وظيفة الفقيه
محمد خليل الزروق تاريخ النشر: 11/07/2010
أحكام الدين قسمان : قسم يشترك في معرفته كل المسلمين ، فلا يتطلب بحثًا ولا استدلالاً ، وهذا ما يسمى : المعلوم من الدين بالضرورة ، أي المعلوم بالبداهة ، مثل : وجوب الإيمان بالله وبالآخرة ، ووجوب الصلاة والزكاة ، وحرمة الخمر والزنى . وهذا القسم هو الأقل . وقسم يتطلب بحثًا واستدلالاً ، وذلك حين تشتبه الأدلة ، ويدق النظر ، وهذا أمثلته تكثر عن الحصر ، وهو المجال الواسع للاختلاف .
من أجل ذلك كان من الحاجات الدينية والدنيوية أن يتفرغ أناس لبحث هذا الذي يدق على أنظار العامة ، ليتعرفوا مراد الله من عباده بالاستنباط والاستدلال ، فيقرروا الأحكام في عبادات الناس ومعاملاتهم ، ويفتوا فيما يجدّ من قضايا تظهرها الأيام ، وتبرزها الحضارة .
وفي أيام الخلافة الراشدة كان الخلفاء فقهاء ، وكانوا مع ذلك يستشيرون في المسائل التي تعرض لهم أهل الفقه من الصحابة . وفي العصور الأولى كانت وظيفة المفتي مضمومة إلى وظيفة القاضي ، فهو فقيه يقضي ويفتي . وفي العصور الأخيرة كان المفتي منصبًا مستقلاًّ برأسه . وإنما احتاج السلطان ( بمعناه الواسع ) إلى المفتي لأن قضايا الخلاف لا تنحسم بمجرد عرض الرأي ، وإبداء الأدلة ، ولكن تبقى قائمة باستمساك كل فريق برأيه ، وإدارةُ حياة الناس لا تقف لاختلاف المختلفين ، فكان لا بد من اختيار رأي من آراء الخلاف للعمل به وإنفاذه ، وذلك بإسناد مهمة ترجيح قول من أقوال الخلاف ، أو إبداء رأي فيما يَعرِض من قضايا - إلى فقيه ، أي إلى خبير في الشرع ، وهذا هو منصب الفتوى .
يلتبس على كثير من الناس قليلي الزاد من الثقافة الإسلامية الفرق بين وظيفة الفقيه العلمية ، ووظيفة المفتي الإدارية ، ووظيفة الكاهن أو الراهب أو القس في الأديان الأخرى .
الفقه تخصص علمي ليس له سلطان إداري ولا ديني ، فهو باب مفتوح لكل إنسان مسلم أن يدخله ، بوسيلة واحدة ، هي الطلب العلمي ، فلكل إنسان مسلم أن يدرس ويتعلم ويترقى في علوم الدين ، فإذا بلغ منزلة عالية في العلم لم يكن له سلطان على أحد من الناس أن يلزمه بقوله إلا السلطان العلمي والأدبي الذي يقر به أهل التخصص بمعرفتهم أن هذا ممن برع في مجالهم ، أو يقر به غير أهل التخصص بمعرفتهم من طريق أولئك أن هذا ممن برع في مجال الفقه .
وفي كل الأحوال ليس لأقواله ولا آرائه قداسة ولا عصمة ، كما لا يكون لرأي في كل ألوان العلوم قداسة ولا عصمة ، فإذا عَرض الرأي في مسألة من المسائل كان لكل المتخصصين في هذا المجال في الدنيا أن ينقدوا قوله ، وأن يخالفوه ، بشرط أن يكونوا من أهل هذا الفن ، لأنه لا يجوز دخول غير المتخصصين من العوام في الطب أو الكيمياء أو الفيزياء ونحوها ، وهذا أمر واضح من الوجهة العلمية والعملية ، وكذلك الفقه ، وإن كان هؤلاء العوام متخصصين في مجالات أخرى .
وليصَدِّقني من ليس له معرفة بهذا الأمر في أن التخصص الشرعي لا يقل في صعوبته ودقته وتشابك مسائله والزمن المطلوب لإتقانه عن علوم الأرض أو علوم الفضاء أو علوم الطب أو علوم الفلسفة أو علوم الاجتماع . فإن على من يريد أن يتخصص في الفقه أن يتمكن من علوم اللسان العربي ، وعلوم القرآن الكريم ، وعلوم الحديث الشريف ، وعلوم الفقه المحض ، من علم الفروع ، وعلم الأصول ، وعلم القواعد ، وعلم الخلاف ، وعلم الإفتاء .. وغيرها ، وأن يكون مطلعًا على الواقع ، عارفًا بأحوال العصر .
