الفكر السياسي الاسلامى السني: أصوله النظرية وقواعده التطبيقية
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
ملخص الدراسة: تتناول هذه الدراسة الفكر السياسي الاسلامى السني على مستوى أصوله النظرية وقواعده التطبيقية ، حيث تتناول الدراسة - في المستوى الأول - المبادئ السياسية الكلية (النصية)، التي تشترك في تقريرها المذاهب السنية المتعددة ، ويتصل بذلك بيان الدراسة لأوجه تعارض هذه الأصول السياسية مع الأصول السياسية للمذاهب المخالفة للمذهب السني ( كالشيعة والخوارج والمرجئة) . ثم تحاول الدراسة - في المستوى الثاني - تصحيح الفهم الخاطئ لبعض القواعد السياسية الجزئية (الاجتهادية)، التي قررها علماء مذاهب أهل السنة المتعددة "كقواعد عدم جواز الخروج على السلطان الجائر و أماره الغلبة والصلاة خلف البر والفاجر.. " ، من خلال تقديم الفهم الصحيح لها ، استنادا إلى الأصول السياسية للفكر السياسي السني.
أولا: استخدام مصطلح أهل السنة طبقا لمذهب الشمول الشرعي : تتناول الدراسة الأصول النظرية والقواعد التطبيقية ، التي يشترك في تقريرها المذاهب السنية المتعددة ، وليس مذهب سني معين . فالدراسة تستخدم مصطلح " أهل السنة " طبقا لمذهب الشمول الشرعي ، وليس مذهب التضييق المذهبي ، فالأخير هو مذهب يقصر دلاله مصطلح أهل السنة على مذهب معين، وبالتالي يرى انه لا يجوز أن نصف به غيره من المذاهب، ويترتب على هذا انه يخرج من دائرة أهل السنة اغلب المسلمين، لأنهم ينتمون إلى مذاهب سنيه متعددة ، ووجه الخطأ في هذا المذهب هو انه يفترض أن لمصطلح أهل السنة دلاله واحده ، آما الأول فيقوم على أساس أن لمصطلح أهل السنة دلالات متعددة خاصة وعامه، واستنادا إلى هذا فانه يرى أن وصف وصف مذهب معين بهذا المصطلح أهل السنة على وجه الخصوص، لا يعنى أن هذا المصطلح مقصور عليه، لذا يجوز أن نصف به غيره من المذاهب على وجه العموم، مادامت هذه المذاهب مقيده بضوابط المصطلح الشرعية. وطبقا لمذهب الشمول الشرعي ، فان لمصطلح أهل السنة دلالة عامة مضمونها كل مسلم متمسك بالكتاب والسنة ، يقول الإمام ابن تيميه (فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى :3/346) ، وتندرج تحت هذه الدلالة العامة المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفيوالمذاهب ألاعتقاديه الكلامية: الحنبلي و الظاهري و الماتريدي والطحاوي والاشعرى والتصوف السني الذي يشكل المذهب الأخير الاشعرى أساسه العقدي . يقول الإمام ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة :2/ 221)، أما الدلالة الخاصة لمصطلح أهل السنة ،فتتمثل في وصف مذهب معين من هذه المذاهب بمصطلح أهل السنة ، وطبقا لهذا التعريف فان العلماء المتقدمين لم يخرجوا من دائرة أهل السنة إلا المذاهب القائمة على بدعه : كالخوارج والشيعة والمرجئة والتصوف القائم على العقائد الاجنبيه، كالحلول والاتحاد ووحده الوجود. وهنا يجب الاشاره إلى انه إذا كان بعض متاخرى الحنابلة ومعاصريهم ، قد قالوا بمذهب التضييق المذهب ، فقصروا مصطلح أهل السنة على المذهب الحنبلي، فان العديد من ائمه المذهب الحنبلي قد قالوا بمذهب الشمول الشرعي ، فلم يرتبوا على وصفهم للمذهب الحنبلي بمصطلح أهل السنة ، نفى كون غيره من المذاهب هي من مذاهب أهل السنة ، مادمت مقيده بالضوابط الشرعية ، ومن هؤلاء العلماء العلامة السفاريني الحنبلي الذي يقول ( أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، والأشعرية ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، والماتريدية، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) (لوامع الأنوار البهية 1 / 73) ، وكذلك العلامة المواهبي الحنبلي الذي يقول (طوائف أهل السنة ثلاثة: أشاعرة، وحنابلة، وماتريدية، بدليل عطف العلماء الحنابلة على الأشاعرة في كثير من الكتب الكلامية وجميع كتب الحنابلة) (العين والأثر ص/53).
