التدين الشكلي:قراءه تقويميه اسلاميه 1

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبرى محمد خليل خيرى
    طالب علم
    • Jan 2010
    • 416

    #1

    التدين الشكلي:قراءه تقويميه اسلاميه 1

    التدين الشكلي:قراءه تقويميه اسلاميه 1
    د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
    التمييز بين الدين والتدين: بداية يجب التمييز بين الدين كوضع الهي ثابت ، والتدين ككسب بشرى متغير، والمقصود بالدين أصوله الثابتة، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ،أما التدين فهو معرفه والتزام بشرى بهذه الأصول، بالاضافه إلى الفروع الظنية الورود والدلالة.
    التدين بين الإيجاب والسلب: وإذا كان الدين كوضع الهي يتصف بالوحدة (على مستوى أصوله)، فان التدين ككسب بشرى يتصف بالتعدد ، حيث يمكن التمييز بين نمطين أساسيين للتدين احدهما ايجابي والأخر سلبي،والأخير(اى التدين السلبي) ليس مرجعه الإسلام كدين ، بل هو محصله عوامل نفسيه واجتماعيه وتربويه وسياسيه واقتصاديه وثقافيهمتفاعلة، مرتبطة بالشروط الداخلية "كشيوع التقليد وظهور البدع والاستبداد..." والخارجية "كالاستعمار" لتخلف النمو الحضاري للمجتمعات المسلمة.
    معايير التمييز : هذا التمييز بين التدين الايجابي والتدين السلبي يستند إلى معايير متعددة للتدين منها:
    أولا: معيار العلاقة بين التدين والدين: طبقا لهذا المعيار فان التدين الايجابي هو التدين المحدود تكليفيا بالقيم والقواعد التي جاء بها الوحي، والتي تحدد التدين ككسب انسانى، وتكليفيا بالسنن الإلهية الكلية والنوعية التي تضبط حركه الإنسان، فعلاقة الدين بالتدين الايجابي هي علاقة تحديد وتكامل، اى أن الدين يحدده كما يحدد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه. أما التدين السلبي فهو التدين المطلق ، اى القائم بذاته والمستقل تكليفيا عن القيم والقواعد التي جاء بها الوحي، والتي تحدد التدين ككسب انسانى، وتكوينيا عن السنن الإلهية الكلية والنوعية التي تضبط حركه الإنسان ، فعلاقة الدين بالتدين السلبي- طبقا لهذا المعيار- هي علاقة إلغاء و تناقض، ومثال له التدين البدعى اى الذي يستند الى البدع بما هي الاضافه إلى أصول الدين،دون الاستناد إلى نص يقيني الورود قطعي الدلالة، وهو يضفى قدسيه الدين على أنماط من التفكير والسلوك التى ليست منه، بل في الحقيقة تتناقض مع جوهره .
    ثانيا: معيار العلاقة بين الأبعاد الروحية والمادية: وطبقا لهذا المعيار فان التدين الايجابي يقوم على أساس أن الأبعاد الروحية للوجود الانسانى " والتى تتضمن التطور أو الترقي الروحي للإنسان "، لا تلغى الأبعاد المادية له ، بل تحددها كما يحدد الكل الجزء فتكمله وتغنية. فهذا الترقي الروحي يتحقق عندما تأخذ حركه الإنسان شكل فعل غائي ( ذو ثلاث خطوات :المشكلة، الحل، العمل) محدود (تكوينيا وتكليفيا) بالفعل المطلق (الربوبية) والغاية المطلقة (الإلوهية) ،أي كدح إلى الله بالتعبير القرآني: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه). أما التدين السلبي - طبقا لهذا المعيار- فهو يقوم على تأكيد الأبعاد الروحيه للوجود الانسانى، لكنه يطرف في التأكيد لدرجه إلغاء الأبعاد المادية للإنسان ،فيجعل العلاقة بينهما علاقة تناقض وإلغاء،ومثال له النزعات الروحية المتطرفة التي تفترض أن الوجود الانسانى هو- فى حقيقته - هو وجود روحي محض.
