في العلوم عامة، وفي العلوم الإسلامية خاصة، توجد بعض المسائل التي توصف بأنها محط الأنظار، تتشعب فيها التفاصيل، ويختلف العلماء فيها بحيث تعد من المسائل العويصة.
وهذه الحالة مختلفة الرتب، بعضها في مرتبة عليا من الإشكال، وبعضها في مرتبة أقل. فمثل هذه المسائل لا يمكن لمن كان في أول سلم الطلب، أن يحشر نفسه في وسطها، وأن يتزعم رأيا يصححه، بل ما عليه إلا التسليم لأهل العلم الثقات فيها، ثم إذا ارتقى في سلم طلاب العلم، يظهر له شيئا فشيئا وجه تلك المسألة، وقد يرى ما كان يظنه باطلا، عينَ الصواب، ولا شك أنه في هذه الحالة سيدرك مدى التهور في القطع في مسائل هي من عويص المسائل.
فإذا رأيت نفسك باحثا في مسألة من مثل هذه المسائل، ثم وجدتها سهلة المأخذ، فما عليك إلا أن تنتبه إلى أنك لم تفهمها؛ إذ هل يعقل أن تكون مسألة اختلف فيها الأئمة اختلافا عميقا ودقيقا، فتراها أنت سهلة، والحجة فيها للعيان ظاهرة!!
وأقيد كلامي هنا بمسائل الإسلاميين، وليس غيرهم. فمثلا مسألة خلق أفعال العباد، قد حصل الكلام فيها بين العلماء، واتفق أهل السنة فيها على بعض الوجوه، واختلفوا اختلافات مشهورة في وجوه أخر منها، فأن يأتي مبتدئ في العلوم أو من لم يشم رائحة العلم أصلاً، فيزعم وضوح المسألة، وأن المذهب الفلاني باطل منها، مدعيًّا التحقيق، هذا أمر مستغرَب وعجيب. فإن الخلاف إذا كان بين إمام الحرمين والفخر الرازي والسيف الآمدي، أيصح أن يرفعه شخص لم يحط بأي مدرك من مدارك العلوم ويرى الخلاف معدوم المعنى؟!
نعم اعتقاد ما عليه الجمهور إذا كانت أنظار جمهور العلماء سارت فيها إلى ترجيح، هو واجب المسلم، مع معرفة دليلها، دون أن يخوض في تفاصيل لا يحسن فهمها.
وقل مثل ذلك في مسائل الفقه الخلافية المشهورة، وفي مسائل الفقه الشاذة، فبعض طلاب العلم ممن لم يحسن لغة ما يقرأونه، لا يتورعون أن يصفوا رأي مجتهد تم قبول اجتهاده وعملت به الأمة، بالضعف ومخالفة النص الصريح .. وما إلى ذلك من عباراته ملؤها التهويل والتشهير !!
أما المسائل الشاذة، فترى أحدهم يرجحها لقوة أدلتها؟! ولكنها ضعيفة ولم يدرك هو وجه ضعفها! كيف يدرك وجه الصواب من لم يكن لديه ميزان النظر؟
إذا لم تكن من أهل علم من العلوم، فلا تؤذي نفسك والمؤمنين بالكلام فيه، وما عليك سوى السؤال إن كنت تبغي مزيد علم، وليس لك أن تطلب علما لا تفهمه أو لن تفهمه طالما ليست لديك آلة الفهم.
وليس في كلامي هذا ولا قصدي منه تحقير أحد، ولكن تنبيه الطلاب إلى الاحتياط، ولا بد من ردع من يرفع نفسه فوق مقامه الحقيقي، ويتجرأ على مسائل الدين يخوض فيها بدون وجه حق.
فإن قال قائل: كيف ستزن مرتبة المتكلم في هذه المسائل، ومن تكون حتى تعطي لنفسك الحق في رفع رتبة شخص أو الحط منها؟ فأقول: هناك درجات متفاوتة، فالعليا منها واضحة، لم يقرأ ولم يطلب العلم، وغاية أمره صدق توبة، ورغبة في التدين، ثم حضور مجالس علم عامة، وسماع بعض مقاطع الأشرطة واليوتيوب، فلا متون العلم عرف، فضلا عن أن يكون قد قرأ، لم يسمع لا بألفية ولا بالآجرومية، فهل يا ترى يعرف مغني اللبيب وحقق مسائله؟ لم يسمع بمتن الورقات ولا مختصرات الفقه!! فإذا قرأ أصول الفقه اقتصر على مسائل الورقات التي هي مما يجب على عامة الناس أن يعرفوه في دينهم، لا طالب علم يريد الولوج إلى كتب العلماء ليفهمها ويدرك معانيها؟!
