الصورة المفزعة المؤلمة
بقلم: منير شفيق
استجابت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس للمطلب العربي بمشاركة سوريا ولبنان في المؤتمر الدولي الذي أصبح اسمه المؤتمر الدولي للشرق الأوسط، ولكن على ان يُحصر في الموضوع الفلسطيني المتعلق باقامة الدولة الفلسطينية من دون ان يُحظر على أي متكلم ان يتطرق الى القضية التي يريدها، مادامت لا تدخل في أجندة المؤتمر.
وبهذا تكون مشاركة سوريا شكلية ومشاركة لبنان تقديما لتنازل مجاني في مصافحة وزيرة الخارجية الاسرائيلية ليفني والتقاط الصور معها، وتكون المشاركتان تغطية لمشاركة عربية، لاسيما من جانب السعودية في تقديم تنازل تطبيعي مجاني مماثل، طبعاً اذا ما حصلت الموافقة على المشاركة في المؤتمر الدولي، وما ينبغي لها ان تحصل بعد ان تبينت الأهداف الأمريكية - الاسرائيلية الحقيقية من ورائه، وبعد ان تم التأكيد أن لا شيء ملموساً، كما طالب الوزراء العرب في مجلس الجامعة سيتحقق شرطاً للمشاركة.
فمقابل الملموس المطلوب عُرض بحث القضايا الجوهرية أي قضية اللاجئين والقدس والحدود، وما قيمة عرض، مجرد عرض، هذه القضايا ثم إحالتها الى التفاوض الثنائي المباشر الاسرائيلي - الفلسطيني، الأمر الذي يجعلها فقط وعوداً خلبا كأن المطلوب من أجل تقديم فعل التطبيع لدعم حكومة أولمرت «الوعد بالزواج» لاراحة الضمير والطمأنة الكاذبة.
حتى التغطية السابقة التي قدمت لقبول التنازلات العربية في ما مضى، وهي الاضطرار بسبب اختلال موازين القوى أو إحراج اسرائيل أمام الرأي العام العالمي «ويقصد الدول الغربية» لم يعودا واردين في الظروف الراهنة، فمن ناحية موازين القوى فإن أولمرت يقف على قدميه متداعياً تمسكه دعامات حتى لا يسقط ارضا بعد مسلسل فضائحه، وآخرها هزيمة جيشه أمام المقاومة في لبنان في حرب يوليو/اغسطس 2006.
ولولا الحاجة الى بقائه وتصبيره و«تصبيحه» بسبب الاعداد للحرب على إيران لما بقي في السلطة يوماً واحداً، ولكان الكيان الصهيوني منخرطاً الآن في المعركة الانتخابية، الأمر الذي يعني من زاوية موازين القوى أننا أمام حكومة اسرائيلية متداعية عاجزة تحتاج الى جرعة تطبيع عربي حتى تتقوى قليلاً.
ومن جهة الرئيس الأمريكي بوش فهو بدوره آفل مودع، ولا يملك صدقية يحملها الرئيس القادم بسبب مسلسل اخفاقاته كذلك، وبالطبع لا حاجة الى تعداد سوء حالة الادارة الأمريكية الراهنة داخليا ودوليا واقليميا عندنا، وللحق لم يعد لديها ما تراهن عليه «رهان الخاسر» غير الحرب على ايران، علماً ان ذريعتها لتلك الحرب قد اهتزت بعد الاتفاق الأخير بين ايران والوكالة الدولية للطاقة النووية، ولكن تظل ضربة الهارب، أو الآفل، خطرة ولا يمكن تجاهلها.
ومن هنا فإن الهدف الثاني للمؤتمر الدولي هو ان يكون بمثابة الرشوة للدول العربية من اجل الايهام كأن المؤتمر الدولي ووعوده الوهمية قد انتزع دعماً عربياً للعدوان الامريكي - الاسرائيلي على ايران.
أما الادعاء بأن تقديم التنازلات المسبقة والمجانية من شأنه ان يحرج حكومتي أمريكا والدولة العبرية أمام حكومات الدول الغربية الأخرى ويكسب تأييدها فقد تأكد أنه من الوهم كذلك والدليل يأتي من التجربة العملية والنتائج التي نجمت عن جبل التنازلات الفلسطينية والعربية التي قدمت حتى الآن، فلا الرأي العام «الحكومات الغربية» كسب بسببها، ولا أُحرجت حكومتا امريكا والكيان الصهيوني، بل زاد الجميع من ضغوطهم لاستدرار تنازلات فلسطينية وعربية جديدة، وما المؤتمر الدولي المذكور إلاَّ دليل آخر على ذلك.
