكر: [إلا أن أكون مبطلًا في قول أو فعل، فعنئذ أؤوب إلى الحق صاغرًا خاضِعَ العنق، لا تأخذني دون ذلك عزة الإثم، و لا يمنعني منه حياءٌ أو كبرٌ أن أقر علانية بخطأ كان منِّي، أو زللٍ تردَّيتُ فيه. ] اهـ ذكرني بكلام لسيدي و مولاي و شيخي، المتكلِّم الأشعري المحقق، الأستاذ سعيد فودة إذ قال في مؤتمر "وحدة الأمة و تصفية الفكر الإسلامي" كلمة عظيمة، لا يقولها إلا عالم لا يبتغي بعلمه إلا وجه الله تعالى، و الله حسيبه حفظه الله، و بقيتُ مدةً من الزمن أردِّد هذه الكلمة في نفسي، بل كنتُ إذا جاءت صديقتي إلي و أصدِّع رأسها! بأحلامي و آمالي! أقلِّد أمامها حركاتِ يده حفظه الله حين يقولها إذ كانت ترجمان كلامه. كان يوجِّه كلامه لأحد السلفيين، و أمام الملأ، قائلًا:

                  "إذا قلتُ شيئًا باطلًا فرُدَّه في وجهي الآن، الآن ردَّه في وجهي."

                  قال العبارة الثانية للتوكيد، يا ربنا انفعنا بعلمه و حاله!

                  و قال أيضًا:

                  "و الله أتمنى من كلِّ قلبي -صادَقًا- أن لا يكون ابن تيمية قال هذا الكلام، و لو كنتُ أعلم ذلك لرجعتُ عن آرائي فيه."


                  يا الله! يا رب تقبله عندك في أعلى عليين!

                  و لقد جاء ذكر محمود شاكر في حوار جرى بيني و بين سيدي الوالد حفظه الله فقال لي "أليس محمود شاكر أديبًا؟" ألا فلْتعلموا يا إخوة، أن محمود شاكر لم يكن أديبًا فحسب، بل كان من العلماء العاملين الذي اختصهم الله تعالى و اصطفاهم، متخلِّقًا بأخلاق لا توجد إلا في العلماء، كالخشية من الله وحده، و قول الحق لا يخاف في الله تعالى لومةَ لائم، و غيرها من الأخلاق الفريدة. و قد قال عنه تلميذه محمود الطناحي، أنه يقرأ «المواقف»!! للإيجي، كما يقرأ «الكتاب» لسيبويه، و «طبقات فحول الشعراء»، و «أسرار البلاغة» و «دلائل الإعجاز» للجرجاني، و غيرها. و كلها من أمات الكتب التي لا يرتقي لقراءتها إلا من بلغ النهاية في العلم. و هو الذي قال عن نفسه أني قرأتُ كلَّ شيء وقع في يدي، من كلام و فقه و أصول و حديث و علوم طبيعة فضلًا عن علوم اللغة و الشعر و النحو إلخ. لكم أن تتصوروا ما بلغ هذا الرجل من العلم رضي الله عنه. اللهم صلِّ و سلم على سيدنا محمد صلاةً تحشره في زمرة أوليائه.

                  و الأخلاق التي ذُكرت في الفقرة أعلاه هي التي ينبغي أن يتحلى بها جميع الأشاعرة، خصوصًا في هذا العصر، علينا أن نقول الحق لا نخاف في ذلك لومةَ لائم، لا يهمنا رضي فلانٌ أو علَّانٌ من الناس، "يِصْطِفْلُوا" جميعًا، أولهم و آخرهم، إن شاء الله عشنا وحيدين غرباءَ لا يهمنا و الله! المهم أن نقول الحق حتى يعلو و يزهق كلُّ باطل إن الباطل كان زهوقًا ......

