عباس يذهب بعيداً في خصومته مع شعبه والمحيط العربي
د. بشير موسي نافعالقراءة التي توصل إليها الرئيس محمود عباس والمجموعة الملتفة حوله عشية انهيار أجهزته الأمنية في قطاع غزة هي قراءة خاطئة، علي الأقل في جزء كبير منها. ولكن هذه القراءة تدفع بعباس إلي خانة التحالف الفعلي مع القيادة الإسرائيلية والإدارة الامريكية، وإدارة الظهر لثوابت المصالح الوطنية والارتباط الفلسطيني التقليدي بالقاهرة والرياض.
قد يستطيع عباس، بدعم امريكي كبير، الحفاظ علي موقفه هذا لبعض الوقت. ولكنه سيجد نفسه، آجلاً أو عاجلاً، مجبراً علي العودة إلي ثوابت وتقاليد السياسة الفلسطينية، أو دفع ثمن باهظ لخيارات غير حكيمة ومتسرعة وقصيرة النظر.
ما شهدته غزة في الأسبوع الثاني من حزيران (يونيو) لم يكن، علي الأرجح، نتاج قرار من قيادة حماس بالسيطرة علي قطاع غزة. ما حدث كان في بدايته عملية محدودة للتعامل مع بؤر الفساد والتوتر والفتنة في أجهزة الأمن، ومحاولة إجهاض مخطط كان يجري الإعداد له لتصفية حماس وقوي المقاومة الأخري في القطاع. ولكن هزيمة الأجهزة الأمنية تداعت إلي انهيار كامل في جسم السلطة بالقطاع. ولكن الرئيس الفلسطيني لم يرد رؤية الأمور علي حقيقتها، واعتقد، أو أراد أن يعتقد، أن أحداث غزة هي جزء من مخطط عربي ـ إقليمي لإطاحة السلطة وقيادتها، والتأثير علي ميزان القوي في الساحتين الفلسطينية والعربية. وقد بني عباس حساباته علي أساس أن حماس أوقعت نفسها في مأزق كبير، مما يوفر له فرصة للتخلص منها أو إضعافها في شكل ملموس، مدفوعاً بتحريض وتشجيع ودعم امريكي وإسرائيلي. ما رآه الرئيس أن لا مصر ولا الأردن ولا السعودية تقبل التعايش مع سيطرة حماس علي غزة، وأن الدولة العبرية لا ترفض الواقع الجديد وحسب، بل هي علي استعداد لمد يد العون لحصار قطاع غزة اقتصادياً ومعاشياً، وحتي توجيه سلسلة من الضربات العسكرية لقوات حماس وحلفائها. في النهاية، لن يكون هناك مفر أمام حماس سوي الاستسلام للرئيس ومجموعته، أو مواجهة غضبة جماهيرية عارمة في القطاع.
منطلقاً من هذه القراءة، قام عباس بانقلاب مكتمل الأركان علي الأسس الدستورية للسلطة التي يرأسها، وهو واثق بأن جهة لن تعارضه أو تشكك في شرعية قراراته. أطاح حكومة الوحدة الوطنية، وجاء ببدعة حكومة الطوارئ؛ قطع العلاقات كلية مع قيادة حماس، ورفض مجرد التعامل مع دعوات الحوار والوساطة، سواء تلك التي جاءت من أطراف عربية أو فلسطينية؛ أوقف موظفي السلطة في القطاع عن العمل، بما في ذلك الشرطة والنيابة والقضاء، وقطع رواتب جميع الموظفين الذين وافقوا علي الالتحاق بمراكز عملهم أو أولئك الذي عينوا في مواقعهم خلال العامين الماضيين؛ أصدر أوامره للأجهزة الأمنية والحرس الرئاسي في الضفة الغربية بتصفية كل وجود اجتماعي وتعليمي وخيري وسياسي لحماس، بما في ذلك اعتقال الكوادر النشطة للحركة؛ قام بالتخلي عن المجلس التشريعي وبدعوة المجلس المركزي لمنظمة التحرير، الذي عفا عليه الزمن، للانعقاد وتسويغ مراسيم الرئيس؛ تواطأ مع الجانب الإسرائيلي لإغلاق الحدود الفلسطينية ـ المصرية وتحويلها إلي حدود إسرائيلية ـ مصرية؛ وأخيراً، إصدار مرسوم يساوي بين المجموعات المقاومة والعصابات المسلحة ويقرر نزع سلاح الجميع.