لم يعرف كتب أحاديث الأحكام، لكنه يتجرأ في ذكر الحديث الصحيح والضعيف، فيما يقوله الناس، فيصحح لهم ويضعف!! كم يا ترى من طلاب العلم بيننا اليوم قد قرأ صحيح البخاري ومسلم والسنن الأربعة والموطأ من ألفها إلى يائها؟ ثم بعد ذلك قرأ شرحًا واحدًا فقط من شروحها؟ وباحثَ فيها طلاب العلم والشيوخ حتى يستنكه حقيقة معانيها؟ لقد سأل أحد أساتذة التفسير في مجلس جمعه بأساتذة التفسير والقرآن والتجويد، بعمان الأردن، عمن قرأ منهم أكثر من كتاب تفسير كاملاً؟ فلم يوجد إلا الدكتور فضل عباس رحمه الله، غاية الآخرين إذا كانوا قد فعلوا: ابن كثير والجلالين، وأنعم بهما، لكنهما لا يرفعان صاحبهما إلى مصاف من يدرك معاني القرآن الكريم، ويحقق مدلولاته.
هل يا ترى طالب علم العقائد والكلام، يكفيه النظر في الكتب بنفسه، دون استفصال وجدال، يتمرسه على يدي من بقي من علماء العقائد في زماننا؟ سواء كان على مذهب أهل السنة أو غيرها؟
أما الرتبة العليا فتلك رتبة العلماء الذين عرفوا وشهد لهم شيوخهم ونظراؤهم بالعلم، فلا مجال للكلام عن هؤلاء، اللهم إلا إذا تكلموا فيما لا يحسنون، فيرى أهل الاختصاص مدى خروجهم عن الجادة وعدم اعتبار كلامهم فيما لا يحسنونه.
بقيت من كان قد تقدم في طلب العلم وقضى فيه زمانًا، فهذا من ينبغي عليه الاحتياط، وهو نفسه يعلم قدر نفسه كلما زاد في الطلب.
والذي يمكن أن يكتشفه طالب العلم ليس هو الحكم على من هو أعلى منه، ولكن يرى ما يخالف القواعد المقررة في علم من العلوم، فيمن يدعي لنفسه رتبة. وأكثر من ينطبق عليه هذا الكلام حملة الشهادات الجامعية في زماننا أصحاب الماجستير والدكتوراه، فببعض ورقات في كل مادة يأخذ إجازة في العلوم الإسلامية، فلدينا مئات الآلاف من خريجي كليات الشريعة، إذا تحدثوا في مسائل العلم لحنوا فيها، وأنا خريج من خريجي هذه الجامعات، وأعلم ذلك على وجه اليقين، بل إن طلاب العلم يدركون ذلك بشكل واضح، وجرب ففي التجريب علم الحقائق.
خلاصته: إذا لم تستطع أمرًا فدعه، وجاوزه إلى ما تستطيع. ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه فوقف عنده.
وهذه الحالة مختلفة الرتب، بعضها في مرتبة عليا من الإشكال، وبعضها في مرتبة أقل. فمثل هذه المسائل لا يمكن لمن كان في أول سلم الطلب، أن يحشر نفسه في وسطها، وأن يتزعم رأيا يصححه، بل ما عليه إلا التسليم لأهل العلم الثقات فيها، ثم إذا ارتقى في سلم طلاب العلم، يظهر له شيئا فشيئا وجه تلك المسألة، وقد يرى ما كان يظنه باطلا، عينَ الصواب، ولا شك أنه في هذه الحالة سيدرك مدى التهور في القطع في مسائل هي من عويص المسائل.
فإذا رأيت نفسك باحثا في مسألة من مثل هذه المسائل، ثم وجدتها سهلة المأخذ، فما عليك إلا أن تنتبه إلى أنك لم تفهمها؛ إذ هل يعقل أن تكون مسألة اختلف فيها الأئمة اختلافا عميقا ودقيقا، فتراها أنت سهلة، والحجة فيها للعيان ظاهرة!!
وأقيد كلامي هنا بمسائل الإسلاميين، وليس غيرهم. فمثلا مسألة خلق أفعال العباد، قد حصل الكلام فيها بين العلماء، واتفق أهل السنة فيها على بعض الوجوه، واختلفوا اختلافات مشهورة في وجوه أخر منها، فأن يأتي مبتدئ في العلوم أو من لم يشم رائحة العلم أصلاً، فيزعم وضوح المسألة، وأن المذهب الفلاني باطل منها، مدعيًّا التحقيق، هذا أمر مستغرَب وعجيب. فإن الخلاف إذا كان بين إمام الحرمين والفخر الرازي والسيف الآمدي، أيصح أن يرفعه شخص لم يحط بأي مدرك من مدارك العلوم ويرى الخلاف معدوم المعنى؟!
نعم اعتقاد ما عليه الجمهور إذا كانت أنظار جمهور العلماء سارت فيها إلى ترجيح، هو واجب المسلم، مع معرفة دليلها، دون أن يخوض في تفاصيل لا يحسن فهمها.
وقل مثل ذلك في مسائل الفقه الخلافية المشهورة، وفي مسائل الفقه الشاذة، فبعض طلاب العلم ممن لم يحسن لغة ما يقرأونه، لا يتورعون أن يصفوا رأي مجتهد تم قبول اجتهاده وعملت به الأمة، بالضعف ومخالفة النص الصريح .. وما إلى ذلك من عباراته ملؤها التهويل والتشهير !!
