كان أحد الأفاضل -وهو الدكتور محمد نصار- قد نقل على صفحته بالفيس بوك كلامًا حول استغلال بعض الملاحدة لقضايا الكلام في إعجاز القرآن وبيان قصور تفسيرات بعض المعاصرين من المسلمين، فشاركت بكلام عابر ما قصدت منه استقصاء شيء، فراسلني أحد إخواني ناصحًا بنسخه هنا.
قلت:
أساتذتي الأفاضل، حينما نقول (إعجاز) فنحن نتكلم عن (حجة) و (برهان) وطبيعة هذه الأمور أنها لا تحتمل (الاختراعات) البشرية.
أقسم بالذي رفع السماء بلا عمد، أني قد بقي لي سنوات في قضية الإعجاز (اللغوي) للقرآن، فقط للوقوف على (ماهية) هذا الإعجاز، أي (محله) من اللغة، فذهب علماء اللغة والكلام فيه مذاهب شتى، فلا أبيت وقد اطمأن قلبي إلى قول إلا وأبيت ليلة تليها وقد اضطرمت الحيرة في رأسي. فمذاهب العلماء فيه شتى، فيذهب أبو بكر البلاقلاني مذهبًا، ويخلفه عبد القاهر الجرجاني بمذهب مباين له، ثم يأتي السكاكي صاحب مفتاح العلوم ليلغي كلام الباقلاني والجرجاني ويرجع الأمر برمته إلى شيء غير مضبوط وهو (الذوق).
كل هذا لأننا حينما نتكلم عن (برهان) فلا يحتمل إلا القطعيات، يعني:
كيف إذا نظر القرشي القديم في ورقة مكتوب فيها قرآن تكون الحجة قد قامت عليه وإن لم يسلم لله فهو مكابر يستحق التخليد بالنار؟
هذه المسألة لا تُتَناول بهذه الطريقة (الفضفاضية) المعاصرة التي تبتذل قضية الإعجاز، فالإعجاز يعني قيام الحجة والبرهان، وهذا أمر قطعي دقيق لا تناسبه هذه الطريقة المعاصرة.
إنها مسألة كشق القمر: هل انشق القمر فعليَّا فتقوم الحجة على الكفار أم لا؟
لذلك نجد أبا بكر الباقلاني مثلا يحدد ابوبًا معينة من البلاغة يقع بها التحدي وإقامة الحجة دون أبواب، فأبواب علم البديع عنده لا تقوم بها الحجة، أي لأن القرآن لم يعجز العرب بما جاء في علم البديع من سجع أو جناس أو مطابقة.. إلخ أبواب هذا العلم، ولكنه أعجز العرب ببعض أبواب علمي المعاني والبيان، فباب التشبيه من علم البيان يقع به التحدي والإعجاز، وباب الإيجاز من علم المعاني يقع به الإعجاز، وحدد أبوابًا بعينها دون أخرى.
فلا أعذر في الحقيقة المتكلمين حول الإعجاز بهذه الفضفضة وهذا التوسع، فضلا عن التجرؤ على إبطال أقوال المفسرين القدماء، والجزم بأنهم لم يصيبوا في تفاسيرهم بسبب عدم اكتشافهم هذه العلوم!
هنا الأمر ليس هينًا، بل خطير، وليس مجرد اجتهاد علمي في التفسير، بل لا يجوز أصلا أن يدعى هذا الاجتهاد في باب الإعجاز وإلحاق هذه الظنون بباب شأنه القطع.
والله الموفق.