ثانيا: أصول الفكر السياسي السني :هي المبادئ السياسية الكلية (النصية)، التي تشترك في تقريرها المذاهب السنية المتعددة وتتضمن:
أولا: الامامه (بمعنى السلطة) من فروع الدين "الاجتهادية"وليست من أصوله"النصية": من أصول الفكر السياسي السني أن الامامه بمعنى السلطة هي فرع من فروع الدين"الاجتهادية" وليست أصل من أصوله" النصية " ، يقول الإمام الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها ، بل لَعَمري إنّ المعرض عنها لأَرجى من الواغل فيها ؛ فإنّها قَلّما تنفك عن التعصّب والأهواء ، وإثارة الفتن والشحناء ، والرجم بالغيب في حق الأئمة والسَّلَف بالإزراء ، وهذا مع كون الخائض فيها سالكاً سبيل التحقيق ، فكيف إذا كان خارجاً عن سواء الطريق ، لكن لمَّا جرت العادة بذكرها في أواخر كتب المتكلمين ، والإبانة عن تحقيقها في عامة مصنفات الأُصوليين ، لم نَرَ من الصواب خَرْق العادة بِتَرْك ذكرِها في هذا الكتاب ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363) ، ويقول الإمام الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) . ويقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ، ثمّ إنّها مثار للتعصبات ، والمُعْرِض عن الخوض فيها ، أسلم من الخائض فيها ، وإن أصاب ، فكيف إذا أخطأ؟ ، ولكن إذ جرى الرسم باختتام المعتقدات بها ، أردنا أن نسلك المنهج المعتاد ؛ فإنّ فطام القلوب عن المنهج ، المخالف للمألوف ، شديد النِّفار ) (الاقتصاد في الاعتقاد : ص 234) ، ويقول الإمام التفتازاني ( لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أَليق ، لرجوعها إلى أنّ القيام بالإمامة ، ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة ، من فروض الكفايات ، وهي أُمور كليّة تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية ، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها ، فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كلّ أحد ، ولا خفاء في أنّ ذلك من الأحكام العملية دون الإعتقادية ) (شرح المقاصد : ج 2 ، ص 271). وهذا الأصل يخالف احد الأصول السياسية للمذهب الشيعي، والذي يعتبر أن الامامه من أصول الدين وليست من فروعه ،وقد أشارت إلى هذا الأصل الكثير من مصادر المذهب الشيعى، فعلى سبيل المثال لا الحصر ينقل الشيعة عن أبي جعفر انه قال( بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان )( الكافي : 2/16، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام).
الوجوب المتصل بنصب أمام في كل زمان وليس في زمان معين" التمييز بين الدولة والسلطة وتقرير الضرورة الاجتماعية للدولة : أما الأقوال الواردة عن علماء أهل السنة عن وجوب نصب إمام فتتعلق بالدولة وليست بالسلطة ، فمفهوم الدولة اشمل من مفهوم السلطة ، ذلك أن أركان الدولة هي الشعب والأرض والسلطة، فهذه الأقوال تتعلق بالدولة كضرورة اجتماعيه، وهذا المبدأ اتفقت عليه جميع الفرق الاسلاميه ماعدا الخوارج النجدات ، بل اتفقت عليه جميع المذاهب السياسية في الفكر السياسي الحديث والمعاصر ماعدا المذهب الفوضوي ( مذهب اللا دوله)، ويمكن التحقق من صحة ذلك ، من خلال استقراء هذه الأقوال ، ودراسة السياق الذي ورد فيه القول بوجوب نصب الإمام ، فعلى سبيل المثال يقول الإيجي ( نَصْبُ الإمام عندنا واجبٌ علينا سمعاًوقال : انه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ? على امتناع خلو الوقت عن إمام، حتى قال أبو بكر رضى الهل عنه في خطبته ألا إن محمداً قد مات، ولا بدَّ لهذا الدين ممن يقوم به ، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله ، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر)(المواقف ، ص 395 ). فهذا النص يتحدث عن نصب الأمام في كل زمان ، وليس نصب الإمام في زمان معين، كما تفيد العبارات( تواتر إجماع المسلمين على امتناع خلو الوقت عن إمام) ، و (لم يزل الناس على ذلك مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر).