    ثالثا:معيار الوسطية:وطبقا لهذا المعيار يقوم التدين الايجابي على الوسطية والاعتدال والقوامة في التدين، ورفض الوقوف إلي أحد النقيضين: الغلو في الدين او الجفاء عنه ، قال تعالى:وكذلك جعلناكم أمة وسطاً. وقال تعالىوالذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكانوا بين ذلك قواماً.. أما التدين السلبي فيقوم طبقا لهذا المعيار- إما على الغلو في الدين او الجفاء عنه، و كلاهما يلتقيان في المحصلة(عدم الالتزام بضوابط الدين سواء بتجاوزها او التقصير في الالتزام بها )، يقول ابن القيم ( ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين) ( مدارج السالكين: 2/496)، ومثال له التدين المتطرف(الغلو).
    رابعا: معيار العلاقة بين الايمان والعمل: وطبقا لهذا المعيار يقوم التدين الايجابي على أساس ان العلاقة بين الإيمان والعمل، هي علاقة وحدة( وليس خلط كما عند الخوارج)، وتمييز (وليس فصل كما عند المرجئة). يقول ابن القيم الفوائد ص 117 (الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره قول اللسان وعمل الجوارح وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته فلا ينفع ظاهر لا باطن له وان حقن به الدماء وعصم به المال والذرية. ولا يجزىء باطن لا ظاهر له إلا إذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك فتخلف العمل ظاهرا مع عدم المانع دليل علي فساد الباطن وخلوه من الإيمان ونقصه دليل نقصه) .أما التدين السلبي فيقوم طبقا لهذا المعيار- إما على التطرف في التوحيد بين الإيمان والعمل، ومثاله مذهب الخوارج فى العلاقة بين الايمان والعمل،او التطرف في الفصل بين الإيمان والعمل، ومثاله مذهب المرجئة فى العلاقة بين الايمان والعمل، يقول ابن تيميه ( الثالث : ظنهم- اى المرجئة أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون شيء من الأعمال ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبب ولا يجعلونها لازمة له ; والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر ; ولهذا صاروا يقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب مثل أن يقولوا : رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في قلب أبي بكر وعمر وهو لا يسجد لله سجدة ولا يصوم رمضان ) (الفتاوى ، ج 7، ص 204 ).
    خامسا: معيار العلاقة بين الأبعاد السلوكية والوجدانية والمعرفية:وطبقا لهذا المعيار يقوم التدين الايجابي على أساس شمول التدين لأبعاد الإنسان المتعددة (السلوكية والمعرفية والوجدانية)، بينما التدين السلبي يكون مقصورا - طبقا لهذا المعيار- على احد هذه الأبعاد و قاصر عن باقي الأبعاد ، فيستغني به عنها ومثال له:أولا: التدين النظرى المحض المقصور على المعرفة " النظرية "بمفاهيم وقيم وقواعد الدين،دون ان تتحول هذه المعرفه النظرية الى سلوك فعلى "عملى"، ثانيا:التدين الوجداني"العاطفي" المحض: وهو التدين المقصور على العاطفة الدينية، القاصر عن معرفة مفاهيم قيم وقواعد الدين، والسلوك الملتزم بهما، ثالثا: التدين السلوكي المحض: وهو التدين المقصور على السلوك، القاصر عن العاطفة الدينية و معرفة مفاهيم و قيم وقواعد الدين.
    سابعا: معيار الاتساق مع الصحة النفسية والعقلية : وطبقا لهذا المعيار يتسق التدين الايجابي مع الصحة النفسية والعقلية ويدعمها ، أما التدين السلبى- طبقا لهذا المعيار- فيعبر عن اضطراب نفسى او عقلى ومثال له: اولا: التدين كرد فعل كرد فعل على أسلوب حياه سابق مناقض للدين، ومن ثم التحول المفاجئ من النقيض"عدم التدين" إلى النقيض"التدين الشديد"، نتيجة لحدث أو موقف معين ، ونتيجة لذلك فانه يتسم بالغلو والتشدد الذى يلزم منه تجاوز ضوابط الدين ذاته ... .ثانيا:التدين كدفاع ضد انفعالات سالبه تسيطر علي الشخص مثل الخوف أو القلق أو الشعور بالذنب أو تأنيب الضمير أو القهر والإحباط ومحاوله للتخلص منها. ثالثا: التدين كآلية لتخفيف حده التدهور الذهنى، وفى حاله فوات الوقت على معالجه هذا التدهور، قد تظهر أعراض المرض العقلي المعين، مصطبغة ببعض المفاهيم شبه الدينية ،التى تتعارض مع صحيح الدين، فعلى سبيل المثال يعتقد المريض أنه نبي، وكما هو معلوم فان هذا الاعتقاد يتعارض مع مفهوم ختم النبوه.
