لم أحبب في كثير من الأحايين الخطابة ولم أحبب سماعها، وذلك أن غالب خطباء ناحيتي يعيث فسادا على المنبر، فماهو بموضوع جيد قد حضره، ولا بإلقاء جميل قد فعله، ولا تسأل بعد ذلك عن جرائم على اللغة ولا عن جنايات على قلوب الناس وعقولهم.
ولأجل ذلك كنت أحسب خطبة الجمعة من أشق أنواع الفرائض علي ولو وجدت رخصة في ترك سماعها لهويت إليها غير هياب ولا متردد؛ ثم انسحب الأمر بعد أن طال بي ذلك إلى معاداة كل كتاب عن الخطابة، والنأي عن أي حديث عنها في ذاتي أو مع خواص إخواني تجافيا مني لمكروه أو صونا للساني عن الانزلاق فيما لم يأذن به الشرع.
ولكن ابتليت بعد ذلك بأن أكون خطيبا على منبر جمعة، وقد دفعت ذلك عني أيما دفع، وجهدت في غيري أن يقوم به عني فلم أجد، فإذا أنا مخير بين أن أضيع على الناس فرضهم أو أن أضيع على نفسي لذة كراهيتها، فلم يكن بد من ترجيح مصلحة غيري على مصلحة نفسي خصوصا وأن مصلحتي وهمية لا حقيقية [في ميزان الشاطبي رحمه الله].
فطفقت بعد ذلك أبحث عما كتب في التحضير للخطبة من كتاب أو مقالة أو منتدى أو قصاصة صحيفة ومجلة، وصرت أعجب -بان ذلك- من نفس تجافت عن هذا النوع من القراءة قبلا كيف صارت لا ترى هما إلا إنجاح خطبتها [الأولى]، وعرفت آنئذ صعوبة أن تكون خطيبا بين الناس؛ ليس في مواجهة الناس والتحدث إليهم؛ إذن لهان الأمر وما شق، ولكن في الذي تكتبه وتقوله، وكيف تكتبه وتقوله، ولماذا تكتبه وتقوله...وهي مجموعة أسئلة لم تسعفني قراءاتي في الإجابة عنها...فرحت أتتبع ما جمع من خطب الخطباء القدامى والمحدثين علي أجد في مقدماتها أو في غضونها شيئا يشفي الغليل أو يسد مسد الحاجة، فلم أجن من ذلك سوى ذكرى ذكرتها جعلتني أعزف عن القراءة كلها.
ذلك أني تذكرت جمعا من الخطباء كانوا يعتمدون على خطب غيرهم يستنسخونها لديهم ويستلونها من مصادرها ثم يقومون بقراءاتها سردا، فلا تحدث تأثيرا في ناس ولا تبقِ شيئا في ذاكرتهم، رغم أن كاتبها الأول خطيب مصقع أو أديب مفوه؛ وعلة ذلك كله أن المستنسخ أغف شرطا أساسيا في الخطابة وهو أن تكون خطبته بنت واقعها على ضيفة عليه.
فجعلت نصب عيني أن أكون "نسيج وحدي" في خطبي كلها لا ألتزم إلا بما هو شرط في الخطبة وواجب فيها؛ سواء حدد ذلك الشرط الفقهُ أم علم الإعلام، ولما كان "النسج" لا يتأتى إلا على مثال سابق رحت أسترجع ذكريات خطب لا أزال أرى ملامحها، وأذكر أيضا بعضا من كلماتها، ورحت أحلل سر نجاحها أو أحاول أن أبنيه في نفسي وأتمثله في ذاتي وأتخيله في خيالي، وجعلت تطوف بي من الخطب ما وددت ما لو تقاسمتها من غيري نماذج صالحة للنجاح، كما مرت بي خطب ذكرتني أني قد عاهدت الله -وحنثت- أن لا أدخل ذلك المسجد مادام ذاك الخطيب يخطب فيه...
وهكذا كانت خطتي في خطبتي ونبرتي في منبري...
* * *
فجعلت أو ما علي فعله أن أبحث عن هدف للخطبة أجعله نصب عيني في التحضير والصياغة والإلقاء؛ ثم تعلمت أن هذا هو أهم جزء في الخطبة والتي يُعَايَر نجاحها وفشلها به، فجلعت من اللازم علي أن أصوغ الهدف في جملة بسيطة لأن كتابة الهدف مما يعين على تذكره وعدم الشرود عنه.
