بسم الله الرحمن الرحيم
هذه فقرة من فتاوى الإمام السيوطي رحمه الله ، فيها بيان لجوانب من منهجية البحث العلمي
قال في معرض الرد على الجوجري رحمهما الله :
لا شك أنه لو جاز لأحد أن يفتي في مسألة بمجرد نظره لها في كتاب أو كتابين من غير أن يكون متقنا لذلك الفن بجميع أطرافه ماهرا فيه متبحرا فيه، لجاز لآحاد الطلبة أن يفتوا، بل العوام والسوقة لا يعدم أحد منهم أن يكون عارفا بعدة من المسائل تعلمها من عالم أو رآها في كتاب، ولا ريب في أنه لا يجوز لأحد منهم أن يفتي، وقد نص العلماء على أن العامي لو تعلم مسائل وعرفها لم يكن له أن يفتي بها،
إنما يفتي المتبحر في العلم العارف بتنزيل الوقائع الجزئية على الكليات المقررة في الكتب، وما شرطوا في المفتي أن يكون مجتهدا إلا لهذا المعنى وأمثاله،
والمدار الآن على التبحر، فمن تبحر في فن أفتى به وليس له أن يتعدى إلى فن لم يتبحر فيه، ويطلق قلمه فيه وهو لم يقف على متفرقات كلام أرباب ذلك الفن، فلعله يعتمد على مقالة مرجوحة وهو يظنها عندهم صحيحة، وهذه المسألة من ذلك كما سنبينه،
وكذلك ليس لأحد أن يفتي في العربية وقصارى أمره النظر في المصنف، والتوضيح، ونحو ذلك، بل حتى يحيط بالفن خبرة ويقف على غرائبه وغوامضه ونوادره، فضلا عن ظواهره ومشاهيره،
وما مثل من يفتي في النحو وقصارى أمره ما ذكر إلا مثل من قرأ المنهاج واقتصر عليه وأراد أن يفتي في الفقه، فلو جاءته مسألة من الروضة مثلا فإن كان دينا قال: هذه لم أقف عليها، وإن كان غير ذلك أنكرها بالكلية وقال: هذا شيء لم يقله أحد، بل ولا والله لا يكتفى في إباحة الفتوى بحفظ الروضة وحدها
فماذا يصنع في المسائل التي اختلف فيها الترجيح
ماذا يصنع في المسائل ذات الصور والأقسام، ولم يذكر في الروضة بقية صورها وأقسامها،
ماذا يصنع في مسائل لها قيود ومحال تركت من الروضة وهي مفرقة في شرح المهذب وغيره من الكتب؟
ماذا يصنع في مسائل خلت عنها الروضة بالكلية؟
بل لا بد في المفتي من أن يضم إلى الروضة حمل كتب، فإن لم ينهض إلى ذلك وعسر عليه النظر في كتب الشافعي رضي الله عنه وأصحابه المتقدمين، فلا أقل من استيعاب كتب المتأخرين،
وقد قال ابن بلبان الحنفي في كتابه زلة القارئ:
قال الشيخ أبو عبد الله الجرجاني في خزانة الأكمل: لا يجوز لأحد أن يفتي في هذا الباب - يعني باب اللحن في القراءة - إلا بعد معرفة ثلاثة أشياء: حقيقة النحو، والقراءات الشواذ، وأقاويل المتقدمين والمتأخرين من أصحابنا في هذا الباب. اهـ
قال :
لا شك في أن القرآن الكريم حاو لجميع العلوم، وأئمة المفسرين أصناف شتى، كل صنف منهم غلب عليه فن من العلوم، فكان تفسيره في غاية الإتقان من حيث ذلك الفن الغالب عليه
فينبغي لمن أراد التكلم على آية من حيثية أن ينظر تفسير من غلب عليه ذلك الفن الذي تلك الحيثية منه
فمن أراد التكلم على آية من حيث التفسير الذي هو نقل محض ومعرفة الأرجح فيه، فالأولى أن ينظر عليها تفاسير أئمة النقل والأثر، وأجلها تفسير ابن جرير الطبري[؛ فقد قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله.
وقريب منه من تفاسير المتأخرين تفسير الحافظ عماد الدين ابن كثير
وكذلك من أراد التكلم على آية تتعلق بالأخبار السابقة أو الآتية كأشراط الساعة وأحوال البرزخ والبعث والملكوت ونحو ذلك مما لا مجال للرأي فيه، فالأولى أخذها من التفسيرين المذكورين، وسائر تفاسير المحدثين المسندة؛ كسعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ ومن جرى مجراهم،
ومن أراد التكلم على آية من حيث علم الكلام فالأولى أن ينظر عليها تفسير من غلب عليه الكلام واشتهر بالبراعة فيه، كابن فورك والباقلاني وإمام الحرمين والإمام فخر الدين والأصبهاني ونحوهم
ومن أراد التكلم عليها من حيث الإعراب فالأولى أن ينظر عليها تفسير أئمة النحو المتبحرين فيه؛ كأبي حيان،
ومن أراد التكلم عليها من حيث البلاغة فالأولى أن ينظر عليها الكشاف وتفسير الطيبي ونحو ذلك.