                  هؤلاء المجسَّمة يحسبون أنا نحن الأشاعرة، نخاف من الصدع بالحق الذي عندنا، و الذي تزلزل قوتُه الأرضَ من تحتهم. آلْأشاعرة يخافون من قول الحق! يا من يجْبُنُ أن يصرِّح بمذهبه الفاسد و عقائده المنحرفة، فَرَقَا من الأشاعرة أن يغرقوهم فيمن يغرقونوهم بسيلهم الجارف.

                  ألا إنا نحن الأشاعرة لا نخاف أن نصدع و نقول بملء فينا، و أمام الملأ، أن ابن باز مبتدع، و ابن عثيمين منحرف عن الدين القويم، و ابن تيمية كذابٌ، مفترٍٍ، و ابن القيم الجوزية دميةٌ يحركها الحراني، و الألباني متشبِّعٌ بما لم يُعطَ، و ابن عبد الوهَّاب مُحادٌّ لأهل السنة و الجماعة، عائثٌ في الأرض فسادًا. و ابن أبي العز مجترئ على ما لا يحسن. و سائر هؤلاء الشِّرذِمة.

                  نتحداكم!

                  تعليق

                  • عادل محمد الخطابي
                    طالب علم
                    • Jul 2012
                    • 181

                    #10
                    نسأل الله جل وعلا أن يهديهم ويبطل فتنتهم ويجعلهم في سلك أهل الحق وأرجوه تعالى أن يقطع دابر التشبيهو التجسيم في بلاد المسلمين
                    من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!

                    تعليق

                    • أنفال سعد سليمان
                      طالبة علم
                      • Jan 2007
                      • 1681

                      #11

                      أخي عادل ... حفظك الله ....

                      سأجيبك بحسب ما فهمتُ من كلامك، و ما ترمي إليه به ...

                      سأسألك سؤالًا، هل اطلعتَ على كتب ابن تيمية؟ هل قرأتَ كتب ابن عثيمين؟ ابن باز؟ الألباني؟ ابن جبرين؟ القرني؟ محمد العريفي؟ و سائر هؤلاء المحمومين.

                      إن من يقرأ لهؤلاء الشِّرذمة، يدرك بأدنى تأمل، إدراكًا جازمًا لا مريةَ فيه و لا شك، أن هؤلاء مقصودهم إبعاد الناس عن النور المُشرِق، المُسْرِف في الإشراق، نور أهل السنة و الجماعة، هذه الفرقة، التي أخلصت لله تعالى في كل خطوة تخطوها، هؤلاء العلماء الذين نسفوا الباطل نسفًا، هؤلاء المصطفَين الذين حفظوا لنا بيضة الدين بتعذُّبهم و آلامهم و جراحهم، لم يرهبهم عن ذلك سطوة السلاطين، لم يثنهم عن ذلك استيلاء المبتدعة على السياسة، لم يغرهم زخرف الحياة الدنيا، تورَّعوا عن ممارسة الحلال خشيةَ الوقوع في الحرام، نذروا حياتهم للعلم و نفع الغير و الجهاد في سبيل الله تعالى بالمال و القوة و الدم، هؤلاء المختارون، الذين فتحوا الأمصار، و نشروا الإسلام إلى العالم كله، ما إن سمعوا بأدنى انحراف عن العقيدة أو الدين، إلا قاموا قائمين ينصحون لله و لرسوله و للمؤمنين، بالحكمة الموعظة و الحسنة، صدحت القرون في الثناء عليهم، تغنى الناس في مدحهم، أطرق الناس عند رؤيتهم هيبةً لهم و تعظيمًا، و إن شئتم فزيدوا في ذكر فضائلهم، أطلقوا ألسنتكم في سرد محاسنهم، و لا حرج.

                      من كان هذا وصفُه أعلاه، يأتي واحد اسمه ابن تيمية فيقول عن مقولة هو أدنى عندي من أن يفقهها و يعيها، مقولة: "طريقة السلف أسلم، و طريقة الخلف أحكم و أعلم" و التي هي قاعدة مشى عليها أهل السنة و الجماعة في مختلف القرون، يعني ملايين البشر، يقول: "قالها بعض -هكذا و الله العظيم- الأغبياء." ثم يأتي المحموم ابن عثيمين فيقول: "صدق "شيخ الإسلام" -زورًا و بهتانًا- لا يقول هذه العبارة إلا غبي." لا بل لم يكتفِ ابن عثيمين بهذا بل قال. "شيخ الإسلام يقول إن التفويض هو من شر أقوال أهل البدع و الإلحاد."