نصب الإمام فرض كفاية لا فرض عين : اتساقا مع ما سبق ، من تقرير علماء أهل السنة أن الامامه بمعنى السلطة هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، وأن قولهم بوجوب نصب إمام يتصل بالدولة وضرورتها الاجتماعية، ولا يتعلق بالسلطة، فقد قرر علماء أهل السنة أن الوجوب هنا هو وجوب كفائي لا عيني، اى أن نصب الإمام فرض كفاية لا فرض عين ، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط ففرضها على الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان: أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا إمامًا للأمة، والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهما للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم، وإذا تميز هذان الفريقان من الأمة في فرض الإمامة وجب أن يعتبر كل فريق منهما بالشروط المعتبرة فيه) ( الأحكام السلطانية: ص 5) ، ويقول القاضي أبو يعلى: (وهي فرض على الكفاية ، مخاطبا بها طائفتان من الناس، إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا، والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة) (الأحكام السلطانية: ص)19)، ويقول الإمام النووي: (تولي الإمامة فرض كفاية ، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه ، ولزمه طلبها إن لم يبتدؤه، هذا إذا كان الدافع له الحرص على مصلحة المسلمين ، وإلا فإن من شروط الإمام ألا يطلبها لنفسه كما سيأتي في الشروط) (روضة الطالبين :10/43)
ثانيا: السياسة الشرعية ما يحقق مصلحه المسلمين ولو لم يرد بنص ( اتساق وليس تطابق- مع النص) : ومن أصول الفكر السياسي السني أن السياسة الشرعية هي كل ما يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ،فهى اتساق وليست تطابق مع النص- يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.)، ويعرف ابن نجيم الحنفي في تعريف السياسة الشرعية بأنها
فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي )(الأحكام السلطانية والسلوك في سياسة الملوك للإمام الماوردي)،ويقول ابن القيم(إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ فَإِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْعَدْلِ وَأَسْفَرَ وَجْهُهُ بِأَيْ طَرِيقٍ كَانَ، فَثَمَّ شَرْعُ اللهِ وَدِينُهُ، وَاَللهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَأَعْدَلُ أَنْ يَخُصَّ طُرُقَ الْعَدْلِ وَأَمَارَاتِهِ وَأَعْلَامَهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ يَنْفِي مَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْهَا وَأَقْوَى دَلَالَةً، وَأَبْيَنُ أَمَارَةً. فَلَا يَجْعَلُهُ مِنْهَا، وَلَا يَحْكُمُ عِنْدَ وُجُودِهَا وَقِيَامِهَا بِمُوجِبِهَا، بَلْ قَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الطُّرُقِ، أَنَّ مَقْصُودَهُ إقَامَةُ الْعَدْلِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَقِيَامُ النَّاسِ بِالْقِسْطِ، فَأَيُّ طَرِيقٍ اُسْتُخْرِجَ بِهَا الْعَدْلُ وَالْقِسْطُ فَهِيَ مِنْ الدِّينِ، وَلَيْسَتْ مُخَالِفَةً لَهُ.فَلَا يُقَالُ: إنَّ السِّيَاسَةَ الْعَادِلَةَ مُخَالِفَةٌ لِمَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ، بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ لِمَا جَاءَ بِهِ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَنَحْنُ نُسَمِّيهَا سِيَاسَةً تَبَعًا لِمُصْطَلَحِهِمْ، وَإِنَّمَا هِيَ عَدْلُ اللهِ وَرَسُولِهِ، ظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ) (الأحكام السلطانية،أبي يعلى الفراء).
ثالثا: عدم تكفير المخالف في المذهب : ومن هذه الأصول اباحه الخلاف في فروع الدين دون أصوله، وبالتالي عدم جواز تكفير المخالف في المذهب، يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية 1/186)، ويترتب على هذا الأصل أن الفكر السياسي الاسلامى السني يبيح الخلاف السياسي ، باعتبار أن السياسة (الامامه) من فروع الدين وليست من أصوله، وهذا الأصل يخالف احد الأصول السياسية لمذهب الخوارج ، وهو تكفير المخالف في الاجتهاد والمذهب ، وهو ما يتعارض مع ورود الكثير من النصوص ، التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين، كقوله تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا).
