مفاهيم و أفكار من أجل الحوار
تأليف الطالب : يوسف بن ميمون المداني
مقـــدمــة:
لما كان الحوار هو الوسيلة الفضلى، التي يلجأ إليها الإنسان، من حيث هو فرد من جماعة، من أجل التفاعل البناء معها. فإن تأصيل المفاهيم، التي ينبني عليها، يعد من الأمور الضرورية. سنقدم في هذه الورقة بعض المفاهيم، التي نريد منها أن تكون ركيزة، نبني عليها صرح الحوار في شقيه الكبيرين : تحاورنا فيما بيننا، و حوارنا لغيرنا.
و سنقسم هذه الورقة إلى محورين:
1- الموضوعية و الحياد
2-الإفهام و الإقناع : أيهما يعد هدفا في الحوار؟
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
1- الموضوعية و الحياد
سنحاول إعطاء تقسيم عقلي لعلاقة كل هذين المفهومين ببعضهما البعض. ثم نجعل من ذلك التقسيم معراجا لنصل به إلى إدراك الفرق الذي بينهما، نمثل لذلك بأمثلة توضح لنا أهمية هذا الإدراك في معالجة موضوعات عديدة. ثم نخلص بعد ذلك إلى الاستنتاج الآتي : "أن الحوار يطلب الموضوعية أكثر مما يطلب الحياد".
لفظ "موضوعية" مشتق من " موضوع"، و ينسب في الغالب إلى "رأي أو حكم معين"، و هو ضد «الذاتية". فيكون الرأي موضوعيا، إذ كان ارتباط النتيجة - أو الاستنتاج- المستفاد من الرأي، يتصل بالمقدمة اتصالَ موضوعٍ بموضوع. بخلاف "الرأي الذاتي" الذي لا يكون الارتباط إلا بوجود الذات الحاملة للنتيجة.
و مثال الرأي الموضوعي: مبدأ العلية مبدأ عقلي، لا يستطيع العقل إلا أن يستعين به على إنشاء معارفه، و أنه بالضرورة لا يمكن لأي كان أن ينشئ معرفة عقلانية بمعزل عن هذا المبدأ. و لقائل أن يقول: فمن أين لك بهذه الضرورة؟ أقول: أنه كل من أراد أن ينفي كون هذا المبدأ عقليا، فله أن يقول بخلافه، لكنه ما إن يشرع في الاستدلال على رأيه إلا و سيفحم مباشرة. لأنه ما شرع في الاستدلال، إلا لكونه مقرا سلفا، بكون ما سيقوله سيكون علة للفهم الذي سينشأ عندي. فيكون عندها مقرا لما يريد أن ينفيه. كما انه لي أن أسأل السائل عن مراده من السؤال، فهل يريد به معرفة أم لا يريد؟ فإن كان يريد منه معرفة، كان باحثا به عن جواب يكون علة لهذه المعرفة، و إن كان لا يريد منه معرفة كان سؤال عابث لا عاقل، و كفانا حاله عن الرد عليه، كما أن مقالتنا التي قلناها قصدنا بها إفهما العاقل فقط.
و مثال الرأي الذاتي، قول القائل أن سبب ارتفاع درجة الحرارة في منطقة تونفيت هو كثرة الأبقار فيها. فالقائل بهذا الرأي يكون قد جعل علاقة بين شيئين في غاية البعد من حيث التأثير، جعل أحدهما سببا للأخر. فكان حكمه هذا ذاتيا. لم ينشأ عنده نتيجة علاقة بين الموضوعين، فكان هو الرابط بينهما بذاته.
و لفظ "حياد" من مشتقات "حاد يحيد" أي مال عن الشيء، و تستعمل لوصف انتماء صاحب الرأي، و هو ضد "تحيز". فنقول أن شخصا معينا محايد في المسألة الفلانية، أي هو لا ينتمي الى الفئة التي تقول بالرأي "أ"، كما أنه لا ينتمي الى الفئة التي تقول الرأي "ب". فيكون مفهوم الحياد يغلب عليه الاتصال أكثر بالانتماء الفئوي أكثر من علقته بالدليل، و هذه هي جهة الخلاف بينه و بين مفهوم الموضوعية. و لنا أن نعطي التقسيم العقلي الذي ننسبه إلى شخص معين، فلنا أن نقول أن هذا الشخص في هذه المسألة:
- موضوعي و محايد عندما يكون من جهة الرأي موضوعيا، و من جهة انتمائه الفئوي غير متحيز لا إلى الفئة القائل بالرأي أو إلى الفئة القائلة بضده مثال ذلك: رأي ملحد في الدين في الخلاف الحاصل بين الإسلام و المسيحية في صفات الله تعالى، فهو بحكم أنه ملحد فهو بذلك محايد في هذه المسألة، و إن نظر بموضوعية في المسألة معتمدا على عقله، اتصف عندها بالموضوعي و المحايد.