ومسألة تفضيل أبي بكر من علم الكلام، وكونه هو المراد بالآية من علم التفسير، فكان الأولى للجوجري قبل الكتابة أن ينظر عليها كتاب ابن جرير ونحوه؛ لأجل معرفة الأرجح في التفسير، وكتاب الإمام فخر الدين ونحوه؛ لأجل معرفة التقرير الكلامي
ثم ينهض إلى مراجعة كتب أئمة الكلام لينظر كيف قرروا الاستدلال بها على أفضلية الصديق، ككتب الشيخ أبي الحسن الأشعري وابن فورك والباقلاني والشهرستاني وإمام الحرمين والغزالي، ومن جرى مجراهم،
ويتعب كل التعب ويجد كل الجد، ويعتزل الراحة والشغل، ولا يسأم ولا يضجر، ويدع الفتيا تمكث عنده الشهر والشهرين والعام والعامين، فإذا وقف على متفرقات كلام الناس في المسألة ونظر وحقق وأورد على نفسه كل إشكال وأعد له الجواب المقبول، حطم حينئذ على الكتابة وحكم بين الأمراء وفصل بين العلماء،
وأما الاستعجال في الجواب والكتابة بمجرد ما يخطر بباله ويظهر في بادئ الرأي، مع الراحة والاتكال على الشهرة، وعدم التضلع بذلك الفن وما يحتاج إليه فيه، فإنه لا يليق
ولهذا تجد الواحد ممن كان بهذه المثابة
يكتب ويرجع ويتزلزل بأدنى زلزلة
ويضطرب قوله في المسألة الواحدة مرات
ويبحث معه أدنى الطلبة فيشككه،
وأكثر ما يحتج به الواحد منهم إذا صمم على قوله أن يقول: الظاهر كذا أو كذا، أو هذا الذي ظهر لي، من غير اعتماد على مستند بيده أو حجة يظهرها، انتهى المراد
هذه فقرة من فتاوى الإمام السيوطي رحمه الله ، فيها بيان لجوانب من منهجية البحث العلمي
قال في معرض الرد على الجوجري رحمهما الله :
لا شك أنه لو جاز لأحد أن يفتي في مسألة بمجرد نظره لها في كتاب أو كتابين من غير أن يكون متقنا لذلك الفن بجميع أطرافه ماهرا فيه متبحرا فيه، لجاز لآحاد الطلبة أن يفتوا، بل العوام والسوقة لا يعدم أحد منهم أن يكون عارفا بعدة من المسائل تعلمها من عالم أو رآها في كتاب، ولا ريب في أنه لا يجوز لأحد منهم أن يفتي، وقد نص العلماء على أن العامي لو تعلم مسائل وعرفها لم يكن له أن يفتي بها،
إنما يفتي المتبحر في العلم العارف بتنزيل الوقائع الجزئية على الكليات المقررة في الكتب، وما شرطوا في المفتي أن يكون مجتهدا إلا لهذا المعنى وأمثاله،
والمدار الآن على التبحر، فمن تبحر في فن أفتى به وليس له أن يتعدى إلى فن لم يتبحر فيه، ويطلق قلمه فيه وهو لم يقف على متفرقات كلام أرباب ذلك الفن، فلعله يعتمد على مقالة مرجوحة وهو يظنها عندهم صحيحة، وهذه المسألة من ذلك كما سنبينه،
وكذلك ليس لأحد أن يفتي في العربية وقصارى أمره النظر في المصنف، والتوضيح، ونحو ذلك، بل حتى يحيط بالفن خبرة ويقف على غرائبه وغوامضه ونوادره، فضلا عن ظواهره ومشاهيره،
وما مثل من يفتي في النحو وقصارى أمره ما ذكر إلا مثل من قرأ المنهاج واقتصر عليه وأراد أن يفتي في الفقه، فلو جاءته مسألة من الروضة مثلا فإن كان دينا قال: هذه لم أقف عليها، وإن كان غير ذلك أنكرها بالكلية وقال: هذا شيء لم يقله أحد، بل ولا والله لا يكتفى في إباحة الفتوى بحفظ الروضة وحدها
فماذا يصنع في المسائل التي اختلف فيها الترجيح
ماذا يصنع في المسائل ذات الصور والأقسام، ولم يذكر في الروضة بقية صورها وأقسامها،
ماذا يصنع في مسائل لها قيود ومحال تركت من الروضة وهي مفرقة في شرح المهذب وغيره من الكتب؟
ماذا يصنع في مسائل خلت عنها الروضة بالكلية؟