رابعا: التمييز بين أنواع عدم الالتزام بالشرع: ومن أصول الفكر السياسي السني والذي يتصل بالأصل السابق- وجوب التمييز بين نوعين من أنواع عدم الالتزام بالشرع :الأول هو عدم الالتزام بالشرع مع الإقرار به، وحكمه انه ظلم او فسق، والثاني: عدم الالتزام بالشرع مع إنكاره ،وحكمه انه كفر بدليل قوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) [5 /المائدة /45]، وقوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) [5 المائدة /47]، وَقوله تعالى (مَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )، وقد روى علي بن أبي طلحة ،عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قال ( من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّبه، لم يحكم به فهو ظالم فاسق) (أخرجه الطبري في جامع البيان بإسناد حسن/ سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني /ذكره أبو عبد الله بن بطة في الإبانة الحكم بغير ما أنزل الله)، ولذا ينسب لابن عباس في رده على الخوارج إنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة: كفر دون كفر ، ويقول الشيخ الألباني (وقد جاء عن السلف ما يدعمها، وهو قولهم في تفسير الآية: «كفر دون كفر»، صحّ ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ثم تلقاه عنه بعض التابعين وغيرهم )، بناءا الأصل فان الفكر السياسي الاسلامى السني يقوم على عدم تكفير من لم يلتزم بالشرع (سواء كان فرد أو جماعه أو حاكم أو نظام سياسي..)، إلا بعد التحقق من إنكاره للشرع . وهذا الأصل يتناقض مع احد الأصول السياسية لمذهب الخوارج ، وهو تكفير الحكام الذين لم يلتزموا بالشرع والخروج عليهم دون تمييز بين من اقر به ومن أنكره ، استنادا إلى تفسير خاطئ لقوله تعالى( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )(المائدة:44).
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
ملخص الدراسة: تتناول هذه الدراسة الفكر السياسي الاسلامى السني على مستوى أصوله النظرية وقواعده التطبيقية ، حيث تتناول الدراسة - في المستوى الأول - المبادئ السياسية الكلية (النصية)، التي تشترك في تقريرها المذاهب السنية المتعددة ، ويتصل بذلك بيان الدراسة لأوجه تعارض هذه الأصول السياسية مع الأصول السياسية للمذاهب المخالفة للمذهب السني ( كالشيعة والخوارج والمرجئة) . ثم تحاول الدراسة - في المستوى الثاني - تصحيح الفهم الخاطئ لبعض القواعد السياسية الجزئية (الاجتهادية)، التي قررها علماء مذاهب أهل السنة المتعددة "كقواعد عدم جواز الخروج على السلطان الجائر و أماره الغلبة والصلاة خلف البر والفاجر.. " ، من خلال تقديم الفهم الصحيح لها ، استنادا إلى الأصول السياسية للفكر السياسي السني.