-موضوعي و لا محايد عندما يكون من جهة الرأي موضوعيا، و من جهة انتمائه الفئوي منحاز إلى الفئة التي تقول بهذا الرأي أو ضده مثال ذلك: رأي المسلم في كون الإسلام هو الدين الصحيح، فهو من جهة الانتماء غير محايد، لكنه من جهة رأيه يستطيع أن يكون موضوعيا.
-لا موضوعي و محايد عندما يكون ذاتيا على الأقل في رأيه، لكنه غير منحاز إلى أي فئة تقول بهذا القول مثال ذلك: رأي ملحد في الدين في الخلاف بين الإسلام و المسيحية في صفات الله، فهو على الرغم من كونه محايد، إلا أنه هذا لا يعصمه من أن يقول قول موضوعيا.
-لا موضوعي و لا محايد عندما يكون ذاتيا على الأقل في رأيه، و هو إلى ذلك منحاز إلى الفئة التي تقول بهذا القول مثال ذلك: رأي مسلم في كون الإسلام هو الدين الصحيح، ثم لما رأينا رأيه لم نجد فيه دليلا، فقول عندها أنه لا موضوعي و لا محايد.
فمن هذا التقسيم و كذا تلك الأمثلة التي ألحقناها به. نستطيع أن نستنج أن كون الشخص موضوعيا له علقة بالرأي من حيث قدرة هذا الشخص على سوق أدلة عليه. و أن كون الشخص محايدا له علقة بالفئة التي تقول بالقول. و ما دام الحوار لا يتم إلا على مضان موضوع معين، كان طلبه للموضوعية أكثر من طلبه للحياد. و كان السبب الذي جعله يطلب هذا و يفر من ذاك. كون الحوار وسيلة للبحث عن الرأي الصحيح بين المتحاورين، أي يفترض أساسا وجود خلاف في فهم الرأي الذي سيتم عليه الحوار، ثم ينشأ بعد ذلك تدارس حول الرأي الأصح بين الرأيين. و الحكم على رأي معين بكون أصح من مخالفه، يرتبط بمدى قدرة هذا الرأي إيفاء شرط الموضوعية.
و نختم هذا المحور بذكر بعض الخلاصات التي نجعل منها أصلا لما نراه ضرورة في الحوار:
-أن كون شخص معين محايد في مسألة معينة ليس سبب في كون رأيه موضوعيا.
-أن كون شخص معين متحيزا لمسألة معينة ليس سبب في كون رأيه لا موضوعيا.
-الحوار يطلب الموضوعية أكثر مما يطلب الحياد.
2-الإفهام و الإقناع: أيهما يعد هدفا في الحوار؟
لفظ "الإفهام" مشتق من "فهم يفهم" فهو فهم، و "الفهم" هو إدراك معنى شيء أو صورة شيء على ما هو عليه. يأتي هذا الإدراك، نتيجة نظر الشخص المعين في المدرك، و بشكل خاص في أدلته، فينشأ فهم الرأي إن توفرت فيه شروط سلامة المنطق و سلامة الاستنتاجات. و لفظ " الإقناع" مشتق من "قنع يقنع" أي رضي، و نقول أن شخص معينا اقتنع بهذا الحكم، إذا رضيه. و الرضى يكون بالعقل كما يكون بالنفس، فيطلق كثيرا على ما كان نتيجة رضى النفس بما رأته صوابا. و لا يرتبط الاقتناع من حيث هو بالشيء المدرك على ما هو عليه في الخارج، إنما يرتبط بمدى انفعال النفس بالرأي.
و نستنتج من هذا الذي قبلناه، أن الافهام له علقة بمدى قدرة الشخص على إيفاء رأيه استدلالات تكون دلائل للناظر فيها إلى أن يدرك فيفهم رأيه. أما الاقناع فله علقة بمدى قدرة الشخص على تحفيز نفس المخاطب لكي تنبعث الى الرأي.
و لما كان الحوار يطلب الموضوعية، كما خلصنا في المحور السابق، و كانت الموضوعية ترتبط أكثر بمدى قدرة المدعي على الاستدلال على رأيه. فإن الحوار أيضا يطلب من المتحاورين الافهام أكثر مما يطلب منهم الاقناع.
و نختم هذا المحور بالنتائج التالية:
-إذا قلت فأفهم رأيك بدليل يكون دليلا لغيرك في أن يدركه، و لا يكن ردك لرأي مفهوم بحجة عدم اقتناعك به، لأن اقتناعك ليس دليلا على كون الرأي خاطئا أو صوابا، بل إن كنت رادا رأيا أيا كان فليكن ردك له بناء على دليل.
-الحوار يهدف إلى الافهام لا إلى الاقناع.