                      هم أحقر و أدنى و أجبن من أن يصرِّحوا بأسماء أكابر علماء أهل السنة و الجماعة الذين أقروا بهذه العبارة، هم أخوف من أن يجابهوا هذه الأسماء التي يخرون تحت أقدامها سُجَّدًا.

                      ألا إن من يقول هذا الكلام أعلاه هو مبتدع زائغ لا يبتغي وجه الله تعالى، لا يريد إلا محاداة أهل السنة، يتحدوننا، يصرفون الناس عن نور أهل السنة، يصفونهم بأبشع الأقوال و أقبحها، مجرد اتخاذ طريقة "التفويض"، مجرد هذه الكلمة توقِعنا في أوحال شر البدعة و الإلحاد. أنا أسأل سؤالًا: هل يتفوه بهذا الكلام إنسان يبتغي به الحق؟ لا و ألف لا، هذا إنسان يريد التحدِّي، يريد محاربة أهل السنة بما آتاه الله من وقاحة و عدم تقوى و قلة ورع الذين صدِّعوا رأسنا في نسبتها إلى أنفسهم.

                      و كلمة التحدَّي لستُ أنا من قالها فقط، بل قالها كبيرُنا و سيدنا الأستاذ سعيد في مقدمة شرحه للطحاويَّة:

                      قال: "و الله لو كانوا قالوا بدعتهم وسكتوا عن التصريح بها و المجاهرة بها أمام الملأ لما صرحنا بأسمائهم و لما حاربناهم، أما أن يتحدَّوننا في أطهر بقاع الأرض، فنحن نتحدى." اهـ

                      بم تصف يا أخي عادل، شيخًا -زعموا- يقول في درس عامٍ لأناس عوام، في المسجد النبوي، "أن الله نزل إلى السماء الدنيا على الحقيقة." يعني انتهت كووووولّ الموضوعات التي يمكن أن يتكلم عنها، لم يبقَ لنا شيئًا نتكلم فيه إلا المتشابهات لندنِّس عقائد العامة، و نبعدهم عن التنزيه، و نرسِّخ فيهم ابتداعَ أهل السنة. هذا الموقف شهدتُه بنفسي قبل بضع سنين و ارتفع ضغطي منه.

                      هؤلاء لا ينفع معهم اللطف و اللين، هؤلاء يتحدَّوننا في أطهر بقاع الأرض، كون سياسة السعودية أَمَة لهم. استغلوا النفط و المال لترويج هذا الغثاء و هذا الغباء و هذه الوقاحة و هذه الهلوسات التي لا يقول بها عاقل يحترم نفسه و يحترم قراء كلامه.

                      و نحن نفرِّق بين أئمة البدعة كابن باز و ابن عثيمين و ابن تيمية و بقية أئمتهم، و بين العوام الذين انخدعوا بهم، فهؤلاء نعاملهم بلطف ما كانوا محترمين مبتغين للحق، و إلا ألحقناهم بأئمتهم في التعامل حتى يرى المبتغي للحق هذا، و تزعجه هذه القسوة منا إلى إعادة النظر في رموز البدعة في زماننا، فلعله يهتدي بسبب هذه القسوة التي رآها منا، هكذا يتمحص أهل الحق عن البدعة، و هذا الذي درج عليه أئمة أهل السنة و الجماعة في مختلف العصور.