أولا: استخدام مصطلح أهل السنة طبقا لمذهب الشمول الشرعي : تتناول الدراسة الأصول النظرية والقواعد التطبيقية ، التي يشترك في تقريرها المذاهب السنية المتعددة ، وليس مذهب سني معين . فالدراسة تستخدم مصطلح " أهل السنة " طبقا لمذهب الشمول الشرعي ، وليس مذهب التضييق المذهبي ، فالأخير هو مذهب يقصر دلاله مصطلح أهل السنة على مذهب معين، وبالتالي يرى انه لا يجوز أن نصف به غيره من المذاهب، ويترتب على هذا انه يخرج من دائرة أهل السنة اغلب المسلمين، لأنهم ينتمون إلى مذاهب سنيه متعددة ، ووجه الخطأ في هذا المذهب هو انه يفترض أن لمصطلح أهل السنة دلاله واحده ، آما الأول فيقوم على أساس أن لمصطلح أهل السنة دلالات متعددة خاصة وعامه، واستنادا إلى هذا فانه يرى أن وصف وصف مذهب معين بهذا المصطلح أهل السنة على وجه الخصوص، لا يعنى أن هذا المصطلح مقصور عليه، لذا يجوز أن نصف به غيره من المذاهب على وجه العموم، مادامت هذه المذاهب مقيده بضوابط المصطلح الشرعية. وطبقا لمذهب الشمول الشرعي ، فان لمصطلح أهل السنة دلالة عامة مضمونها كل مسلم متمسك بالكتاب والسنة ، يقول الإمام ابن تيميه (فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى :3/346) ، وتندرج تحت هذه الدلالة العامة المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفيوالمذاهب ألاعتقاديه الكلامية: الحنبلي و الظاهري و الماتريدي والطحاوي والاشعرى والتصوف السني الذي يشكل المذهب الأخير الاشعرى أساسه العقدي . يقول الإمام ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة :2/ 221)، أما الدلالة الخاصة لمصطلح أهل السنة ،فتتمثل في وصف مذهب معين من هذه المذاهب بمصطلح أهل السنة ، وطبقا لهذا التعريف فان العلماء المتقدمين لم يخرجوا من دائرة أهل السنة إلا المذاهب القائمة على بدعه : كالخوارج والشيعة والمرجئة والتصوف القائم على العقائد الاجنبيه، كالحلول والاتحاد ووحده الوجود. وهنا يجب الاشاره إلى انه إذا كان بعض متاخرى الحنابلة ومعاصريهم ، قد قالوا بمذهب التضييق المذهب ، فقصروا مصطلح أهل السنة على المذهب الحنبلي، فان العديد من ائمه المذهب الحنبلي قد قالوا بمذهب الشمول الشرعي ، فلم يرتبوا على وصفهم للمذهب الحنبلي بمصطلح أهل السنة ، نفى كون غيره من المذاهب هي من مذاهب أهل السنة ، مادمت مقيده بالضوابط الشرعية ، ومن هؤلاء العلماء العلامة السفاريني الحنبلي الذي يقول ( أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، والأشعرية ، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، والماتريدية، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) (لوامع الأنوار البهية 1 / 73) ، وكذلك العلامة المواهبي الحنبلي الذي يقول (طوائف أهل السنة ثلاثة: أشاعرة، وحنابلة، وماتريدية، بدليل عطف العلماء الحنابلة على الأشاعرة في كثير من الكتب الكلامية وجميع كتب الحنابلة) (العين والأثر ص/53).
ثانيا: أصول الفكر السياسي السني :هي المبادئ السياسية الكلية (النصية)، التي تشترك في تقريرها المذاهب السنية المتعددة وتتضمن:
أولا: الامامه (بمعنى السلطة) من فروع الدين "الاجتهادية"وليست من أصوله"النصية": من أصول الفكر السياسي السني أن الامامه بمعنى السلطة هي فرع من فروع الدين"الاجتهادية" وليست أصل من أصوله" النصية " ، يقول الإمام الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها ، بل لَعَمري إنّ المعرض عنها لأَرجى من الواغل فيها ؛ فإنّها قَلّما تنفك عن التعصّب والأهواء ، وإثارة الفتن والشحناء ، والرجم بالغيب في حق الأئمة والسَّلَف بالإزراء ، وهذا مع كون الخائض فيها سالكاً سبيل التحقيق ، فكيف إذا كان خارجاً عن سواء الطريق ، لكن لمَّا جرت العادة بذكرها في أواخر كتب المتكلمين ، والإبانة عن تحقيقها في عامة مصنفات الأُصوليين ، لم نَرَ من الصواب خَرْق العادة بِتَرْك ذكرِها في هذا الكتاب ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363) ، ويقول الإمام الإيجي ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) . ويقول الإمام الغزالي ( اعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ، ثمّ إنّها مثار للتعصبات ، والمُعْرِض عن الخوض فيها ، أسلم من الخائض فيها ، وإن أصاب ، فكيف إذا أخطأ؟ ، ولكن إذ جرى الرسم باختتام المعتقدات بها ، أردنا أن نسلك المنهج المعتاد ؛ فإنّ فطام القلوب عن المنهج ، المخالف للمألوف ، شديد النِّفار ) (الاقتصاد في الاعتقاد : ص 234) ، ويقول الإمام التفتازاني ( لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أَليق ، لرجوعها إلى أنّ القيام بالإمامة ، ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة ، من فروض الكفايات ، وهي أُمور كليّة تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية ، لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها ، فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كلّ أحد ، ولا خفاء في أنّ ذلك من الأحكام العملية دون الإعتقادية ) (شرح المقاصد : ج 2 ، ص 271). وهذا الأصل يخالف احد الأصول السياسية للمذهب الشيعي، والذي يعتبر أن الامامه من أصول الدين وليست من فروعه ،وقد أشارت إلى هذا الأصل الكثير من مصادر المذهب الشيعى، فعلى سبيل المثال لا الحصر ينقل الشيعة عن أبي جعفر انه قال( بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله جل وعز حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان )( الكافي : 2/16، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام).