حسابات عباس لم تكن صحيحة تماماً، علي الأقل فيما يتعلق بالمواقف العربية. بعد أسبوع من الارتباك في العواصم العربية الرئيسية، عاد الموقف العربي إلي التماسك والاتزان. البيان الصادر عن المجلس الوزاري للجامعة العربية لم يأت لصالح عباس والمجموعة الملتفة حوله؛ وفي ضوء خطورة الوثائق والأدلة التي وجدت في المقار الأمنية بغزة، فإن قرار المجلس تشكيل لجنة تحقيق في الأزمة الفلسطينية يشكل تهديداً محتملاً لمصداقية الرئيس عباس وقادة أجهزته الأمنية، وهذا ما دفع أعوان عباس إلي الرفض الصريح والسريع لقرار مجلس الجامعة الوزاري. القيادة المصرية ليست معروفة بمشاعرها الودية تجاه التيار الإسلامي، مصرياً كان أو غير مصري، وليس ثمة شك في حالة الذهول التي أصابت القاهرة جراء تطورات الوضع في غزة. ولكن الدولة المصرية تعتبر أنها صاحبة القرار الأول في الملف الفلسطيني، وتصبح الأمور أكثر حساسية وارتباطاً بالأمن القومي المصري عندما تتعلق بقطاع غزة. القاهرة، كما أغلب العواصم العربية الأخري، لا تنظر بسعادة وامتنان إلي سيطرة حماس علي قطاع غزة، ولكنها سرعان ما أدركت أن ما جري لم يكن نتاج مخطط مسبق، ولا مؤامرة إيرانية ـ سورية ، ولا هو في طريقه إلي إعلان القطاع أمارة إسلامية ، كما روج معسكر الرئيس. وسرعان ما تطور الموقف المصري نحو الدعوة إلي الحوار، وضرورة الحفاظ علي الوحدة السياسية للضفة والقطاع، ورفض التدخلات الخارجية في الشأن الفلسطيني الداخلي، وهو ما أكده الرئيس المصري في ختام لقاء شرم الشيخ، بحضور عباس وأولمرت وعبد الله الثاني. وبعد لقاء قمة مصرية ـ سعودية، تراجع الملك عبد الله عن لقاء الرئيس عباس، خشية أن يفسر اللقاء بأنه تأييد سعودي لموقف عباس ومراسيمه. ويتفق الموقفان المصري والسعودي مع مواقف معظم الدول العربية الأخري، بما في ذلك سورية والجزائر واليمن وقطر والكويت. بل إن حلفاء عباس العرب القليلين، لم يجدوا من الشجاعة ما يدفعهم إلي الإعلان عن تأييده.
علي المستوي العربي غير الرسمي، يجد موقف حماس تعاطفاً من البرلمان العربي، المؤتمر القومي، المؤتمر القومي ـ الإسلامي، ومؤتمر الأحزاب العربية. ما تطالب به حماس لا يخرج عن مجمل الاتفاقات التي وقعها عباس طوال العامين الماضيين: إعادة بناء الأجهزة الأمنية علي أساس وطني، وضع نهاية للفساد والشللية، وإحياء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل عملها. ما يقوم به عباس، من جهة أخري، يحمل تنكراً لشرعية الانتخابات والحكومة والمجلس التشريعي، ويؤسس فعلياً لفصل الضفة عن القطاع. الكلمة التي ألقاها الرئيس يوم الأربعاء 18 تموز (يوليو) تشير بوضوح إلي نهجه ونواياه. فبمعزل عن اللغة غير اللائقة التي استخدمها، والتي تشي بحالة من فقدان الاتزان النفسي والسياسي، أكد الرئيس علي القطيعة مع حماس، وعلي رفض الحوار الداخلي، وعلي عزمه إجراء انتخابات مبكرة. الأبرز، أن عباس أعلن عن إلغاء اتفاق القاهرة الذي كانت القوي الفلسطينية المختلفة توصلت إليه برعاية مصرية في 2005، بما في ذلك الاتفاق حول بناء منظمة التحرير وتفعيلها. في مجملها، تظهر مواقف الرئيس عباس تجاهلاً واضحاً ليس لحجم وقوة حماس وحسب، ولكن أيضاً للإرادة العربية ولرغبة المحيط العربي، حكومات وتنظيمات شعبية، في تجاوز أحداث غزة والعمل علي إعادة لم الشمل الفلسطيني.