                      تعليق

                      • عادل محمد الخطابي
                        طالب علم
                        • Jul 2012
                        • 181

                        #12
                        لا أنكر أني تأثرت بهذا الكلام حقيقة، وهذه الشرذمة ماعهدناها إلا كذلك، فلا يهولنك -أختي الكريمة- منهم تجسيم صريح أو تشبيه أو قلة أدب وحياء ... وأنا لم أفعل شيئا سوى أني دعوت لهم بالهداية لأني أحبذ هذا الطريق وقد جربته وهو نافع مع كل مخالف لأنه دعوة بالتي هي أحسن، لكن لاأشك في أن كثيرا منهم يحتاج للقسوة حتى تزلزل ماترسخ في قلبه وعقله من المفاسد. أما أني لم أقرأ في كتبهم فبالعكس، منذ سنوات وأنا أقرأ في كتبهم وكنت أبغضهم وأظن أنني الوحيد الذي يكرههم بهذا الشكل، ولكن شاء الباري أن نحتك بأهل السنة الحق ونتعلم منهم كيفية التعامل مع المخالفين دون إفراط وتفريط، فلا نريد أخلاق الوهابية المبتدعة ولا أخلاق الأحباش بل أخلاق سيدنا محمد الرحمة المهداة الرؤوف الرحيم
                        من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!

                        تعليق

                        • أنفال سعد سليمان
                          طالبة علم
                          • Jan 2007
                          • 1681

                          #13
                          أما أني لم أقرأ في كتبهم فبالعكس
                          لم أنسبك إلى ذلك أخي عادل كنتُ فقط سائلة ...


                          من خلال ردِّك لا أظنُّ أبدًا أننا نختلف في الرأي ... كلُّ من حولي وهَّابيَّة بمن فيهم أهلي و صديقاتي و لا أعاملهم إلا بكلِّ لطف و رحمة و الحمد لله .... و لولا ذلك لانفضُّوا عنِّي، و لكن بفضل الله تعالى وحده و توفيقه فأنا محلُّ ثقة فيما يخصُّ الدين و العلم عند جميع أهلي و صديقاتي ...

                          و يحضرني الآن كلام لسيدي و شيخي سعيد فودة، إذ توهَّمتُ مرة أن الإدارة مسحت مشاركة لي لأنها لا تقبل قول الحقِّ بهذه الصورة فتضايقتُ من ذلك و راسلتُ سيدي الأستاذ سعيدًا كونه المشرف العام .... فكان مما قال لي حفظه الله:

                          "نحن لا نمنع من قول الحق بل هذا ما نريده و لكن لقول الحقِّ أسلوب و الحكيم من قدر على اكتناه هذا السرِّ و التوفيق ...." اهـ

                          و كلُّ حرفٍ خاطبني به سيدي سعيد فودة من نصح و توجيه و دعاء هو من محفوظاتي و ضياء دربي حفظه الله و جزاه عني خيرًا.

                          و المتأمل في أسلوب الأستاذ سعيد في قول الحق في تعامله مع الطبقات المختلفة، و تصريحه في دروسه بالمواقف التي يتعامل فيها مع مختلف المخالِفين، يدرك المتأمل في كل ذلك أنه قد أُوتي الحكمة و الله يؤتي الحكمة من يشاء .... و لا نزكي على الله تعالى أحدًا.

                          تعليق

                          • أنفال سعد سليمان
                            طالبة علم
                            • Jan 2007
                            • 1681

                            #14
                            قال الرجل العظيم محمود شاكر:

                            [و بيِّنٌ أني لا أعني بلفظ «الكلمة» مجرَّدَ الألفاظ، و لا مجرَّدَ ما يُقالُ أو يُكتب. فإن الإنسان كما تولَّى بالإفساد أشياء كثيرة مما سُخِّر له و سُلِّط عليه، تولَّى أيضًا إفساد «الكلمة» التي أوتي القدرة عليها، فصرَّفها في وجوه كثيرة تحمل من الفساد قدرًا عظيمًا، و إنما أعني بالكلمة، كلّ ما حرصَ الإنسان على تجويده و إحسانه، و أعطاه حقَّه من الصِّدق و الإشراق، في أيِّ باب كان من أبواب الإبانة. و سواء عندي بعد ذلك أن تكون «الكلمة» بيانًا عن شيء أرضاه أو أكرهه، و أوافق عليه أو أخالفه، و أعدُّه حسنًا يُقال، أو قبيحًا يُعاف.] اهـ من كتاب «أباطيل و أسمار». و أسأل الله تعالى أن ييسر لي و يوفقني للتعليق على هذا الكتاب على صفحات المنتدى قريبًا، فهو من أعظم الكتب نفعًا لي، فرضي الله عن محمود شاكر و أرضاه بعطائه في الآخرة و رفع درجته في أعلى عليين.

