نظرية الوجود الفائق في تفسير بعض أنماط الظواهر الغامضة(1)
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
اولا: ملخص الدراسه: نظرية الوجود الفائق هى محاوله لتفسير نمط معين من أنماط ما أطلق عليه اسم " الظواهر الغامضة"، وهو نمط الظواهر ذات الطبيعة الفائقه. وهى تنطلق من نظرية الأنماط المتعددة ، والتي مضمونها أن هناك أنماط متعددة لهذه الظواهر الغامضه، وبالتالي فان هناك تفسيرات متعددة لها، تستند إلى معايير متعددة للتمييز بينها. كما تنطلق نظريه الوجود الفائق، فى تفسيرها لهذا النمط المعين من أنماط الظواهر الغامضة من الاقرار بان الوجود غير مقصور على الوجود المادي المحسوس، المحدود بالزمان والمكان، فالأخير هو مجرد درجه من درجات الوجود- مستوى من مستوياته- المتعددة. .كما تنطلق نظريه الوجود الفائق ، فى تفسيرها لهذا النمط المعين من انماط الظواهر الغامضة ، من تقريرها درجة من درجات مستوى من مستويات الوجود، غير قائمة بذاتها ومستقلة عن غيرها من درجات مستويات- الوجود، بل تربط بين درجتي- مستويى- الوجود الشهادى والغيبى، وهى درجة - مستوى الوجود الفائق، والذى يشمل الظواهر والكائنات والمستويات،التى تتضمن إمكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر او كائنات او مستويات شهاديه. ويتضمن درجتين مستويين- فرعيين هما : ا/ وجود فائق - غير مفارق : ويشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات ، التى تنتمي من ناحيه الشكل " الكيفية" والجوهر "الماهية " إلى الوجود الشهادى، وفى ذات الوقت ذات طبيعة فائقة، بمعنى أنها تتضمن امكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر أو كائنات أو مستويات شهاديه ، دون أن تكون هذه الإمكانيات مطلقه " اى ان تحققها يتم بدون قطع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى، او ابطال السببية التى تشكل مضمون هذه السنن". ومثال لها الإمكانيات والمقدرات الإنسانية التي يدرسها علم الباراسيكولوجى:ب/ الوجود الفائق - المفارق : ويشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات، التى لها حضور في الوجود الشهادى المحدود بالمكان والزمان ، من ناحية الشكل "الكيفية" . ولكنها تنتمي من ناحية الجوهر "الماهية "، إلى درجات مستويات - لوجود آخر " هو الوجود الغيبي المقيد " ، ويرتبط بهذه الطبيعة المفارقة أنها ذات طبيعة فائقة، بمعنى أنها تتضمن امكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر أو كائنات او مستويات شهاديه ، دون أن تكون هذه الإمكانيات مطلقه " اى ان تحققها يتم بدون قطع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى، او ابطال السببية التى تشكل مضمون هذه السنن". ومثال لها ا/ الجن والمس الشيطانى ب/ الكرامات طبقا لمذهب الاثبات المقيد ج/ السحر الحقيقى، اما السحر التخييلي فهو ذو طبيعة فائقة غير مفارقة وغير خارقة أيضا .................................................. .........