أما المفزع والمؤلم في هذه اللحظات ان ما ظهر من تجاوب حتى الآن من الجانب العربي مع بقاء بعض التساؤلات، لحضور المؤتمر قوبل من جهة الحكومة الاسرائيلية بألوان من الاستهتار والهدايا المهينة المقابلة، مثلاً اعتبار قطاع غزة K «كيانا معاديا» واستمرار القصف والاغتيالات من دون ان تتراجع الاغتيالات والاعتقالات في الضفة الغربية والتوسع اكثر فأكثر في الاستيطان ومد الجدار ليبتلع المزيد من الأرض.
ولكن الهدية الأشد خطورة والتي يجب ان يعلن معها فوراً مقاطعة المؤتمر وعدم المشاركة فيه حتى لو جاء بالتمام والكمال كما طالب وزراء الخارجية العرب هي الإعلان عن افتتاح كنيس تحت المسجد الأقصى بينه وبين قبة الصخرة المشرفة.
هذه الهدية مع تمرير المؤتمر الدولي توصل الوضع العربي الى دركات من الانهيار والضعف والتخاذل لا تليق بأي حاكم من حكامه لانها تعني الاعتداء الصارخ على المسجد الأقصى الذي ادى حرق منبره الى قيام مؤتمر الدول الاسلامية يوم كانت هنالك دماء تغضب اذا مس المسجد الأقصى، فكيف حين يُبنى كنيس تحته، مما ينذر باشد العواقب الوخيمة. والأهم مما يدل على ان السياسات العربية في معالجة الصراع لم تستطع ان توقف حتى التمادي أو تحقق مراعاة المحافظة على ماء الوجه ان ما يحدث الآن تحت المسجد الأقصى وكيف تقابله السياسات العربية يرسم صورة مفزعة مؤلمة ولا نزيد.
بقلم: منير شفيق
استجابت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس للمطلب العربي بمشاركة سوريا ولبنان في المؤتمر الدولي الذي أصبح اسمه المؤتمر الدولي للشرق الأوسط، ولكن على ان يُحصر في الموضوع الفلسطيني المتعلق باقامة الدولة الفلسطينية من دون ان يُحظر على أي متكلم ان يتطرق الى القضية التي يريدها، مادامت لا تدخل في أجندة المؤتمر.
وبهذا تكون مشاركة سوريا شكلية ومشاركة لبنان تقديما لتنازل مجاني في مصافحة وزيرة الخارجية الاسرائيلية ليفني والتقاط الصور معها، وتكون المشاركتان تغطية لمشاركة عربية، لاسيما من جانب السعودية في تقديم تنازل تطبيعي مجاني مماثل، طبعاً اذا ما حصلت الموافقة على المشاركة في المؤتمر الدولي، وما ينبغي لها ان تحصل بعد ان تبينت الأهداف الأمريكية - الاسرائيلية الحقيقية من ورائه، وبعد ان تم التأكيد أن لا شيء ملموساً، كما طالب الوزراء العرب في مجلس الجامعة سيتحقق شرطاً للمشاركة.
فمقابل الملموس المطلوب عُرض بحث القضايا الجوهرية أي قضية اللاجئين والقدس والحدود، وما قيمة عرض، مجرد عرض، هذه القضايا ثم إحالتها الى التفاوض الثنائي المباشر الاسرائيلي - الفلسطيني، الأمر الذي يجعلها فقط وعوداً خلبا كأن المطلوب من أجل تقديم فعل التطبيع لدعم حكومة أولمرت «الوعد بالزواج» لاراحة الضمير والطمأنة الكاذبة.
حتى التغطية السابقة التي قدمت لقبول التنازلات العربية في ما مضى، وهي الاضطرار بسبب اختلال موازين القوى أو إحراج اسرائيل أمام الرأي العام العالمي «ويقصد الدول الغربية» لم يعودا واردين في الظروف الراهنة، فمن ناحية موازين القوى فإن أولمرت يقف على قدميه متداعياً تمسكه دعامات حتى لا يسقط ارضا بعد مسلسل فضائحه، وآخرها هزيمة جيشه أمام المقاومة في لبنان في حرب يوليو/اغسطس 2006.
