مبادئ الإسلام والمذاهب الأربعة.. وحصان طروادة في الدستور المصري

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد يوسف رشيد
    طالب علم
    • Sep 2003
    • 601

    #1

    مبادئ الإسلام والمذاهب الأربعة.. وحصان طروادة في الدستور المصري

    لا شك أننا في زمان تسارعت فيه عجلة الأحداث، وما كنا نقول فيه (ستبدي لك الأام) صرنا نقول (ستبدي لك الساعات القادمة)..

    كنا بالأمس نتحدث حول التحول المنهجي للأزهر، وأنه ما صار أزهر العيني أو زكريا الأنصاري أو البيجوري أو الدرديري، ولم يعترف كثير من إخواننا بهذا التحول مكابرة وهروبا من الواقع، رغم ظهوره وبيانه، ورفضوا الحقيقة التاريخية أن أزهرنا السني القديم يختلف عن أزهر ما بعد الحداثة والمدرسة العصرانية، معتبرين الأزهر هو تلك المدرسة المتأخرة ذات المئة عام.
    دارت العجلة سريعا، لنرى الوهابية في مصر - متمثلين في الأحزاب السياسية المعروفة بالسلفية - يطالبون بتحديد الإسلام في الدستور بـ (المذاهب الأربعة) التي كانوا يرفضونها، وصرنا نرى الأزهر متمثلا في رجاله الرسميين يرفض تحديد الإسلام في الدستور بالمذاهب الأربعة!

    مهلا علينا يا عجلة الأحداث.. قد مرَّ الأمس مرورا كمرور البرق، لنقف اليوم نقيض موقف الأمس، الأمس الذي هو الأمس على الحقيقية، ليلة البارحة!

    يطالب الوهابية بالمذاهب الأربعة، وأن تكون تفسيرا للشريعة في الدستور، ويرفض الأزهر التقيد بالمذاهب الأربعة، ويطالب بأن تكون (المبادئ الإسلامية) واختار شيخ الأزهر أن توضع بالدستور بدلا من الشريعة ذاتها المتمثلة في المذاهب الاربعة.. فما هو موقف إخواننا الأزهريين الذين كانوا بالأمس يهاجمون الوهابية لرفضهم للمذاهب الفقهية التي هي عماد الأزهر العريق؟

    لقد صرح الدكتور عبد المعطي بيومي - عميد كلية أصول الدين سابقا - أن التحديد بالمذاهب الأربعة هو (تضييق على المشرع) و (جمود عقلى) و (قصور فى فهم الشريعة الإسلامية) وأن المذاهب الأربعة (كان لها أيامها ومشاكلها ونحن فى عصر نحكم به بالمبادئ ولا يصح أن يُحكم بالمذاهب).

    تقريبا كان ذلك هو كلام الوهابية في القديم، فهل يصر إخواننا الأزهريون أن الأزهر الرسميلم يتغير وأنه لا يزال على نهج أهل السنة؟ وهل أهل السنة يقولون مثل هذا الكلام في مذاهبنا الأربعة السنية التي هي عماد عمل أمة الإسلام؟ وهل يا ترى يصححون الآن قول الوهابية في القديم على هذه المذاهب؟

    إنني أترقب بعض مجموعة في الجامع الأزهر، كانوا قديما يكثرون من مهاجمة الوهابية لنبذهم للمذاهب وادعائهم الاجتهاد والخوض فيه، أترقب أن يخرجوا ويخطئوا كلام الدكتور عبد المعطي كما خطأوا الوهابية عبر سنوات عديدة، أترقب أن يخرجوا ويطالبوا بالتنصيص على المذاهب الأربعة ممثلة للشريعة الإسلامية في الدستور المصري.

    فإن سكتوا فما تفسير سكوتهم؟ وهل يكونون قد غيروا رأيهم في المذاهب الأربعة لأن الوهابية (السلفيين) صاروا يقولون بها؟ يعني هل يصير الأزهر وهابي والوهابي أزهري؟

    كنت على توقع بأن السلفيين سيتغيرون في بعض من أمورهم للأفضل، مع كونهم طائفة حادت عن أهل السنة وأنهم واقعون في بدع عقيدية لا تسامح فيها، وأنهم يضللون أئمة الأمة وقضلاءها، فكثير مما عليه السلفيون هو نتاج عوامل معينة وبيئة محدودة حصرتهم ومشايخهم، فلما داهمتهم أحداث لم يتصوروها انفكت شرائح منهم عن مشايخهم تلقائيا وصاروا يفكرون باستقلالية، وطائفة كبيرة من مشايخهم قد اختفت عن الصورة وقد ظن الناس أنهم سيجهونهم، وطائفة ثالثة قد سقطت من أعين مريديها لأجل مواقفهم غير المتوقعة. لقد انغمس السلفيون في العمل السياسي بعد أن كانوا أبعد الناس عنه فكرا وعملا، وكانوا يتعللون في ترك السياسة بعلل عقيدية منهجية، كرفض العمل في أنشطة جاهلية، وهي علل لا تقبل المرونة، فلما مارسوها عللوا تركهم السابق بعلل عملية كعدم الإمكان سابقا، وبالمقارنة بين التعليلين يتبين لنا أن فكرهم السابق حتى في القضايا العقيدية الجذرية كثير منه قد كونته البيئة والظروف، وإلا فالأمور الاعتقادية المنهجية الثابتة لا تتغير ولو قامت ألف ثورة.