ثانيا: متن الدراسه التفصيلى:
الانطلاق من نظرية الأنماط المتعددة : تنطلق نظرية الوجود الفائق من نظرية الأنماط المتعددة ، فى تفسير ما يطلق عليه اسم " الظواهر الغامضة " ، والتى مضمونها أن هناك أنماط متعددة لهذه الظواهر، " فبعضها خارق وبعضها فائق- وهو النمط الذي تتناوله الدراسه - وبعضها مجهول السبب..."، وبالتالي فإن هناك تفسيرات متعددة لها، تستند إلى معايير متعددة للتمييز بينها. (كمعيار الشهادى - غير المفارق والغيبي- المفارق- " ظواهر شهاديه -غير مفارقه- وظواهر غيبية- مفارقه- " / معيار الفائق وغير الفائق "ظواهر فائقة وظواهر غير الفائقة " / معيار التحقق"ظواهر يتم التحقق من ثبوت وجودها ، وظواهر لم يتم التحقق من ثبوت وجودها" /معيار التطور العلمي" ظواهر أتاح التطور العلمي إمكانية تفسيرها، وظواهر لم يتيح التطور العلمي إمكانية تفسيرها / معيار الموانع الذاتية والموضوعية " ظواهر الموانع الذاتية - كخداع الحواس والإيحاء الذاتي- و ظواهر الموانع الموضوعية- كالمرحلة التي بلغها التطور العلمي في عصر معين-
الانطلاق من تعدد درجات - مستويات الوجود : كما تنطلق نظرية االوجود الفائق، فى تفسيرها لنمط معين من أنماط الظواهر الغامضة " نمط الظواهر ذات الطبيعة الفائقة "، من الاقرار بان الوجود غير مقصور على الوجود المادي المحسوس، المحدود بالزمان والمكان- كما تفترض خطاْ المذاهب والفلسفات المادية - فالأخير هو مجرد درجه من درجات الوجود- مستوى من مستوياته- المتعددة. وهذا الإقرار هو مكون رئيسي ل للتصور الاسلامى للوجود، وتصور الوجود فى كل الاديان وكثير من المذاهب والفلسفات .
مفهوم الدرجيه القرآني: ويستند التصور الإسلامي للوجود فى هذا الاقرار الى مفهوم الدرجيه الذي أشارت إليه الكثير من النصوص كقوله تعالى ( وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) ، حيث أشار القران الكريم إلى درجيه الوجود الشهادى- بدرجتيه (الوجود التسخيرى الطبيعي والاستخلافىالانسانى)- كما فى قوله تعالى(وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)، كما أشار إلى درجيه الوجود الغيبي الاخروى كما في قوله تعالى (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) ، ومرجع هذه الدرجيه أن هذا الوجود قائم على الظهور الصفاتى(فى حالة الوجود الشهادى- الحياة الدنيا)، أو الذاتي (فى حالة الوجود الغيبي / الحياة الآخرة)،للفعل المطلق الذى ينفرد به الله تعالى والذى عبر عنه القران بمصطلح الربوبية، وكلاهما يتم خلال درجات . ويرتبط هذا المفهوم بمفهوم آخر هو الكلية ، وطبقا له فإن كل درجة من درجات الوجود تحد الدرجة السابقة عليها- كما يحد الكل الجزء- فتكملها تغنيها ولكن لا تلغيها ، والفارق بين هذه الدرجات هو فارق في الشمول والتركيب،اى أن الدرجة السابقة هي أقل محدودية وبساطه ، والدرجة اللاحقة هي أكثر شمولا وتركيبا وهكذا. واتساقا مع هذا مفهوم وصف القران الكريم الله تعالى أنه رفيع الدرجات ( رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده... )، هذا الوصف هو إشارة إلى أن له تعالى درجه الوجود المطلق ، الذي يحد كل وجود سواه، وبالتالي فان كل وجود سواه في درجة من درجات الوجود المحدود ، ويتصل بهذا وصفه تعالى بأنه واسع كما في قوله تعالى(إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة: 115)، ومحيط كما في قوله تعالى( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق: 12). كما انه اتساقا مع مفهوم الدرجية وصف القران العلاقة بين الوجود الغيبي المطلق ، الذي ينفرد به الله تعالى والوجود الشهادى والغيبي المحدود لسواه تعالى بأنها علاقة تنزل وعروج كما في قوله تعالى ).( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر)ٍ وقوله تعالى ( من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة )( المعارج : 3 ، 4 ).