    معيار العلاقة بين الأبعاد الذاتية والموضوعية : وطبقا لهذا المعيار فان التدين الايجابي يقوم على أساس ان العلاقة بين الأبعاد الذاتية (الداخلية) للوجود الانسانى" والتي تتضمن النيات والمقاصد" والأبعاد الموضوعية(الخارجيه) له "التى تتضمن المظهر والفعل والسلوك الخارجيين.." هي علاقة تأثير متبادل ، اتساقا مع جدل المعرفة من الموضوعي (المشكلة التي يطرحها الواقع) إلى الذاتي (الحل الذهني) إلى موضوعي مره أخرى من اجل تغييره (تنفيذ الحل في الواقع بالعمل) . أما التدين السلبي فيقوم إما على التطرف في التأكيد على الأبعاد الذاتية للوجود الانسانى،لدرجه إلغاء أبعاده الموضوعية ، ومثال له التفسير الخاطئ للحديث (إنما الأعمال بالنيات)باعتباره يفيد ان النية وحدها تكفى كمعيار للتقييم دون العمل،يقول ابن تيميه(لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بعقد ومَثَلُ ذلك مَثَلُ العمل الظاهر والباطن أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وعمل الجوارح ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات أي لا عمل إلا بعقد وقصد، لأن { إنما } تحقيق للشيء ونفي لما سواه ، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات وعمل القلوب من النيات ، فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان لا يصح الكلام إلا يهما لأن الشفتين تجمع الحروف واللسان يظهر الكلام وفى سقوط أحدهما بطلان الكلام وكذلك فى سقوط العمل ذهاب الإيمان) (مجموع الفتاوى 7 / 334). او يقوم على التطرف في التأكيد على الأبعاد الموضوعية للوجود الانسانى،لدرجه إلغاء أبعاده الذاتية ومثال له التدين الشكلي.
    تعريف التدين الشكلي: استنادا الى ما سبق فان التدين الشكلي هو شكل من أشكال التدين السلبي، الذي ليس مرجعه الإسلام كدين ، بل هو محصله عوامل نفسيه واجتماعيه وتربويه وسياسيه واقتصاديه وثقافيهمتفاعلة ، لانه يعبر عن اختلال فى العلاقة بين الأبعاد الموضوعية والذاتية للإنسان، مضمونه التطرف في التأكيد على الأبعاد الموضوعية(الخارجية) للإنسان " التى تتضمن المظهر والفعل والسلوك الخارجيين.." لدرجه إلغاء- او التقليل من قيمه - الأبعاد الذاتية (الداخلية) له" والتي تتضمن النيات والمقاصد" .
    التدين الشكلى يتعارض مع صحيح الدين : وهذا التدين الشكلي بأشكاله المختلفة يتعارض مع صحيح الدين ، وفيما يلى نوضح اوجه هذا التعارض استنادا الى النصوص:
    ا/ التلازم بين الظاهر والباطن : فقد اشارت الكثير من النصوص الى تلازم الظاهر"الذى يعبر عن الابعاد الموضوعية للإنسان"، والباطن "الذى يعبر عن الابعاد الذاتية للانسان :
    قال الله ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً) ، وقال الرسول (صلى الله عليه ونسلم )( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه ، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه ) ، يقول الامام ابن تيمية في معرض كلامه عن كفر تارك الصلاة وقتله كفراً وردة ( فهذا الموضع ينبغي تدبره ، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يُقتل أو يُقتل مع إسلامه ، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية ، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل ، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان وأن الأعمال ليست من الإيمان ، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب ، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءاً من الإيمان )ارتباط
    ب/ الايمان قول و عمل: وكذلك اتفق علماء أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل ، أو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان ، وهو تأكيد لربط مذهب أهل السنة بين الابعاد الذاتيه " الايمان" والموضوعية للإنسان " الأقوال والاعمال" ، قال الحسن البصري ( ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل )، وقال ابن تيمية ( فإذا كان القلب صالحا بما فيه من الإيمان علما وعملا قلبيا لزم ضرورةً صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق ، كما قال أئمة أهل الحديث : قول وعمل ، قول باطن وظاهر ، وعمل باطن وظاهر ، والظاهر تابع للباطن لازم له ، متى صلح الباطن صلح الظاهر ، وإذا فسد فسد ، ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلى العابث : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ). (مجموع الفتاوى :7/187)
    ج/ النية شرط قبول العمل: كما ربطت النصوص بين النية (التي هي احد الابعاد الذاتيه للوجود الانسانى) والعمل(الذى هو احد الابعاد الموضوعبه للإنسان)، وجعلت الاولى شرط للثانية : قال تعالى (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا)،وقال تعالى(ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم...)،وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) (متفق عليه)،قال الامام الشافعي عن هذا الحديث (هذا الحديث ثلث العلم، ودخل في سبعين باباً من الفقه)، وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً فله ما نوى) ، وروي عن عمر ( رضي الله عنه ) أنه قال: (لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسبة له)، و روي عن ابن مسعود ( رضي الله عنه) أنه قال (لا ينفع قولٌ إلا بعمل، ولا ينفع قولٌ ولا عملٌ إلا بنية، ولا ينفع قولٌ ولا عملٌ ولا نيةٌ إلا بما وافق السنة) .