هل يمكن أن يكون كل الناس فقهاء ؟ لا ، بالطبع ؛ كما لا يمكن أن يكون كل الناس أطباء أو نجارين أو خبازين أو حدادين ، لأن الحياة قائمة على التكامل والتنوع ، ومواهب الناس مختلفة ، واعتناءاتهم متعددة ، وعمر الإنسان قصير ، لا يتسع لأن يلم بكل شيء ، وجهده محدود ، لا يحتمل أن يعمل في كل شيء .
هل في المتفقهة قوم دخلاء ضعفاء ، لم يتقنوا العلم ، ولم يبلغوا مبلغ العلماء ؟ نعم ، بالطبع ، كما في كل التخصصات يكون ذلك .
هل في الفقهاء من علا كعبه في العلم ، وبان فضله في التقوى ، فكانوا منارات هادية ، وأعلامًا متبوعة ، وقدوات مبجلة ؟ نعم ، بالطبع ، ويكفي أن منهم أبا حنيفة ، ومالكًا ، والشافعي ، وأحمد ، وغيرُهم كثير على طول العصور .
هل يمكن الاستغناء عن الفقيه ؟ لا ، بالطبع ؛ كما لا يمكن أن يُستغنى عن كل التخصصات العلمية . أو قل يمكن في حالتين : إحداهما : أن يترك الناس أعمالهم ويشتغلوا بالعلوم الدينية فحسب ، والأخرى : أن يستغنوا أصلاً عن معرفة أحكام الدين .
هل هناك فرق بين الواعظ والفقيه ؟ نعم ، بالطبع ، فالفقيه متخصص في مجال علمي ، والواعظ مذكِّر ومرقِّق للقلوب ، والوعظ موهبة خطابية تكون لبعض الناس بمعزل عن تخصصهم العلمي .
هل من الفقهاء من يخون الأمانة ويضلل الناس ؟ نعم ، بالطبع ، كما أنه في كل التخصصات العلمية يحدث ذلك .
هل يستطيع السلطان أن يستخدم الفقيه لأغراض دنيوية ؟ نعم ، بالطبع ، كما أنه في كل التخصصات العلمية يحدث ذلك .
هل يُذَم كل الفقهاء لأن بعضهم لا يراقب الله في الأمانة التي استُودعها ؟ لا ، بالطبع ، كما لا يُذَم كل الأطباء لأن بعضهم لا يراقب الله في أمانته .
هل يجب أن يؤدي انحراف بعض الفقهاء إلى كراهية الفقه أو الدين ؟ لا ، بالطبع ؛ كما لا يجب أن يؤدي انحراف بعض الأطباء إلى كراهية الطب .
كيف يمكن مقاومة الفقهاء المنحرفين ؟ يكون أولاً بالفقهاء المستقيمين ، ثم بمجموع الأمة إذا كانت لا تتهاون في أن يتلاعب أحد بدينها ، كما لا تتهاون في أن يتلاعب أحد بصحتها ، أو أرزاقها ، أو سمعتها .
هل يمكن أن يرتفع الخلاف في المسائل الفقهية ، ويكون الناس على قول واحد ؟ لا ، لأن هذا مضاد لطبائع الأشياء ، فالناس يختلفون بحسب الطبائع النفسية ، والقدرات العلمية ، وبلوغ الأدلة ، واختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال ، كما يختلف الناس في كل التخصصات . ولأن الله - تعالى - جعل قرآنه الذي هو أصل الدين : آيات محكمات ، وآيات متشابهات ، ليبتلي الناس ، وليجتهدوا في تعرف مراد الله منهم في غير الأصول والأركان .
هل الفقيه واسطة بين الله والمسلم ؟ لا ، بالطبع ، ولا تعدو صلته به الصلة العلمية أو الصلة التربوية .
هل في القرآن الكريم ما يدل على أن أنه يجوز أو يجب أن يتخصص أناس في علم الدين ؟ نعم ، قال الله - تعالى - : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ) . ومعناه : لا يُطلب من المؤمنين أن يخرجوا جميعًا إلى القتال ، ولكن تخرج طائفة من كل قوم ، لتتفقه طائفة أخرى في الدين . و( ليتفقّهوا ) بصيغة ( يتفعّل ) ، وهي تدل هنا على بذل الجهد ، والفقه معرفة كنه الشيء وحقيقته . وهذا النوع من الفروض يسمى فرض الكفاية ، وهو الفرض الذي يُطلب قيام جماعة به تكفي الباقين ، وتسد حاجتهم ، وتُسقط الحرج عنهم .
عذرًا لهذا الأسلوب المدرسي ..!