الانطلاق من الوجود الفائق كرابط بين الوجودين الشهادى والغيبى : كما تنطلق نظرية الوجود الفائق ، فى تفسيرها لنمط معين من أنماط الظواهر الغامضة " نمط الظواهر ذات الطبيعة الفائقة " ، من تقريرها درجة من درجات مستوى من مستويات الوجود، غير قائمة بذاتها ومستقلة عن غيرها من درجات مستويات- الوجود، بل تربط بين درجتى- مستوىى- الوجود الشهادى والغيبى، وهى درجة - مستوى الوجود الفائق، واتساقا مع هذا فان للوجود ثلاث درجات مستويات هى :
اولا:الوجود الشهادى: وهو الوجود المحدود بالحركة خلال الزمان- وبالتالى خاضع للتطور خلاله - او الوجود فى المكان - وبالتالى خاضع للتغير فيه وبالتالى يمكن شهوده بالحواس وبالتالى ادراكه وتصوره - ويشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات الشهاديه (مثال للاول الظواهر الطبيعية والإنسانية ، ومثال للثانى النبات والحيوان والإنسان ، ومثال للثالث مستوى الوجود المادى الحسى "الموضوعى " ،ومستوى الوجود الفكري الذهني "الذاتي "..). ويتضمن درجتين مستويين فرعيين هما:ا/الوجود التسخيرى: ويشمل الوجود الطبيعي بظواهره وكائناته ومستوياته المختلفة.ب/الوجود الاستخلافى:وهو مقصور على الوجود الانسانى .
ثانيا: الوجود الغيبى : وهو وجود غير محدود بالزمان - وبالتالى غير خاضع للتطور خلاله -او المكان - وبالتالي غير خاضع للتغير فيه ، ويلزم من هذا انه غائب عن حواس الانسان- وبالتالى عن ادراكه وتصوره ويتضمن درجتين مستويين- فرعيين هما:الوجود الغيبي المطلق : وينفرد به الله تعالى .ب/ الوجود الغيبي المحدود : ويشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات الغيبية المحدودة بالوجود الغيبي المطلق ، الذي ينفرد به الله تعالى- اى المخلوقة - (مثال للاول الصراط المستقيم، ومثال الثانى الجن والملائكة والشياطين ، ومثال للثالث الجنة والنار) .
ثالثا:الوجود الفائق: وهو الوجود الذي يربط بين الوجودين الشهادى والغيبى ، ويشمل الظواهر والكائنات والمستويات،التى تتضمن إمكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر او كائنات او مستويات شهاديه. ويتضمن درجتين مستويين- فرعيين هما :
ا/ وجود فائق - غير مفارق : وهو اعلى درجات مستويات- الوجود الشهادى. و يشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات ، التى تنتمي- من ناحية الشكل " الكيفية" والجوهر "الماهية" - إلى الوجود الشهادى، وبالتالي خاضعة للسنن الالهيه التي تضبط حركته ، والسببية التي تشكل مضمون هذه السنن- لذا فهى غير مفارقة لهذا الوجود - وفى ذات الوقت ذات طبيعة فائقة، بمعنى أنها تتضمن إمكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر أو كائنات او مستويات شهاديه ، دون أن تكون هذه الإمكانيات مطلقة ، اى لا يمكنها قطع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه هذا الوجود الشهادى، وبالتالي إلغاء السببية التي تشكل مضمون هذه السنن.
امثله:
الباراسيكولوجي : ومثال للظواهر الشهاديه الفائقة غير المفارقة الإمكانيات والمقدرات الإنسانية التي يدرسها علم الباراسيكولوجى:
المصطلح: المصطلح مكون من كلمتي (Para ) وتعني ما وراء ، و ( psychology ) وتعنى علم النفس ،اى ما وراء علم النفس.
الامكانيات التى يدرسها الباراسيكولوجى:ويبحث الباراسيكولوجي في عدة امكانيات ومقدرات" إنسانية" أهمها: 1/ التخاطر : وهو نوع من قراءة الأفكار ، عن طريق الاتصال بين عقول الأفراد ، بعيدا عن طريق الحواس الخمسة ،أي بدون الكلام أو الكتابة أو الإشارة .2/ الاستبصار: و تعني حدة الإدراك والقدرة على رؤية كل ما هو وراء نطاق البصر.3/ التنبؤ: اى معرفة الأحداث قبل وقوعها .4/ التحريك من بعد: وتعني القدرة على تحريك الأشياء أو ليها بدون لمس.