    د/ الشكل والمضمون فى العبادات: وللعبادات شكل( هو هيئتها وكيفيتها الشرعيه التى تقررها النصوص)، كما ان لها مضمون (هو الحكمة منها، التي تتضمن تهذيب الفرد ليكون صالحا فى علاقته مع الآخرين فى المجتمع) ، قال تعالى (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)(العنكبوت: 45) ، لذا قررت كثير من النصوص ان اى فصل بين شكل العبادات ومضمونها يفقدها قيمتها ، قال (صلى الله عليه وسلم)(مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِى أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (صحيح البخاري), وقال (صلى الله عليه وسلم) (لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) (صحيح مسلم)،وقال (صلى الله عليه وسلم)(الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ) (صحيح مسلم) .
    ه/ نهى المنظور القيمى الاسلامى عن النفاق: كما نهى المنظور القيمى الاسلامى عن النفاق ، الذي يعتبر شكل من أشكال التدين الشكلى ، لان معناه ان يظهر الانسان خلاف ما يبطن ، وما يظهره الانسان يمثل بعده الموضوعى ، اما ما يبطنه الانسان فيمثل بعده الذاتى : قال تعالى(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا ) [النساء:145]، وقال الله تعالى(وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) [التوبة:68]،و قال الرسول (صلى الله عليه وسلم )(إن أخوف ما أخاف على أمتي كلّ منافق عليم اللسان) ( أخرجه أحمد (1/22).. قال الهيثمي في المجمع (1/187): "رجاله موثقون"، وصححه الضياء المقدسي في المختارة (1/343)، والألباني في صحيح الجامع (237))، قال المناوي فى معنى الحديث ( "قوله: "عليم اللسان" أي: كثير علم اللسان، جاهل القلب والعمل، اتخذ العلم حرفة يتأكّل بها، ذا هيبة وأُبّهة، يتعزّز ويتعاظم بها، يدعو الناس إلى الله، ويفرّ هو منه، ويستقبح عيبَ غيره، ويفعل ما هو أقبح منه، ويظهر للناس التنسّكَ والتعبّد، ويسارر ربّه بالعظائم، إذا خلا به ذئب من الذئاب لكن عليه ثياب، فهذا هو الذي حذّر منه الشارع صلى الله عليه وسلم هنا حذرا من أن يخطفك بحلاوة لسانه، ويحرقك بنار عصيانه، ويقتلك بنتن باطنه وجنانه)( فيض القدير (2/419).