الوجوب المتصل بنصب أمام في كل زمان وليس في زمان معين" التمييز بين الدولة والسلطة وتقرير الضرورة الاجتماعية للدولة : أما الأقوال الواردة عن علماء أهل السنة عن وجوب نصب إمام فتتعلق بالدولة وليست بالسلطة ، فمفهوم الدولة اشمل من مفهوم السلطة ، ذلك أن أركان الدولة هي الشعب والأرض والسلطة، فهذه الأقوال تتعلق بالدولة كضرورة اجتماعيه، وهذا المبدأ اتفقت عليه جميع الفرق الاسلاميه ماعدا الخوارج النجدات ، بل اتفقت عليه جميع المذاهب السياسية في الفكر السياسي الحديث والمعاصر ماعدا المذهب الفوضوي ( مذهب اللا دوله)، ويمكن التحقق من صحة ذلك ، من خلال استقراء هذه الأقوال ، ودراسة السياق الذي ورد فيه القول بوجوب نصب الإمام ، فعلى سبيل المثال يقول الإيجي ( نَصْبُ الإمام عندنا واجبٌ علينا سمعاًوقال : انه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي ? على امتناع خلو الوقت عن إمام، حتى قال أبو بكر رضى الهل عنه في خطبته ألا إن محمداً قد مات، ولا بدَّ لهذا الدين ممن يقوم به ، فبادر الكل إلى قبوله، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله ، ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر)(المواقف ، ص 395 ). فهذا النص يتحدث عن نصب الأمام في كل زمان ، وليس نصب الإمام في زمان معين، كما تفيد العبارات( تواتر إجماع المسلمين على امتناع خلو الوقت عن إمام) ، و (لم يزل الناس على ذلك مِنْ نَصْب إمام متَّبَع في كل عصر).
نصب الإمام فرض كفاية لا فرض عين : اتساقا مع ما سبق ، من تقرير علماء أهل السنة أن الامامه بمعنى السلطة هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله ، وأن قولهم بوجوب نصب إمام يتصل بالدولة وضرورتها الاجتماعية، ولا يتعلق بالسلطة، فقد قرر علماء أهل السنة أن الوجوب هنا هو وجوب كفائي لا عيني، اى أن نصب الإمام فرض كفاية لا فرض عين ، يقول الماوردي ( فإذا ثبت وجوبها ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط ففرضها على الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان: أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا إمامًا للأمة، والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهما للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم، وإذا تميز هذان الفريقان من الأمة في فرض الإمامة وجب أن يعتبر كل فريق منهما بالشروط المعتبرة فيه) ( الأحكام السلطانية: ص 5) ، ويقول القاضي أبو يعلى: (وهي فرض على الكفاية ، مخاطبا بها طائفتان من الناس، إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا، والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة) (الأحكام السلطانية: ص)19)، ويقول الإمام النووي: (تولي الإمامة فرض كفاية ، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه ، ولزمه طلبها إن لم يبتدؤه، هذا إذا كان الدافع له الحرص على مصلحة المسلمين ، وإلا فإن من شروط الإمام ألا يطلبها لنفسه كما سيأتي في الشروط) (روضة الطالبين :10/43)
ثانيا: السياسة الشرعية ما يحقق مصلحه المسلمين ولو لم يرد بنص ( اتساق وليس تطابق- مع النص) : ومن أصول الفكر السياسي السني أن السياسة الشرعية هي كل ما يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ،فهى اتساق وليست تطابق مع النص- يقول ابْنُ عَقِيلٍ(السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.)، ويعرف ابن نجيم الحنفي في تعريف السياسة الشرعية بأنها
فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي )(الأحكام السلطانية والسلوك في سياسة الملوك للإمام الماوردي)،ويقول ابن القيم(إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ فَإِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْعَدْلِ وَأَسْفَرَ وَجْهُهُ بِأَيْ طَرِيقٍ كَانَ، فَثَمَّ شَرْعُ اللهِ وَدِينُهُ، وَاَللهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَأَعْدَلُ أَنْ يَخُصَّ طُرُقَ الْعَدْلِ وَأَمَارَاتِهِ وَأَعْلَامَهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ يَنْفِي مَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْهَا وَأَقْوَى دَلَالَةً، وَأَبْيَنُ أَمَارَةً. فَلَا يَجْعَلُهُ مِنْهَا، وَلَا يَحْكُمُ عِنْدَ وُجُودِهَا وَقِيَامِهَا بِمُوجِبِهَا، بَلْ قَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الطُّرُقِ، أَنَّ مَقْصُودَهُ إقَامَةُ الْعَدْلِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَقِيَامُ النَّاسِ بِالْقِسْطِ، فَأَيُّ طَرِيقٍ اُسْتُخْرِجَ بِهَا الْعَدْلُ وَالْقِسْطُ فَهِيَ مِنْ الدِّينِ، وَلَيْسَتْ مُخَالِفَةً لَهُ.فَلَا يُقَالُ: إنَّ السِّيَاسَةَ الْعَادِلَةَ مُخَالِفَةٌ لِمَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ، بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ لِمَا جَاءَ بِهِ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَنَحْنُ نُسَمِّيهَا سِيَاسَةً تَبَعًا لِمُصْطَلَحِهِمْ، وَإِنَّمَا هِيَ عَدْلُ اللهِ وَرَسُولِهِ، ظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ) (الأحكام السلطانية،أبي يعلى الفراء). ثالثا: عدم تكفير المخالف في المذهب : ومن هذه الأصول اباحه الخلاف في فروع الدين دون أصوله، وبالتالي عدم جواز تكفير المخالف في المذهب، يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية 1/186)، ويترتب على هذا الأصل أن الفكر السياسي الاسلامى السني يبيح الخلاف السياسي ، باعتبار أن السياسة (الامامه) من فروع الدين وليست من أصوله، وهذا الأصل يخالف احد الأصول السياسية لمذهب الخوارج ، وهو تكفير المخالف في الاجتهاد والمذهب ، وهو ما يتعارض مع ورود الكثير من النصوص ، التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين، كقوله تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا).
رابعا: التمييز بين أنواع عدم الالتزام بالشرع: ومن أصول الفكر السياسي السني والذي يتصل بالأصل السابق- وجوب التمييز بين نوعين من أنواع عدم الالتزام بالشرع :الأول هو عدم الالتزام بالشرع مع الإقرار به، وحكمه انه ظلم او فسق، والثاني: عدم الالتزام بالشرع مع إنكاره ،وحكمه انه كفر بدليل قوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) [5 /المائدة /45]، وقوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) [5 المائدة /47]، وَقوله تعالى (مَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )، وقد روى علي بن أبي طلحة ،عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قال ( من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّبه، لم يحكم به فهو ظالم فاسق) (أخرجه الطبري في جامع البيان بإسناد حسن/ سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني /ذكره أبو عبد الله بن بطة في الإبانة الحكم بغير ما أنزل الله)، ولذا ينسب لابن عباس في رده على الخوارج إنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة: كفر دون كفر ، ويقول الشيخ الألباني (وقد جاء عن السلف ما يدعمها، وهو قولهم في تفسير الآية: «كفر دون كفر»، صحّ ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ثم تلقاه عنه بعض التابعين وغيرهم )، بناءا الأصل فان الفكر السياسي الاسلامى السني يقوم على عدم تكفير من لم يلتزم بالشرع (سواء كان فرد أو جماعه أو حاكم أو نظام سياسي..)، إلا بعد التحقق من إنكاره للشرع . وهذا الأصل يتناقض مع احد الأصول السياسية لمذهب الخوارج ، وهو تكفير الحكام الذين لم يلتزموا بالشرع والخروج عليهم دون تمييز بين من اقر به ومن أنكره ، استنادا إلى تفسير خاطئ لقوله تعالى( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )(المائدة:44).