المواقف المتعددة من هذه الإمكانيات والمقدرات:
القبول المطلق: الإقرار بوجود هذه الإمكانيات والمقدرات ، بدون التحقق من صحتها بالتجربة والاختبار العلميين، فضلا عن افتراض انها ذات طبيعة خارقه،اى أنها تتحقق بانقطاع اضطراد القوانين الموضوعية التي تضبط حركه الوجود، وإنكار حتميتها ، اي إلغاء السببية التى هى مضمون هذه القوانين الموضوعية. أما النقد الموجه لهذا الموقف فيشمل: ا/هذا الموقف يفتح الباب أمام التفكير الخرافى ،لانه يقوم على الإقرار بصحة فكره عن ظاهرة تنتمي الى الوجود الشهادى ، بدون التحقق من صحتها بالتجربة والاختبار العلميين. 2/كما ان الاقرار بوجود هذه الامكانيات لا يلزم منه بالضرورة تقرير أنها ذات طبيعة خارقة .3/ وتقرير ذلك يخالف المنظور الاسلامى للوجود لان الطبيعة الخارقة مقصورة على ظاهره المعجزات عند الانبياء،ولا تتجاوزها الى غيرها من ظواهر.
الرفض المطلق: ويقوم على انكار وجود هذه الامكانيات والمقدرات مطلقا. والنقدالموجه لهذا الموزقف يشمل: 1/هذا الموقف رغم ادعائه العلمية يخالف التفكير العلمى، لأنه إذا كان هناك بعض الإمكانيات والمقدرات لم يثبت وجودها ، فإن بعضها الآخر قد ثبت وجودها بالتجربة والاختبار العلميين. 2/ وهو فى احيان كثير مجرد رد فعل على الموقف الاول ، لانه يفترض ان الإقرار بوجود هذه الظواهر يلزم منه إنكار القوانين الموضوعية أو حتميتها ، وبالتالي فتح الباب للتفكير الخرافي- وهو لزوم مقصور على اقرار الموقف الاول بوجود هذه الامكانيات- 3/ كما ان هذا الموقف ينطلق - فى احيان كثيره- من افتراض خاطى مضمونه ان الوجود مقصور على الوجود المادى المحسوس- اى ينطلق من تصور مادي للوجود مع افتراضه ان الإقرار بوجود هذه الإمكانيات يلزم منه بالضرورة الاقرار بكونها ذات طبيعة خارقه، مفارقة لهذا الوجود المادي المحسوس.
الإثبات المقيد:
الإقرار بوجود الإمكانات التي ثبت وجودها بالتجربة والاختبار العلميين: انطلاقا من:1/ تقرير القران محدودية العلم الانسانى( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) ،فالعلم قد توصل إلى معرفة الكثير من الظواهر الطبيعية والإنسانية - وقوانين حركتها، إلا انه لم يتوصل إلى معرفة كل هذه الظواهر.2/ دعوة القران إلى اتخاذ الحواس وبالتالي التجربة والاختبار العلميين كمعيار للتحقق من صحة الأفكار التي تفسر عالم الشهادة وظواهره الجزئية العينية( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).
وجود فائق - غير مفارق "غير خارق" : ان هذه الإمكانيات والمقدرات تفوق غيرها من امكانيات ومقدرات انسانيه،ولكنها لا تتحقق بانقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى، والسببية التي تشكل مضمون هذه السنن.
ب/ الوجود الفائق - المفارق : وهو ادنى درجات مستويات- الوجود الغيبى . ويشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات، التى لها حضورفى الوجود الشهادى المحدود بالمكان والزمان ، من ناحيه الشكل "الكيفيه" . ولكنها تنتمي من ناحيه الجوهر "الماهية "، إلى درجات مستويات - لوجود اخر " هو الوجود الغيبي المقيد " ، فهى من هذه الناحيه - غير خاضعة للسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى،والسببية التي تشكل مضمون هذه السنن .ويرتبط بهذه الطبيعة المفارقة أنها ذات طبيعة فائقة، بمعنى أنها تتضمن امكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر أو كائنات او مستويات شهاديه ، دون أن تكون هذه الامكانيات مطلقه ، فلا تتوافر لها إمكانية إلغاء أو إبطال السببية التي تشكل مضمون السنن الالهيه- فهي غير خارقه وبعبارة اخرى فان علاقتها بالسببية هي علاقة غيريه وليست علاقة نفى .