تأليف الطالب : يوسف بن ميمون المداني
مقـــدمــة:
لما كان الحوار هو الوسيلة الفضلى، التي يلجأ إليها الإنسان، من حيث هو فرد من جماعة، من أجل التفاعل البناء معها. فإن تأصيل المفاهيم، التي ينبني عليها، يعد من الأمور الضرورية. سنقدم في هذه الورقة بعض المفاهيم، التي نريد منها أن تكون ركيزة، نبني عليها صرح الحوار في شقيه الكبيرين : تحاورنا فيما بيننا، و حوارنا لغيرنا.
و سنقسم هذه الورقة إلى محورين:
1- الموضوعية و الحياد
2-الإفهام و الإقناع : أيهما يعد هدفا في الحوار؟
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
1- الموضوعية و الحياد
سنحاول إعطاء تقسيم عقلي لعلاقة كل هذين المفهومين ببعضهما البعض. ثم نجعل من ذلك التقسيم معراجا لنصل به إلى إدراك الفرق الذي بينهما، نمثل لذلك بأمثلة توضح لنا أهمية هذا الإدراك في معالجة موضوعات عديدة. ثم نخلص بعد ذلك إلى الاستنتاج الآتي : "أن الحوار يطلب الموضوعية أكثر مما يطلب الحياد".
لفظ "موضوعية" مشتق من " موضوع"، و ينسب في الغالب إلى "رأي أو حكم معين"، و هو ضد «الذاتية". فيكون الرأي موضوعيا، إذ كان ارتباط النتيجة - أو الاستنتاج- المستفاد من الرأي، يتصل بالمقدمة اتصالَ موضوعٍ بموضوع. بخلاف "الرأي الذاتي" الذي لا يكون الارتباط إلا بوجود الذات الحاملة للنتيجة.
و مثال الرأي الموضوعي: مبدأ العلية مبدأ عقلي، لا يستطيع العقل إلا أن يستعين به على إنشاء معارفه، و أنه بالضرورة لا يمكن لأي كان أن ينشئ معرفة عقلانية بمعزل عن هذا المبدأ. و لقائل أن يقول: فمن أين لك بهذه الضرورة؟ أقول: أنه كل من أراد أن ينفي كون هذا المبدأ عقليا، فله أن يقول بخلافه، لكنه ما إن يشرع في الاستدلال على رأيه إلا و سيفحم مباشرة. لأنه ما شرع في الاستدلال، إلا لكونه مقرا سلفا، بكون ما سيقوله سيكون علة للفهم الذي سينشأ عندي. فيكون عندها مقرا لما يريد أن ينفيه. كما انه لي أن أسأل السائل عن مراده من السؤال، فهل يريد به معرفة أم لا يريد؟ فإن كان يريد منه معرفة، كان باحثا به عن جواب يكون علة لهذه المعرفة، و إن كان لا يريد منه معرفة كان سؤال عابث لا عاقل، و كفانا حاله عن الرد عليه، كما أن مقالتنا التي قلناها قصدنا بها إفهما العاقل فقط.
و مثال الرأي الذاتي، قول القائل أن سبب ارتفاع درجة الحرارة في منطقة تونفيت هو كثرة الأبقار فيها. فالقائل بهذا الرأي يكون قد جعل علاقة بين شيئين في غاية البعد من حيث التأثير، جعل أحدهما سببا للأخر. فكان حكمه هذا ذاتيا. لم ينشأ عنده نتيجة علاقة بين الموضوعين، فكان هو الرابط بينهما بذاته.
و لفظ "حياد" من مشتقات "حاد يحيد" أي مال عن الشيء، و تستعمل لوصف انتماء صاحب الرأي، و هو ضد "تحيز". فنقول أن شخصا معينا محايد في المسألة الفلانية، أي هو لا ينتمي الى الفئة التي تقول بالرأي "أ"، كما أنه لا ينتمي الى الفئة التي تقول الرأي "ب". فيكون مفهوم الحياد يغلب عليه الاتصال أكثر بالانتماء الفئوي أكثر من علقته بالدليل، و هذه هي جهة الخلاف بينه و بين مفهوم الموضوعية. و لنا أن نعطي التقسيم العقلي الذي ننسبه إلى شخص معين، فلنا أن نقول أن هذا الشخص في هذه المسألة:
- موضوعي و محايد عندما يكون من جهة الرأي موضوعيا، و من جهة انتمائه الفئوي غير متحيز لا إلى الفئة القائل بالرأي أو إلى الفئة القائلة بضده مثال ذلك: رأي ملحد في الدين في الخلاف الحاصل بين الإسلام و المسيحية في صفات الله تعالى، فهو بحكم أنه ملحد فهو بذلك محايد في هذه المسألة، و إن نظر بموضوعية في المسألة معتمدا على عقله، اتصف عندها بالموضوعي و المحايد.