محمد خليل الزروق تاريخ النشر: 11/07/2010
أحكام الدين قسمان : قسم يشترك في معرفته كل المسلمين ، فلا يتطلب بحثًا ولا استدلالاً ، وهذا ما يسمى : المعلوم من الدين بالضرورة ، أي المعلوم بالبداهة ، مثل : وجوب الإيمان بالله وبالآخرة ، ووجوب الصلاة والزكاة ، وحرمة الخمر والزنى . وهذا القسم هو الأقل . وقسم يتطلب بحثًا واستدلالاً ، وذلك حين تشتبه الأدلة ، ويدق النظر ، وهذا أمثلته تكثر عن الحصر ، وهو المجال الواسع للاختلاف .
من أجل ذلك كان من الحاجات الدينية والدنيوية أن يتفرغ أناس لبحث هذا الذي يدق على أنظار العامة ، ليتعرفوا مراد الله من عباده بالاستنباط والاستدلال ، فيقرروا الأحكام في عبادات الناس ومعاملاتهم ، ويفتوا فيما يجدّ من قضايا تظهرها الأيام ، وتبرزها الحضارة .
وفي أيام الخلافة الراشدة كان الخلفاء فقهاء ، وكانوا مع ذلك يستشيرون في المسائل التي تعرض لهم أهل الفقه من الصحابة . وفي العصور الأولى كانت وظيفة المفتي مضمومة إلى وظيفة القاضي ، فهو فقيه يقضي ويفتي . وفي العصور الأخيرة كان المفتي منصبًا مستقلاًّ برأسه . وإنما احتاج السلطان ( بمعناه الواسع ) إلى المفتي لأن قضايا الخلاف لا تنحسم بمجرد عرض الرأي ، وإبداء الأدلة ، ولكن تبقى قائمة باستمساك كل فريق برأيه ، وإدارةُ حياة الناس لا تقف لاختلاف المختلفين ، فكان لا بد من اختيار رأي من آراء الخلاف للعمل به وإنفاذه ، وذلك بإسناد مهمة ترجيح قول من أقوال الخلاف ، أو إبداء رأي فيما يَعرِض من قضايا - إلى فقيه ، أي إلى خبير في الشرع ، وهذا هو منصب الفتوى .
يلتبس على كثير من الناس قليلي الزاد من الثقافة الإسلامية الفرق بين وظيفة الفقيه العلمية ، ووظيفة المفتي الإدارية ، ووظيفة الكاهن أو الراهب أو القس في الأديان الأخرى .
الفقه تخصص علمي ليس له سلطان إداري ولا ديني ، فهو باب مفتوح لكل إنسان مسلم أن يدخله ، بوسيلة واحدة ، هي الطلب العلمي ، فلكل إنسان مسلم أن يدرس ويتعلم ويترقى في علوم الدين ، فإذا بلغ منزلة عالية في العلم لم يكن له سلطان على أحد من الناس أن يلزمه بقوله إلا السلطان العلمي والأدبي الذي يقر به أهل التخصص بمعرفتهم أن هذا ممن برع في مجالهم ، أو يقر به غير أهل التخصص بمعرفتهم من طريق أولئك أن هذا ممن برع في مجال الفقه .
وفي كل الأحوال ليس لأقواله ولا آرائه قداسة ولا عصمة ، كما لا يكون لرأي في كل ألوان العلوم قداسة ولا عصمة ، فإذا عَرض الرأي في مسألة من المسائل كان لكل المتخصصين في هذا المجال في الدنيا أن ينقدوا قوله ، وأن يخالفوه ، بشرط أن يكونوا من أهل هذا الفن ، لأنه لا يجوز دخول غير المتخصصين من العوام في الطب أو الكيمياء أو الفيزياء ونحوها ، وهذا أمر واضح من الوجهة العلمية والعملية ، وكذلك الفقه ، وإن كان هؤلاء العوام متخصصين في مجالات أخرى .
وليصَدِّقني من ليس له معرفة بهذا الأمر في أن التخصص الشرعي لا يقل في صعوبته ودقته وتشابك مسائله والزمن المطلوب لإتقانه عن علوم الأرض أو علوم الفضاء أو علوم الطب أو علوم الفلسفة أو علوم الاجتماع . فإن على من يريد أن يتخصص في الفقه أن يتمكن من علوم اللسان العربي ، وعلوم القرآن الكريم ، وعلوم الحديث الشريف ، وعلوم الفقه المحض ، من علم الفروع ، وعلم الأصول ، وعلم القواعد ، وعلم الخلاف ، وعلم الإفتاء .. وغيرها ، وأن يكون مطلعًا على الواقع ، عارفًا بأحوال العصر .