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
اولا: ملخص الدراسه: نظرية الوجود الفائق هى محاوله لتفسير نمط معين من أنماط ما أطلق عليه اسم " الظواهر الغامضة"، وهو نمط الظواهر ذات الطبيعة الفائقه. وهى تنطلق من نظرية الأنماط المتعددة ، والتي مضمونها أن هناك أنماط متعددة لهذه الظواهر الغامضه، وبالتالي فان هناك تفسيرات متعددة لها، تستند إلى معايير متعددة للتمييز بينها. كما تنطلق نظريه الوجود الفائق، فى تفسيرها لهذا النمط المعين من أنماط الظواهر الغامضة من الاقرار بان الوجود غير مقصور على الوجود المادي المحسوس، المحدود بالزمان والمكان، فالأخير هو مجرد درجه من درجات الوجود- مستوى من مستوياته- المتعددة. .كما تنطلق نظريه الوجود الفائق ، فى تفسيرها لهذا النمط المعين من انماط الظواهر الغامضة ، من تقريرها درجة من درجات مستوى من مستويات الوجود، غير قائمة بذاتها ومستقلة عن غيرها من درجات مستويات- الوجود، بل تربط بين درجتي- مستويى- الوجود الشهادى والغيبى، وهى درجة - مستوى الوجود الفائق، والذى يشمل الظواهر والكائنات والمستويات،التى تتضمن إمكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر او كائنات او مستويات شهاديه. ويتضمن درجتين مستويين- فرعيين هما : ا/ وجود فائق - غير مفارق : ويشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات ، التى تنتمي من ناحيه الشكل " الكيفية" والجوهر "الماهية " إلى الوجود الشهادى، وفى ذات الوقت ذات طبيعة فائقة، بمعنى أنها تتضمن امكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر أو كائنات أو مستويات شهاديه ، دون أن تكون هذه الإمكانيات مطلقه " اى ان تحققها يتم بدون قطع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى، او ابطال السببية التى تشكل مضمون هذه السنن". ومثال لها الإمكانيات والمقدرات الإنسانية التي يدرسها علم الباراسيكولوجى:ب/ الوجود الفائق - المفارق : ويشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات، التى لها حضور في الوجود الشهادى المحدود بالمكان والزمان ، من ناحية الشكل "الكيفية" . ولكنها تنتمي من ناحية الجوهر "الماهية "، إلى درجات مستويات - لوجود آخر " هو الوجود الغيبي المقيد " ، ويرتبط بهذه الطبيعة المفارقة أنها ذات طبيعة فائقة، بمعنى أنها تتضمن امكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر أو كائنات او مستويات شهاديه ، دون أن تكون هذه الإمكانيات مطلقه " اى ان تحققها يتم بدون قطع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى، او ابطال السببية التى تشكل مضمون هذه السنن". ومثال لها ا/ الجن والمس الشيطانى ب/ الكرامات طبقا لمذهب الاثبات المقيد ج/ السحر الحقيقى، اما السحر التخييلي فهو ذو طبيعة فائقة غير مفارقة وغير خارقة أيضا .................................................. .........