فإذا حددت هدف الخطبة رحت أبحث عن مدى ملاءمته لواقع الناس المستمعين للخطبة فما يصلح في مسجد السوق لا يناسب مساجد المدن المرقدية وما يكون في الحي الإداري قد لا ينفع في مسجد الطلبة.
فإذا تأكدت من ذلك بحثت عن المصادر التي تحدثت عن هذا الموضوع لست أبتغي منها سوى الإحاطة بالآيات والأحاديث والآثار والقصص المتعلقة بالموضوع، أما الأسباب والنتائج والأعراض فلا أحددها إلا من واقعي لا أخرج عنه.
ثم أصوغ ما وجدت في ورقات أجتهد فيها أن لا أتشدق بالأفصح ولا أتكلف بالسجع ولا اتقوى بالإطالة ولا أداري بالدعاء جاعلا همي أن يفهمني من ضُيِّق عليه الفهم من غير أن يضجر مني من وسع عليه فيه، ولآجل ذلك أحرص أن تكون خطبتي الأولى طويلة لا تتجاوز ربع الساعة، وأجعل أكثر الثانية دعاء وتضرعا لعلها ساعة إجابة.
فإذا فرغت من صياغة الخطبة تركتني أرتاح يوما أو يومين ثم أعود لها فأعدل منها ما لم يجئ على الميزان السابق، فإذا ارتضيتها مثبت نفسي خطيبا على المنبر مواجها الناس قارئا لخطبتي، فأين يجب أنظر إلى الناس وأين يجب أن أعرض عنهم، وكيف أرقق صوتي ومتى أغلظه...وأجعل كل ذلك في مخيلتي حتى أتحسس فعالية تأثير الصوت فأتخيل نفسي مستمعا يتقبل ذلك كله أو يرفضه.
فإذا جاء يوم الجمعة وجدتني كأني على دابة في خضخاض من فرط الخشية أن لا يلقى جهدي ذلاك القبول المتوقع، ولكن الله أكرم من أن يجمع عليك عذابين عذاب التحضير وعذاب الارتجاج، فلا تجد نفسك إلا وقد دعوت الله في تحية المسجد أو في قبلية الجمعة بأن يكون موفقك وجاعل الأثر بك في ذاك المسجد، وتلك عقيدة يجب أن لا تغيب...والله الموفق.
ولأجل ذلك كنت أحسب خطبة الجمعة من أشق أنواع الفرائض علي ولو وجدت رخصة في ترك سماعها لهويت إليها غير هياب ولا متردد؛ ثم انسحب الأمر بعد أن طال بي ذلك إلى معاداة كل كتاب عن الخطابة، والنأي عن أي حديث عنها في ذاتي أو مع خواص إخواني تجافيا مني لمكروه أو صونا للساني عن الانزلاق فيما لم يأذن به الشرع.
ولكن ابتليت بعد ذلك بأن أكون خطيبا على منبر جمعة، وقد دفعت ذلك عني أيما دفع، وجهدت في غيري أن يقوم به عني فلم أجد، فإذا أنا مخير بين أن أضيع على الناس فرضهم أو أن أضيع على نفسي لذة كراهيتها، فلم يكن بد من ترجيح مصلحة غيري على مصلحة نفسي خصوصا وأن مصلحتي وهمية لا حقيقية [في ميزان الشاطبي رحمه الله].
فطفقت بعد ذلك أبحث عما كتب في التحضير للخطبة من كتاب أو مقالة أو منتدى أو قصاصة صحيفة ومجلة، وصرت أعجب -بان ذلك- من نفس تجافت عن هذا النوع من القراءة قبلا كيف صارت لا ترى هما إلا إنجاح خطبتها [الأولى]، وعرفت آنئذ صعوبة أن تكون خطيبا بين الناس؛ ليس في مواجهة الناس والتحدث إليهم؛ إذن لهان الأمر وما شق، ولكن في الذي تكتبه وتقوله، وكيف تكتبه وتقوله، ولماذا تكتبه وتقوله...وهي مجموعة أسئلة لم تسعفني قراءاتي في الإجابة عنها...فرحت أتتبع ما جمع من خطب الخطباء القدامى والمحدثين علي أجد في مقدماتها أو في غضونها شيئا يشفي الغليل أو يسد مسد الحاجة، فلم أجن من ذلك سوى ذكرى ذكرتها جعلتني أعزف عن القراءة كلها.