في الوقت نفسه، يحافظ الرئيس علي جدول لقاءاته برئيس الوزراء الإسرائيلي؛ وبالرغم من أن هذه اللقاءات لم تحرز تقدماً ملموساً علي صعيد المطالب الفلسطينية الأساسية فقد عملت الحكومة الإسرائيلية علي القيام بإجراءات محدودة لدعم عباس معنوياً، بما في ذلك الإفراج عن جزء صغير من الأموال الفلسطينية المحتجزة لدي السلطات الإسرائيلية والإفراج عن عدد محدود من الأسري الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، سيما أولئك الذي قضوا معظم الأحكام التي أصدرت بحقهم ومن ينتمون لحركة فتح. ثم جاء إعلان الرئيس الامريكي بوش عن عزم واشنطن تنشيط عملية السلام بعقد مؤتمر دولي في الخريف القادم (وهو ليس دولياً تماماً، في الحقيقة). وكانت صحيفة فورورد ((Forward الامريكية اليهودية اليومية نشرت يوم الأربعاء 11 تموز (يوليو) تقريراً أشارت فيه إلي أن حكومة وإجراءات عباس وفياض تجد تأييداً ودعماً من منظمة اللوبي اليهودي الامريكي: إيباك. وذكرت الصحيفة أن إيباك أرسلت مذكرة لمكتبها في الكونغرس تشيد بحكومة عباس ـ فياض وقيامها بحل حكومة الوحدة الوطنية، إصدار الأوامر للحرس الرئاسي بمواجهة نفوذ حماس في الضفة الغربية، واعتبار الميليشيات الفلسطينية المسلحة خارجة علي القانون. ودعت المذكرة الحكومات العربية إلي عزل حماس مالياً ودبلوماسياً. في الوقت نفسه، وفي استجابة ربما لمذكرة إيباك، أعلن عضو مجلس النواب الامريكي عن مدينة نيويورك، ستيف إسرائيل، عزمه حث الكونغرس تأييد صرف الأموال التي أوصي بها المنسق العسكري الامريكي لدي السلطة الفلسطينية كيث دايتون لدعم الحرس الرئاسي، وأعرب إسرائيل عن ثقته بحكومة عباس ـ فياض.
موقف عباس الرافض للحوار وتطبيع الأوضاع في قطاع غزة لم يكن ممكناً بدون الدعم الامريكي والإسرائيلي، والمتوقع أن تشهد الأسابيع القليلة القادمة مزيداً من الخطوات المحدودة والرمزية المستهدفة تعزيز وضع عباس وفياض، بما في ذلك دعوة أي من الاثنين إلي واشنطن. وبالنظر إلي الخلاف الجوهري بين واشنطن من جهة والقاهرة والرياض من جهة أخري، تتعرض كل من مصر والسعودية لضغوط امريكية كبري لترك عباس وشأنه وعدم القيام بما يمكن أن يساعد حماس وأهالي قطاع غزة. ولكن سياسة عباس ستنتهي إلي الإخفاق، وذلك للأسباب التالية. أولاً، لم يكن عباس معروفاً في أوساط قيادة فتح بتوجهاته العربية، بل علي العكس عرف دائماً باستخفافه بالعرب وعدم اكتراثه بانتماء فلسطين العربي. ولكنه هذه المرة يذهب إلي أقصي ما يمكنه الذهاب إليه في افتراقه عن الإرادة العربية. قد يحميه الدعم والضغوط الامريكية لبعض الوقت، ولكن في حين أن جغرافية فلسطين وتاريخها لا يمكن تغييرهما، فإن الحماية الامريكية، كما هي دائماً، لن تستمر طويلاً. ثانياً، اعتقاد عباس ومجموعته أن بالإمكان تركيع قيادة حماس وفرض الاستسلام عليها هو اعتقاد مؤسس علي أوهام. صلابة قيادة حماس لا تقل بحال من الأحوال عن غياب العقل والاتزان لدي عباس؛ وإمكانية صمود القطاع أعلي بكثير من حسابات الرئيس ومن هم حوله، ليس فقط لأن الفلسطينيين يعرفون كيف يدبرون أمرهم، بل أيضاً لأن الفلسطينيين لم يعرفوا بخضوعهم للتجويع والحصار. ثالثاً، يظهر عباس استخفافاً كبيراً بقوة وعمق التوجهات الوطنية لدي قيادات فتح، وإمكانية أن تنتفض فتح في وجه محاولة الرئيس السيطرة علي قرار الحركة وجرها إلي طريق يقوض وحدة الشعب الفلسطيني ويؤسس لقطيعة مع العواصم العربية الرئيسية. رابعاً، ليس ثمة مؤشرات واقعية علي توجه امريكي ـ إسرائيلي جاد لإطلاق عملية السلام من جديد، ناهيك عن التوصل إلي حل نهائي ما. الإعلان الامريكي عن مؤتمر دولي لبحث مسألة السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي يقصد به هدفين محددين: 1. تقديم دعم معنوي لعباس؛ و2. تهدئة ميدان الصراع علي فلسطين ضمن سلسلة التحضيرات الضرورية لتوجيه ضربة امريكية لإيران، إن اتجه القرار الامريكي نحو هذا الخيار.
إن صحت تقديرات الرئيس السوري حول رياح ساخنة توشك أن تدهم المشرق العربي، فالذي يبدو أن الرئيس عباس اختار المعسكر الذي يقف فيه عن سابق تصميم وتصور، وأن أزمة غزة لم تكن سوي مناسبة لتبرير هذا الخيار. رجل الاتصالات المبكرة بين منظمة التحرير والإسرائيليين، رجل أوسلو، ومعارض عرفات الأبرز منذ اللحظة الأولي لاندلاع الانتفاضة الوطنية الثانية، يتجه نحو اختتام عمله الوطني كما أراده أن يكون..