                            و هذا الكلام أعلاه هو الذي ردَّدتُه في نفسي كثيرًا إلى أن تشبَّعتُ به، فكنتُ قبل سنين عددًا، أي عشر سنين، أولَ ما بدأتُ أكتب رسائل لصديقاتي، ثم تطور الأمرُ فأصبحتُ أكتب كتابات علمية، ثم ارتقيتُ بمشيئة الله لأن أكتب في هذا المنتدى الأشعري، و ذلك في عام 2007، كنتُ خلال ذلك كلِّه، لا أتحرّجُ أن أتكلَّف بعض العبارات التي في ظاهرها جميل، و تكون من بنات فكري، و لكن بحسبها قُبحًا أنها لم تنبع من قلبي، و مع ترديدي لكلام محمود شاكر، بتُّ أشنأ كثيرًا أيَّ كلام مُتكلَّف، سواء مني أو من غيري، لا أطيق هذا، و أعدُّه لونًا من ألوان الكذب. و أعجب شيء عندي ذاك الشخص الذي يتكلَّم في الحب!! و الغزل، و هو بعدُ لم يذقْ شرابَ الحبِّ فسبحان الله العظيم. أيُّ كذبٍ هذا و أي أحلام تهيم فيها؟ هلَّا انشغلتَ بكلام غيِره تكون أصدقَ في التعبير به، أو كان أولى بك أن تعبِّر عن حبِّك لأمِّك أو أختك أو صديقك بدلَ هذا الكلام الكاذب المُتكلَف. و أيُّ شيءٍ يدفعك إلى هذا الكلام أصلًا، لا أدري و الله، إن كانت ليست مشاعر خارجة من قلبك، فعلام تخوض هذا البحر و قد أعوزتك المجاديف. و يحضرني كلامٌ للإمام الحُجة، بركة الأنام، فخرُ البشريةَّ، شيخنا في الفقه و الأصول و الكلام و التصوف، أبي حامد الغزالي رضي الله عنه، قال أن على الإنسان أن يتجنَّب الكذب في سائر أموره من الجِد و الهزل، بل يتجنَّب المعاريض من القول و إن كانت خفيفة إلا لمصلحة. و المقصود بالمعاريض هو كما يقول أحدهم لسائل عن وجود شخص في البيت، فيشير إلى يده و يجيب: "هو ليس هنا." و قال أبو حامد الغزالي بقدر ما يكون الإنسان متجنِّبًا الكذب و يتحرَّى الصدق في أموره كلِّها إلا و تنقلب أحلامه كلُّها رؤى صادقة و التي هي جزء من أجزاء النبوة. و قال أشياء سوى ذلك لا أذكرها و للأسف لم أهتدِ إلى الموضع الذي قال فيه الغزالي ذلك في كتاب «الأربعين» فقد كانت قراءتي له قبل سنين.

                            و بَتُّ بعد تشبُّعي بهذا الكلام لا أقول إلا كلامًا يخرج من قلبي، و إلا انشغلتُ بأشياء أخرى أكون أصدق فيها من قول أو عمل. و لعمري إن من يكتب بصدق يشرِق كلامه و يتلألأ جمالًا و يبْرُقُ حُسنًا. جمالًا و حسنًا تستشِفُّه، و تميِّزه عن غيره، سواء من كلامِ الشخصِ نفسِه أو كلامِ غيره. و قبل أسابيع أعدتُ تدويرَ تغريدة في حسابي لمتابعيَّ من أحد المغرِّدين الذين أتابعهم، و علَّقتُ أن هذه التغريدة هي أروع ما قال هذا المغرِّد في الغزل و الهجاء، خلال شهور كنتُ أتابعه فيها، فحين صرَّحتُ له بذلك قال "نعم كنتُ في عِزِّ انفعالي إذ كتبتُها". فقلتُ لا عجبَ إذن! ثم شرحتُ التغريدة و كشفتُ عن وجوه جمالها و بلاغتها بالتفصيل.