    نعم، أتوقع تغير السلفيين، وأتوقع أن يغيروا رأيهم الفاسد في المذاهب الأربعة بمجرد أن يواجهوا الواقع، وها هم بالفعل لما واجهوا وضع الدستور لم يقولوا (الراجح) و (الدليل) و (نتبع السنة) و (الحويني) و (ننبذ التقليد) ، بل عند الخطر الحقيقي لم يجدوا إلا (الحقيقة) ولم يجدوا في الواقع خارج أذهانهم إلا الفقه الحقيقي الخالد؛ فقه المذاهب الأربعة، فكان الملاذ الوحيد لهم لتحقيق الشريعة.

    إنني هنا لست مع الوهابية، ولست ضد الأزهريين المحدثين الجدد، وإنما أنا مع الأزهر العريق، أزهر المذاهب الأربعة، والعقيدة السنية الأشعرية، والتزكية الصوفية السنية، ولا أقول إننا أوافق الوهابية في المطالبة بالمذاهب الأربعة، بل أقول: الوهابية هم الذين وافقونا منذ ايام فقط بعد رفضهم لها عقودا عديدة.

    * * *
    ربما لا يرى البعض فرقا بين مصطلح (المبادئ الإسلامية) و التحديد بـ (المذاهب الأربعة) معتبرا أن المىل واحد، وأنها مجرد ألفاظ لا أثر من ورائها.. وهو خلاف الواقع.. والخطب أبعد..

    إنه في ظل جهل الجماهير الإسلامية، و (طيبتها) الزائدة، يمكننا أن نستعمل كلمة (المبادئ الإسلامية) كحصان طروادة لتمرير كل شر وكل مناهضة للشريعة الإسلامية!

    مثلا : ما يمكن أن نراه من الإهانة والإيلام في إقامة حد الزنى بالجلد على غير المحصن، هو مما تستنكره منظمان حقوق الإنسان، ويمكن أن يأتي شيخٌ معمم ويقول " إن مبادئ الإسلام ترفض هذه الإهانة وهذه القسوة" فينطلي ذلك على الناس، ويبكون وراء الشيخ، ويتألمون لهذه المشاهد المؤلمة المهينة. فإذا نظرنا في كتاب الله العظيم وجدنا قوله ((الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)) فهذه الرأفة إذا مذمومة، ولكنها يمكن أن تمرر تحت هذا المصطلح الفضفاض (مبادئ الإسلام).

    وكذلك : ربما يقول البعض : لا يشترط أن نقطع يد السارق بل نكتفي بحبسه فيرتدع عن السرقة ويكون عبرة لغيره، وهذا يتم به الغرض من العقوبة والردع فبذلك يكون متوافقا مع المبادئ الإسلامية.
    فإذا نظرنا في الشريعة والمذاهب وجدنا النصوص من القرآن والسنة وكذلك الإجماع بقطع يد السارق.

    ومن هنا يجب أن يفهم (المسلم) الغرض من تقديم المبادئ على المذاهب؛ فالمذاهب هي أحكام الإسلام واضحة محددة، فلم يجدوا مجالا للتملص، أما في (المبادئ) فيأتون بكل شر وبكل تأويل فاسد ليجعلوه الإسلام في أحسن صوره!

    وإن أكبر دليل على فساد الطوية أنهم يتعللون بأن التحديد بالمذاهب الأربعة سيغلق الباب أمام العلماء وسيقيد الاجتهاد.. إلخ، في حين أن الأحكام التي هي تمثل الشريعة الإسلامية في التطبيق المجتمعي العام هي أحكام تكاد تكون مجمعا عليها، وهي قواعد العقود والمعاملات والعقوبات والقصاص، ويمكن الاجتهاد في حدودها بترجيح بعض الأحكام على بعض لأمور وملابسات، فهي أمور لا يقع بها إشكال، فدعوى أنها تضيق الاجتهاد وتؤدي إلى جمود العقل والشريعة هي مجرد دعوى؛ حيث الاجتهادات المفتوحة تتأتى في الدقائق لا في أسس تطبيق الشريعة.

    أيها المسلم.. اعلم أن الشريعة الإسلامية لم يكن تغييبها بصورة قاطعة في التصريح، وإنما كان ذلك باستخدام هذه المصطلحات (الفضفاضة) التي تستعمل كحصان طروادة لتمرير كل حكم جاهلي يناهض حكم الله.