-موضوعي و لا محايد عندما يكون من جهة الرأي موضوعيا، و من جهة انتمائه الفئوي منحاز إلى الفئة التي تقول بهذا الرأي أو ضده مثال ذلك: رأي المسلم في كون الإسلام هو الدين الصحيح، فهو من جهة الانتماء غير محايد، لكنه من جهة رأيه يستطيع أن يكون موضوعيا.
-لا موضوعي و محايد عندما يكون ذاتيا على الأقل في رأيه، لكنه غير منحاز إلى أي فئة تقول بهذا القول مثال ذلك: رأي ملحد في الدين في الخلاف بين الإسلام و المسيحية في صفات الله، فهو على الرغم من كونه محايد، إلا أنه هذا لا يعصمه من أن يقول قول موضوعيا.
-لا موضوعي و لا محايد عندما يكون ذاتيا على الأقل في رأيه، و هو إلى ذلك منحاز إلى الفئة التي تقول بهذا القول مثال ذلك: رأي مسلم في كون الإسلام هو الدين الصحيح، ثم لما رأينا رأيه لم نجد فيه دليلا، فقول عندها أنه لا موضوعي و لا محايد.
فمن هذا التقسيم و كذا تلك الأمثلة التي ألحقناها به. نستطيع أن نستنج أن كون الشخص موضوعيا له علقة بالرأي من حيث قدرة هذا الشخص على سوق أدلة عليه. و أن كون الشخص محايدا له علقة بالفئة التي تقول بالقول. و ما دام الحوار لا يتم إلا على مضان موضوع معين، كان طلبه للموضوعية أكثر من طلبه للحياد. و كان السبب الذي جعله يطلب هذا و يفر من ذاك. كون الحوار وسيلة للبحث عن الرأي الصحيح بين المتحاورين، أي يفترض أساسا وجود خلاف في فهم الرأي الذي سيتم عليه الحوار، ثم ينشأ بعد ذلك تدارس حول الرأي الأصح بين الرأيين. و الحكم على رأي معين بكون أصح من مخالفه، يرتبط بمدى قدرة هذا الرأي إيفاء شرط الموضوعية.
و نختم هذا المحور بذكر بعض الخلاصات التي نجعل منها أصلا لما نراه ضرورة في الحوار:
-أن كون شخص معين محايد في مسألة معينة ليس سبب في كون رأيه موضوعيا.
-أن كون شخص معين متحيزا لمسألة معينة ليس سبب في كون رأيه لا موضوعيا.
-الحوار يطلب الموضوعية أكثر مما يطلب الحياد.
2-الإفهام و الإقناع: أيهما يعد هدفا في الحوار؟
لفظ "الإفهام" مشتق من "فهم يفهم" فهو فهم، و "الفهم" هو إدراك معنى شيء أو صورة شيء على ما هو عليه. يأتي هذا الإدراك، نتيجة نظر الشخص المعين في المدرك، و بشكل خاص في أدلته، فينشأ فهم الرأي إن توفرت فيه شروط سلامة المنطق و سلامة الاستنتاجات. و لفظ " الإقناع" مشتق من "قنع يقنع" أي رضي، و نقول أن شخص معينا اقتنع بهذا الحكم، إذا رضيه. و الرضى يكون بالعقل كما يكون بالنفس، فيطلق كثيرا على ما كان نتيجة رضى النفس بما رأته صوابا. و لا يرتبط الاقتناع من حيث هو بالشيء المدرك على ما هو عليه في الخارج، إنما يرتبط بمدى انفعال النفس بالرأي.
و نستنتج من هذا الذي قبلناه، أن الافهام له علقة بمدى قدرة الشخص على إيفاء رأيه استدلالات تكون دلائل للناظر فيها إلى أن يدرك فيفهم رأيه. أما الاقناع فله علقة بمدى قدرة الشخص على تحفيز نفس المخاطب لكي تنبعث الى الرأي.
و لما كان الحوار يطلب الموضوعية، كما خلصنا في المحور السابق، و كانت الموضوعية ترتبط أكثر بمدى قدرة المدعي على الاستدلال على رأيه. فإن الحوار أيضا يطلب من المتحاورين الافهام أكثر مما يطلب منهم الاقناع.
و نختم هذا المحور بالنتائج التالية:
-إذا قلت فأفهم رأيك بدليل يكون دليلا لغيرك في أن يدركه، و لا يكن ردك لرأي مفهوم بحجة عدم اقتناعك به، لأن اقتناعك ليس دليلا على كون الرأي خاطئا أو صوابا، بل إن كنت رادا رأيا أيا كان فليكن ردك له بناء على دليل.
-الحوار يهدف إلى الافهام لا إلى الاقناع.