بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وبعد..
تأملت في حال الأكابر والمخلصين ممن تأثرنا بهم في الدعوة وممن كان لهم عظيم الأثر في الناس، فلمست أن الواحد منهم قد ميزه الله تعالى في القلم أو في اللسان، سواء كان من المتقدمين، أو كان من المعاصرين.
أرزاق يقسمها الله بين عباده، فهناك من لا يحسنون الكلام للناس لكن أقلامهم هي أروع ما يكون، وأبلغ من مئة لسان، وهؤلاء يستفيد الناس منهم على المدى الطويل بعد موتهم استفادة عظيمة، وهم أهل غزارة في التصنيف، لأنهم يغلب عليهم عدم الجلوس للناس بل يمكثون على الدراسة والكتابة، فتأتي مصنفاتهم غزيرة ثمينة.
وهناك من لا يحسنون القلم، وإنما لهم لسان قوي، فيفيدون الناس في حياتهم أعظم الإفادة، ويبقى علمهم بنقل الناس، لكن يُخشى زواله إلا أن يستنقذ علمَهم مخلصون بطريق إبقاء أماليهم وهي طريقة التصنيف الشائعة عند السلف وأن يدونوا عنهم الشيء الكثير. ومثل هؤلاء الذين بقي علمهم الإمام أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه.
فقد كان الإمام الأشعري رضي الله عنه لسانه أحسن من قلمه، وكان تأثيره عميقا إلى أبعد الحدود بما كان من لسانه وبما كان من اتباع الناس لقواعد تنظيره لمذهب أهل السنة.
ومن النماذج المعاصرة لهذا النمط فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله ورضي عنه، فتأثيره في الناس - حتى في العامة - كان عميق الأثر، وإن من يقرأ كتاباته - وأنا منهم - يستشعر عظيم الفارق بين لسانه وقلمه، فقد كان لسانه أجود، وكان جيد الخطاب، مؤثرا بطريقته الجامعة بين التحليل اللغوي الدقيق والفسحة الريفية المصرية، أما كتاباته فلم تأت على تلك المرتبة.
وإن الإنسان المنبهر بالشعراوي رضي الله عنه ليتلهف على كتبه، استصحابا لقوة تأثيره في دروسه التي تذاع تلفزيونيا بعد صلاة الجمعة، فما يكاد يقرأ حتى يلمس الفارق بين الكتابات والإذاعات، فلذلك لم ترق الكتابات - أبدا - في نفوس الناس مرتبة الإذاعات، ولم تعوضهم مشاهدة حديثه بحال.
ويمثل النمط المقابل كثير من العلماء الذين انبهرنا بكتاباتهم لما أخرجت من مخطوطاتها إلى المطابع حديثا، ولم ندرك لهم كبير ضجة في عصرهم.
ويمثل هذا النمط من المعاصرين أو هو أنموذج شبيه بالمعاصر، الأستاذ/ سيد قطب رحمه الله ورضي عنه، فقد كان رحمه الله ذا شخصية انطوائية، قليل الكلام إلى أبعد حد، كما أخبر بذلك المقربون منه - وبعضهم حي يرزق - وما قالوا أنه كان يجيب على السؤالات الطويلة بكلمة أو كلمتين تؤديان الغرض، ولا يسهب، ويمكن لحظ شخصيته من تناول ما مر به من تفصيلات في القضايا المشهورة مع النظم الناصري، فما عُرِف عنه إلا كلمات قليلة يصرح بها في ظل زوبعات تقوم من حوله، كذلك في بيانه للمنهج التربوي والدعوي، لذلك مال في السنوات الأخيرة إلى الاشتغال بالتصنيف أكثر من الاشتغال بالمجالس التي كان يعقدها ببيته في التفسير والسيرة بعد خروجه من السجن في الستينات.
لكننا نراه إذا كتب - كما في الظلال ومقومات التصور وخصائصه والتصوير الفني - يسهب، ويترك مشاعره تقود القلم، فلا يتحكم عدد المعارف بقدر ما تتحكم تموجات المشاعر، فتأتي كلماته مؤثرة حية عجيبة، بخلاف شخصيته الصامتة في عالم الناس. وقد استمعت لبعض كلمات منه صوتية فعجبت لهذا الفارق العظيم بين قلمه ولسانه.
لذلك نرى كتبه قد أثرت في الناس أكثر مما أثرت مجالسه في الناس الذين عاصروه.
وهي أرزاق يقسمها الله بين عباده، وكل ميسر لما خلق له.