أما المسائل الشاذة، فترى أحدهم يرجحها لقوة أدلتها؟! ولكنها ضعيفة ولم يدرك هو وجه ضعفها! كيف يدرك وجه الصواب من لم يكن لديه ميزان النظر؟
إذا لم تكن من أهل علم من العلوم، فلا تؤذي نفسك والمؤمنين بالكلام فيه، وما عليك سوى السؤال إن كنت تبغي مزيد علم، وليس لك أن تطلب علما لا تفهمه أو لن تفهمه طالما ليست لديك آلة الفهم.
وليس في كلامي هذا ولا قصدي منه تحقير أحد، ولكن تنبيه الطلاب إلى الاحتياط، ولا بد من ردع من يرفع نفسه فوق مقامه الحقيقي، ويتجرأ على مسائل الدين يخوض فيها بدون وجه حق.
فإن قال قائل: كيف ستزن مرتبة المتكلم في هذه المسائل، ومن تكون حتى تعطي لنفسك الحق في رفع رتبة شخص أو الحط منها؟ فأقول: هناك درجات متفاوتة، فالعليا منها واضحة، لم يقرأ ولم يطلب العلم، وغاية أمره صدق توبة، ورغبة في التدين، ثم حضور مجالس علم عامة، وسماع بعض مقاطع الأشرطة واليوتيوب، فلا متون العلم عرف، فضلا عن أن يكون قد قرأ، لم يسمع لا بألفية ولا بالآجرومية، فهل يا ترى يعرف مغني اللبيب وحقق مسائله؟ لم يسمع بمتن الورقات ولا مختصرات الفقه!! فإذا قرأ أصول الفقه اقتصر على مسائل الورقات التي هي مما يجب على عامة الناس أن يعرفوه في دينهم، لا طالب علم يريد الولوج إلى كتب العلماء ليفهمها ويدرك معانيها؟!
لم يعرف كتب أحاديث الأحكام، لكنه يتجرأ في ذكر الحديث الصحيح والضعيف، فيما يقوله الناس، فيصحح لهم ويضعف!! كم يا ترى من طلاب العلم بيننا اليوم قد قرأ صحيح البخاري ومسلم والسنن الأربعة والموطأ من ألفها إلى يائها؟ ثم بعد ذلك قرأ شرحًا واحدًا فقط من شروحها؟ وباحثَ فيها طلاب العلم والشيوخ حتى يستنكه حقيقة معانيها؟ لقد سأل أحد أساتذة التفسير في مجلس جمعه بأساتذة التفسير والقرآن والتجويد، بعمان الأردن، عمن قرأ منهم أكثر من كتاب تفسير كاملاً؟ فلم يوجد إلا الدكتور فضل عباس رحمه الله، غاية الآخرين إذا كانوا قد فعلوا: ابن كثير والجلالين، وأنعم بهما، لكنهما لا يرفعان صاحبهما إلى مصاف من يدرك معاني القرآن الكريم، ويحقق مدلولاته.
هل يا ترى طالب علم العقائد والكلام، يكفيه النظر في الكتب بنفسه، دون استفصال وجدال، يتمرسه على يدي من بقي من علماء العقائد في زماننا؟ سواء كان على مذهب أهل السنة أو غيرها؟
أما الرتبة العليا فتلك رتبة العلماء الذين عرفوا وشهد لهم شيوخهم ونظراؤهم بالعلم، فلا مجال للكلام عن هؤلاء، اللهم إلا إذا تكلموا فيما لا يحسنون، فيرى أهل الاختصاص مدى خروجهم عن الجادة وعدم اعتبار كلامهم فيما لا يحسنونه.
بقيت من كان قد تقدم في طلب العلم وقضى فيه زمانًا، فهذا من ينبغي عليه الاحتياط، وهو نفسه يعلم قدر نفسه كلما زاد في الطلب.
والذي يمكن أن يكتشفه طالب العلم ليس هو الحكم على من هو أعلى منه، ولكن يرى ما يخالف القواعد المقررة في علم من العلوم، فيمن يدعي لنفسه رتبة. وأكثر من ينطبق عليه هذا الكلام حملة الشهادات الجامعية في زماننا أصحاب الماجستير والدكتوراه، فببعض ورقات في كل مادة يأخذ إجازة في العلوم الإسلامية، فلدينا مئات الآلاف من خريجي كليات الشريعة، إذا تحدثوا في مسائل العلم لحنوا فيها، وأنا خريج من خريجي هذه الجامعات، وأعلم ذلك على وجه اليقين، بل إن طلاب العلم يدركون ذلك بشكل واضح، وجرب ففي التجريب علم الحقائق.
خلاصته: إذا لم تستطع أمرًا فدعه، وجاوزه إلى ما تستطيع. ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه فوقف عنده.
تعليق