ثانيا: متن الدراسه التفصيلى:
الانطلاق من نظرية الأنماط المتعددة : تنطلق نظرية الوجود الفائق من نظرية الأنماط المتعددة ، فى تفسير ما يطلق عليه اسم " الظواهر الغامضة " ، والتى مضمونها أن هناك أنماط متعددة لهذه الظواهر، " فبعضها خارق وبعضها فائق- وهو النمط الذي تتناوله الدراسه - وبعضها مجهول السبب..."، وبالتالي فإن هناك تفسيرات متعددة لها، تستند إلى معايير متعددة للتمييز بينها. (كمعيار الشهادى - غير المفارق والغيبي- المفارق- " ظواهر شهاديه -غير مفارقه- وظواهر غيبية- مفارقه- " / معيار الفائق وغير الفائق "ظواهر فائقة وظواهر غير الفائقة " / معيار التحقق"ظواهر يتم التحقق من ثبوت وجودها ، وظواهر لم يتم التحقق من ثبوت وجودها" /معيار التطور العلمي" ظواهر أتاح التطور العلمي إمكانية تفسيرها، وظواهر لم يتيح التطور العلمي إمكانية تفسيرها / معيار الموانع الذاتية والموضوعية " ظواهر الموانع الذاتية - كخداع الحواس والإيحاء الذاتي- و ظواهر الموانع الموضوعية- كالمرحلة التي بلغها التطور العلمي في عصر معين-
الانطلاق من تعدد درجات - مستويات الوجود : كما تنطلق نظرية االوجود الفائق، فى تفسيرها لنمط معين من أنماط الظواهر الغامضة " نمط الظواهر ذات الطبيعة الفائقة "، من الاقرار بان الوجود غير مقصور على الوجود المادي المحسوس، المحدود بالزمان والمكان- كما تفترض خطاْ المذاهب والفلسفات المادية - فالأخير هو مجرد درجه من درجات الوجود- مستوى من مستوياته- المتعددة. وهذا الإقرار هو مكون رئيسي ل للتصور الاسلامى للوجود، وتصور الوجود فى كل الاديان وكثير من المذاهب والفلسفات .
مفهوم الدرجيه القرآني: ويستند التصور الإسلامي للوجود فى هذا الاقرار الى مفهوم الدرجيه الذي أشارت إليه الكثير من النصوص كقوله تعالى ( وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) ، حيث أشار القران الكريم إلى درجيه الوجود الشهادى- بدرجتيه (الوجود التسخيرى الطبيعي والاستخلافىالانسانى)- كما فى قوله تعالى(وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)، كما أشار إلى درجيه الوجود الغيبي الاخروى كما في قوله تعالى (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) ، ومرجع هذه الدرجيه أن هذا الوجود قائم على الظهور الصفاتى(فى حالة الوجود الشهادى- الحياة الدنيا)، أو الذاتي (فى حالة الوجود الغيبي / الحياة الآخرة)،للفعل المطلق الذى ينفرد به الله تعالى والذى عبر عنه القران بمصطلح الربوبية، وكلاهما يتم خلال درجات . ويرتبط هذا المفهوم بمفهوم آخر هو الكلية ، وطبقا له فإن كل درجة من درجات الوجود تحد الدرجة السابقة عليها- كما يحد الكل الجزء- فتكملها تغنيها ولكن لا تلغيها ، والفارق بين هذه الدرجات هو فارق في الشمول والتركيب،اى أن الدرجة السابقة هي أقل محدودية وبساطه ، والدرجة اللاحقة هي أكثر شمولا وتركيبا وهكذا. واتساقا مع هذا مفهوم وصف القران الكريم الله تعالى أنه رفيع الدرجات ( رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده... )، هذا الوصف هو إشارة إلى أن له تعالى درجه الوجود المطلق ، الذي يحد كل وجود سواه، وبالتالي فان كل وجود سواه في درجة من درجات الوجود المحدود ، ويتصل بهذا وصفه تعالى بأنه واسع كما في قوله تعالى(إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة: 115)، ومحيط كما في قوله تعالى( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (الطلاق: 12). كما انه اتساقا مع مفهوم الدرجية وصف القران العلاقة بين الوجود الغيبي المطلق ، الذي ينفرد به الله تعالى والوجود الشهادى والغيبي المحدود لسواه تعالى بأنها علاقة تنزل وعروج كما في قوله تعالى ).( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر)ٍ وقوله تعالى ( من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة )( المعارج : 3 ، 4 ).