    إن أول تغيير وقع في الحكم الإسلامي يناهض حكم الله إنما وقع تحت مطية (السياسة) و (سياسة شؤون الرعية) وهو ما حاد ببعض الأمراء في الدولة الإسلامية عن الشريعة في منتصف عمر الدولة الإسلامية.

    وإن أول (تقنين) وقع به التبديل كان في الدولة العثمانية عام 1840م فأغلى هذا التقنين عقوبة (الرجم) للزاني المحصن، وألغى العقوبات التي لم ينص عليها والمسماة في الفقه بـ (التعزير) وألغى كذلك عقوبة (القطع) ليد السارق رغم أنها مدعوة بالنص من القرآن وبالإجماع! ولم يحدث ذلك أبدا تحت الدعوة لمخالفة الشريعة الإسلامية، بل هو (التقنين) والتطوير والإصلاح، واستمدوا في هذا المصطلح الفضفاض من القانون الجنائي الفرنسي الموضوع سنة 1810م ، وتم تمرير القانون الوضعي في ظل دولة خلافة بفضل حصان طروادة (المصطلحات الفضفاضة).

    وفي مصر لم يكن تغييب الشريعة كذلك فجائيا؛ وإنما بدأ عام 1856م لما أنشأت حكومة سعيد باشا "المجالس القضائية المحلية" التي حكمت بالقانون الهمايوني، وحكم القناصل بين رعاياهم الأجانب بأحكامهم الخاصة بعيدا عن محاكم الدولة، ثم في عام 1870 م تم إنشاء المحاكم المختلطة بفضل تخطيط نوبار باشا الأرمني، والتي حكمت بالقوانين الفرنسية، وكان القضاة فيها من المسلمين والصليبيين!.. وفي الثمانينات من ذات القرن وُضِعَت التقنينات باللغة الفرنسية وترجمت إلى العربية، وافتتح الخديوي توفيق هذه المحاكم الجديدة بشكل رسمي عام 1883م على الوجه البحري، واكتمل سلطانها على البلاد بشكل كامل عام 1889م ، وبذلك انتهت الشريعة الإسلامية في مصر وحل مكانها القانون الفرنسي، عدا في الأحوال الشخصية.

    ثم أغليت المحاكم المختلطة المختلطة سنة 1949م ووضه السنهوري قانونه المدني المعروف والمستمد من أكثر من عشرين قانونا!

    ثم ألغي الوقف الأهلي على يد حكومة الثورة عام 1952م ثم في سنة 1955م ألغيت المحاكم الشرعية والملية، وىل أمر الأحوال الشخصية ودعاوى الوقف إلى القضاء العادي.

    إنها خطوات..!

    تبدأ بمصطلحات فضفاضة.. (مبادئ) (سياسة) (تطوير) (عدالة) (مساواة).. إلخ، وتنتهي بالنتائج التي سجلها التاريخ ونعيشها في لحظتنا تلك، فهل يتفطن المسلم المعاصر إلى تلك الخطوات؟

    إن كلامي هذا ليس دفاعا عن شريعة موجودة أخشى ضياعها، وليس توسلا إلا إقامة الشريعة بصورتها في دولة الخلافة الإسلامية، فمن سعرف الشريعة حق المعرفة يترفع بها أن يبتذلها في الألعاب السياسية المطرزة بالكذب، المطعمة بالوعود الكاذبة، روحها النفاق.. وإنما كلامي هو لأجل عقيدة المسلم، فيكون فاهما أن ما يتم تسريبه داخل مصطلح المبادئ الإسلامية ليس هو الإسلام، وليكون واعيا لطرق التسلل والإفساد، وأفسدها وأخطرها هذه المصطلحات الفضفاضة الكاذبة، التي هي أقرب ما يكون إلى (حصان طروادة) فإن هزيمة البدن ليست بهزيمة للمسلم على الحقيقة، وإنما هزيمة المسلم يوم أن يُهزم عقله، يوم أن يُستغفل. فالله تعالى أسأل أن يعصمنا من ذلك.

    كتبه/ محمد بن يوسف رشيد الأزهري
    14 / 7 / 2012م
  • عبد النصير أحمد المليباري
    طالب علم
    • Jul 2010
    • 302

    #2
    كلمات يجب أن تكتب بماء من ذهب
    وفعلا قد لمحت إلى مثل هذا الموضوع تلميحا في بعض مشاركاتي السابقة
    وهي على هذا الرابط: http://www.aslein.net/showthread.php?t=16091
    إلا أنك سيدي فصلت وبينت، وشفيت وكفيت، والآمال في مصر الإسلام معقودة على أعناق أمثالكم شيخنا الفاضل محمد رشيد
    والله يثبتكم على الحق، وينصركم ويكثر من أمثالكم

    تعليق

    • محمد يوسف رشيد
      طالب علم
      • Sep 2003
      • 601

      #3
      سامحكم الله شيخ عبد النصير، ما أنا إلا حاب إليكم يطلب التتلمذ عليكم.

      وأعتذر عن الأخطاء الكتابية.

      تعليق

      يعمل...