ولولا الحاجة الى بقائه وتصبيره و«تصبيحه» بسبب الاعداد للحرب على إيران لما بقي في السلطة يوماً واحداً، ولكان الكيان الصهيوني منخرطاً الآن في المعركة الانتخابية، الأمر الذي يعني من زاوية موازين القوى أننا أمام حكومة اسرائيلية متداعية عاجزة تحتاج الى جرعة تطبيع عربي حتى تتقوى قليلاً.
ومن جهة الرئيس الأمريكي بوش فهو بدوره آفل مودع، ولا يملك صدقية يحملها الرئيس القادم بسبب مسلسل اخفاقاته كذلك، وبالطبع لا حاجة الى تعداد سوء حالة الادارة الأمريكية الراهنة داخليا ودوليا واقليميا عندنا، وللحق لم يعد لديها ما تراهن عليه «رهان الخاسر» غير الحرب على ايران، علماً ان ذريعتها لتلك الحرب قد اهتزت بعد الاتفاق الأخير بين ايران والوكالة الدولية للطاقة النووية، ولكن تظل ضربة الهارب، أو الآفل، خطرة ولا يمكن تجاهلها.
ومن هنا فإن الهدف الثاني للمؤتمر الدولي هو ان يكون بمثابة الرشوة للدول العربية من اجل الايهام كأن المؤتمر الدولي ووعوده الوهمية قد انتزع دعماً عربياً للعدوان الامريكي - الاسرائيلي على ايران.
أما الادعاء بأن تقديم التنازلات المسبقة والمجانية من شأنه ان يحرج حكومتي أمريكا والدولة العبرية أمام حكومات الدول الغربية الأخرى ويكسب تأييدها فقد تأكد أنه من الوهم كذلك والدليل يأتي من التجربة العملية والنتائج التي نجمت عن جبل التنازلات الفلسطينية والعربية التي قدمت حتى الآن، فلا الرأي العام «الحكومات الغربية» كسب بسببها، ولا أُحرجت حكومتا امريكا والكيان الصهيوني، بل زاد الجميع من ضغوطهم لاستدرار تنازلات فلسطينية وعربية جديدة، وما المؤتمر الدولي المذكور إلاَّ دليل آخر على ذلك.
أما المفزع والمؤلم في هذه اللحظات ان ما ظهر من تجاوب حتى الآن من الجانب العربي مع بقاء بعض التساؤلات، لحضور المؤتمر قوبل من جهة الحكومة الاسرائيلية بألوان من الاستهتار والهدايا المهينة المقابلة، مثلاً اعتبار قطاع غزة K «كيانا معاديا» واستمرار القصف والاغتيالات من دون ان تتراجع الاغتيالات والاعتقالات في الضفة الغربية والتوسع اكثر فأكثر في الاستيطان ومد الجدار ليبتلع المزيد من الأرض.
ولكن الهدية الأشد خطورة والتي يجب ان يعلن معها فوراً مقاطعة المؤتمر وعدم المشاركة فيه حتى لو جاء بالتمام والكمال كما طالب وزراء الخارجية العرب هي الإعلان عن افتتاح كنيس تحت المسجد الأقصى بينه وبين قبة الصخرة المشرفة.
هذه الهدية مع تمرير المؤتمر الدولي توصل الوضع العربي الى دركات من الانهيار والضعف والتخاذل لا تليق بأي حاكم من حكامه لانها تعني الاعتداء الصارخ على المسجد الأقصى الذي ادى حرق منبره الى قيام مؤتمر الدول الاسلامية يوم كانت هنالك دماء تغضب اذا مس المسجد الأقصى، فكيف حين يُبنى كنيس تحته، مما ينذر باشد العواقب الوخيمة. والأهم مما يدل على ان السياسات العربية في معالجة الصراع لم تستطع ان توقف حتى التمادي أو تحقق مراعاة المحافظة على ماء الوجه ان ما يحدث الآن تحت المسجد الأقصى وكيف تقابله السياسات العربية يرسم صورة مفزعة مؤلمة ولا نزيد.
تعليق