بل لا بد في المفتي من أن يضم إلى الروضة حمل كتب، فإن لم ينهض إلى ذلك وعسر عليه النظر في كتب الشافعي رضي الله عنه وأصحابه المتقدمين، فلا أقل من استيعاب كتب المتأخرين،
وقد قال ابن بلبان الحنفي في كتابه زلة القارئ:
قال الشيخ أبو عبد الله الجرجاني في خزانة الأكمل: لا يجوز لأحد أن يفتي في هذا الباب - يعني باب اللحن في القراءة - إلا بعد معرفة ثلاثة أشياء: حقيقة النحو، والقراءات الشواذ، وأقاويل المتقدمين والمتأخرين من أصحابنا في هذا الباب. اهـ
قال :
لا شك في أن القرآن الكريم حاو لجميع العلوم، وأئمة المفسرين أصناف شتى، كل صنف منهم غلب عليه فن من العلوم، فكان تفسيره في غاية الإتقان من حيث ذلك الفن الغالب عليه
فينبغي لمن أراد التكلم على آية من حيثية أن ينظر تفسير من غلب عليه ذلك الفن الذي تلك الحيثية منه
فمن أراد التكلم على آية من حيث التفسير الذي هو نقل محض ومعرفة الأرجح فيه، فالأولى أن ينظر عليها تفاسير أئمة النقل والأثر، وأجلها تفسير ابن جرير الطبري[؛ فقد قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله.
وقريب منه من تفاسير المتأخرين تفسير الحافظ عماد الدين ابن كثير
وكذلك من أراد التكلم على آية تتعلق بالأخبار السابقة أو الآتية كأشراط الساعة وأحوال البرزخ والبعث والملكوت ونحو ذلك مما لا مجال للرأي فيه، فالأولى أخذها من التفسيرين المذكورين، وسائر تفاسير المحدثين المسندة؛ كسعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ ومن جرى مجراهم،
ومن أراد التكلم على آية من حيث علم الكلام فالأولى أن ينظر عليها تفسير من غلب عليه الكلام واشتهر بالبراعة فيه، كابن فورك والباقلاني وإمام الحرمين والإمام فخر الدين والأصبهاني ونحوهم
ومن أراد التكلم عليها من حيث الإعراب فالأولى أن ينظر عليها تفسير أئمة النحو المتبحرين فيه؛ كأبي حيان،
ومن أراد التكلم عليها من حيث البلاغة فالأولى أن ينظر عليها الكشاف وتفسير الطيبي ونحو ذلك.
ومسألة تفضيل أبي بكر من علم الكلام، وكونه هو المراد بالآية من علم التفسير، فكان الأولى للجوجري قبل الكتابة أن ينظر عليها كتاب ابن جرير ونحوه؛ لأجل معرفة الأرجح في التفسير، وكتاب الإمام فخر الدين ونحوه؛ لأجل معرفة التقرير الكلامي
ثم ينهض إلى مراجعة كتب أئمة الكلام لينظر كيف قرروا الاستدلال بها على أفضلية الصديق، ككتب الشيخ أبي الحسن الأشعري وابن فورك والباقلاني والشهرستاني وإمام الحرمين والغزالي، ومن جرى مجراهم،
ويتعب كل التعب ويجد كل الجد، ويعتزل الراحة والشغل، ولا يسأم ولا يضجر، ويدع الفتيا تمكث عنده الشهر والشهرين والعام والعامين، فإذا وقف على متفرقات كلام الناس في المسألة ونظر وحقق وأورد على نفسه كل إشكال وأعد له الجواب المقبول، حطم حينئذ على الكتابة وحكم بين الأمراء وفصل بين العلماء،
وأما الاستعجال في الجواب والكتابة بمجرد ما يخطر بباله ويظهر في بادئ الرأي، مع الراحة والاتكال على الشهرة، وعدم التضلع بذلك الفن وما يحتاج إليه فيه، فإنه لا يليق
ولهذا تجد الواحد ممن كان بهذه المثابة
يكتب ويرجع ويتزلزل بأدنى زلزلة
ويضطرب قوله في المسألة الواحدة مرات
ويبحث معه أدنى الطلبة فيشككه،
وأكثر ما يحتج به الواحد منهم إذا صمم على قوله أن يقول: الظاهر كذا أو كذا، أو هذا الذي ظهر لي، من غير اعتماد على مستند بيده أو حجة يظهرها، انتهى المراد
تعليق