    نقد التدين الشكلي عند بعض العلماء المعاصرين: وقد نقد بعض العلماء المعاصرين التدين الشكلي، والذي عبرو عنه بذات المصطلح او بمصطلحات اخرى ك" التدين المغشوش" ، و منهم الشيخ محمد الغزالي(رحمه الله) ، الذي قال في مقال له بنفس الاسم نشر عام 1982 ( للتدين المنحرف أسباب نفسية وأخرى عملية ، تظهر في أقوال المرء وأفعاله ،وتلخص فيما يصدره من أحكام على الأشخاص والأشياء ،وتتفاوت هذه الأسباب قوة وضعفا وقلة وكثرة ، ولكنها على أي حال ذات أثر عميق في تحديد المواقف والاتجاهات ، والمفروض في العبادات التي شرعها الله للناس أن تزكي السرائر وتقيها العلل الباطنة والظاهرة ،وتعصم السلوك الإنساني من العوج والإسفاف والجور والاعتساف ، وكان هذا يتم لو أن العابدين تجاوزوا صور الطاعات إلى حقائقها ! وسجدت ضمائرهم وبصائرهم لله عندما تسجد جوارحهم ، وتتحرك أنفس ما في كيانهم وهو القلب واللب عندما تتحرك ألسنتهم .إذا ما وقفت العبادات عند القشور الظاهرة والسطوح المزورة فإنها لا ترفع خسيسة ولا تشفي سقاما) .. . ومنهم المفكر الاسلامى الدكتور أحمد الريسوني الذي أشار إلى ثلاثة انماط للتدين السلبي، النمط الاول عبر عنه بمصطلح التدين المغشوش،وعرفه بأنه(الاعتناء بالظاهر مع إهمال الباطن ، بمعنى أن المتدين يعتني في تدينه بتحسين الأعمال والصفات الظاهرة والمرئية والملموسة، ويحرص على الالتزام بأحكام الشرع وآدابه فيها، بينما لا يبالي بعكسها مما لا يراه الناس ولا يظهر للعيان)، والنمط الثاني هو ما اسماه التدين المعكوس، و يعرفه بأنه ( ذلك التدين الذي يَقْلب أصحابُه مراتبَ الشرع وقيمه ومقاصده وأولوياته، فيتشددون ويبالغون فيما خففه الشرع، أو لم يطلبه أصلا، ويهملون ويضيعون ما قدمه وعظمه. فتجد من الحرص والتزاحم على صلاة التراويح، وعلى تقبيل الحجر الأسود، ما لا تجده في فرائض الدين وأركانه.وتجد الإنفاق والإغداق في الولائم والضيافات والعمرة، مع تضييع فرائض الزكاة وحقوق الشركاء والأقارب والفقراء والمستخدمين . والنمط الثالث هو التدين الذى يقوم على الإلزام الموضوعي لا الالتزام الذاتي، واسماه التدين المحروس، ويعرفه بأنه (التدين الذي لا يلتزم به أصحابه بواجباتهم، إلا بالمراقبة والمطالبة والملاحقة، ولو تُركوا لتَركوا. فهم ممن يصدق فيهم قول الله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) (آل عمران :75). ونرى ان تعريف الريسونى لما اسماه التدين المغشوش يتطابق مع مضمون التدين الشكلى ، وفى ذات الوقت فان ما اسماهما التدين المعكوس والتدين المحروس هما أشكال اخرى لذات التدين الشكلي- لانها تتضمن بعض خصائصه. كما نقد الدكتور محمد مختار جمعة التدين الشكلي بأشكاله المختلفة "كالتدين المظهري والتدين المتطرف والاستغلال السياسي للدين الذى عبر عنه بمصطلح التدين السياسي حيث يقول( لا شك أن ظاهرة التدين الشكلي وظاهرة التدين السياسى تعدان من أخطر التحديات التى تواجه المجتمعات العربية والإسلامية, سواء من هؤلاء الذين يركزون على الشكل والمظهر ولو كان على حساب اللباب والجوهر, وإعطاء المظهر الشكلي الأولوية المطلقة , حتى لو لم يكن صاحب هذا المظهر على المستوى الإنساني والأخلاقي الذي يجعل منه القدوة والمثل ...وكذلك من يحصر التدين فى باب العبادات والاجتهاد فيها مع سوء الفهم للدين والإسراف فى التكفير وحمل السلاح والخروج على الناس به كما حدث من الخوارج الذين كانوا من أكثر الناس صلاة وصيامًا وقيامًا غير أنهم لم يأخذوا أنفسهم بالعلم الشرعى الكافي الذى يحجزهم عن الولوغ فى الدماء فخرجوا على الناس بسيوفهم, ولو طلبوا العلم أولاً كما قال الإمام الشافعى (رحمه الله) لحجزهم عن ذلك، فالإسلام دين رحمة قبل كل شيء وكل ما يبعدك عن الرحمة يبعدك عن الإسلام، والعبرة بالسلوك السوى لا بمجرد القول، وقد قالوا: حال رجل فى ألف خير من كلام ألف لرجل... وأخطر من هذا التدين الشكلي التدين السياسي ونعنى به هذا الصنف الذى يتخذ الدين وسيلة ومطية للوصول إلى السلطة من خلال استغلال العواطف الدينية وحب الناس بخاصة العامة لدينهم, وإيهامهم بأن هدفه من الوصول إلى السلطة إنما فقط هو خدمة دين الله - عز وجل - والعمل على نصرته والتمكين له,) (مقال التدين الشكلى والسياسي ).
يعمل...