الانطلاق من الوجود الفائق كرابط بين الوجودين الشهادى والغيبى : كما تنطلق نظرية الوجود الفائق ، فى تفسيرها لنمط معين من أنماط الظواهر الغامضة " نمط الظواهر ذات الطبيعة الفائقة " ، من تقريرها درجة من درجات مستوى من مستويات الوجود، غير قائمة بذاتها ومستقلة عن غيرها من درجات مستويات- الوجود، بل تربط بين درجتى- مستوىى- الوجود الشهادى والغيبى، وهى درجة - مستوى الوجود الفائق، واتساقا مع هذا فان للوجود ثلاث درجات مستويات هى :
اولا:الوجود الشهادى: وهو الوجود المحدود بالحركة خلال الزمان- وبالتالى خاضع للتطور خلاله - او الوجود فى المكان - وبالتالى خاضع للتغير فيه وبالتالى يمكن شهوده بالحواس وبالتالى ادراكه وتصوره - ويشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات الشهاديه (مثال للاول الظواهر الطبيعية والإنسانية ، ومثال للثانى النبات والحيوان والإنسان ، ومثال للثالث مستوى الوجود المادى الحسى "الموضوعى " ،ومستوى الوجود الفكري الذهني "الذاتي "..). ويتضمن درجتين مستويين فرعيين هما:ا/الوجود التسخيرى: ويشمل الوجود الطبيعي بظواهره وكائناته ومستوياته المختلفة.ب/الوجود الاستخلافى:وهو مقصور على الوجود الانسانى .
ثانيا: الوجود الغيبى : وهو وجود غير محدود بالزمان - وبالتالى غير خاضع للتطور خلاله -او المكان - وبالتالي غير خاضع للتغير فيه ، ويلزم من هذا انه غائب عن حواس الانسان- وبالتالى عن ادراكه وتصوره ويتضمن درجتين مستويين- فرعيين هما:الوجود الغيبي المطلق : وينفرد به الله تعالى .ب/ الوجود الغيبي المحدود : ويشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات الغيبية المحدودة بالوجود الغيبي المطلق ، الذي ينفرد به الله تعالى- اى المخلوقة - (مثال للاول الصراط المستقيم، ومثال الثانى الجن والملائكة والشياطين ، ومثال للثالث الجنة والنار) .
ثالثا:الوجود الفائق: وهو الوجود الذي يربط بين الوجودين الشهادى والغيبى ، ويشمل الظواهر والكائنات والمستويات،التى تتضمن إمكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر او كائنات او مستويات شهاديه. ويتضمن درجتين مستويين- فرعيين هما :
ا/ وجود فائق - غير مفارق : وهو اعلى درجات مستويات- الوجود الشهادى. و يشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات ، التى تنتمي- من ناحية الشكل " الكيفية" والجوهر "الماهية" - إلى الوجود الشهادى، وبالتالي خاضعة للسنن الالهيه التي تضبط حركته ، والسببية التي تشكل مضمون هذه السنن- لذا فهى غير مفارقة لهذا الوجود - وفى ذات الوقت ذات طبيعة فائقة، بمعنى أنها تتضمن إمكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر أو كائنات او مستويات شهاديه ، دون أن تكون هذه الإمكانيات مطلقة ، اى لا يمكنها قطع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه هذا الوجود الشهادى، وبالتالي إلغاء السببية التي تشكل مضمون هذه السنن.
امثله:
الباراسيكولوجي : ومثال للظواهر الشهاديه الفائقة غير المفارقة الإمكانيات والمقدرات الإنسانية التي يدرسها علم الباراسيكولوجى:
المصطلح: المصطلح مكون من كلمتي (Para ) وتعني ما وراء ، و ( psychology ) وتعنى علم النفس ،اى ما وراء علم النفس.
الامكانيات التى يدرسها الباراسيكولوجى:ويبحث الباراسيكولوجي في عدة امكانيات ومقدرات" إنسانية" أهمها: 1/ التخاطر : وهو نوع من قراءة الأفكار ، عن طريق الاتصال بين عقول الأفراد ، بعيدا عن طريق الحواس الخمسة ،أي بدون الكلام أو الكتابة أو الإشارة .2/ الاستبصار: و تعني حدة الإدراك والقدرة على رؤية كل ما هو وراء نطاق البصر.3/ التنبؤ: اى معرفة الأحداث قبل وقوعها .4/ التحريك من بعد: وتعني القدرة على تحريك الأشياء أو ليها بدون لمس.