ذلك أني تذكرت جمعا من الخطباء كانوا يعتمدون على خطب غيرهم يستنسخونها لديهم ويستلونها من مصادرها ثم يقومون بقراءاتها سردا، فلا تحدث تأثيرا في ناس ولا تبقِ شيئا في ذاكرتهم، رغم أن كاتبها الأول خطيب مصقع أو أديب مفوه؛ وعلة ذلك كله أن المستنسخ أغف شرطا أساسيا في الخطابة وهو أن تكون خطبته بنت واقعها على ضيفة عليه.
فجعلت نصب عيني أن أكون "نسيج وحدي" في خطبي كلها لا ألتزم إلا بما هو شرط في الخطبة وواجب فيها؛ سواء حدد ذلك الشرط الفقهُ أم علم الإعلام، ولما كان "النسج" لا يتأتى إلا على مثال سابق رحت أسترجع ذكريات خطب لا أزال أرى ملامحها، وأذكر أيضا بعضا من كلماتها، ورحت أحلل سر نجاحها أو أحاول أن أبنيه في نفسي وأتمثله في ذاتي وأتخيله في خيالي، وجعلت تطوف بي من الخطب ما وددت ما لو تقاسمتها من غيري نماذج صالحة للنجاح، كما مرت بي خطب ذكرتني أني قد عاهدت الله -وحنثت- أن لا أدخل ذلك المسجد مادام ذاك الخطيب يخطب فيه...
وهكذا كانت خطتي في خطبتي ونبرتي في منبري...
* * *
فجعلت أو ما علي فعله أن أبحث عن هدف للخطبة أجعله نصب عيني في التحضير والصياغة والإلقاء؛ ثم تعلمت أن هذا هو أهم جزء في الخطبة والتي يُعَايَر نجاحها وفشلها به، فجلعت من اللازم علي أن أصوغ الهدف في جملة بسيطة لأن كتابة الهدف مما يعين على تذكره وعدم الشرود عنه.
فإذا حددت هدف الخطبة رحت أبحث عن مدى ملاءمته لواقع الناس المستمعين للخطبة فما يصلح في مسجد السوق لا يناسب مساجد المدن المرقدية وما يكون في الحي الإداري قد لا ينفع في مسجد الطلبة.
فإذا تأكدت من ذلك بحثت عن المصادر التي تحدثت عن هذا الموضوع لست أبتغي منها سوى الإحاطة بالآيات والأحاديث والآثار والقصص المتعلقة بالموضوع، أما الأسباب والنتائج والأعراض فلا أحددها إلا من واقعي لا أخرج عنه.
ثم أصوغ ما وجدت في ورقات أجتهد فيها أن لا أتشدق بالأفصح ولا أتكلف بالسجع ولا اتقوى بالإطالة ولا أداري بالدعاء جاعلا همي أن يفهمني من ضُيِّق عليه الفهم من غير أن يضجر مني من وسع عليه فيه، ولآجل ذلك أحرص أن تكون خطبتي الأولى طويلة لا تتجاوز ربع الساعة، وأجعل أكثر الثانية دعاء وتضرعا لعلها ساعة إجابة.
فإذا فرغت من صياغة الخطبة تركتني أرتاح يوما أو يومين ثم أعود لها فأعدل منها ما لم يجئ على الميزان السابق، فإذا ارتضيتها مثبت نفسي خطيبا على المنبر مواجها الناس قارئا لخطبتي، فأين يجب أنظر إلى الناس وأين يجب أن أعرض عنهم، وكيف أرقق صوتي ومتى أغلظه...وأجعل كل ذلك في مخيلتي حتى أتحسس فعالية تأثير الصوت فأتخيل نفسي مستمعا يتقبل ذلك كله أو يرفضه.
فإذا جاء يوم الجمعة وجدتني كأني على دابة في خضخاض من فرط الخشية أن لا يلقى جهدي ذلاك القبول المتوقع، ولكن الله أكرم من أن يجمع عليك عذابين عذاب التحضير وعذاب الارتجاج، فلا تجد نفسك إلا وقد دعوت الله في تحية المسجد أو في قبلية الجمعة بأن يكون موفقك وجاعل الأثر بك في ذاك المسجد، وتلك عقيدة يجب أن لا تغيب...والله الموفق.
تعليق