هل يمكن أن يكون كل الناس فقهاء ؟ لا ، بالطبع ؛ كما لا يمكن أن يكون كل الناس أطباء أو نجارين أو خبازين أو حدادين ، لأن الحياة قائمة على التكامل والتنوع ، ومواهب الناس مختلفة ، واعتناءاتهم متعددة ، وعمر الإنسان قصير ، لا يتسع لأن يلم بكل شيء ، وجهده محدود ، لا يحتمل أن يعمل في كل شيء .
هل في المتفقهة قوم دخلاء ضعفاء ، لم يتقنوا العلم ، ولم يبلغوا مبلغ العلماء ؟ نعم ، بالطبع ، كما في كل التخصصات يكون ذلك .
هل في الفقهاء من علا كعبه في العلم ، وبان فضله في التقوى ، فكانوا منارات هادية ، وأعلامًا متبوعة ، وقدوات مبجلة ؟ نعم ، بالطبع ، ويكفي أن منهم أبا حنيفة ، ومالكًا ، والشافعي ، وأحمد ، وغيرُهم كثير على طول العصور .
هل يمكن الاستغناء عن الفقيه ؟ لا ، بالطبع ؛ كما لا يمكن أن يُستغنى عن كل التخصصات العلمية . أو قل يمكن في حالتين : إحداهما : أن يترك الناس أعمالهم ويشتغلوا بالعلوم الدينية فحسب ، والأخرى : أن يستغنوا أصلاً عن معرفة أحكام الدين .
هل هناك فرق بين الواعظ والفقيه ؟ نعم ، بالطبع ، فالفقيه متخصص في مجال علمي ، والواعظ مذكِّر ومرقِّق للقلوب ، والوعظ موهبة خطابية تكون لبعض الناس بمعزل عن تخصصهم العلمي .
هل من الفقهاء من يخون الأمانة ويضلل الناس ؟ نعم ، بالطبع ، كما أنه في كل التخصصات العلمية يحدث ذلك .
هل يستطيع السلطان أن يستخدم الفقيه لأغراض دنيوية ؟ نعم ، بالطبع ، كما أنه في كل التخصصات العلمية يحدث ذلك .
هل يُذَم كل الفقهاء لأن بعضهم لا يراقب الله في الأمانة التي استُودعها ؟ لا ، بالطبع ، كما لا يُذَم كل الأطباء لأن بعضهم لا يراقب الله في أمانته .
هل يجب أن يؤدي انحراف بعض الفقهاء إلى كراهية الفقه أو الدين ؟ لا ، بالطبع ؛ كما لا يجب أن يؤدي انحراف بعض الأطباء إلى كراهية الطب .
كيف يمكن مقاومة الفقهاء المنحرفين ؟ يكون أولاً بالفقهاء المستقيمين ، ثم بمجموع الأمة إذا كانت لا تتهاون في أن يتلاعب أحد بدينها ، كما لا تتهاون في أن يتلاعب أحد بصحتها ، أو أرزاقها ، أو سمعتها .
هل يمكن أن يرتفع الخلاف في المسائل الفقهية ، ويكون الناس على قول واحد ؟ لا ، لأن هذا مضاد لطبائع الأشياء ، فالناس يختلفون بحسب الطبائع النفسية ، والقدرات العلمية ، وبلوغ الأدلة ، واختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال ، كما يختلف الناس في كل التخصصات . ولأن الله - تعالى - جعل قرآنه الذي هو أصل الدين : آيات محكمات ، وآيات متشابهات ، ليبتلي الناس ، وليجتهدوا في تعرف مراد الله منهم في غير الأصول والأركان .
هل الفقيه واسطة بين الله والمسلم ؟ لا ، بالطبع ، ولا تعدو صلته به الصلة العلمية أو الصلة التربوية .
هل في القرآن الكريم ما يدل على أن أنه يجوز أو يجب أن يتخصص أناس في علم الدين ؟ نعم ، قال الله - تعالى - : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ) . ومعناه : لا يُطلب من المؤمنين أن يخرجوا جميعًا إلى القتال ، ولكن تخرج طائفة من كل قوم ، لتتفقه طائفة أخرى في الدين . و( ليتفقّهوا ) بصيغة ( يتفعّل ) ، وهي تدل هنا على بذل الجهد ، والفقه معرفة كنه الشيء وحقيقته . وهذا النوع من الفروض يسمى فرض الكفاية ، وهو الفرض الذي يُطلب قيام جماعة به تكفي الباقين ، وتسد حاجتهم ، وتُسقط الحرج عنهم .
عذرًا لهذا الأسلوب المدرسي ..!