المواقف المتعددة من هذه الإمكانيات والمقدرات:
القبول المطلق: الإقرار بوجود هذه الإمكانيات والمقدرات ، بدون التحقق من صحتها بالتجربة والاختبار العلميين، فضلا عن افتراض انها ذات طبيعة خارقه،اى أنها تتحقق بانقطاع اضطراد القوانين الموضوعية التي تضبط حركه الوجود، وإنكار حتميتها ، اي إلغاء السببية التى هى مضمون هذه القوانين الموضوعية. أما النقد الموجه لهذا الموقف فيشمل: ا/هذا الموقف يفتح الباب أمام التفكير الخرافى ،لانه يقوم على الإقرار بصحة فكره عن ظاهرة تنتمي الى الوجود الشهادى ، بدون التحقق من صحتها بالتجربة والاختبار العلميين. 2/كما ان الاقرار بوجود هذه الامكانيات لا يلزم منه بالضرورة تقرير أنها ذات طبيعة خارقة .3/ وتقرير ذلك يخالف المنظور الاسلامى للوجود لان الطبيعة الخارقة مقصورة على ظاهره المعجزات عند الانبياء،ولا تتجاوزها الى غيرها من ظواهر.
الرفض المطلق: ويقوم على انكار وجود هذه الامكانيات والمقدرات مطلقا. والنقدالموجه لهذا الموزقف يشمل: 1/هذا الموقف رغم ادعائه العلمية يخالف التفكير العلمى، لأنه إذا كان هناك بعض الإمكانيات والمقدرات لم يثبت وجودها ، فإن بعضها الآخر قد ثبت وجودها بالتجربة والاختبار العلميين. 2/ وهو فى احيان كثير مجرد رد فعل على الموقف الاول ، لانه يفترض ان الإقرار بوجود هذه الظواهر يلزم منه إنكار القوانين الموضوعية أو حتميتها ، وبالتالي فتح الباب للتفكير الخرافي- وهو لزوم مقصور على اقرار الموقف الاول بوجود هذه الامكانيات- 3/ كما ان هذا الموقف ينطلق - فى احيان كثيره- من افتراض خاطى مضمونه ان الوجود مقصور على الوجود المادى المحسوس- اى ينطلق من تصور مادي للوجود مع افتراضه ان الإقرار بوجود هذه الإمكانيات يلزم منه بالضرورة الاقرار بكونها ذات طبيعة خارقه، مفارقة لهذا الوجود المادي المحسوس.
الإثبات المقيد:
الإقرار بوجود الإمكانات التي ثبت وجودها بالتجربة والاختبار العلميين: انطلاقا من:1/ تقرير القران محدودية العلم الانسانى( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) ،فالعلم قد توصل إلى معرفة الكثير من الظواهر الطبيعية والإنسانية - وقوانين حركتها، إلا انه لم يتوصل إلى معرفة كل هذه الظواهر.2/ دعوة القران إلى اتخاذ الحواس وبالتالي التجربة والاختبار العلميين كمعيار للتحقق من صحة الأفكار التي تفسر عالم الشهادة وظواهره الجزئية العينية( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).
وجود فائق - غير مفارق "غير خارق" : ان هذه الإمكانيات والمقدرات تفوق غيرها من امكانيات ومقدرات انسانيه،ولكنها لا تتحقق بانقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى، والسببية التي تشكل مضمون هذه السنن.
ب/ الوجود الفائق - المفارق : وهو ادنى درجات مستويات- الوجود الغيبى . ويشمل وجود الظواهر والكائنات والمستويات، التى لها حضورفى الوجود الشهادى المحدود بالمكان والزمان ، من ناحيه الشكل "الكيفيه" . ولكنها تنتمي من ناحيه الجوهر "الماهية "، إلى درجات مستويات - لوجود اخر " هو الوجود الغيبي المقيد " ، فهى من هذه الناحيه - غير خاضعة للسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى،والسببية التي تشكل مضمون هذه السنن .ويرتبط بهذه الطبيعة المفارقة أنها ذات طبيعة فائقة، بمعنى أنها تتضمن امكانيات تفوق امكانيات غيرها من ظواهر أو كائنات او مستويات شهاديه ، دون أن تكون هذه الامكانيات مطلقه ، فلا تتوافر لها إمكانية إلغاء أو إبطال السببية التي تشكل مضمون السنن الالهيه- فهي غير خارقه وبعبارة اخرى فان علاقتها بالسببية هي علاقة غيريه وليست علاقة نفى .