                            ثم إن كلُّنا يعلم أن ما خرج من القلب يخترق القلبَ. و ما تُكُلَّفَ فمصيره الحرمان من ولوج أبواب القلب.

                            و هذا الصِّدقُ الذي أتكلَّم عنه، هو الذي يجعلني أبكي من أعماق قلبي حين أقرأ شعرَ المتنبي و هو يشتكي معالجته للحب، من أصدقائه و محبوبته و حبيبه سيف الدولة و جدته التي ربَّته و مردُّ فضله إليها. أتأثَّر بشدة، و قد قال محمود شاكر في كتابه الدَّامغ، «المتنبي»، عن المتنبي أنه يستقي المعاني من قلبه و لا يمكن أن يخرج من غيره، و هذا سرُّ من أسرار عبقرية المتنبي و نبوغه في الشعر و انفراد شعره عن غيره، بل أنا دائمًا أقول في نفسي أنه لم يشتهر المتنبي و يبلغ شعره الآفاق و يتغنَّى الناسُ به شرقًا و غربًا، و بعد ألف عام! إلا مجازاة الله تعالى له على هذا الصِّدق، فالله تعالى يحبُّ الصِّدق في عبده حبًّا كبيرًا، و يكره الكذب في سائر الأمور، و الآيات الكثيرة في القرآن صارِخة في التدليل على ذلك.

                            فلْيحرِص الواحِد منَّا على الصِّدق فو الله هو الباقي و كلُّ ما سواه زائلٌ زائفٌ.



                            ------------------------------------------------------


                            ألا فـي سـبيل ِ(الأشاعرة) مـا أنـا فاعلُ *** عفــافٌ و إقــدامٌ و حــزمٌ و نـائلُ
                            و إنــي و إن كــنتُ الأخـيرَ زمانـه ُ *** لآت ٍبمــا لــم تـّسْــتطعه الأوائـلُ




                            و المعذرة من الإخوة مرةً أخرى على هذه الحماسات، و الله لا أفعلها إلا تشجيعًا لنفسي و إشعالًا لهمتها، ماذا عسانا أن نفعل و نحن في هذه الوحدة القاتلة و الغربة الموحِشة و الجراح الدامية و انعدام المعين و الناصر و الناصح و الموجِّه و المربّى و الشيخ و غيرها، و الحروب الطاحنة!! بيني و بين الناس التي قامت منذ خمس سنين تقريبًا لإبعادي عن علم الكلام و لا زالت و الله المستعان! هذا العلم الذي ما إن قرأتُ فيه متنًا واحدًا لم أجاوزه و لم أطالع آراء المخالفين و إلا و وقعتُ في حبِّه و هِمتُ في عشقه هو يجري في دمّي هَريقوه لأفارقَه! ألا إني أبيتُ الابتعاد عنه و إن عشتُ وحيدة لا أسمع للناس رِِكْزًا!

                            أتلفَّتُ حولي فلم أجد أحدًا يشجِّعني- في هذا الصدد- غير نفسي، فهذا الذي يدفعني إلى هذه الحماسيات منذ خمس سنين. ما هي إلا السعيُ لمحاربة كلِّ شيء لأشقَّ جميع العواقب للارتقاء في علم الكلام على طريقة المحققين من أهل السنة و الجماعة. و الله الموفِّق ....

                            و هذ الكلام لا أقوله للثرثرة فقط أو إخراج شكوى .... فلعلَّ إنسانًا يعالج من الآلام ما أعالج فينفعه هذا الكلام من وجهٍ من الوجوه .......

                            تعليق

                            يعمل...